سورة التوبة مدنية وآياتها تسع وعشرون ومائة .
قال مقاتل : هذه السورة مدنية إلا آيتين من آخر السورة . قال سعيد بن جبير : قلت لابن عباس : سورة التوبة ؟ قال : هي الفاضحة ؟ مازالت تنزل : ومنهم ، ومنهم حتى ظنوا أنها لم تبق أحدا منهم إلا ذكر فيها ، قال : قلت سورة الأنفال ؟ قال : تلك سورة بدر ، قال : قلت : سورة الحشر ؟ قال : قل سورة بنى النضير .
أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي ، أنا أبو إسحاق أحمد بن محمد إبراهيم الثعلبي ، أنبأنا أبو الحسن علي بن محمد بن الحسين الجرجاني ، أنبأنا أبو أحمد عبد الله بن عدي الحافظ ، أنبأنا أحمد بن علي بن المثنى ، ثنا عبيد الله القواريري ، ثنا يزيد بن زريع ، ثنا عوف بن أبي جميلة الأعرابي ، حدثني يزيد الفارسي ، حدثني ابن عباس رضي الله عنهما قال : قلت لعثمان بن عفان رضى الله عنه : ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهى من المثاني وإلى براءة ، وهى من المئين ، فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما بسم الله الرحمن الرحيم ووضعتموها في السبع الطوال ؟ فقال عثمان : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مما يأتي عليه الزمان ، وهو ينزل عليه السور ذوات العدد ، فإذا نزل عليه الشيء يدعو بعض من يكتب عنده ، فيقول : ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا ، وكانت الأنفال مما نزلت بالمدينة ، وكانت براءة من آخر ما نزل ، وكانت قصتها شبيهة بقصتها ، وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبين لنا أنها منها ، فمن ثم قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم ، ووضعتها في السبع الطوال .
قوله تعالى : { براءة من الله ورسوله } ، أي : هذه براءة من الله . وهي مصدر كالنشاءة والدناءة . قال المفسرون : لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك ، كان المنافقون يرجفون الأراجيف وجعل المشركون ينقضون عهودا كانت بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأمر الله عز وجل بنقض عهودهم ، وذلك قوله عز وجل : { وإما تخافن من قوم خيانة } الآية ( الأنفال-58 ) . قال الزجاج : { براءة } أي : قد برئ الله تعالى ورسوله من إعطائهم العهود ، والوفاء لهم بها إذا نكثوا .
قوله تعالى : { إلى الذين عاهدتم من المشركين } . الخطاب مع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي عاهدهم وعاقدهم ، لأنه عاهدهم وأصحابه راضون بذلك ، فكأنهم عاقدوا وعاهدوا .
هذه السورة مدنية وهي عظيمة في معانيها ومضامينها ومشاهدها وقصصها ؛ ففيها فيض من الأحكام والدروس والمواقف والأخبار نعرض لها في هذا البيان الإجمالي المقتضب .
فالسورة تتضمن السبب في كونها غير مبدوءة بالبسملة . ولها عدة أسماء هي : براءة ، والتوبة ، والمقشقشة ، والمبعثرة ، والمشردة ، والمخزية ، والفاضحة ، والمثيرة ، والحافرة ، والمنكلة ، والمدمدمة ، وسورة العذاب . فهي تقشقش{[1]} من النفاق ؛ أي تبرئ منه ، وتبعثر عن أسرار المنافقين تبحث عنها وتثيرها ، وتحفر عنها ، وتفضحهم وتنكلهم ، وتشرد بهم ، وتخزيهم ، وتدمدم عليهم{[2]} . وعن حذيفة ( رضي الله عنه ) قال : إنكم تسمونها سورة التوبة وإنما هي سورة العذاب . والله ما تركت أحدا إلا نالت منه{[3]} .
وفي السورة تبرؤ من الله ورسوله من العهد الذي كان بين المسلمين والمشركين على نحو ما نبينه تفضيلا في موضعه إن شاء الله .
وفي السورة ذكر للأشهر الحرام ، وبيان لمعناها وحكم القتال فيها .
وفي السورة تنديد بالغ بالاستيثاق بالمشركين ؛ فإنهم ماكرون خادعون لا يرقبون في المؤمنين إلا ولا ذمة .
وفي السورة تحريض على قتال المشركين الظالمين إذا ما نكثوا العهود مع المسلمين فباءوا بالغدر والخيانة .
وفي السورة تحذير شديد من الافتتان بأولي القربى من الآباء والأبناء والإخوة وكذا الزوجات والعشيرة والأموال والتجارة والمساكن .
وتندد السورة بإشراك أهل الكتاب الذين اتخذوا عزيزا والمسيح والأحبار والرهبان أربابا من دون الله .
وتتضمن السورة كذلك تحذيرا رعيبا من فظاعة الكنز للمال إذا لم تؤد زكاته ؛ فهو سحت يحمي عليه في نار جهنم لتكوى به جلود الذين يمنعون الزكاة من الكانزين .
وأما الله في السورة بقتال المشركين كافة مثلما يقاتلون المسلمين كافة . وفيها ذكر كريم ومؤثر لقصة الهجرة ؛ إذ أوى النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبو بكر الصديق إلى الغار فكانت المعجزة الظاهرة والخبر المثير .
ويتناول السورة بيانا مجملا للصدقات ، والذين يستحقونها وهم الأصناف الثمانية .
وتتناول أيضا الكشف عن المنافين بما يفضحهم فضها ويعريهم للسامعين والناظرين تعرية تميط اللثام عن خبثهم وفساد قلوبهم ومقاصدهم .
وفي السورة في مقابلة ذلك –إطراء للمؤمنين والمؤمنات ؛ لأن بعضهم أولاء بعض في فعل الطاعات والنعي عن المعاصي والمنكرات .
وفي السورة إخبار عن مسجد الضرر الذي يتدسس من خلاله المنافقون ليفتنوا المريب تحذيرا . ومن أبرز ما حوته السورة ذكر الثلاثة الذين خلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصابهم من اجل ذلك ندم وضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم ؛ لفرط ما غشيهم من الأسف على ما فرطوا في حق الرسول صلى الله عليه وسلم ، ثم تاب الله عليهم .
إلى غير ذلك من المسائل والأحكام والأخبار التي نبينها تفضيلا في موضعها بمشيئة الله .
قوه تعالى : { براءة من الله ورسوله إلى الذين عهدتم من المشركين 1 فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين } .
هذه السورة العظيمة من أواخر ما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فقد روي البخاري عن البراءة قال : أخر آية نزلت { يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة } وآخر سورة نزلت براءة . وإنما لم يبسمل في أولها ؛ لأن الصحابة لم يكتبوا البسملة في أولها في المصحف الإمام بل اقتدوا في ذلك بأمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه . وقد روي الترمذي بإسناده عن ابن عباس قال : قلت لعثمان بن عفان : ما حملكم أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني ، وإلى براءة وهي من المئين وقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر { بسم الله الرحمان الرحيم } ووضعتموها في السبع الطوال . ما حملكم على ذلك ؟ فقال عثمان : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مما يأتي عليه الزمان وهو ينزل عليه السور ذوات العدد ، فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض من كان يكتب فيقول : ( ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا ) وكانت الأنفال من أول ما نزل بالمدية وكانت براءة من آخر ما نزل من القرآن وكان قصتها شبيهة بقصتها وخشيت أنها منها ، وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبين لنا أنها منها ؛ فمن أجل ذلك قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر { بسم الله الرحمان الرحيم } ووضعتها في السبع الطوال{[1708]} .
قوله : { براءة من الله ورسوله } { براءة } ، مرفوع خبر لمبتدأ محذوف . وتقديره : هذه براءة . وقيل : براءة مرفوع على أنه مبتدأ وخبره قوله : { إلى الذين عهدتم } {[1709]} والبراءة تعني انقطاع العصمة . يقال : برئت من فلان أبرأ براءة ؛ أي انقطعت بيننا العصمة .
وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى غزوة تبوك وتخلف المنافقون وأرجفوا بالأراجيف ، جعل المشركون ينقضون العهد ، فنبذ رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم العهد .
وإذا قل : كيف يجوز للنبي أن ينقض العهد ؟ فإنه يجاب عن ذلك بأنه يجوز له نقض العهد مع المشركين على ثلاثة أوجه :
الوجه الأول : أن تظهر منهم الخيانة فيخشى معها غدرهم وضررهم فينبذ لهم العهد حتى يستوي المؤمنون والكافرون مع معرفة نقض العهد . وهو ما بيناه سابقا في النبذ على سواء عند الخوف من خيانة العدو .
الوجه الثاني : أن يكون الإمام قد شرط لهم أو لبعضهم أن يقرهم على العهد فيما ذكر من المدة إلى أمر الله تعالى بقطعه فلما أمر بقطعه قطعه لأجل الشرط .
الوجه الثالث : أن يكون مؤجلا إلى مدة معلومة ، فإذا قضي الأجل انقضى العهد . وفيما وراء هذه الأحوال الثلاثة لا يجوز نقض العهد{[1710]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.