{ زُيّنَ لِلنَّاسِ } كلام مستأنف سيق للتنفير عن الحظوظ النفسانية التي كثيراً ما يقع القتال بسببها إثر بيان حال الكفرة والتنصيص على عدم نفع أموالهم وأولادهم لهم وقد كانوا يتعززون بذلك ، والمراد من الناس الجنس { حُبُّ الشهوات } أي المشهيات وجعلها نفس الشهوات إشارة إلى ما ركز في الطباع من محبتها والحرص عليها حتى كأنهم يشتهون اشتهاءها كما قيل لمريض : ما تشتهي ؟ فقال : أشتهي أن أشتهي ، أو تنبيهاً على خستها لأن الشهوات خسيسة عند الحكماء/ والعقلاء ففي ذلك تنفير عنها وترغيب في ما عند الله تعالى ، والمزين هو الله تعالى كما أخرجه ابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ، وروي عن الحسن الشيطان والله زينها لهم لأنا لا نعلم أحداً أذم لها من خالقها ، وفي «الانتصاف » التزيين للشهوات يطلق ويراد به خلق حبها في القلوب وهو بهذا المعنى مضاف إليه تعالى حقيقة لأنه لا خالق إلا هو ، ويطلق ويراد به الحض على تعاطي الشهوات المحظورة فتزيينها بالمعنى الثاني مضاف إلى الشيطان تنزيلاً لوسوسته وتحسينه منزلة الأمر بها والحض على تعاطيها ، وكلام الحسن رحمه الله تعالى محمول على التزين بالمعنى الثاني لا بالمعنى الأول فإنه يتحاشى أن ينسب خلق الله تعالى إلى غيره والإسناد في كل حقيقة كما أشرنا إليه في ما تقدم ، ومن قال : الظاهر أنه من قبيل أقدمني بلدك حق لي عليك إذ لا إقدام هنا بل قدوم محض أثبت له مقدم للمبالغة ، والمراد أن الشهوات زينت في أعينهم لنقصانهم ولا زينة لها في الحقيقة من غير أن يكون هناك مزين إلا أنه أثبت مزين مبالغة في الزينة وتنزيلاً لسبب الزينة منزلة الفاعل فقد تعسف وتصلف ، ومن قال : المزين في الحقيقة هو الشيطان لأن التزيين صفة تقوم به . والقائل بأنه هو الله تعالى لأنه الخالق للأفعال والدواعي مخطئ في الدعوى وغير مصيب في الدليل فالمخطئ ابن أخت خالته ، وقرأ مجاهد زين بالبناء للفاعل ونصب { حُبَّ } .
{ مِنَ النساء والبنين } في محل النصب على الحال من الشهوات وهي مفسرة لها في المعنى ، وقيل : { مِنْ } لبيان الجنس وقدم النساء لعراقتهن في معنى الشهوة وهن حبائل الشيطان ، وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء " ويقال : فيهن فتنتان : قطع الرحم وجمع المال من الحلال والحرام ، وثنى بالبنين لأنهم من ثمرات النساء في الفتن ، وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : «الولد مبخلة مجبنة » ويقال فيهم فتنة واحدة وهي جمع المال ، ولم يتعرض لذكر البنات لعدم الاطراد في حبهن ، وقيل : إن البنين تشملهن على سبيل التغليب { والقناطير المقنطرة } جمع قنطار وهو المال الكثير كما أخرجه ابن جرير عن الضحاك .
وأخرج أحمد عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «القنطار إثنا عشر ألف أوقية » وأخرج الحاكم عن أنس قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : «القنطار ألف أوقية » وفي رواية ابن أبي حاتم عنه القنطار ألف دينار . وأخرج ابن جرير عن أبيّ بن كعب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «القنطار ألف أوقية ومائتا دينار » وعن معاذ ألف ومائتا أوقية ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما اثنا عشر ألف درهم وألف دينار ، وفي رواية أخرى عنه ألف ومائتا دينار ومن الفضة ألف ومائتا مثقال ، وعن أبي سعيد الخدري ملء جلد الثور ذهباً ، وعن مجاهد سبعون ألف دينار ، وعن ابن المسيب ثمانون ألفاً ، وعن أبي صالح مائة رطل ، وعن قتادة قال : كنا نحدث أن القنطار مائة رطل من الذهب أو ثمانون ألفاً من الورق ، وعن أبي جعفر خمسة عشر ألف مثقال والمثقال أربعة وعشرون قيراطاً ، وقيل : القنطار عند العرب وزن لا يحد ، وقيل : ما بين السماء والأرض من مال وغير ذلك ، ولعل الأولى كما قيل : ما روي عن الضحاك ويحمل التنصيص على المقدار المعين في هذه الأقوال على التمثيل لا التخصيص ، والكثرة تختلف بحسب الاعتبارات والإضافات ، واختلف في وزنه فقيل : فعلال ، وقيل : فعنلان فالنون على الأول أصلية وعلى الثاني زائدة ، ولفظ المقنطرة مأخوذ منه ، ومن عادة العرب أن يصفوا الشيء بما يشتق منه للمبالغة كظل ظليل وهو كثير/ في وزن فاعل ويرد في المفعول ك { حِجْراً مَّحْجُوراً } [ الفرقان : 22 ] و { نَسْياً مَّنسِيّاً } [ مريم : 23 ] وقيل : المقنطرة المضعفة ، وخصها بعضهم بتسعة قناطير ، وقيل : المقنطرة المحكمة المحصنة من قنطرت الشيء إذا عقدته وأحكمته ، وقيل : المضروبة دنانير أو دراهم ، وقيل : المنضدة التي بعضها فوق بعض ، وقيل : المدفونة المكنوزة .
{ مِنَ الذهب والفضة } بيان للقناطير وهو في موضع الحال منها ، والذهب مؤنث يقال : هي الذهب الحمراء ولذلك يصغر على ذهيبة ، وقال الفراء : وربما ذكر ، ويقال في جمعه : أذهاب وذهوب وذهبان ، وقيل : إنه جمع في المعنى لذهبة واشتقاقه من الذهاب ، والفضة تجمع على فضض واشتقاقه من انفض الشيء إذا تفرق { والخيل } عطف على ( النساء ) أو ( القناطير ) لا على ( الذهب والفضة ) لأنها لا تسمى قنطاراً وواحده خائل وهو مشتق من الخيلاء مثل طائر وطير ، وقال قوم : لا واحد له من لفظه بل هو اسم جمع واحده فرس ولفظه لفظ المصدر وجوز أن يكون مخففاً من خيل { المسومة } أي الراعية قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في إحدى الروايات عنه فهي من سوم ماشيته إذا أرسلها في المرعى ، أو المطهمة الحسان قاله مجاهد فهي من السيما بمعنى الحسن أو المعلمة ذات الغرة والتحجيل قاله عكرمة . فهي من السمة أو السومة بمعنى العلامة { والأنعام } أي الإبل والبقر والغنم وسميت بذلك لنعومة مشيها ولينه ، والنعم مختصة بالإبل { والحرث } مصدر بمعنى المفعول أي المزروع سواء كان حبوباً أم بقلاً أم ثمراً { ذلك } أي ما زين لهم من المذكور ولهذا ذكر وأفرد اسم الإشارة ويصح أن يكون ذلك لتذكير الخبر وإفراده وهو { مَّتَاعَ الحياة الدنيا } أي ما يتمتع به أياماً قلائل ثم يزول عن صاحبه { والله عِندَهُ حُسْنُ } أي المرجع الحسن فالمآب مفعل من آب يؤب أي رجع وأصله مأوب فنقلت حركة الواو إلى الهمزة الساكنة قبلها ثم قلبت ألفاً وهو اسم مصدر ويقع اسم مكان وزمان والمصدر أوب وإياب .
أخرج ابن جرير عن السدي أنه قال : ( حسن المآب ) حسن المنقلب وهي الجنة ، وفي تكرير الإسناد إلى الاسم الجليل زيادة تأكيد وتفخيم ومزيد اعتناء بالترغيب في ما عند الله تعالى من النعيم المقيم والتزهيد في ملاذ الدنيا السريعة الزوال ، ومن غريب ما استنبط من الآية كما قال أبو حيان ، وجوب الزكاة في الخيل السائمة لذكرها مع ما تجب فيه الصدقة أو النفقة ، والثاني : النساء والبنون ولا يخفى ما فيه .
هذا ( من باب الإشارة ) :{ زُيّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشهوات } بسبب ما فيهم من العالم السفلي والغشاوة الطبيعية والغواشي البدنية { مّنَ النساء } وهي النفوس { والبنين } وهي الخيالات المتولدة منها الناشئة عنها { والقناطير المقنطرة مِنَ الذهب والفضة } وهي العلوم المتداولة وغير المتداولة ، أو الأصول والفروع { والخيل المسومة } وهي مراكب الهوى وأفراس اللهو { والأنعام } وهي رواحل جمع الحطام وأسباب جلب المنافع الدنيوية { والحرث } وهو زرع الحرص وطول الأمل { ذلك متاع الحياة الدنيا } [ آل عمران : 14 ] الزائل عما قليل بالرجوع إلى المبدأ الأصلي والموطن القديم . ولك أن تبقي هذه المذكورات على ظواهرها فإن النفوس المنغمسة في أوحال الطبيعة لها ميل كلي إلى ذلك أيضاً
{ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ * قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ }
يخبر تعالى أنه زين للناس حب الشهوات الدنيوية ، وخص هذه الأمور المذكورة لأنها أعظم شهوات الدنيا وغيرها تبع لها ، قال تعالى { إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها } فلما زينت لهم هذه المذكورات بما فيها من الدواعي المثيرات ، تعلقت بها نفوسهم ومالت إليها قلوبهم ، وانقسموا بحسب الواقع إلى قسمين : قسم : جعلوها هي المقصود ، فصارت أفكارهم وخواطرهم وأعمالهم الظاهرة والباطنة لها ، فشغلتهم عما خلقوا لأجله ، وصحبوها صحبة البهائم السائمة ، يتمتعون بلذاتها ويتناولون شهواتها ، ولا يبالون على أي : وجه حصلوها ، ولا فيما أنفقوها وصرفوها ، فهؤلاء كانت زادا لهم إلى دار الشقاء والعناء والعذاب ، والقسم الثاني : عرفوا المقصود منها وأن الله جعلها ابتلاء وامتحانا لعباده ، ليعلم من يقدم طاعته ومرضاته على لذاته وشهواته ، فجعلوها وسيلة لهم وطريقا يتزودن منها لآخرتهم ويتمتعون بما يتمتعون به على وجه الاستعانة به على مرضاته ، قد صحبوها بأبدانهم وفارقوها بقلوبهم ، وعلموا أنها كما قال الله فيها { ذلك متاع الحياة الدنيا } فجعلوها معبرا إلى الدار الآخرة ومتجرا يرجون بها الفوائد الفاخرة ، فهؤلاء صارت لهم زادا إلى ربهم . وفي هذه الآية تسلية للفقراء الذين لا قدرة لهم على هذه الشهوات التي يقدر عليها الأغنياء ، وتحذير للمغترين بها وتزهيد لأهل العقول النيرة بها ، وتمام ذلك أن الله تعالى أخبر بعدها عن دار القرار ومصير المتقين الأبرار ، وأخبر أنها خير من ذلكم المذكور ، ألا وهي الجنات العاليات ذات المنازل الأنيقة والغرف العالية ، والأشجار المتنوعة المثمرة بأنواع الثمار ، والأنهار الجارية على حسب مرادهم والأزواج المطهرة من كل قذر ودنس وعيب ظاهر وباطن ، مع الخلود الدائم الذي به تمام النعيم ، مع الرضوان من الله الذي هو أكبر نعيم ، فقس هذه الدار الجليلة بتلك الدار الحقيرة ، ثم اختر لنفسك أحسنهما واعرض على قلبك المفاضلة بينهما { والله بصير بالعباد } أي : عالم بما فيهم من الأوصاف الحسنة والأوصاف القبيحة ، وما هو اللائق بأحوالهم ، يوفق من شاء منهم ويخذل من شاء . فالجنة التي ذكر الله وصفها ونعتها بأكمل نعت وصف أيضا المستحقين لها وهم الذين اتقوه بفعل ما أمر به وترك ما نهى عنه .
قوله تعالى : { زين للناس حب الشهوات } . جمع شهوة وهي ما تدعو النفس إليه .
قوله تعالى : { من النساء } بدأ بهن لأنهن حبائل الشيطان .
قوله تعالى : { والبنين والقناطير } جمع قنطار واختلفوا فيه ، فقال الربيع بن انس : القنطار المال الكثير بعضه على بعض ، وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه : القنطار ألف ومائتا أوقية ، لكل أوقية أربعون درهما ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما والضحاك : ألف ومائتا مثقال ، وعنهما رواية أخرى اثنا عشر ألف درهم وألف دينار دية أحدكم ، وعن الحسن قال : القنطار دية أحدكم ، وقال سعيد بن جبير وعكرمة : هو مائة ألف ، ومائة من ، ومائة رطل ، ومائة مثقال ، ومائة درهم . ولقد جاء الإسلام يوم جاء وبمكة مائة رجل قد قنطروا ، وقال سعيد بن المسيب وقتادة : ثمانون ألفاً ، وقال مجاهد : سبعون ألفاً ، وعن السدي قال : أربعة آلاف مثقال ، وقال الحكم : القنطار مابين السماء والأرض من مال . وقال أبو نصرة ملء مسك ثور ذهباً أو فضة ؛ وسمي قنطاراً من الإحكام ، يقال : قنطرت الشيء إذا أحكمته ، ومنه سميت القنطرة .
قوله تعالى : { المقنطرة } . قال الضحاك : المحصنة المحكمة ، وقال قتادة : هي الكثيرة المنضدة بعضها فوق بعض . وقال يمان : هي المدفونة ، وقال السدي : هي المضروبة المنقوشة حتى صارت دراهم ودنانير . وقال الفراء :المضعفة ، فالقناطير ثلاثة ، والمقنطرة تسعة .
قوله تعالى : { من الذهب والفضة } . وقيل سمي الذهب ذهباً لأنه يذهب ولا يبقى ، والفضة لأنها تنفض أي تتفرق .
قوله تعالى : { والخيل المسومة } . الخيل جمع لا واحد له من لفظه ، واحدها فرس كالقوم والنساء ونحوهما . والمسومة ، قال مجاهد : هي المطهمة الحسان . وقال عكرمة : تسويمها حسنها . وقال سعيد بن جبير : هي الراعية ، يقال : أسام الخيل وسومها ، وقال الحسن وأبو عبيده : هي المعلمة من السيماء ، والسمة العلامة . ثم منهم من قال : سيماها الشبة واللون ، وهو قول قتادة ، وقيل : الكي .
قوله تعالى : { والأنعام } . جمع النعم ، وهي الإبل والبقر والغنم جمع لا واحد له من لفظه .
قوله تعالى : { والحرث } يعني الزرع .
قوله تعالى : { ذلك } . الذي ذكرت .
قوله تعالى : { متاع الحياة الدنيا } . يشير إلى أنها متاع يفنى .
قوله تعالى : { والله عنده حسن المآب } . أي المرجع ، فيه إشارة إلى التزهيد في الدنيا وترغيب في الآخرة .