التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةٗ وَسَطٗا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيۡكُمۡ شَهِيدٗاۗ وَمَا جَعَلۡنَا ٱلۡقِبۡلَةَ ٱلَّتِي كُنتَ عَلَيۡهَآ إِلَّا لِنَعۡلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِۚ وَإِن كَانَتۡ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَٰنَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ} (143)

{ وكذلك } بعد ما هديناكم .

{ جعلناكم أمة وسطا } أي : خيارا .

{ شهداء على الناس } أي : تشهدون يوم القيامة بإبلاغ الرسل إلى قومهم . { عليكم شهيدا } أي : بأعمالكم ، قال عليه الصلاة والسلام : أقول كما قال أخي عيسى :{ وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم }[ المائدة :117 ] الآية .

فإن قيل : لم قدم المجرور في قوله :{ عليكم شهيدا } وآخره في قوله :{ شهداء على الناس } ؟ فالجواب : أن تقديم المعمولات يفيد الحصر ، فقدم المجرور في قوله :{ عليكم شهيدا } ؛ لاختصاص شهادة النبي صلى الله عليه وسلم بأمته ولم يقدمه في قوله :{ شهداء على الناس } لأنه لم يقصد الحصر .

{ القبلة التي كنت عليها } فيها قولان :

أحدهما : أنها الكعبة ، وهو قول ابن عباس .

والآخر : هو بيت المقدس ، وهو قول قتادة وعطاء والسدي ، وهذا مع ظاهر قوله :{ كنت عليها } لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي إلى بيت المقدس ، ثم انصرف عنه إلى الكعبة ، وأما قول ابن عباس : فتأويله بوجهين : الأول : أن كنت بمعنى أنت .

والثاني : قيل : إن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى الكعبة قبل بيت المقدس ، وإعراب { التي كنت عليها } مفعول ب{ جعلنا } ، أو صفة ل{ لقبلة } ، ومعنى الآية على القولين : اختبار وفتنة للناس بأمر القبلة ، وأما على قول قتادة فإن الصلاة إلى بيت المقدس فتنة للعرب لأنهم كانوا يعظمون الكعبة ، أو فتنة لمن أنكر تحويلها ، وتقديره على هذا : ما جعلنا صرف القبلة ، أما على قول ابن عباس ، فإن الصلاة إلى الكعبة فتنة لليهود لأنهم يعظمون بيت المقدس ، وهم مع ذلك ينكرون النسخ فأنكروا صرف القبلة أو فتنة لضعفاء المسلمين حتى رجع بعضهم عن الإسلام حين صرفت القبلة .

{ لنعلم } أي : العلم الذي تقوم به الحجة على العبد وهو إذا ظهر في الوجود ما علمه الله .

{ ينقلب على عقبيه } عبارة عن الارتداد عن الإسلام ، وهو تشبيه بمن رجع يمشي إلى وراء .

{ وإن كانت } إن مخففة من الثقيلة واسم كان ضمير الفعلة وهي التحول عن القبلة .

{ إيمانكم } قيل : صلاتكم إلى بيت المقدس واستدل به من قال إن الأعمال من الإيمان ، وقيل : معناه ثبوتكم على الإيمان حين انقلب غيركم بسبب تحويل القبلة .

 
التفسير الميسر لمجموعة من العلماء - التفسير الميسر [إخفاء]  
{وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةٗ وَسَطٗا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيۡكُمۡ شَهِيدٗاۗ وَمَا جَعَلۡنَا ٱلۡقِبۡلَةَ ٱلَّتِي كُنتَ عَلَيۡهَآ إِلَّا لِنَعۡلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِۚ وَإِن كَانَتۡ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَٰنَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ} (143)

{ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ }

وكما هديناكم -أيها المسلمون- إلى الطريق الصحيح في الدين ، جعلناكم أمة خيارًا عدولا لتشهدوا على الأمم في الآخرة أن رسلهم بلَّغتهم رسالات ربهم ، ويكون الرسول في الآخرة كذلك شهيدًا عليكم أنَّه بلَّغكم رسالة ربه . وما جعلنا -أيها الرسول- قبلة " بيت المقدس " التي كنت عليها ، ثم صرفناك عنها إلى الكعبة ب " مكة " ، إلا ليظهر مَن يتبعك ويطيعك ويستقبل معك حيث توجهت ، ومَن هو ضعيف الإيمان فينقلب مرتدًا عن دينه لشكه ونفاقه . وإن هذه الفعلة -وهي صرف التوجه عن " بيت المقدس " إلى الكعبة لثقيلة شاقة على الضالين ، لكهنا سهلة على من هداهم الله . وما كان الله ليضيع إيمانكم به واتباعكم لرسوله ، ويبطل صلاتكم إلى القبلة السابقة . إنه سبحانه وتعالى بالناس لرءوف رحيم .