تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡأَنفَالِۖ قُلِ ٱلۡأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصۡلِحُواْ ذَاتَ بَيۡنِكُمۡۖ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ} (1)

مقدمة السورة:

سورة الأنفال

السورة مدنية عدد آياتها خمس وسبعون ، نزلت بعد البقرة ، وهي السورة الثامنة في القرآن الكريم ، وقد تقدمتها سورة الفاتحة وهي مكية ، وجاء بعد الفاتحة أربع سور مدنية متتالية ، هن أطول السور المدنية في القرآن وهي : البقرة ، آل عمران ، النساء والمائدة . ثم تلت هذه الأربع سورتان مكيتان هما : الأنعام والأعراف ، وهما أطول السور المكية في القرآن . ثم جاءت سورة الأنفال والتي بعدها سورة التوبة وهما مدنيتان .

ومن المعلوم أن المكي قبل الهجرة ، ويتضمن أصول الدعوة ، وهي قضايا التوحيد ، والوحي ، والبعث ، كما يتضمن الإرشاد إلى أمهات الأخلاق الفاضلة . وقد عني في سبيل ذلك بتوجيه الأنظار إلى أدلة القضايا الثلاث المذكورة ، ومناقشة حجج المشركين فيها . كذلك فهو يعرض كثيرا لقصص الأولين ونتائج تكذيبهم لرسلهم كيما يتعظ الناس بتلك القصص ، وهذا واضح في سورتي الأنعام والأعراف وسائر السور المكية .

أما السور المدنية فإنها قد عنيت –فيما يتصل بالمخالفين- بمجادلة أهل الكتاب الذين يجاورون " المدينة " ، ويثيرون الشكوك والشبه فيما يختص برسالة محمد صلى الله عليه وسلم . أما فيما يختص بالمؤمنين فقد عنيت بتفصيل كثيرا من الأحكام التي ينظمون بها شئونهم الداخلية والخارجية . ونرى ذلك في سورة البقرة وآل عمران والنساء والمائدة وسائر المدني من القرآن الكريم .

ولقد نزلت سورة الأنفال بمناسبة معركة بدر ، ولذلك أطلق عليها بعض الصحابة اسم " سورة بدر " . وكانت معركة بدر في يوم الجمعة ، السابع عشر من رمضان في السنة الثانية للهجرة . وهي الجولة الأولى من جولات الحق في إزهاق الباطل ، وإنقاذ المستضعفين من الرجال والنساء والولدان ، الذين قعد بهم الضعف في مكة وأخذوا في الضراعة إلى الله { ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا } النساء ، الآية 75 .

وقد استجاب الله ضراعتهم فهيأ لهم ظروف تلك المعركة التي تم فيها النصر للمؤمنين ، على قلة عددهم وعددهم . وبها عرف المشركون أنه مهما طال أمد باطلهم وامتد سلطانه ، فلا بد له أن يخر يوما صريعا أمام روعة الحق وقوة الإيمان . وإذا كانت بدر ، نصرا للمؤمنين وهزيمة للمشركين ، فهي في الوقت نفسه جاءت حافزة للقلوب المؤمنة كي يجدّ سيرها في طريق الهدى والرشاد .

وقد كان للمسلمين في تلك الغزوة شؤون ، أولها حينما طلب إليهم الرسول أن يخرجوا لمصادرة عير قريش فتساءلوا : أيخرجون إطاعة للرسول الكريم ؟ أم لا يخرجون ، حرصا منهم على أموالهم وأشغالهم في المدينة ؟ ثم إنهم خرجوا ، لكنهم وجدوا العير قد مرت ، وفاتهم أن يحصلوا عليها ، فتساءلوا من جديد : أيستجيبون للرسول الكريم ويقاتلون قوى الشرك التي تكتلت وخرجت من مكة لقتالهم ، أم يرجعون لأنهم لم يخرجوا للقتال ، ولم يستعدوا له ؟ وقد قاتلوا بعد أن أمدهم الله بروح من عنده ، وأمكنهم من عدوهم بالقتل والأسر والغنيمة ، فكان لهم شأن ثالث : أيقتلون الأسرى أو يطلقون سراحهم بالفداء ؟ وفي الغنائم التي حصلوا عليها : أيختص بها الشبان المحاربون أم يشاركهم فيها الحراس وأصحاب الرأي ؟

كانت هذه الشؤون هي الجو الذي نزلت فيه سورة الأنفال فعنيت ببيان الحلول فيها ، وقد بدأت بمسألة الأنفال ، وهي الغنائم ، ليكون مطلع الحديث تسجيلا لنعمة النصر التي ساقت إليهم تلك الأنفال ، وإيحاء إلى أن حصولهم عليها يقتضي أن يكون من بواعث الطاعة لا من بواعث المخالفة . وهكذا بدأت السورة بحل مشكلة الأنفال { يسألونك عن الأنفال } . . . وقد أرشدتهم السورة إلى أن الشأن في توزيعها لا يرجع إلى آرائهم ، وإنما هو لله ولرسوله { قل الأنفال لله والرسول } . وقد جاء الحكم بعد في قوله تعالى من السورة نفسها { واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل } .

ثم جاء إرشاد المؤمنين إلى ما يجب أن يتحلوا به حتى يحصلوا على الظفر الدائم والنصر المستمر ، وهو القوة المعنوية التي بين الله عناصرها بقوله : { إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون . الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون . أولئك هم المؤمنون حقا ، لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم } الآيات 2 ، 3 ، 4 .

ثم يعود الحديث في السورة إلى موقفهم الأول حينما أمروا بالخروج ، وأن الذين كرهوا وتلكّأوا فيه أخذوا يتعللون مرة بالأموال ، وأخرى بعدم الاستعداد ، وبذلك انحرفوا عما يوجبه الإيمان عليهم من الطاعة والامتثال ، وعما يجب على المؤمنين الصادقين أن يلبوا دعوته وهي دعوة القوة إلى ذات الشوكة : { كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون . يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون . وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ، ويريد أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين } الآيات 5 ، 6 ، 7 .

وفي شأن الأسرى وفدائهم أو قتلهم يقول تعالى : { ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض . . . . الآية } .

وهكذا حلت سورة الأنفال المشاكل التي اعترضت المسلمين في غزوة بدر ، كما ذكرتهم بنعمة الله عليهم في تلك الغزوة من الإمداد بقوى النصر واستجابة الدعاء : { إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين } الآية 9 . وذكرهم بسابق نعمه عليهم قبلها حينما آواهم بنصره ورزقهم من الطيبات ، بعد أن كانوا مستضعفين في الأرض . كذلك أرشد الله تعالى المسلمين في هذه السورة إلى جملة من المبادئ إذا تمسكوا بها وحافظوا عليها حالفهم النصر والتوفيق . وفي هذا الجانب بين لهم السبب الذي يبيح الحرب ، والغاية التي تنتهي عندها ، { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ، ويكون الدين كله لله ، فإن الله بما تعملون بصير . ( 39 ) وإن تولوا فاعلموا أن الله مولاكم ، نعم المولى ونعم النصير( 40 ) } .

وأمر الله تعالى بإعداد العدة ضمانا للسلم ، وإرهابا للأعداء : { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم ، الله يعلمهم ، وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون( 60 ) } .

ثم يقرر إيثار السلم على الحرب متى أمكن ووجد السبيل إليه : { وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله ، إنه هو السميع العليم( 61 ) وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره للمؤمنين( 62 ) } .

ثم أمر الله تعالى بالمحافظة على العهود ، كما أمر بطاعة الرؤساء والتعاون والاحتفاظ بأسرار الدولة والثبات في الحرب ، وذلك في الآيات من 45 إلى 59 { يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا . . . إلى قوله تعالى : ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون } .

وأخيرا بين الله تعالى في السورة أن المؤمنين في ظل هذه المبادئ وتلك الإرشادات ، المهاجرين منهم والأنصار ، بعضهم أولياء بعض ، وأن عليهم نصر الذين يستنصرونهم من المؤمنين الذين لم يهاجروا ، وأنه لا ولاية بينهم وبين الكافرين ، فالذين كفروا بعضهم أولياء بعض ، والذين آمنوا من هاجر منهم ومن نصر بعضهم أولياء بعض : الآيتان : 74 و75 .

وهكذا بدأت السورة وختمت بأوصاف المؤمنين حقا . وفي هذا ، وما ذكر من نعم الله على المؤمنين يتضح لنا مدد النصر الذي يعده الله لعباده المخلصين . وهو مدد دائم يتبع الإيمان والإخلاص أينما وجدا ، فجدير بالمؤمنين وهم الآن في محنة كبرى من شر اليهود وحلفائهم الطغاة المستبدين ، جدير بنا –أن نعمل ما في وسعنا للحصول على هذا المدد بتقوية الإيمان بالله في نفوسنا ، وتوحيد صفوفنا ، والسير على هدف واحد وقلب مؤمن واحد لنسترد ما اغتصب من بلادنا ، ونستعيد المسجد الأقصى المبارك وما حوله إلى حظيرة الإسلام .

بسم الله الرحمان الرحيم

الأنفال : جمع نَفَل بالتحريك وهي الغنيمة .

ذات بينكم : فيما بينكم .

خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة مهاجراً إلى المدينة بسبب مكر المشركين وتدبيرِهم أمر قتله ، وليكون للمسلمين دولة . وقد استقر بالمدينة ومن حوله المؤمنون من المهاجرين والأنصار ، وكان لا بد من الجهاد لدفع الاعتداء ، لكيلا يُفتَن أهلُ الإيمان . فكانت غزوة بدر ، وكان فيها النصر المبين والغنائم . وكان وراء الغنائم بعض الاختلاف في قسمتها وسؤال المؤمنين عنها ، فأنزل الله تعالى هذه الآيات يعالج فيها نفوس بعض المسلمين لتطهيرها من الاختلاف الذي نشأ عن حب المال والتطلع إلى المادة ، وهو من أكبر أسباب الفشل .

فكان من مقتضيات الحكمة الإلهية أن يتلقى المؤمنون في مبدأ حياتهم هذا الدرس القوي الذي يقتلع بذور الشح والطمع وحب المادة من قلوبهم .

يسألونك أيها الرسول ، عن الغنائم لمن هي ؟ وكيف تقسم ، أللشُبّان أم للشيوخ ؟ أم للمهاجرين هي ، أم للأنصار ؟ أم لهم جميعا ؟ .

قل لهم أيها الرسول :

إنها لله والرسول ، والرسول بأمر ربه يتولى تقسيمها ، فاتركوا الاختلاف بشأنها ، واتقوا الله واجعلوا خوف الله وطاعته شِعاركم ، وأصلحوا ما بينكم فاجعلوا الصلات بينكم محبة وعدلا . هذه صفةُ أهل الإيمان .

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡأَنفَالِۖ قُلِ ٱلۡأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصۡلِحُواْ ذَاتَ بَيۡنِكُمۡۖ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ} (1)

شرح الكلمات :

{ الأنفال } : جمع نفل بتحريك الفاء : ما يعطيه الإِمام لأفراد الجيش تشجيعاً لهم .

{ ذات بينكم } : أي حقيقة بينكم ، والبين الوصلة والرابطة التي تربط بعضكم ببعض من المودة والإِخاء .

المعنى :

هذه الآيات نزلت في غزوة بدر وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد نفل بعض المجاهدين لبلائهم وتخلف آخرون فحصلت تساؤلات بين المجاهدين لم يعطي هذا ولم لا يعطي ذاك فسألوا الرسول صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى { يسألونك عن الأنفال ؟ } فأخبرهم أنها { لله والرسول } فالله يحكم فيها بما يشاء والرسول يقسمها بينكم كما يأمره ربه وعليه فاتقوا الله تعالى بترك النزاع والشقاق ، { وأصلحوا } ذات بينكم بتوثيق عرى المحبة بينكم وتصفية قلوبكم من ضغن أو حقد نشأ من جراء هذه الأنفال واختلافكم في قسمتها ، { وأطيعوا الله ورسوله } في كل ما يأمرانكم به وينهيانكم عنه { إن كنتم مؤمنين } حقاً فامتثلوا الأمر واجتنبوا النهي .

الهداية

من الهداية

- الأمر بتقوى الله عز وجل وإصلاح ذات البين .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡأَنفَالِۖ قُلِ ٱلۡأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصۡلِحُواْ ذَاتَ بَيۡنِكُمۡۖ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ} (1)

مقدمة السورة:

تفسير سورة الأنفال وهي مدنية

1 - 4 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنْفَالِ قُلِ الأنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ

الأنفال هي الغنائم التي ينفلها اللّه لهذه الأمة من أموال الكفار ، وكانت هذه الآيات في هذه السورة قد نزلت في قصة بدر أول غنيمة كبيرة غنمها المسلمون من المشركين ، . فحصل بين بعض المسلمين فيها نزاع ، فسألوا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عنها ، فأنزل اللّه يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنْفَال كيف تقسم وعلى من تقسم ؟

قُلْ لهم : الأنفال لله ورسوله يضعانها حيث شاءا ، فلا اعتراض لكم على حكم اللّه ورسوله ، . بل عليكم إذا حكم اللّه ورسوله أن ترضوا بحكمهما ، وتسلموا الأمر لهما ، . وذلك داخل في قوله فَاتَّقُوا اللَّهَ بامتثال أوامره واجتناب نواهيه . .

وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ أي : أصلحوا ما بينكم من التشاحن والتقاطع والتدابر ، بالتوادد والتحاب والتواصل . . فبذلك تجتمع كلمتكم ، ويزول ما يحصل - بسبب التقاطع -من التخاصم ، والتشاجر والتنازع .

ويدخل في إصلاح ذات البين تحسين الخلق لهم ، والعفو عن المسيئين منهم فإنه بذلك يزول كثير مما يكون في القلوب من البغضاء والتدابر ، . والأمر الجامع لذلك كله قوله : وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فإن الإيمان يدعو إلى طاعة اللّه ورسوله ، . كما أن من لم يطع اللّه ورسوله فليس بمؤمن .

ومن نقصت طاعته للّه ورسوله ، فذلك لنقص إيمانه

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡأَنفَالِۖ قُلِ ٱلۡأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصۡلِحُواْ ذَاتَ بَيۡنِكُمۡۖ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ} (1)

مقدمة السورة:

مدنية ، وهي خمس وسبعون آية . قيل : إلا سبع آيات من قوله : { وإذ يمكر بك الذين كفروا } إلى آخر سبع آيات ، فإنها نزلت بمكة . والأصح أنها نزلت بالمدينة ، وإن كانت الواقعة بمكة .

قوله تعالى : { يسألونك عن الأنفال }الآية .

قال أهل التفسير : سبب نزول هذه الآية ، هو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر من أتى مكان كذا فله من النفل كذا ، ومن قتل قتيلاً فله كذا فلما التقوا تسارع إليه الشبان ، وأقام الشيوخ ووجوه الناس عند الرايات ، فلما فتح الله على المسلمين ، جاؤوا يطلبون ما جعل لهم النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال الأشياخ : كنا ردءاً لكم ولو انهزمتم لانحرفتم إلينا ، فلا تذهبوا بالغنائم دوننا ، وقام أبو اليسر بن عمرو الأنصاري أخو بني سلمة فقال : يا رسول الله إنك وعدت من قتل قتيلاً فله كذا ومن أسر أسيراً فله كذا وإنا قد قتلنا منهم سبعين وأسرنا منهم سبعين ، فقام سعد بن معاذ رضي الله عنه فقال : والله يا رسول الله ما منعنا أن نطلب ما طلب هؤلاء لا زهادة في الآخرة ولا جبن عن العدو ، ولكن كرهنا أن تعرى مصافك فيعطف عليك خيل من المشركين فيصيبونك ، فأعرض عنهما رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال سعيد : يا رسول الله إن الناس كثير والغنيمة دون ذلك ، فإن تعط هؤلاء الذين ذكرت لا يبقى لأصحابك شيء ، فنزلت : { يسألونك عن الأنفال } .

وقال ابن إسحاق : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بما في العسكر ، فجمع ، فاختلف المسلمون فيه ، فقال من جمعه : هو لنا ، قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نفل كل امرئ ما أصاب . وقال الذين كانوا يقاتلون العدو : لولا نحن ما أصبتموه ، وقال الذين كانوا يحرسون رسول الله صلى الله عليه وسلم : لقد رأينا أن نقتل العدو ، وأن نأخذ المتاع ولكنا خفنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كرة العدو ، وقمنا دونه ، فما أنتم بأحق به منا .

وروى مكحول عن أبي أمامة الباهلي قال : سألت عبادة بن الصامت عن الأنفال ، قال : فينا معشر أصحاب بدر نزلت ، حين اختلفنا في النفل . وساءت فيه أخلاقنا ، فنزعه الله من أيدينا ، فجعله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيننا عن بواء . يقول : على السواء ، وكان في ذلك تقوى الله وطاعة رسوله ، وصلاح ذات البين . وقال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه : { لما كان يوم بدر قتل أخي عمير ، وقتلت سعيد بن العاص ابن أمية ، وأخذت سيفه ، وكان يسمى ذا الكثيفة ، فأعجبني ، فجئت به إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقلت : يا رسول الله ، إن الله قد شفى صدري من المشركين فهب لي هذا السيف ، فقال : " ليس هذا لي ولا لك ، اذهب فاطرحه في القبض " ، فطرحته ورجعت ، وبي مالا يعلمه إلا الله ، من قتل أخي ، وأخذ سلاحي ، وقلت : عسى أن يعطى هذا السيف من لم يبل ببلائي ، فما جاوزت إلا قليلاً حتى جاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد أنزل الله عز وجل : { يسألونك عن الأنفال } الآية . فخفت أن يكون قد نزل في شيء ، فلما انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " يا سعد إنك سألتني السيف وليس لي ، وإنه قد صار لي الآن ، فاذهب فخذه فهو لك " .

وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كانت المغانم لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة ليس لأحد فيها شيء ، وما أصاب سرايا المسلمين من شيء أتوه به ، فمن حبس منه إبرةً ، أو سلكاً ، فهو غلول . قوله : { يسألونك عن الأنفال } أي : عن حكم الأنفال وعلمها ، وهو سؤال استخبار لا سؤال طلب ، وقيل : هو سؤال طلب ، قاله الضحاك وعكرمة . وقوله : { عن الأنفال } أي : من الأنفال ، عن بمعنى من . وقيل : ( عن ) صلة ، أي : يسألونك الأنفال ، وهكذا قراءة ابن مسعود بحذف عن . والأنفال : الغنائم ، واحدها : نفل ، وأصله الزيادة ، يقال : نفلتك وأنفلتك ، أي : زدتك ، سميت الغنائم أنفالاً : لأنها زيادة من الله تعالى لهذه الأمة على الخصوص . وأكثر المفسرين على أن الآية في غنائم بدر ، وقال عطاء : هي ما شذ من المشركين إلى المسلمين بغير قتال ، من عبد ، أو أمة ، أومتاع ، فهو للنبي صلى الله عليه وسلم يصنع به ما شاء .

قوله تعالى : { قل الأنفال لله والرسول } يقسمانها كما شاءا . واختلفوا فيه ، فقال مجاهد وعكرمة ، والسدي : هذه الآية منسوخة بقوله عز وجل : { واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول } الآية . كانت الغنائم يومئذ للنبي صلى الله عليه وسلم فنسخها الله عز وجل بالخمس . وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : هي ثابتة غير منسوخة ، ومعنى الآية : قل الأنفال لله مع الدنيا والآخرة وللرسول يضعها حيث أمره الله تعالى ، أي : الحكم فيها لله ولرسوله ، وقد بين الله مصارفها في قوله عز وجل : { واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول }الآية .

قوله تعالى : { فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم } ، أي : اتقوا الله بطاعته ، وأصلحوا الحال بينكم بترك المنازعة والمخالفة ، وتسليم أمر الغنيمة إلى الله والرسول صلى الله عليه وسلم .

قوله تعالى : { وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين } .