نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي  
{إِذۡ جَآءُوكُم مِّن فَوۡقِكُمۡ وَمِنۡ أَسۡفَلَ مِنكُمۡ وَإِذۡ زَاغَتِ ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَبَلَغَتِ ٱلۡقُلُوبُ ٱلۡحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَا۠} (10)

ثم ذكرهم الشدة التي حصلت بتمالئهم فقال مبدلاً من { إذ } الأولى : { إذ جاؤوكم } أي الجنود المذكورون بادئاً بالأقرب إليهم ، لأن الأقرب أبصر بالعورة وأخبر بالمضرة .

ولما كان من المعلوم أنهم لم يطبقوا ما علا وما سفل ، أدخل أداة التبعيض فقال : { من فوقكم } يعني بني قريظة وأسد وغطفان من ناحية مصب السيول من المشرق ، وأضاف الفوق إلى ضميرهم لأن العيال كانوا في الآكام{[55151]} ، وهي بين بني{[55152]} قريظة وبين من في الخندق ، فصاروا فوق العيال والرجال .

ولما كان المراد الفوقية{[55153]} من جهة علو الأرض ، أوضحها بقوله : { ومن أسفل منكم } دون أن يقول : أسفلكم ، وأفاد ذلك أيضاً أن من في أسفل إنما أحاطوا ببعض جهة الرجال فقط{[55154]} ، ولم يقل " و{[55155]} من تحتكم " لئلا يظن أنه فوق الرؤوس وتحت الأرجل ، ولم يقل في الأول " من أعلى منكم " لئلا يكون فيه وصف للكفرة بالعلو ، وأسفل الأرض{[55156]} المدينة من ناحية المغرب يعني قريشاً ، ومن لافّها من كنانة فإن طريقهم من تلك الجهة .

ولما ذكرهم بالمجيء الذي هو سبب الخوف ، ذكرهم بالخوف بذكر{[55157]} ظرفه{[55158]} أيضاً مفخماً لأمره بالعطف فقال : { وإذ } أي واذكروا حين ، وأنث الفعل وما عطف عليه لأن{[55159]} التذكير الذي يدور معناه على القوة والعلو والصلابة ينافي الزيغ{[55160]} فقال{[55161]} : { زاغت الأبصار } أي مالت عن سداد القصد{[55162]} فعل الواله الجزع بما حصل من الغفلة الناشئة عن الدهشة الحاصلة من الرعب ، وقطع ذلك عن الإضافة إلى كاف الخطاب إبقاء عليهم وتعليماً للأدب في المخاطبة ، وكذا { وبلغت القلوب } كناية عن شدة الرعب والخفقان ، ويجوز - وهو الأقرب - أن يكون ذلك حقيقة بجذب الطحال والرئة لها عند ذلك بانتفاخهما إلى أعلى الصدر ، ومنه قولهم للجبان : انتفخ منخره أي رئته { الحناجر } جمع حنجرة ، وهي منتهى الحلقوم ، ومن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد وأبو داود{[55163]} عن أبي هريرة رضي الله عنه " شر ما في الإنسان جبن خالع " أي يخلع القلب من مكانه ، وجمع الكثرة إشارة إلى أن ذلك عمهم أو كاد .

ولما كانت هذه حالة عرضت ، ثم كان من أمرها أنها إما زالت وثبتت إلى انقضاء الأمر ، عبر عنها بالماضي لذلك وتحقيقاً لها ولما نشأ عنها تقلب القلوب وتجدد ذهاب الأفكار كل مذهب ، عبر بالمضارع الدال على دوام التجدد فقال : { وتظنون بالله } الذي له صفات الكمال فلا يلم نقص ما بساحة عظمته ، ولا يدنو شيء من شين إلى جناب عزته { الظنونا * } أي أنواع الظن إما بالنسبة إلى الأشخاص فواضح ، وذلك بحسب قوة الإيمان وضعفه ، وأما بالنسبة إلى{[55164]} الشخص الواحد فحسب تغير الأحوال ، فتارة يظن الهلاك للضعف ، وتارة النجاة لأن الله قادر على ذلك ، و{[55165]}يظن المنافقون ومن قاربهم{[55166]} من ضعفاء القلوب ما حكى الله{[55167]} عنهم ؛ قال

الرازي في اللوامع : و{[55168]} يروى أن المسلمين قالوا : بلغت القلوب{[55169]} الحناجر ، فهل من شيء نقول ؟ فقال عليه الصلاة والسلام :

" اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا " وزيادة الألف في قراءة من أثبتها في الحالين وهم المدنيان وابن عامر وشعبة{[55170]} إشارة إلى اتساع هذه الأفكار ، وتشعب تلك الخواطر ، وعند من أثبتها في الوقت دون الوصل وهم ابن كثير والكسائي وحفص{[55171]} إشارة إلى اختلاف الحال تارة بالقوة وتارة بالضعف .


[55151]:من ظ وم ومد، وفي الأصل: الإلمام.
[55152]:في الأصل بياض، ملأناه من ظ وم ومد.
[55153]:من ظ وم ومد، وفي الأصل: الفوقة.
[55154]:زيد من ظ وم ومد.
[55155]:زيد من ظ وم ومد.
[55156]:في ظ ومد: أرض.
[55157]:زيد من ظ وم ومد.
[55158]:من ظ وم ومد، وفي الأصل: طرقه.
[55159]:في م: بأن.
[55160]:من ظ وم ومد، وفي الأصل: الغيظ.
[55161]:سقط من م.
[55162]:زيدت الواو في الأصل، ولم تكن الزيادة في ظ وم ومد فحذفناها.
[55163]:راجع مسند الإمام أحمد 2/302 وسنن أبي داود ـ أبواب الجهاد.
[55164]:زيد من م.
[55165]:من ظ وم ومد، وفي الأصل: لظن المنافقون ومن قال بهم.
[55166]:من ظ وم ومد، وفي الأصل: لظن المنافقون ومن قال بهم.
[55167]:زيد من ظ وم ومد.
[55168]:زيد من ظ وم ومد.
[55169]:زيد من ظ وم ومد.
[55170]:راجع نثر المرجان 2/381 و382.
[55171]:من م ومد، وفي الأصل وظ: جعفر.