المنتخب في تفسير القرآن الكريم للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية - المنتخب [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَوۡفُواْ بِٱلۡعُقُودِۚ أُحِلَّتۡ لَكُم بَهِيمَةُ ٱلۡأَنۡعَٰمِ إِلَّا مَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ غَيۡرَ مُحِلِّي ٱلصَّيۡدِ وَأَنتُمۡ حُرُمٌۗ إِنَّ ٱللَّهَ يَحۡكُمُ مَا يُرِيدُ} (1)

مقدمة السورة:

هي مدنية ، وعدد آياتها عشرون ومائة ، وهي من أواخر سور القرآن نزولا ، وقد اشتملت على بيان وجوب الوفاء بالعقود عامة ، سواء أكانت بين العبد وربه ، أم بين الناس بعضهم مع بعض ، وبينت بعض المحرمات من الأطعمة ، كما بينت الحلال منها ، وحل نساء أهل الكتاب . وذكر أركان الوضوء ، والتيمم ، وفيها بيان طلب العدالة مع العدو . وقد تضمنت الإشارة إلى نعم الله على المسلمين ، ووجوب المحافظة على كتابهم ، وبينت أن اليهود حرفوا الكلم عن مواضعه ، وأن النصارى نسوا حظا مما ذكروا به ، وأنهم كفروا بقولهم إن المسيح ابن الله . وتكذيب اليهود والنصارى في ادعائهم أنهم أبناء الله وأحباؤه . ثم تضمنت بعض أخبار اليهود ، كما تضمنت قصة ولدي آدم التي تثبت أن الاعتداء في طبيعة ابن آدم ، ثم وجوب القصاص تهذيبا لهذه الطبيعة . واشتملت على عقوبة البغاء وعقوبة السرقة . ثم عادت إلى بيان تحريف اليهود للأحكام التشريعية التي اشتملت عليها التوراة ، وبيان أن التوراة والإنجيل كان فيهما الحق قبل التحريف ، وقررت وجوب الحكم بما أنزل الله ، وأشارت إلى عداوة اليهود والنصارى الحاليين للمؤمنين ، ووجوب عدم الخضوع لهم ، وعدم الرضا بما يفعلون نحوهم وضرورة مقاومتهم ، وقررت كفر النصارى الذين قالوا : إن الله ثالث ثلاثة ، ثم أنصف القرآن في هذه السورة بعض النصارى الذين أذعنوا للحق وآمنوا به . ثم اشتملت على منع المؤمن من أن يحرم بعض الطيبات عليه ، وبينت كفارة الأيمان إذا حنث ، ثم حرمت الخمر تحريما قاطعا ، ثم بينت بعض مناسك الحج ومكانة الكعبة والأشهر الحرم ، وبطلان بعض ما حرمه العرب على أنفسهم من غير حجة ولا دليل ، كما بينت حكم الوصية في السفر ، وختمت السورة بالمعجزات التي جرت على يد عيسى عليه السلام ومع ذلك كفر به بنو إسرائيل ، وذكرت تبرؤ عيسى عليه السلام من الذين عبدوه ، وبيان ملك الله سبحانه للسماوات والأرض وكمال قدرته .

1- يا أيها المؤمنون : التزموا الوفاء بجميع العهود التي بينكم وبين الله ، والعهود المشروعة التي بينكم وبين الناس . وقد أحل الله لكم أكل لحوم الأنعام من الإبل والبقر والغنم ، إلا ما ينص لكم على تحريمه . ولا يجوز لكم صيد البر إذا كنتم مُحْرِمين ، أو كنتم في أرض الحرم . إن الله يقضى بحكمته ما يريد من أحكام ، وأن هذا من عهود الله عليكم{[47]} .


[47]:الوفاء بالعقود يدخل فيه ما يتعاقده الناس فيما بينهم، والعقد أصلا يكون بين طرفين، وفيه معنى الاستيثاق والشد بخلاف عقد يكون من طرف واحد، ويدخل في الأخير الالتزام بالإرادة المنفردة، وبهذا سبق القرآن الكريم القوانين الوضعية، والآية عامة في الوفاء بالعقود وجامعة لأن العقد في الإسلام شريعة المتعاقدين وأي مشرع وضعي لا يمكن أن يأتي بأتم وأشمل وأدق وأوضح من هذه الآية بما يماثلها في ضرورة الوفاء بالعقود واحترامها.
 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَوۡفُواْ بِٱلۡعُقُودِۚ أُحِلَّتۡ لَكُم بَهِيمَةُ ٱلۡأَنۡعَٰمِ إِلَّا مَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ غَيۡرَ مُحِلِّي ٱلصَّيۡدِ وَأَنتُمۡ حُرُمٌۗ إِنَّ ٱللَّهَ يَحۡكُمُ مَا يُرِيدُ} (1)

مقدمة السورة:

وهي مدنية بإجماع ، وروي أنها نزلت منصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية . وذكر النقاش عن أبي سلمة أنه قال : لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية قال : ( يا علي أشعرت أنه نزلت علي سورة المائدة ونعمت الفائدة ) . قال ابن العربي : هذا حديث موضوع لا يحل لمسلم اعتقاده . أما إنا نقول : سورة " المائدة ، ونعمت الفائدة " فلا نأثره عن أحد ولكنه كلام حسن . وقال ابن عطية : وهذا عندي لا يشبه كلام النبي صلى الله عليه وسلم . وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( سورة المائدة تدعى في ملكوت الله المنقذة تنقذ صاحبها من أيدي ملائكة العذاب ) . ومن هذه السورة ما نزل في حجة الوداع ، ومنها ما أنزل عام الفتح وهو قوله تعالى : " ولا يجرمنكم شنآن قوم " [ المائدة : 2 ] الآية . وكل ما أنزل من القرآن بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم فهو مدني ، سواء نزل بالمدينة أو في سفر من الأسفار . وإنما يرسم بالمكي ما نزل قبل الهجرة . وقال أبو ميسرة : " المائدة " من آخر ما نزل ليس فيها منسوخ ، وفيها ثمان عشرة فريضة ليست في غيرها ، وهي : " المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع " [ المائدة : 3 ] ، " وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام " ، " وما علمتم من الجوارح مكلبين " [ المائدة : 4 ] ، " وطعام الذين أوتوا الكتاب " [ المائدة : 5 ] " والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم " [ المائدة : 5 ] ، وتمام الطهور " إذا قمتم إلى الصلاة " [ المائدة : 6 ] ، " والسارق والسارقة " [ المائدة : 38 ] ، " لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم " [ المائدة : 95 ] إلى قوله : " عزيز ذو انتقام " [ المائدة : 95 ] و " ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام " [ المائدة : 103 ] . وقوله تعالى : " شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت " [ المائدة : 106 ] الآية .

قلت : وفريضة تاسعة عشرة وهي قوله جل وعز : " وإذا ناديتم إلى الصلاة " [ المائدة : 58 ] ليس للأذان ذكر في القرآن إلا في هذه السورة ، أما ما جاء في سورة " الجمعة " فمخصوص بالجمعة ، وهو في هذه السورة عام لجميع الصلوات . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ سورة " المائدة " في حجة الوداع وقال : ( يا أيها الناس إن سورة المائدة من آخر ما نزل فأحلوا حلالها وحرموا حرامها ) ونحوه عن عائشة رضي الله عنها موقوفا . قال جبير بن نفير : دخلت على عائشة رضي الله عنها فقالت : هل تقرأ سورة " المائدة " ؟ فقلت : نعم ، فقالت : فإنها من آخر ما أنزل الله ، فما وجدتم فيها من حلال فأحلوه وما وجدتم فيها من حرام فحرموه . وقال الشعبي : لم ينسخ من هذه السورة إلا قوله : " ولا الشهر الحرام ولا الهدي " [ المائدة : 2 ] الآية . وقال بعضهم : نسخ منها " أو آخران من غيركم " [ المائدة : 106 ] .

فيه سبع مسائل :

الأولى : قوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا " قال علقمة : كل ما في القرآن " يا أيها الذين آمنوا " فهو مدني و " يا أيها الناس " [ النساء : 1 ] فهو مكي ، وهذا خرج على الأكثر ، وقد تقدم{[5197]} . وهذه الآية مما تلوح فصاحتها وكثرة معانيها على قلة ألفاظها لكل ذي بصيرة بالكلام ، فإنها تضمنت خمسة أحكام : الأول : الأمر بالوفاء بالعقود . الثاني : تحليل بهيمة الأنعام . الثالث : استثناء ما يلي بعد ذلك . الرابع : استثناء حال الإحرام فيما يصاد . الخامس : ما تقتضيه الآية من إباحة الصيد لمن ليس بمحرم . وحكى النقاش أن أصحاب الكندي قالوا له : أيها الحكيم اعمل لنا مثل هذا القرآن فقال : نعم ! أعمل مثل بعضه ، فاحتجب أياما كثيرة ثم خرج فقال : والله ما أقدر ولا يطيق هذا أحد ، إني فتحت المصحف فخرجت سورة " المائدة " فنظرت فإذا هو قد نطق بالوفاء ونهى عن النكث ، وحلل تحليلا عاما ، ثم استثنى استثناء بعد استثناء ، ثم أخبر عن قدرته وحكمته في سطرين ، ولا يقدر أحد أن يأتي بهذا إلا في أجلاد .

الثانية : قوله تعالى : " أوفوا " يقال : وفى وأوفى لغتان : قال الله تعالى : " ومن أوفى بعهده من الله " {[5198]} [ التوبة : 111 ] ، وقال تعالى : " وإبراهيم الذي وفى{[5199]} " [ النجم : 37 ] وقال الشاعر{[5200]} :

أما ابن طَوْقٍ فقد أوفى بذمته *** كما وفى بقِلاَصِ النجم حاديها

فجمع بين اللغتين .

قوله تعالى : " بالعقود " العقود الربوط ، واحدها عقد . يقال : عقدت العهد والحبل ، وعقدت العسل{[5201]} فهو يستعمل في المعاني والأجسام . قال الحطيئة :

قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم *** شَدُّوا العِنَاجَ وشدوا فوقه الكربا{[5202]}

فأمر الله سبحانه بالوفاء بالعقود . قال الحسن : يعني بذلك عقود الدين وهي ما عقده المرء على نفسه ، من بيع وشراء وإجارة وكراء ومناكحة وطلاق ومزارعة ومصالحة وتمليك وتخيير وعتق وتدبير وغير ذلك من الأمور ، ما كان ذلك غير خارج عن الشريعة ، وكذلك ما عقده على نفسه لله من الطاعات ، كالحج والصيام والاعتكاف والقيام والنذر وما أشبه ذلك من طاعات ملة الإسلام . وأما نذر المباح فلا يلزم بإجماع من الأمة . قاله ابن العربي . ثم قيل : إن الآية نزلت في أهل الكتاب . لقوله تعالى : " وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه{[5203]} " [ آل عمران : 187 ] . قال ابن جريج : هو خاص بأهل الكتاب وفيهم نزلت . وقيل : هي عامة وهو الصحيح . فإن لفظ المؤمنين يعم مؤمني أهل الكتاب ؛ لأن بينهم وبين الله عقدا في أداء الأمانة فيما في كتابهم من أمر محمد صلى الله عليه وسلم{[5204]} . فإنهم مأمورون بذلك في قوله : " أوفوا بالعقود " وغير موضع . قال ابن عباس : " أوفوا بالعقود " معناه بما أحل وبما حرم وبما فرض وبما حد في جميع الأشياء ، وكذلك قال مجاهد وغيره . وقال ابن شهاب : قرأت كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كتبه لعمرو بن حزم حين بعثه إلى نجران وفي صدره : ( هذا بيان للناس من الله ورسوله " يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود " فكتب الآيات فيها إلى قوله : " إن الله سريع الحساب " [ المائدة : 4 ] ) . وقال الزجاج : المعنى أوفوا بعقد الله عليكم وبعقدكم بعضكم على بعض . وهذا كله راجع إلى القول بالعموم وهو الصحيح في الباب . قال صلى الله عليه وسلم : ( المؤمنون عند شروطهم ) وقال : ( كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط ) فبين أن الشرط أو العقد الذي يجب الوفاء به ما وافق كتاب الله أي دين الله ، فإن ظهر فيها ما يخالف رد ، كما قال صلى الله عليه وسلم : ( من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد ) . ذكر ابن إسحاق قال : اجتمعت قبائل من قريش في دار عبدالله بن جدعان - لشرفه ونسبه - فتعاقدوا وتعاهدوا على ألا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها أو غيرهم إلا قاموا معه حتى ترد عليه مظلمته ، فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول ، وهو الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم : ( لقد شهدت في دار عبدالله{[5205]} بن جدعان جلفا ما أحب أن لي به خمر النعم ولو ادُّعِيَ{[5206]} به في الإسلام لأجبت ) . وهذا الحلف هو المعنى المراد في قوله عليه السلام : ( وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة ) لأنه موافق للشرع إذ أمر بالانتصاف من الظالم ؛ فأما ما كان من عهودهم الفاسدة وعقودهم الباطلة على الظلم والغارات فقد هدمه الإسلام والحمد لله . قال ابن إسحاق : تحامل الوليد بن عتبة على الحسين بن علي في مال له - لسلطان الوليد ، فإنه كان أميرا على المدينة - فقال له الحسين : أحلف بالله لتنصفني من حقي أو لآخذن بسيفي ثم لأقومن في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لأدعون بحلف الفضول . قال عبدالله بن الزبير : وأنا أحلف بالله لئن دعاني لآخذن بسيفي ثم لأقومن معه حتى ينتصف من حقه أو نموت جميعا ، وبلغت المسور بن مخرمة فقال مثل ذلك ، وبلغت عبدالرحمن بن عثمان بن عبيدالله التيمي فقال مثل ذلك ، فلما بلغ ذلك الوليد أنصفه .

الثالثة : قوله تعالى : " أحلت لكم بهيمة الأنعام " الخطاب لكل من التزم الإيمان على وجهه وكماله ، وكانت للعرب سنن في الأنعام من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ، يأتي بيانها ، فنزلت هذه الآية رافعة لتلك الأوهام الخيالية ، والآراء الفاسدة الباطلة .

واختلف في معنى " بهيمة الأنعام " والبهيمة اسم لكل ذي أربع ، سميت بذلك لإبهامها من جهة نقص نطقها وفهمها وعدم تمييزها وعقلها ، ومنه باب مبهم أي مغلق ، وليل بهيم ، وبهمة للشجاع الذي لا يدرى من أين يؤتى له . و " الأنعام " : الإبل والبقر والغنم ، سميت بذلك للين مشيها{[5207]} ؛ قال الله تعالى : " والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع " [ النحل : 5 ] إلى قوله : " وتحمل أثقالكم{[5208]} " [ النحل : 7 ] ، وقال تعالى : " ومن الأنعام حمولة وفرشا{[5209]} " [ الأنعام : 142 ] يعني كبارا وصغارا ، ثم بينها فقال : " ثمانية أزواج " [ الأنعام : 143 ] إلى قوله : " أم كنتم شهداء " [ البقرة : 133 ] وقال تعالى : " وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها{[5210]} " [ النحل : 80 ] يعني الغنم " وأوبارها " يعني الإبل " وأشعارها " يعني المعز ، فهذه ثلاثة أدلة تنبئ عن تضمن اسم الأنعام لهذه الأجناس ، الإبل والبقر والغنم . وهو قول ابن عباس والحسن . قال الهروي : وإذا قيل النعم فهو الإبل خاصة . وقال الطبري : وقال قوم " بهيمة الأنعام " وحشيها كالظباء وبقر الوحش والحمر وغير ذلك . وذكره غير الطبري والربيع وقتادة والضحاك ، كأنه قال : أحلت لكم الأنعام ، فأضيف الجنس إلى أخص منه . قال ابن عطية : وهذا قول حسن ، وذلك أن الأنعام هي الثمانية الأزواج ، وما أنضاف إليها من سائر الحيوان يقال له أنعام بمجموعه معها ، وكأن المفترس كالأسد وكل ذي ناب خارج عن حد الأنعام ، فبهيمة الأنعام هي الراعي من ذوات الأربع . قلت : فعلى هذا يدخل فيها ذوات الحوافر لأنها راعية غير مفترسة وليس كذلك ؛ لأن الله تعالى قال : " والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع " [ النحل : 5 ] ثم عطف عليها قوله : " والخيل والبغال والحمير " [ النحل : 8 ] فلما استأنف ذكرها وعطفها على الأنعام دل على أنها ليست منها ؛ والله أعلم . وقيل : " بهيمة الأنعام " ما لم يكن صيدا ؛ لأن الصيد يسمى وحشا لا بهيمة ، وهذا راجع إلى القول الأول . وروي عن عبدالله بن عمر أنه قال : " بهيمة الأنعام " الأجنة التي تخرج عند الذبح من بطون الأمهات ، فهي تؤكل دون ذكاة ، وقاله ابن عباس وفيه بعد ؛ لأن الله تعالى قال : " إلا ما يتلى عليكم " وليس في الأجنة ما يستثنى ؛ قال مالك : ذكاة الذبيحة ذكاة لجنينها إذا لم يدرك حيا وكان قد نبت شعره وتم خلقه ، فإن لم يتم خلقه ولم ينبت شعره لم يؤكل إلا أن يدرك حيا فيذكى ، وإن بادروا إلى تذكيته فمات بنفسه ، فقيل : هو ذكي . وقيل : ليس بذكي ، وسيأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله تعالى :

الرابعة : قوله تعالى : " إلا ما يتلى عليكم " أي يقرأ عليكم في القرآن والسنة من قوله تعالى : " حرمت عليكم الميتة " [ المائدة : 3 ] وقوله عليه الصلاة والسلام : ( وكل ذي ناب من السباع حرام ){[5211]} . فإن قيل : الذي يتلى علينا الكتاب ليس السنة ، قلنا : كل سنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فهي من كتاب الله ، والدليل عليه أمران : أحدهما : حديث العسيف ( لأقضين بينكما بكتاب الله ) والرجم ليس منصوصا في كتاب الله . الثاني : حديث ابن مسعود : وما لي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في كتاب الله . الحديث . وسيأتي في سورة " الحشر{[5212]} " . ويحتمل " إلا ما يتلى عليكم " الآن أو " ما يتلى عليكم " فيما بعد من مستقبل الزمان على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيكون فيه دليل على جواز تأخير البيان عن وقت لا يفتقر فيه إلى تعجيل الحاجة .

الخامسة : قوله تعالى : " غير محلي الصيد " أي ما كان صيدا فهو حلال في الإحلال دون الإحرام ، وما لم يكن صيدا فهو حلال في الحالين . واختلف النحاة في " إلا ما يتلى " هل هو استثناء أو لا ؟ فقال البصريون : هو استثناء من " بهيمة الأنعام " و " غير محلي الصيد " استثناء آخر أيضا منه ، فالاستثناءان جميعا من قوله : " بهيمة الأنعام " وهي المستثنى منها . التقدير : إلا ما يتلى عليكم إلا الصيد وأنتم محرمون ، بخلاف قوله : " إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين . إلا آل لوط{[5213]} " [ الحجر : 58 - 59 ] على ما يأتي . وقيل : هو مستثنى مما يليه من الاستثناء ؛ فيصير بمنزلة قوله عز وجل : " إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين " ولو كان كذلك لوجب إباحة الصيد في الإحرام ؛ لأنه مستثنى من المحظور إذ كان قوله تعالى : " إلا ما يتلى عليكم " مستثنى من الإباحة ؛ وهذا وجه ساقط ، فإذا معناه أحلت لكم بهيمة الأنعام غير محلي الصيد وأنتم حرم إلا ما يتلى عليكم سوى الصيد . ويجوز أن يكون معناه أيضا أوفوا بالعقود غير محلي الصيد وأحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم . وأجاز الفراء أن يكون " إلا ما يتلى عليكم " في موضع رفع على البدل على أن يعطف بإلا كما يعطف بلا ، ولا يجيزه البصريون إلا في النكرة أو ما قاربها من أسماء{[5214]} الأجناس نحو جاء القوم إلا زيد . والنصب عنده بأن " غير محلي الصيد " نصب على الحال مما في " أوفوا " . قال الأخفش : يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود غير محلي الصيد . وقال غيره : حال من الكاف والميم في " لكم " والتقدير : أحلت لكم بهيمة الأنعام غير محلي الصيد . ثم قيل : يجوز أن يرجع الإحلال إلى الناس ، أي لا تحلوا الصيد في حال الإحرام ، ويجوز أن يرجع إلى الله تعالى أي أحللت لكم البهيمة إلا ما كان صيدا في وقت الإحرام ، كما تقول : أحللت لك كذا غير مبيح لك يوم الجمعة . فإذا قلت يرجع إلى الناس فالمعنى : غير محلين الصيد ، فحذفت النون تخفيفا .

السادسة : قوله تعالى : " وأنتم حرم " يعني الإحرام بالحج والعمرة ؛ يقال : رجل حرام وقوم حرم إذا أحرموا بالحج ، ومنه قول الشاعر{[5215]} :

فقلتُ لها فيئِي إليك فإنني *** حرامٌ وإني بعد ذاك لَبِيبُ

أي ملب ، وسمي ذلك إحراما لما يحرمه من دخل فيه على نفسه من النساء والطيب وغيرهما . ويقال : أحرم دخل في الحرم ، فيحرم صيد الحرم أيضا . وقرأ الحسن وإبراهيم ويحيى بن وثاب " حرم " بسكون الراء ؛ وهي لغة تميمية يقولون في رسل : رسل وفي كتب كتب ونحوه .

السابعة : قوله تعالى : " إن الله يحكم ما يريد " تقوية لهذه الأحكام الشرعية المخالفة لمعهود أحكام العرب ، أي فأنت يا محمد السامع لنسخ تلك التي عهدت من أحكامهم تنبه ، فإن الذي هو مالك الكل " يحكم ما يريد " " لا معقب لحكمه{[5216]} " [ الرعد : 41 ] يشرع ما يشاء كما يشاء .


[5197]:راجع ج 1 ص 229.
[5198]:راجع ج 8 ص 266.
[5199]:راجع ج 17 ص 112.
[5200]:هو طفيل الغنوي، وقلاص النجم: هي العشرون نجما التي ساقها الدبران في خطبة الثريا كما تزعم العرب.
[5201]:كذا في الأصول وفي حاشية الجمل عن القرطبي: عقدت الغل.
[5202]:العناج: خيط أو سير يشد في أسفل الدلو ثم يشد في عروتها، والكرب الحبل الذي يشد على الدلو بعد المنين، وهو الحبل الأول: فإذا انقطع المنين بقي الكرب. وقيل: غير هذا. وهذه أمثال ضربها الحطيئة لإيفائهم بالعهد.
[5203]:راجع ج 4 ص 304.
[5204]:في ز: ويعم أمة محمد صلى الله عليه وسلم. وفي حاشية الجمل عن القرطبي: وهم من أمة محمد. الخ. قلت: يعني أمة غير الإجابة. مصححه.
[5205]:من ج و ز.
[5206]:في الروض الأنف: لو دعيت إليه.
[5207]:في مفردات الراغب: أن تسمية الإبل بذلك لأنها عندهم أعظم نعمة. ولا يقال لها أنعام حتى يكون في جملتها الإبل.
[5208]:راجع ج 10 ص 68. و ص 152.
[5209]:راجع ج 7 ص 111.
[5210]:راجع ج 10 ص 68. و ص 152.
[5211]:رواية مسلم والنسائي : "كل ذي ناب من السباع فأكله حرام".
[5212]:راجع ج 18 ص 17.
[5213]:راجع ج 10 ص 36.
[5214]:الزيادة عن ابن عطية.
[5215]:هو المضرب بن كعب بن زهير.
[5216]:راجع ج 9 ص 334.