الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَوۡفُواْ بِٱلۡعُقُودِۚ أُحِلَّتۡ لَكُم بَهِيمَةُ ٱلۡأَنۡعَٰمِ إِلَّا مَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ غَيۡرَ مُحِلِّي ٱلصَّيۡدِ وَأَنتُمۡ حُرُمٌۗ إِنَّ ٱللَّهَ يَحۡكُمُ مَا يُرِيدُ} (1)

مقدمة السورة:

وهي مدنية بإجماع ، وروي أنها نزلت منصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية . وذكر النقاش عن أبي سلمة أنه قال : لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية قال : ( يا علي أشعرت أنه نزلت علي سورة المائدة ونعمت الفائدة ) . قال ابن العربي : هذا حديث موضوع لا يحل لمسلم اعتقاده . أما إنا نقول : سورة " المائدة ، ونعمت الفائدة " فلا نأثره عن أحد ولكنه كلام حسن . وقال ابن عطية : وهذا عندي لا يشبه كلام النبي صلى الله عليه وسلم . وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( سورة المائدة تدعى في ملكوت الله المنقذة تنقذ صاحبها من أيدي ملائكة العذاب ) . ومن هذه السورة ما نزل في حجة الوداع ، ومنها ما أنزل عام الفتح وهو قوله تعالى : " ولا يجرمنكم شنآن قوم " [ المائدة : 2 ] الآية . وكل ما أنزل من القرآن بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم فهو مدني ، سواء نزل بالمدينة أو في سفر من الأسفار . وإنما يرسم بالمكي ما نزل قبل الهجرة . وقال أبو ميسرة : " المائدة " من آخر ما نزل ليس فيها منسوخ ، وفيها ثمان عشرة فريضة ليست في غيرها ، وهي : " المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع " [ المائدة : 3 ] ، " وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام " ، " وما علمتم من الجوارح مكلبين " [ المائدة : 4 ] ، " وطعام الذين أوتوا الكتاب " [ المائدة : 5 ] " والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم " [ المائدة : 5 ] ، وتمام الطهور " إذا قمتم إلى الصلاة " [ المائدة : 6 ] ، " والسارق والسارقة " [ المائدة : 38 ] ، " لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم " [ المائدة : 95 ] إلى قوله : " عزيز ذو انتقام " [ المائدة : 95 ] و " ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام " [ المائدة : 103 ] . وقوله تعالى : " شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت " [ المائدة : 106 ] الآية .

قلت : وفريضة تاسعة عشرة وهي قوله جل وعز : " وإذا ناديتم إلى الصلاة " [ المائدة : 58 ] ليس للأذان ذكر في القرآن إلا في هذه السورة ، أما ما جاء في سورة " الجمعة " فمخصوص بالجمعة ، وهو في هذه السورة عام لجميع الصلوات . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ سورة " المائدة " في حجة الوداع وقال : ( يا أيها الناس إن سورة المائدة من آخر ما نزل فأحلوا حلالها وحرموا حرامها ) ونحوه عن عائشة رضي الله عنها موقوفا . قال جبير بن نفير : دخلت على عائشة رضي الله عنها فقالت : هل تقرأ سورة " المائدة " ؟ فقلت : نعم ، فقالت : فإنها من آخر ما أنزل الله ، فما وجدتم فيها من حلال فأحلوه وما وجدتم فيها من حرام فحرموه . وقال الشعبي : لم ينسخ من هذه السورة إلا قوله : " ولا الشهر الحرام ولا الهدي " [ المائدة : 2 ] الآية . وقال بعضهم : نسخ منها " أو آخران من غيركم " [ المائدة : 106 ] .

فيه سبع مسائل :

الأولى : قوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا " قال علقمة : كل ما في القرآن " يا أيها الذين آمنوا " فهو مدني و " يا أيها الناس " [ النساء : 1 ] فهو مكي ، وهذا خرج على الأكثر ، وقد تقدم{[5197]} . وهذه الآية مما تلوح فصاحتها وكثرة معانيها على قلة ألفاظها لكل ذي بصيرة بالكلام ، فإنها تضمنت خمسة أحكام : الأول : الأمر بالوفاء بالعقود . الثاني : تحليل بهيمة الأنعام . الثالث : استثناء ما يلي بعد ذلك . الرابع : استثناء حال الإحرام فيما يصاد . الخامس : ما تقتضيه الآية من إباحة الصيد لمن ليس بمحرم . وحكى النقاش أن أصحاب الكندي قالوا له : أيها الحكيم اعمل لنا مثل هذا القرآن فقال : نعم ! أعمل مثل بعضه ، فاحتجب أياما كثيرة ثم خرج فقال : والله ما أقدر ولا يطيق هذا أحد ، إني فتحت المصحف فخرجت سورة " المائدة " فنظرت فإذا هو قد نطق بالوفاء ونهى عن النكث ، وحلل تحليلا عاما ، ثم استثنى استثناء بعد استثناء ، ثم أخبر عن قدرته وحكمته في سطرين ، ولا يقدر أحد أن يأتي بهذا إلا في أجلاد .

الثانية : قوله تعالى : " أوفوا " يقال : وفى وأوفى لغتان : قال الله تعالى : " ومن أوفى بعهده من الله " {[5198]} [ التوبة : 111 ] ، وقال تعالى : " وإبراهيم الذي وفى{[5199]} " [ النجم : 37 ] وقال الشاعر{[5200]} :

أما ابن طَوْقٍ فقد أوفى بذمته *** كما وفى بقِلاَصِ النجم حاديها

فجمع بين اللغتين .

قوله تعالى : " بالعقود " العقود الربوط ، واحدها عقد . يقال : عقدت العهد والحبل ، وعقدت العسل{[5201]} فهو يستعمل في المعاني والأجسام . قال الحطيئة :

قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم *** شَدُّوا العِنَاجَ وشدوا فوقه الكربا{[5202]}

فأمر الله سبحانه بالوفاء بالعقود . قال الحسن : يعني بذلك عقود الدين وهي ما عقده المرء على نفسه ، من بيع وشراء وإجارة وكراء ومناكحة وطلاق ومزارعة ومصالحة وتمليك وتخيير وعتق وتدبير وغير ذلك من الأمور ، ما كان ذلك غير خارج عن الشريعة ، وكذلك ما عقده على نفسه لله من الطاعات ، كالحج والصيام والاعتكاف والقيام والنذر وما أشبه ذلك من طاعات ملة الإسلام . وأما نذر المباح فلا يلزم بإجماع من الأمة . قاله ابن العربي . ثم قيل : إن الآية نزلت في أهل الكتاب . لقوله تعالى : " وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه{[5203]} " [ آل عمران : 187 ] . قال ابن جريج : هو خاص بأهل الكتاب وفيهم نزلت . وقيل : هي عامة وهو الصحيح . فإن لفظ المؤمنين يعم مؤمني أهل الكتاب ؛ لأن بينهم وبين الله عقدا في أداء الأمانة فيما في كتابهم من أمر محمد صلى الله عليه وسلم{[5204]} . فإنهم مأمورون بذلك في قوله : " أوفوا بالعقود " وغير موضع . قال ابن عباس : " أوفوا بالعقود " معناه بما أحل وبما حرم وبما فرض وبما حد في جميع الأشياء ، وكذلك قال مجاهد وغيره . وقال ابن شهاب : قرأت كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كتبه لعمرو بن حزم حين بعثه إلى نجران وفي صدره : ( هذا بيان للناس من الله ورسوله " يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود " فكتب الآيات فيها إلى قوله : " إن الله سريع الحساب " [ المائدة : 4 ] ) . وقال الزجاج : المعنى أوفوا بعقد الله عليكم وبعقدكم بعضكم على بعض . وهذا كله راجع إلى القول بالعموم وهو الصحيح في الباب . قال صلى الله عليه وسلم : ( المؤمنون عند شروطهم ) وقال : ( كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط ) فبين أن الشرط أو العقد الذي يجب الوفاء به ما وافق كتاب الله أي دين الله ، فإن ظهر فيها ما يخالف رد ، كما قال صلى الله عليه وسلم : ( من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد ) . ذكر ابن إسحاق قال : اجتمعت قبائل من قريش في دار عبدالله بن جدعان - لشرفه ونسبه - فتعاقدوا وتعاهدوا على ألا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها أو غيرهم إلا قاموا معه حتى ترد عليه مظلمته ، فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول ، وهو الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم : ( لقد شهدت في دار عبدالله{[5205]} بن جدعان جلفا ما أحب أن لي به خمر النعم ولو ادُّعِيَ{[5206]} به في الإسلام لأجبت ) . وهذا الحلف هو المعنى المراد في قوله عليه السلام : ( وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة ) لأنه موافق للشرع إذ أمر بالانتصاف من الظالم ؛ فأما ما كان من عهودهم الفاسدة وعقودهم الباطلة على الظلم والغارات فقد هدمه الإسلام والحمد لله . قال ابن إسحاق : تحامل الوليد بن عتبة على الحسين بن علي في مال له - لسلطان الوليد ، فإنه كان أميرا على المدينة - فقال له الحسين : أحلف بالله لتنصفني من حقي أو لآخذن بسيفي ثم لأقومن في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لأدعون بحلف الفضول . قال عبدالله بن الزبير : وأنا أحلف بالله لئن دعاني لآخذن بسيفي ثم لأقومن معه حتى ينتصف من حقه أو نموت جميعا ، وبلغت المسور بن مخرمة فقال مثل ذلك ، وبلغت عبدالرحمن بن عثمان بن عبيدالله التيمي فقال مثل ذلك ، فلما بلغ ذلك الوليد أنصفه .

الثالثة : قوله تعالى : " أحلت لكم بهيمة الأنعام " الخطاب لكل من التزم الإيمان على وجهه وكماله ، وكانت للعرب سنن في الأنعام من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ، يأتي بيانها ، فنزلت هذه الآية رافعة لتلك الأوهام الخيالية ، والآراء الفاسدة الباطلة .

واختلف في معنى " بهيمة الأنعام " والبهيمة اسم لكل ذي أربع ، سميت بذلك لإبهامها من جهة نقص نطقها وفهمها وعدم تمييزها وعقلها ، ومنه باب مبهم أي مغلق ، وليل بهيم ، وبهمة للشجاع الذي لا يدرى من أين يؤتى له . و " الأنعام " : الإبل والبقر والغنم ، سميت بذلك للين مشيها{[5207]} ؛ قال الله تعالى : " والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع " [ النحل : 5 ] إلى قوله : " وتحمل أثقالكم{[5208]} " [ النحل : 7 ] ، وقال تعالى : " ومن الأنعام حمولة وفرشا{[5209]} " [ الأنعام : 142 ] يعني كبارا وصغارا ، ثم بينها فقال : " ثمانية أزواج " [ الأنعام : 143 ] إلى قوله : " أم كنتم شهداء " [ البقرة : 133 ] وقال تعالى : " وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها{[5210]} " [ النحل : 80 ] يعني الغنم " وأوبارها " يعني الإبل " وأشعارها " يعني المعز ، فهذه ثلاثة أدلة تنبئ عن تضمن اسم الأنعام لهذه الأجناس ، الإبل والبقر والغنم . وهو قول ابن عباس والحسن . قال الهروي : وإذا قيل النعم فهو الإبل خاصة . وقال الطبري : وقال قوم " بهيمة الأنعام " وحشيها كالظباء وبقر الوحش والحمر وغير ذلك . وذكره غير الطبري والربيع وقتادة والضحاك ، كأنه قال : أحلت لكم الأنعام ، فأضيف الجنس إلى أخص منه . قال ابن عطية : وهذا قول حسن ، وذلك أن الأنعام هي الثمانية الأزواج ، وما أنضاف إليها من سائر الحيوان يقال له أنعام بمجموعه معها ، وكأن المفترس كالأسد وكل ذي ناب خارج عن حد الأنعام ، فبهيمة الأنعام هي الراعي من ذوات الأربع . قلت : فعلى هذا يدخل فيها ذوات الحوافر لأنها راعية غير مفترسة وليس كذلك ؛ لأن الله تعالى قال : " والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع " [ النحل : 5 ] ثم عطف عليها قوله : " والخيل والبغال والحمير " [ النحل : 8 ] فلما استأنف ذكرها وعطفها على الأنعام دل على أنها ليست منها ؛ والله أعلم . وقيل : " بهيمة الأنعام " ما لم يكن صيدا ؛ لأن الصيد يسمى وحشا لا بهيمة ، وهذا راجع إلى القول الأول . وروي عن عبدالله بن عمر أنه قال : " بهيمة الأنعام " الأجنة التي تخرج عند الذبح من بطون الأمهات ، فهي تؤكل دون ذكاة ، وقاله ابن عباس وفيه بعد ؛ لأن الله تعالى قال : " إلا ما يتلى عليكم " وليس في الأجنة ما يستثنى ؛ قال مالك : ذكاة الذبيحة ذكاة لجنينها إذا لم يدرك حيا وكان قد نبت شعره وتم خلقه ، فإن لم يتم خلقه ولم ينبت شعره لم يؤكل إلا أن يدرك حيا فيذكى ، وإن بادروا إلى تذكيته فمات بنفسه ، فقيل : هو ذكي . وقيل : ليس بذكي ، وسيأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله تعالى :

الرابعة : قوله تعالى : " إلا ما يتلى عليكم " أي يقرأ عليكم في القرآن والسنة من قوله تعالى : " حرمت عليكم الميتة " [ المائدة : 3 ] وقوله عليه الصلاة والسلام : ( وكل ذي ناب من السباع حرام ){[5211]} . فإن قيل : الذي يتلى علينا الكتاب ليس السنة ، قلنا : كل سنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فهي من كتاب الله ، والدليل عليه أمران : أحدهما : حديث العسيف ( لأقضين بينكما بكتاب الله ) والرجم ليس منصوصا في كتاب الله . الثاني : حديث ابن مسعود : وما لي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في كتاب الله . الحديث . وسيأتي في سورة " الحشر{[5212]} " . ويحتمل " إلا ما يتلى عليكم " الآن أو " ما يتلى عليكم " فيما بعد من مستقبل الزمان على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيكون فيه دليل على جواز تأخير البيان عن وقت لا يفتقر فيه إلى تعجيل الحاجة .

الخامسة : قوله تعالى : " غير محلي الصيد " أي ما كان صيدا فهو حلال في الإحلال دون الإحرام ، وما لم يكن صيدا فهو حلال في الحالين . واختلف النحاة في " إلا ما يتلى " هل هو استثناء أو لا ؟ فقال البصريون : هو استثناء من " بهيمة الأنعام " و " غير محلي الصيد " استثناء آخر أيضا منه ، فالاستثناءان جميعا من قوله : " بهيمة الأنعام " وهي المستثنى منها . التقدير : إلا ما يتلى عليكم إلا الصيد وأنتم محرمون ، بخلاف قوله : " إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين . إلا آل لوط{[5213]} " [ الحجر : 58 - 59 ] على ما يأتي . وقيل : هو مستثنى مما يليه من الاستثناء ؛ فيصير بمنزلة قوله عز وجل : " إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين " ولو كان كذلك لوجب إباحة الصيد في الإحرام ؛ لأنه مستثنى من المحظور إذ كان قوله تعالى : " إلا ما يتلى عليكم " مستثنى من الإباحة ؛ وهذا وجه ساقط ، فإذا معناه أحلت لكم بهيمة الأنعام غير محلي الصيد وأنتم حرم إلا ما يتلى عليكم سوى الصيد . ويجوز أن يكون معناه أيضا أوفوا بالعقود غير محلي الصيد وأحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم . وأجاز الفراء أن يكون " إلا ما يتلى عليكم " في موضع رفع على البدل على أن يعطف بإلا كما يعطف بلا ، ولا يجيزه البصريون إلا في النكرة أو ما قاربها من أسماء{[5214]} الأجناس نحو جاء القوم إلا زيد . والنصب عنده بأن " غير محلي الصيد " نصب على الحال مما في " أوفوا " . قال الأخفش : يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود غير محلي الصيد . وقال غيره : حال من الكاف والميم في " لكم " والتقدير : أحلت لكم بهيمة الأنعام غير محلي الصيد . ثم قيل : يجوز أن يرجع الإحلال إلى الناس ، أي لا تحلوا الصيد في حال الإحرام ، ويجوز أن يرجع إلى الله تعالى أي أحللت لكم البهيمة إلا ما كان صيدا في وقت الإحرام ، كما تقول : أحللت لك كذا غير مبيح لك يوم الجمعة . فإذا قلت يرجع إلى الناس فالمعنى : غير محلين الصيد ، فحذفت النون تخفيفا .

السادسة : قوله تعالى : " وأنتم حرم " يعني الإحرام بالحج والعمرة ؛ يقال : رجل حرام وقوم حرم إذا أحرموا بالحج ، ومنه قول الشاعر{[5215]} :

فقلتُ لها فيئِي إليك فإنني *** حرامٌ وإني بعد ذاك لَبِيبُ

أي ملب ، وسمي ذلك إحراما لما يحرمه من دخل فيه على نفسه من النساء والطيب وغيرهما . ويقال : أحرم دخل في الحرم ، فيحرم صيد الحرم أيضا . وقرأ الحسن وإبراهيم ويحيى بن وثاب " حرم " بسكون الراء ؛ وهي لغة تميمية يقولون في رسل : رسل وفي كتب كتب ونحوه .

السابعة : قوله تعالى : " إن الله يحكم ما يريد " تقوية لهذه الأحكام الشرعية المخالفة لمعهود أحكام العرب ، أي فأنت يا محمد السامع لنسخ تلك التي عهدت من أحكامهم تنبه ، فإن الذي هو مالك الكل " يحكم ما يريد " " لا معقب لحكمه{[5216]} " [ الرعد : 41 ] يشرع ما يشاء كما يشاء .


[5197]:راجع ج 1 ص 229.
[5198]:راجع ج 8 ص 266.
[5199]:راجع ج 17 ص 112.
[5200]:هو طفيل الغنوي، وقلاص النجم: هي العشرون نجما التي ساقها الدبران في خطبة الثريا كما تزعم العرب.
[5201]:كذا في الأصول وفي حاشية الجمل عن القرطبي: عقدت الغل.
[5202]:العناج: خيط أو سير يشد في أسفل الدلو ثم يشد في عروتها، والكرب الحبل الذي يشد على الدلو بعد المنين، وهو الحبل الأول: فإذا انقطع المنين بقي الكرب. وقيل: غير هذا. وهذه أمثال ضربها الحطيئة لإيفائهم بالعهد.
[5203]:راجع ج 4 ص 304.
[5204]:في ز: ويعم أمة محمد صلى الله عليه وسلم. وفي حاشية الجمل عن القرطبي: وهم من أمة محمد. الخ. قلت: يعني أمة غير الإجابة. مصححه.
[5205]:من ج و ز.
[5206]:في الروض الأنف: لو دعيت إليه.
[5207]:في مفردات الراغب: أن تسمية الإبل بذلك لأنها عندهم أعظم نعمة. ولا يقال لها أنعام حتى يكون في جملتها الإبل.
[5208]:راجع ج 10 ص 68. و ص 152.
[5209]:راجع ج 7 ص 111.
[5210]:راجع ج 10 ص 68. و ص 152.
[5211]:رواية مسلم والنسائي : "كل ذي ناب من السباع فأكله حرام".
[5212]:راجع ج 18 ص 17.
[5213]:راجع ج 10 ص 36.
[5214]:الزيادة عن ابن عطية.
[5215]:هو المضرب بن كعب بن زهير.
[5216]:راجع ج 9 ص 334.