أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلۡبَنِينَ وَٱلۡقَنَٰطِيرِ ٱلۡمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلۡفِضَّةِ وَٱلۡخَيۡلِ ٱلۡمُسَوَّمَةِ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ وَٱلۡحَرۡثِۗ ذَٰلِكَ مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسۡنُ ٱلۡمَـَٔابِ} (14)

شرح الكلمات :

{ زيّن للناس حب الشهوات } : جعل حبها مستحسناً في نفوسهم لا يرون فيه قبحا ولا دمامة .

{ الشهوات } : جمع شهوة بمعنى المشتهى طبعاً وغريزة كالطعام والشراب اللذيذين .

{ القناطير المقنطرة } : القنطار ألف ومائة أوقية فضة والمقنطرة الكثيرة بعضها فوق بعض .

{ الخيل المسومة } : ذات السمات الحسان والمعدة للركوب عليها للغزو والجهاد .

{ الأنعام } : الإبل والبقرة والغنم وهى الماشية .

{ الحرث } : أي ذلك المذكور من النساء والبنين الخ متاع الحياة الدنيا يريد يستمتع به فيها ويموت صاحبها ويتركها .

المعنى :

لما ذكر تعالى من كفر من النصارى ، واليهود ، والمشركين ، وجحودهم ، وكفرهم ، ذكر علة الكفر وبيّن سببه ألا وهو ما زينه تعالى لبني البشر عامة ليفتنهم فيه ويمتحنهم به وهو حب الشهوات أى المشتهيات بالطبع البشرى من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث وهو كلما يحرث من سائر الحبوب والنباتات الغذائية والعطرية وغيرها . هذا الذي جعل تلك الجماعات ترفض الحق وتدفعه لأنه يحول بينهم وبين هذه المشتهيات غالباً فلا يحصلون عليها ، ولم يعلموا أنها مجرد متاع زائل فلا يبيعوا بها الجنة دار الخلد والسلام ولذا قال تعالى ذلك أي ما ذكر من أصناف المحبوبات متاع الحياة الدنيا لا غير أما الآخرة فلا ينفع فيها شيء من ذلك بل لا ينفع فيها إلا الزهد فيه والإِعراض عنه إلا ما لا بد منه لِلْبُلْغَةِ بهِ إلى عمل الدار الآخرة وهو الإِيمان وصالح الأعمال ، والتخلي عن الكفر والشرك وسائر الذنوب والمعاصي .

وختم تعالى الآية بقوله مرغبا في العمل للدار الآخرة داعيا عباده الى الزهد في المتاع الفاني لتتعلق قلوبهم بالنعيم الباقي فقال : { والله عنده حسن المآب } ، أي المرجع الحسن ، والنزل الكريم والجوار الطيب السعيد .

الهداية :

- يزين الله تعالى بمعنى يجعل الشيء زَيْناً محبوباً للناس للابتلاء والاختبار قال تعالى : { إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملاً } ويزين الشيطان للإضلال والإغواء ، فالله يزين الزين ويقبح القبيح ، والشيطان يزين القبيح ، ويقبح الزين . فانظر الفرق وتأمل .

- المزينات في هذه الآية من تزيين الله تعالى للابتلاء ، وكلها زينة في الواقع وليس فيها قبيح إلا إذا طلبت من غير حلِّها وأخذت بِشَره ونهم فأفسدت أخلاق آخذها أو طغت عليه محبتها فأنسته لقاء الله وما عنده فهلك بها كاليهود والنصارى والمشركين .

- كل ما في الدنيا مجرد متاع والمتاع دائما قليل وزائل فعلى العاقل أن ينظر إليه كما هو فلا يطلبه بما يَحْرِمُه حسن المآب عند الله . اللهم لا تحرمنا حسن مآبك يا الله يا رحمن يا رحيم .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلۡبَنِينَ وَٱلۡقَنَٰطِيرِ ٱلۡمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلۡفِضَّةِ وَٱلۡخَيۡلِ ٱلۡمُسَوَّمَةِ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ وَٱلۡحَرۡثِۗ ذَٰلِكَ مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسۡنُ ٱلۡمَـَٔابِ} (14)

{ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ * قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ }

يخبر تعالى أنه زين للناس حب الشهوات الدنيوية ، وخص هذه الأمور المذكورة لأنها أعظم شهوات الدنيا وغيرها تبع لها ، قال تعالى { إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها } فلما زينت لهم هذه المذكورات بما فيها من الدواعي المثيرات ، تعلقت بها نفوسهم ومالت إليها قلوبهم ، وانقسموا بحسب الواقع إلى قسمين : قسم : جعلوها هي المقصود ، فصارت أفكارهم وخواطرهم وأعمالهم الظاهرة والباطنة لها ، فشغلتهم عما خلقوا لأجله ، وصحبوها صحبة البهائم السائمة ، يتمتعون بلذاتها ويتناولون شهواتها ، ولا يبالون على أي : وجه حصلوها ، ولا فيما أنفقوها وصرفوها ، فهؤلاء كانت زادا لهم إلى دار الشقاء والعناء والعذاب ، والقسم الثاني : عرفوا المقصود منها وأن الله جعلها ابتلاء وامتحانا لعباده ، ليعلم من يقدم طاعته ومرضاته على لذاته وشهواته ، فجعلوها وسيلة لهم وطريقا يتزودن منها لآخرتهم ويتمتعون بما يتمتعون به على وجه الاستعانة به على مرضاته ، قد صحبوها بأبدانهم وفارقوها بقلوبهم ، وعلموا أنها كما قال الله فيها { ذلك متاع الحياة الدنيا } فجعلوها معبرا إلى الدار الآخرة ومتجرا يرجون بها الفوائد الفاخرة ، فهؤلاء صارت لهم زادا إلى ربهم . وفي هذه الآية تسلية للفقراء الذين لا قدرة لهم على هذه الشهوات التي يقدر عليها الأغنياء ، وتحذير للمغترين بها وتزهيد لأهل العقول النيرة بها ، وتمام ذلك أن الله تعالى أخبر بعدها عن دار القرار ومصير المتقين الأبرار ، وأخبر أنها خير من ذلكم المذكور ، ألا وهي الجنات العاليات ذات المنازل الأنيقة والغرف العالية ، والأشجار المتنوعة المثمرة بأنواع الثمار ، والأنهار الجارية على حسب مرادهم والأزواج المطهرة من كل قذر ودنس وعيب ظاهر وباطن ، مع الخلود الدائم الذي به تمام النعيم ، مع الرضوان من الله الذي هو أكبر نعيم ، فقس هذه الدار الجليلة بتلك الدار الحقيرة ، ثم اختر لنفسك أحسنهما واعرض على قلبك المفاضلة بينهما { والله بصير بالعباد } أي : عالم بما فيهم من الأوصاف الحسنة والأوصاف القبيحة ، وما هو اللائق بأحوالهم ، يوفق من شاء منهم ويخذل من شاء . فالجنة التي ذكر الله وصفها ونعتها بأكمل نعت وصف أيضا المستحقين لها وهم الذين اتقوه بفعل ما أمر به وترك ما نهى عنه .