الأولى : قوله تعالى : " وإن خفتم " شرط ، وجوابه " فانكحوا " . أي إن خفتم ألا تعدلوا في مهورهن وفي النفقة عليهن " فانكحوا ما طاب لكم " أي غيرهن . وروى الأئمة واللفظ لمسلم عن عروة بن الزبير عن عائشة في قول الله تعالى : " وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع " قالت : يا ابن أختي هي اليتيمة تكون في حجر وليها تشاركه في ماله فيعجبه مالها وجمالها ، فيريد وليها أن يتزوجها من غير أن يقسط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره ، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن ويبلغوا بهن أعلى سنتهن من الصداق وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن . وذكر الحديث . وقال ابن خويز منداد : ولهذا قلنا إنه يجوز أن يشتري الوصي من مال اليتيم لنفسه ، ويبيع من نفسه من غير محاباة . وللموكل النظر فيما اشترى وكيله لنفسه أو باع منها . وللسلطان النظر فيما يفعله الوصي من ذلك . فأما الأب فليس لأحد عليه نظر ما لم تظهر عليه المحاباة فيعترض عليه السلطان حينئذ ، وقد مضى في " البقرة " {[3911]} القول في هذا . وقال الضحاك والحسن وغيرهما : إن الآية ناسخة لما كان في الجاهلية وفي أول الإسلام ، من أن للرجل أن يتزوج من الحرائر ما شاء ، فقصرتهن الآية على أربع . وقال ابن عباس وابن جبير وغيرهما : ( المعنى وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فكذلك خافوا في النساء ) ؛ لأنهم كانوا يتحرجون في اليتامى ولا يتحرجون في النساء و " خفتم " من الأضداد ، فإنه يكون المخوف منه معلوم الوقوع ، وقد يكون مظنونا ؛ فلذلك اختلف العلماء في تفسير هذا الخوف . فقال أبو عبيدة : " خفتم " بمعنى أيقنتم . وقال آخرون : " خفتم " ظننتم . قال ابن عطية : وهذا الذي اختاره الحذاق ، وأنه على بابه من الظن لا من اليقين . التقدير من غلب على ظنه التقصير في القسط لليتيمة فليعدل عنها . و " تقسطوا " معناه تعدلوا . يقال : أقسط الرجل إذا عدل . وقسط إذا جار وظلم صاحبه . قال الله تعالى : " وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا " {[3912]} [ الجن : 15 ] يعني الجائرون . وقال عليه السلام : ( المقسطون في الدين على منابر من نور يوم القيامة ) يعني العادلين . وقرأ ابن وثاب والنخعي " تقسطوا " بفتح التاء من قسط على تقدير زيادة " لا " كأنه قال : وإن خفتم أن تجوروا .
الثانية : قوله تعالى : " فانكحوا ما طاب لكم من النساء " إن قيل : كيف جاءت " ما " للآدميين وإنما أصلها لما لا يعقل ، فعنه أجوبة خمسة : الأول - أن " من " و " ما " قد يتعاقبان ، قال الله تعالى : " والسماء وما بناها " {[3913]} [ الشمس : 5 ] أي ومن بناها . وقال " فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع " {[3914]} [ النور :45 ] . فما ههنا لمن يعقل وهن النساء ؛ لقوله بعد ذلك " من النساء " مبينا لمبهم . وقرأ ابن أبي عبلة " من طاب " على ذكر من يعقل . الثاني : قال البصريون : " ما " تقع للنعوت كما تقع لما لا يعقل يقال : ما عندك ؟ فيقال : ظريف وكريم . فالمعنى فانكحوا الطيب من النساء ، أي الحلال ، وما حرمه الله فليس بطيب . وفي التنزيل " وما رب العالمين " {[3915]} فأجابه موسى على وفق ما سأل ، وسيأتي . الثالث : حكى بعض الناس أن " ما " في هذه الآية ظرفية ، أي ما دمتم تستحسنون النكاح قال ابن عطية : وفي هذا المنزع ضعف . جواب رابع : قال الفراء " ما " ههنا مصدر . وقال النحاس : وهذا بعيد جدا ، لا يصح فانكحوا الطيبة . قال الجوهري : طاب الشيء يطيب طيبة وتطيابا . قال علقمة :
كأن تَطيابَها في الأنف مشموم{[3916]}
جواب خامس : وهو أن المراد بما هنا العقد ، أي فانكحوا نكاحا طيبا . وقراءة ابن أبي عبلة ترد هذه الأقوال الثلاثة . وحكى أبو عمرو بن العلاء أن أهل مكة إذا سمعوا الرعد قالوا : سبحان ما سبح له الرعد . أي سبحان من سبح له الرعد . ومثله قولهم : سبحان ما سخركن لنا . أي من سخركن . واتفق كل من يعاني العلوم على أن قوله تعالى : " وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى " ليس له مفهوم ؛ إذ قد أجمع المسلمون على أن من لم يخف القسط في اليتامى له أن ينكح أكثر من واحدة : اثنتين أو ثلاثا أو أربعا كمن خاف . فدل على أن الآية نزلت جوابا لمن خاف ذلك ، وأن حكمها أعم من ذلك .
الثالثة : تعلق أبو حنيفة بهذه الآية في تجويزه{[3917]} نكاح اليتيمة قبل البلوغ . وقال : إنما تكون يتيمة قبل البلوغ ، وبعد البلوغ هي امرأة مطلقة لا يتيمة ، بدليل أنه لو أراد البالغة لما نهى عن حطها عن صداق مثلها ؛ لأنها تختار ذلك فيجوز إجماعا . وذهب مالك والشافعي والجمهور من العلماء إلى أن ذلك لا يجوز حتى تبلغ وتستأمر ؛ لقوله تعالى : " ويستفتونك في النساء " [ النساء : 127 ] والنساء اسم ينطلق على الكبار كالرجال في الذكور ، واسم الرجل لا يتناول الصغير ، فكذلك اسم النساء ، والمرأة لا يتناول الصغيرة . وقد قال : " في يتامى النساء " [ النساء : 127 ] والمراد به هناك اليتامى هنا ، كما قالت عائشة رضي الله عنها . فقد دخلت اليتيمة الكبيرة في الآية فلا تزوج إلا بإذنها ، ولا تنكح الصغيرة إذ لا إذن لها ، فإذا بلغت جاز نكاحها لكن لا تزوج إلا بإذنها . كما رواه الدارقطني من حديث محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر قال : زوجني خالي قدامة بن مظعون بنت أخيه عثمان بن مظعون ، فدخل المغيرة بن شعبة على أمها ، فأرغبها في المال وخطبها إليها ، فرفع شأنها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال قدامة : يا رسول الله ابنة أخي وأنا وصي أبيها ولم أقصر بها ، زوجتها من قد علمت فضله وقرابته . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنها يتيمة واليتيمة أولى بأمرها ) فنزعت مني وزوجها المغيرة بن شعبة . قال الدارقطني : لم يسمعه محمد بن إسحاق من نافع ، وإنما سمعه من عمر بن حسين عنه . ورواه ابن أبي ذئب عن عمر بن حسين عن نافع عن عبدالله بن عمر : أنه تزوج بنت خاله عثمان بن مظعون قال : فذهبت أمها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : إن ابنتي تكره ذلك . فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يفارقها ففارقها . وقال : ( ولا تنكحوا اليتامى حتى تستأمروهن فإذا سكتن فهو إذنها ) . فتزوجها بعد عبدالله المغيرة بن شعبة . فهذا يرد ما يقوله أبو حنيفة من أنها إذا بلغت لم تحتج إلى ولي ، بناء على أصله في عدم اشتراط الولي في صحة النكاح . وقد مضى في " البقرة " {[3918]} ذكره ، فلا معنى لقولهم : إن هذا الحديث محمول على غير البالغة لقوله ( إلا بإذنها ) فإنه كان لا يكون لذكر اليتيم معنى . والله أعلم .
الرابعة : وفي تفسير عائشة للآية من الفقه ما قال به مالك صداق المثل ، والرد إليه فيما فسد من الصداق ووقع الغبن في مقداره ؛ لقولها : ( بأدنى من سنة صداقها ) . فوجب أن يكون صداق المثل معروفا لكل صنف من الناس على قدر أحوالهم . وقد قال مالك : للناس مناكح عرفت لهم وعرفوا لها . أي : صَدُقات وأكفاء . وسئل مالك عن رجل زوج ابنته [ غنية ]{[3919]} من ابن أخ له فقير فاعترضت أمها فقال : إني لأرى لها في ذلك متكلما ، فسوغ لها في ذلك الكلام حتى يظهر هو من نظره ما يسقط اعتراض الأم عليه . وروي " لا أرى " بزيادة الألف والأول أصح . وجائز لغير اليتيمة أن تنكح بأدنى من صداق مثلها ؛ لأن الآية إنما خرجت في اليتامى . هذا مفهومها وغير اليتيمة بخلافها .
الخامسة : فإذا بلغت اليتيمة وأقسط الولي في صداقها جاز له أن يتزوجها ، ويكون هو الناكح والمنكح على ما فسرته عائشة . وبه قال أبو حنيفة والأوزاعي والثوري وأبو ثور ، وقاله من التابعين الحسن وربيعة ، وهو قول الليث . وقال زفر والشافعي : لا يجوز له أن يتزوجها إلا بإذن السلطان ، أو يزوجها منه ولي لها هو أقعد بها منه ، أو مثله في القعود{[3920]} ، وأما أن يتولى طرفي العقد بنفسه فيكون ناكحا منكحا فلا . واحتجوا بأن الولاية شرط من شروط العقد لقوله عليه السلام : ( لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل ) . فتعديد الناكح والمنكح والشهود واجب ، فإذا اتحد اثنان منهم سقط واحد من المذكورين . وفي المسألة قول ثالث ، وهو أن تجعل أمرها إلى رجل يزوجها منه . روي هذا عن المغيرة بن شعبة ، وبه قال أحمد ، ذكره ابن المنذر .
السادسة : قوله تعالى : " ما طاب لكم من النساء " معناه ما حل لكم ، عن الحسن وابن جبير وغيرهما . واكتفى بذكر من يجوز نكاحه ؛ لأن المحرمات من النساء كثير . وقرأ ابن إسحاق والجحدري وحمزة " طاب " " بالإمالة " وفي مصحف أبي " طيب " بالياء ، فهذا دليل الإمالة . " من النساء " دليل على أنه لا يقال نساء إلا لمن بلغ الحلم . وواحد النساء نسوة ، ولا واحد لنسوة من لفظه ، ولكن يقال امرأة .
السابعة : قوله تعالى : " مثنى وثلاث ورباع " وموضعها من الإعراب نصب على البدل من " ما " وهي نكرة لا تنصرف ؛ لأنها معدولة وصفة ، كذا قال أبو علي . وقال الطبري : هي معارف ؛ لأنها لا يدخلها الألف واللام ، وهي بمنزلة عمر في التعريف ، قاله الكوفي . وخطأ الزجاج هذا القول . وقيل : لم ينصرف ؛ لأنه معدول عن لفظه ومعناه ، فأحاد معدول عن واحد واحد ، ومثنى معدولة عن اثنين اثنين ، وثلاث معدولة عن ثلاثة ثلاثة ، ورباع عن أربعة أربعة . وفي كل واحد منها لغتان : فعال ومفعل ، يقال أحاد وموحد وثناء ومثنى وثلاث ومثلث ورباع ومربع ، وكذلك إلى معشر وعشار . وحكى أبو إسحاق الثعلبي لغة ثالثة : أحد وثنى وثلث وربع مثل عمر وزفر . وكذلك قرأ النخعي في هذه الآية . وحكى المهدوي عن النخعي وابن وثاب " ثلاث وربع " بغير ألف في ربع فهو مقصور من رباع استخفافا ، كما قال :
أقبل سَيْلُ جاء من عند الله *** يَحرِدُ حرد الجنة المُغِلَّهْ{[3921]}
قال الثعلبي : ولا يزاد من هذا البناء على الأربع إلا بيت جاء عن الكميت :
فلم يسْتَريثُوك حتى رمي *** تَ فوق الرجال خصالا عشارا
يعني طعنت عشرة . وقال ابن الدهان : وبعضهم يقف على المسموع وهو من أحاد إلى رباع ولا يعتبر بالبيت لشذوذه . وقال أبو عمرو بن الحاجب : ويقال أحاد وموحد وثناء ومثنى وثلاث ومثلث ورباع ومربع . وهل يقال فيما عداه إلى التسعة أو لا يقال ؟ فيه خلاف أصحها أنه لم يثبت . وقد نص البخاري في صحيحه على ذلك . وكونه معدولا عن معناه أنه لا يستعمل في موضع تستعمل فيه الأعداد غير المعدولة ، تقول : جاءني اثنان وثلاثة ، ولا يجوز مثنى وثلاث حتى يتقدم قبله جمع ، مثل جاءني القوم أحاد وثناء وثلاث ورباع من غير تكرار . وهي في موضع الحال هنا وفي الآية ، وتكون صفة ، ومثال كون هذه الأعداد صفة يتبين في قوله تعالى : " أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع " {[3922]} [ فاطر : 1 ] فهي{[3923]} صفة للأجنحة وهي{[3924]} نكرة . وقال ساعدة بن جؤية :
ولكنما أهلي بوادٍ أنيسه *** ذئاب تَبَغَّى الناس مثنى ومَوْحَدُ{[3925]}
قتلنا به من بين مثنى ومَوْحَدِ *** بأربعة منكم وآخر خامس{[3926]}
فوصف ذئابا وهي نكرة بمثنى وموحد ، وكذلك بيت الفراء ، أي قتلنا به ناسا ، فلا تنصرف إذا هذه الأسماء في معرفة ولا نكرة . وأجاز الكسائي والفراء صرفه في العدد على أنه نكرة . وزعم الأخفش أنه إن سمى به صرفه في المعرفة والنكرة ؛ لأنه قد زال عنه العدل .
الثامنة : اعلم أن هذا العدد مثنى وثلاث ورباع لا يدل على إباحة تسع ، كما قال من بعد فهمه للكتاب والسنة ، وأعرض عما كان عليه سلف هذه الأمة ، وزعم أن الواو جامعة ، وعضد ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم نكح تسعا ، وجمع بينهن في عصمته . والذي صار إلى هذه الجهالة ، وقال هذه{[3927]} المقالة الرافضة وبعض أهل الظاهر ، فجعلوا مثنى مثل اثنين ، وكذلك ثلاث ورباع . وذهب بعض أهل الظاهر أيضا إلى أقبح منها ، فقالوا بإباحة الجمع بين ثمان عشرة ؛ تمسكا منه بأن العدل في تلك الصيغ يفيد التكرار والواو للجمع ، فجعل مثنى بمعنى اثنين اثنين وكذلك ثلاث ورباع . وهذا كله جهل باللسان والسنة ، ومخالفة لإجماع الأمة ، إذ لم يسمع عن أحد من الصحابة ولا التابعين أنه جمع في عصمته أكثر من أربع . وأخرج مالك في موطئه ، والنسائي والدارقطني في سننهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لغيلان بن أمية الثقفي وقد أسلم وتحته عشر نسوة : ( اختر منهن أربعا وفارق سائرهن ) . في كتاب أبي داود عن الحارث بن قيس قال : أسلمت وعندي ثمان نسوة ، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( اختر منهن أربعا ) . وقال مقاتل : إن قيس بن الحارث كان عنده ثمان نسوة حرائر ، فلما نزلت هذه الآية أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطلق أربعا ويمسك أربعا . كذا قال : " قيس بن الحارث " ، والصواب أن ذلك كان حارث بن قيس الأسدي كما ذكر أبو داود . وكذا روى محمد بن الحسن في كتاب السير الكبير : أن ذلك كان حارث بن قيس ، وهو المعروف عند الفقهاء . وأما ما أبيح من ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فذلك من خصوصياته ، على ما يأتي بيانه في " الأحزاب " {[3928]} . وأما قولهم : إن الواو جامعة ، فقد قيل ذلك ، لكن الله تعالى خاطب العرب بأفصح اللغات . والعرب لا تدع أن تقول تسعة وتقول اثنين وثلاثة وأربعة . وكذلك تستقبح ممن يقول : اعط فلانا أربعة ستة ثمانية ، ولا يقول ثمانية عشر . وإنما الواو في هذا الموضع بدل ، أي انكحوا ثلاثا بدلا من مثنى ، ورباع بدلا من ثلاث ؛ ولذلك عطف بالواو ولم يعطف بأو . ولو جاء بأو لجاز إلا يكون لصاحب المثنى ثلاث ، ولا لصاحب الثلاث رباع . وأما قولهم : إن مثنى تقتضي اثنين ، وثلاث ثلاثة ، ورباع أربعة ، فتحكم بما لا يوافقهم أهل اللسان عليه ، وجهالة منهم . وكذلك جهل الآخرين{[3929]} ، بأن مثنى تقتضي اثنين اثنين ، وثلاث ثلاثة ثلاثة ، ورباع أربعة أربعة ، ولم يعلموا أن اثنين اثنين ، وثلاثا ثلاثا ، وأربعا أربعا ، حصر للعدد . ومثنى وثلاث ورباع بخلافها . ففي العدد المعدول عند العرب زيادة معنى ليست في الأصل ، وذلك أنها إذا قالت : جاءت الخيل مثنى ، إنما تعني بذلك اثنين اثنين ، أي جاءت مزدوجة . قال الجوهري : وكذلك معدول العدد . وقال غيره : إذا قلت جاءني قوم مثنى أو ثلاث أو أحاد أو عشار ، فإنما تريد أنهم جاؤوك واحدا واحدا ، أو اثنين اثنين ، أو ثلاثة ثلاثة ، أو عشرة عشرة ، وليس هذا المعنى في الأصل ؛ لأنك إذا قلت جاءني قوم ثلاثة ثلاثة ، أو قوم عشرة عشرة ، فقد حصرت عدة القوم بقولك ثلاثة وعشرة . فإذا قلت جاؤوني رباع وثناء فلم تحصر عدتهم . وإنما تريد أنهم جاؤوك أربعة أربعة أو اثنين اثنين . وسواء كثر عددهم أو قل في هذا الباب ، فقصرهم كل صيغة على أقل ما تقتضيه بزعمه تحكم .
وأما اختلاف علماء المسلمين في الذي يتزوج خامسة وعنده أربع وهي :
التاسعة : فقال مالك والشافعي : عليه الحد إن كان عالما . وبه قال أبو ثور . وقال الزهري : يرجم إذا كان عالما ، وإن كان جاهلا أدنى الحدين الذي هو الجلد ، ولها مهرها ويفرق بينهما ولا يجتمعان أبدا . وقالت طائفة : لا حد عليه في شيء من ذلك . هذا قول النعمان . وقال يعقوب ومحمد : يحد في ذات المحرم ولا يحد في غير ذلك من النكاح . وذلك مثل أن يتزوج مجوسية أو خمسة{[3930]} في عقدة أو تزوج متعة{[3931]} أو تزوج بغير شهود ، أو أمة تزوجها بغير إذن مولاها . وقال أبو ثور : إذا علم أن هذا لا يحل له يجب أن يحد فيه كله إلا التزوج بغير شهود . وفيه قول ثالث قاله النخعي في الرجل ينكح الخامسة متعمدا قبل أن تنقضي عدة الرابعة من نسائه : جلد مائة ولا ينفى . فهذه فتيا علمائنا{[3932]} في الخامسة على ما ذكره ابن المنذر فكيف بما فوقها .
العاشرة : ذكر الزبير بن بكار حدثني إبراهيم الحزامي عن محمد بن معن الغفاري قال : أتت امرأة إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فقالت : يا أمير المؤمنين ، إن زوجي يصوم النهار ويقوم الليل وأنا أكره أن أشكوه ، وهو يعمل بطاعة الله عز وجل . فقال لها : نعم الزوج{[3933]} زوجك : فجعلت تكرر عليه القول وهو{[3934]} يكرر عليها الجواب . فقال له كعب الأسدي{[3935]} : يا أمير المؤمنين ، هذه المرأة تشكو زوجها في مباعدته إياها عن فراشه . فقال عمر : ( كما فهمت كلامها فاقض بينهما ) . فقال كعب : علي بزوجها ، فأتي به فقال له : إن امرأتك هذه تشكوك . قال : أفي طعام أم شراب ؟ قال لا . فقالت المرأة :
يا أيها القاضي الحكيم رشدُه *** ألْهَى خليلي عن فراشي مسجدُه
زهده في مضجعي تعبده *** فاقض القضا كعب ولا تُردِّدُهُ
نهاره وليله ما يرقده *** فلست في أمر النساء أحمدُهُ
زهدني في فرشها وفي الحَجَلْ{[3936]} *** أني امرؤ أذهلني ما قد نزل
في سورة النحل وفي السبع{[3937]} الطُّوَل *** وفي كتاب الله تخويف جلل
إن لها عليك حقا يا رجل *** نصيبها في أربع لمن عقل
ثم قال : إن الله عز وجل قد أحل لك من النساء مثنى وثلاث ورباع ، فلك ثلاثة أيام ولياليهن تعبد فيهن ربك . فقال عمر : ( والله ما أدري من أي أمريك أعجب ؟ أمن فهمك أمرهما أم من حكمك بينهما ؟ اذهب فقد وليتك قضاء البصرة ) . وروى أبو هدبة إبراهيم بن هدبة حدثنا أنس بن مالك قال : أتت النبي صلى الله عليه وسلم امرأة تستعدي زوجها ، فقالت : ليس لي ما للنساء ، زوجي يصوم الدهر . قال : ( لك يوم وله يوم ، للعبادة يوم وللمرأة يوم ) .
الحادية عشر : قوله تعالى : " فإن خفتم ألا تعدلوا " قال الضحاك وغيره : في الميل والمحبة والجماع والعشرة والقسم بين الزوجات الأربع والثلاث والاثنتين " فواحدة " فمنع من الزيادة التي تؤدي إلى ترك العدل في القسم وحسن العشرة . وذلك دليل على وجوب ذلك ، والله أعلم . وقرئت بالرفع ، أي فواحدة فيها كفاية أو كافية . وقال الكسائي : فواحدة تقنع . وقرئت بالنصب بإضمار فعل ، أي فانكحوا واحدة .
الثانية عشر : قوله تعالى : " أو ما ملكت أيمانكم " يريد الإماء . وهو عطف على " فواحدة " أي إن خاف ألا يعدل في واحدة فما ملكت يمينه . وفي هذا دليل على ألا حق لملك اليمين في الوطء ولا القسم ؛ لأن المعنى " فإن خفتم ألا تعدلوا " في القسم " فواحدة أو ما ملكت أيمانكم " فجعل ملك اليمين كله بمنزلة واحدة ، فانتفى بذلك أن يكون للإماء حق في الوطء أو في القسم . إلا أن ملك اليمين في العدل قائم بوجوب حسن الملكة والرفق بالرقيق . وأسند تعالى الملك إلى اليمين إذ هي صفة مدح ، واليمين مخصوصة بالمحاسن لتمكنها . ألا ترى أنها المنفقة ؟ كما قال عليه السلام : ( حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ) وهي المعاهدة المبايعة ، وبها سميت الألِيَّةُ يمينا ، وهي المتلقية لرايات المجد ، كما قال :
إذا ما راية رفعت لمجد *** تلقاها عرابة باليمين{[3938]}
الثالثة عشر : قوله تعالى : " ذلك أدنى ألا تعولوا " أي ذلك أقرب إلى ألا تميلوا عن الحق وتجوروا . عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما . يقال : عال الرجل يعول إذا جار ومال . ومنه قولهم : عال السهم عن الهدف مال عنه . قال ابن عمر : ( إنه لعائل الكيل والوزن ) ، قال الشاعر :
قالوا{[3939]} اتبعنا رسول الله واطرحوا *** قول الرسول وعالوا في الموازين
بميزان صدق لا يُغِلُّ{[3940]} شعيرة *** له شاهد من نفسه غير عائل
ثلاثة أنفس وثلاث ذَوْدٍ *** لقد عال الزمان على عيالي{[3941]}
أي جار ومال . وعال الرجل يعيل إذا افتقر فصار عالة . ومنه قوله تعالى : " وإن خفتم عيلة " {[3942]} [ التوبة : 28 ] . ومنه قول الشاعر :
وما يدري الفقير متى غناه *** وما يدري الغني متى يَعِيلُ{[3943]}
وهو عائل وقوم عيلة ، والعيلة والعالة الفاقة ، وعالني الشيء يعولني إذا غلبني وثقل علي ، وعال الأمر اشتد وتفاقم . وقال الشافعي : " ألا تعولوا " [ النساء : 3 ] ألا تكثر عيالكم . قال الثعلبي : وما قال هذا غيره ، وإنما يقال : أعال يعيل إذا كثر عيال . وزعم ابن العربي أن عال على سبعة معان لا ثامن لها ، يقال : عال مال ، الثاني : زاد ، الثالث : جار ، الرابع : افتقر ، الخامس : أثقل ، حكاه ابن دريد . قالت الخنساء :
ويكفي العشيرة{[3944]} ما عالها
السادس : عال قام بمؤونة العيال ، ومنه قوله عليه السلام : ( وابدأ بمن تعول ) . السابع : عال غلب ، ومنه عيل صبره{[3945]} . أي غلب . ويقال : أعال الرجل كثر عيال . وأما عال بمعنى كثر عياله فلا يصح . قلت : أما قول الثعلبي " ما قاله غيره " فقد أسنده الدارقطني في سننه عن زيد بن أسلم ، وهو قول جابر بن زيد ، فهذان إمامان من علماء المسلمين وأئمتهم قد سبقا الشافعي إليه . وأما ما ذكره ابن العربي من الحصر وعدم الصحة فلا يصح . وقد ذكرنا : عال الأمر اشتد وتفاقم ، حكاه الجوهري . وقال الهروي في غريبه : " وقال أبو بكر : يقال عال الرجل في الأرض يعيل فيها{[3946]} أي ضرب فيها . وقال الأحمر : يقال عالني الشيء يعيلني عيلا ومعيلا إذا أعجزك " . وأما عال كثر عياله فذكره الكسائي وأبو عمر الدوري وابن الأعرابي . قال الكسائي أبو الحسن علي بن حمزة : العرب تقول عال يعول وأعال يعيل أي كثر عياله . وقال أبو حاتم : كان الشافعي أعلم بلغة العرب منا ، ولعله لغة . قال الثعلبي المفسر : قال أستاذنا أبو القاسم بن حبيب : سألت أبا عمر الدوري عن هذا وكان إماما في اللغة غير مدافع فقال : هي لغة حمير ، وأنشد :
وإن الموت يأخذ كل حي *** بلا شك وإن أمشى وعَالاَ
يعني وإن كثرت ماشيته وعياله . وقال أبو عمرو بن العلاء : لقد كثرت وجوه العرب حتى خشيت{[3947]} أن آخذ عن لاحن لحنا . وقرأ طلحة بن مصرف " ألا تعيلوا " وهي حجة الشافعي رضي الله عنه . قال ابن عطية : وقدح الزجاج وغيره في تأويل عال من العيال بأن قال : إن الله تعالى قد أباح كثرة السراري وفي ذلك تكثير العيال ، فكيف يكون أقرب إلى ألا يكثر العيال . وهذا القدح غير صحيح ؛ لأن السراري إنما هي مال يتصرف فيه بالبيع ، وإنما العيال{[3948]} القادح الحرائر ذوات الحقوق الواجبة . وحكى ابن الأعرابي أن العرب تقول : عال الرجل إذا كثر عياله .
الرابعة عشر : تعلق بهذه الآية من أجاز للمملوك أن يتزوج أربعا ؛ لأن الله تعالى قال : " فانكحوا ما طاب لكم من النساء " يعني ما حل " مثنى وثلاث ورباع " ولم يخص عبدا من حر . وهو قول داود والطبري وهو المشهور عن مالك وتحصيل مذهبه على ما في موطئه ، وكذلك روى عنه ابن القاسم وأشهب . وذكر ابن المواز أن ابن وهب روى عن مالك أن العبد لا يتزوج إلا اثنتين ، قال وهو قول الليث . قال أبو عمر : قال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما والثوري والليث بن سعد : لا يتزوج العبد أكثر من اثنتين ، وبه قال أحمد وإسحاق . وروي عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبدالرحمن بن عوف في العبد لا ينكح أكثر من اثنتين ، ولا أعلم لهم مخالفا من الصحابة . وهو قول الشعبي{[3949]} وعطاء وابن سيرين والحكم{[3950]} وإبراهيم وحماد{[3951]} . والحجة لهذا القول القياس الصحيح على طلاقه وحده . وكل من قال حده نصف حد الحر ، وطلاقه تطليقتان ، وإيلاؤه شهران ، ونحو ذلك من أحكامه فغير بعيد أن يقال : تناقض في قوله " ينكح أربعا " والله أعلم .
ولما كان تعالى قد{[20343]} أجرى سنة الإلهية في أنه لا بد في التناسل من توسط{[20344]} النكاح إلا ما كان من آدم وحواء وعيسى عليهم الصلاة والسلام ، وكانوا قد أمروا بالعدل في أموال اليتامى ، وكانوا يلون{[20345]} أمور يتاماهم ، وكانوا ربما نكحوا من في حجورهم منهن ، فكان ربما أوقفهم هذا التحذير من أموالهم عن النكاح خوفاً من التقصير في حق من حقوقهن أتبعه تعالى عطفاً على ما تقديره : فإن وثقتم من أنفسكم{[20346]} بالعدل فخالطوهم بالنكاح وغيره : { وإن خفتم } فعبر بأداة الشك حثاً على الورع { ألا تقسطوا } أي تعدلوا { في اليتامى } ووثقتم من أنفسكم بالعدل في غيرهن { فانكحوا } .
ولما كانت النساء ناقصات عقلاً وديناً ، عبر عنهن بأداة ما لا يعقل إشارة إلى الرفق بهن والتجاوز عنهن فقال : { ما } ولما أفاد أنكحوا الإذن المتضمن للحل ، حمل الطيب على اللذيذ المنفك عن النهي السابق ليكون الكلام عاماً مخصوصاً بما يأتي من آية المحرمات من النساء - ولا يحمل الطيب على الحل لئلا يؤدي - مع كونه تكراراً - إلى أن يكون الكلام مجملاً - لأن الحل لم يتقدم علمه ، والحمل على العام المخصوص أولى ، لأنه حجة في غير محل التخصيص ، والمجمل{[20347]} ليس بحجة أصلاً - أفاده{[20348]} الإمام الرازي ؛ فقال تعالى : { طاب } أي زال عنه حرج النهي السابق ولذّ ، وأتبعه قيداً لا بد منه بقوله : { لكم } وصرح بما علم التزاماً فقال : { من النساء } أي من غيرهن { مثنى وثلاث ورباع } أي حال كون هذا المأذون في نكاحه{[20349]} موزَّعاً هكذا : ثنتين ثنتين وثلاثاً ثلاثاً وأربعاً أربعاً لكل واحد ، وهذا الحكم عرف من العطف بالواو ، ولو كان بأو لما أفاد التزوج إلا على أحد هذه الوجوه الثلاثة{[20350]} ، ولم يفد التخيير المفيد للجمع بينها على سبيل التوزيع ، وهذا دليل واضح على أن النساء أضعاف الرجال ، وروى البخاري في التفسير " عن عروة ابن الزبير أنه سأل عائشة رضي الله عنها عن قوله{[20351]} تعالى : { وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى } [ النساء : 3 ] ، فقالت : يا ابن أختي ! هذه اليتيمة تكون في حجر وليها ، تشركه في ماله ، ويعجبه مالها وجمالها ، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط{[20352]} في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها{[20353]} غيره ، فنهوا عن ذلك أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن ويبلغوا لهن أعلى سنتهن{[20354]} في الصداق ، فأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن قال عروة : قالت عائشة : وإن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية ، فأنزل الله عز وجل{ و{[20355]}يستفتونك في النساء }[ النساء : 127 ] قالت عائشة : وقول الله عز وجل في آية أخرى{ وترغبون أن تنكحوهن }[ النساء : 127 ] رغبة{[20356]} أحدكم عن يتيمته حين تكون قليلة {[20357]}المال والجمال ، قالت{[20358]} : فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في ماله وجماله في يتامى النساء إلا بالقسط ، من أجل رغبتهم عنهن إذا كن قليلات المال والجمال " وفي رواية " في النكاح " ، فكما يتركونها حين يرغبون عنها فليس لهم أن ينكحوها إذا رغبوا فيها{[20359]} إلا أن يقسطوا لها ويعطوها حقها الأوفى في الصداق ؛ وهذا الخطاب للأحرار دون العبيد ، لأن العبد لا يستقل{[20360]} بنكاح{[20361]} ما طاب له ، بل لا بد من إذن السيد .
ولما كان النساء كالتيامى في الضعف قال مسبباً عن الإذن في النكاح : { فإن خفتم ألا تعدلوا } أي في الجمع{[20362]} { فواحدة } أي فانكحوها ، لأن الاقتصار عليها أقرب إلى العدل ، لأنه ليس معها من يقسم له فيجب العدل بينها وبينه ، ولما كان حسن العشرة المؤدي إلى العدل دائراً على اطراح النفس ، وكان الإماء - لكسرهن بالغربة وعدم الأهل - أقرب إلى حسن العشرة سوّى بين العدد منهن إلى غير نهاية وبين الواحدة من الحرائر فقيل : { أو ما } أي انكحوا ما { ملكت أيمانكم } فإنه لا قسم بينهن ، وذكر ملك اليمين يدل أيضاً على أن الخطاب من أوله خاص بالأحرار { ذلك } أي نكاح غير اليتامى والتقلل من الحرائر والاقتصار على الإماء { أدنى } أي أقرب{[20363]} إلى { ألا تعولوا * } أي{[20364]} تميلوا{[20365]} بالجور عن{[20366]} منهاج القسط وهو الوزن المستقيم ، أو تكثر{[20367]} عيالكم ، أما عند الواحدة فواضح ، وأما عند الإماء فالبعزل{[20368]} ، وعدم احتياج الرجل معهن لخادم له أو لهن ، والبيع لمن أراد منهن ، وأمرهن بالاكتساب ، أو تحتاجوا فتظلموا بعض النساء ، أو تأكلوا أموال التيامى ؛ وكل معنى من هذه راجع إلى لازم لمعنى{[20369]} المادة التي مدارها عليه ، لأن مادة " علا " {[20370]} - واوية بجميع تقاليبها الست : علو ، عول ، لوع ، لعو ، {[20371]}وعل ، ولع{[20372]} ؛ ويائية بتركيبيها : ليع{[20373]} ، عيل تدور على الارتفاع ، ويلزمه الزيادة والميل ، فمن{[20374]} الارتفاع : العلو والوعل والولع ، ومن الميل والزيادة : العول ، وبقية المادة يائيةً و{[20375]}واويةً إما للإزالة ، وإما لأحد هذه المعاني - على ما يأتي بيانه ؛ فعلا يعلو : ارتفع ، والعالية : {[20376]}الفتاة القويمة - لأنها تكون أرفع مما ساواها وهو معوج ، والعالية من محال الحجاز - لإشرافها على ما حولها ، وكذا العوالي - لقرى{[20377]} بظاهر المدينة الشريفة{[20378]} - لأنها في المكان العالي الذي يجري ماؤه إلى غيره ، والمعلاة : كسب الشرف ، ومقبرة{[20379]} مكة بالحجون - لأنها في أعلى مكة وماؤها يصوب إلى ما دونه ، وفلان من علية الناس ، أي أشرافهم ، والعلية بالتشديد : الغرفة ، وعلى حرف الاستعلاء{[20380]} ، وتعلت المرأة من نفاسها ، أي طهرت وشفيت - لأنها كانت في سفول من الحال ، والعلاوة : رأس الجبل وعنقه ، وما يحمل على البعير بين العدلين ، ومن كل شيء : ما زاد عليه ، والمعلى : القدح السابع{[20381]} من{[20382]} الميسر - لأنه الغاية في القداح الفائزة ، لأن القداح عشرة : السبعة الأولى منها فائزة ، والثلاثة الأخيرة مهملة لا أنصباء{[20383]} لها ، وعلوان الكتاب : عنوانه وارتفاعه على بقية الكتاب واضح ، والعليان : الطويل والضخم ، والناقة المشرفة ، ومن الأصوات : الجهيرة ، والعلاة : السندان ، والعلياء : رأس كل جبل مشرف ، والسماء ، والمكان العالي ، وكل ما علا من شيء ، وعليك زيداً : الزمه - لأنه يلزم من ملازمته له العلو على أمره ، وعلا النهار : ارتفع{[20384]} ، وعلا الدابة : ركبها ، وأعلى عنها : نزل - كأنه من الإزالة ، وكذا علَّى المتاع عن الدابة تعلية : أنزله ، وأعليت عن الوسادة وعاليت{[20385]} : ارتفعت وتنحيت{[20386]} ، ورجل عالي{[20387]} الكعب : شريف ، وعلَّى الكتاب{[20388]} تعلية : عنونه{[20389]} كعلونه{[20390]} ، وعالوا نعيه{[20391]} : أظهروه ، والعلي : الشديد{[20392]} القوي ، وعليون في السماء السابعة ، وأخذه علواً : عنوة ، والتعالي{[20393]} : الارتفاع ، إذا أمرت{[20394]} منه{[20395]} قلت{[20396]} : تعال - بفتح اللام ، ولها : تعالي . ولو كنت في موضع أسفل من موضع المأمور ، لأنه يحتاج إلى تطاول مهما{[20397]} كان{[20398]} بينك وبينه مسافة ، ولأن{[20399]} الآمر أعلى من المأمور رتبة فموضعه كذلك ، وتعلى{[20400]} : علا في مهلة{[20401]} ، والمعتلي{[20402]} : الأسد ؛ واللعو : السيء الخلق ، و{[20403]}الفسل ، والشره{[20404]} الحريص ، واللاعي : الذي يفزعه أدنى شيء ، إما{[20405]} لأنه وصل إلى الغاية في السفول فتسنم أعلاها حتى رضي لنفسه هذه الأخلاق{[20406]} ، وإما لأنه من باب الإزالة ، أو{[20407]} التسمية بالضد ، و{[20408]}ذئبة لعوة{[20409]} وامرأة لعوة{[20410]} ، أي حريصة ، واللعوة : السواد بين حلمتي الثدي ، إما لأن ذلك أعلاه ، وإما لعلو{[20411]} لون السواد على لون الثدي ، والألعاء : السلاميات ، والسلامى عظم يكون في فرسن البعير ، وعظام{[20412]} صغار في اليد والرجل ، وذلك لأن العظام أعلى ما في الجسد في القوة والشدة والصلابة ، وهي أعظم قوامه ؛ واللاعية : شجيرة{[20413]} في سفح الجبل ، لها نور أصفر ، ولها لبن ، وإذا{[20414]} ألقي منه شيء في غدير{[20415]} السمك أطفاها ، أي جعلها طافية أي عالية{[20416]} على وجه الماء ، سميت بذلك إما من باب الإزالة نظراً{[20417]} إلى محل بيتها{[20418]} ، وإما لأن ريحها يعلو كل ما خالطه ويكسبه طعمها ، وإما{[20419]} لفعلها هذا في السمك ، وتلعّى{[20420]} العسل : تعقّد وزناً ومعنى{[20421]} - إما من اللاعية لأنها كثيرة العقد ، وإما من لازم العلو : القوة والشدة ، ولعا لك - يقال عند العثرة ، أي أنعشك{[20422]} الله ؛ والعول : ارتفاع الحساب في الفرائض ، والعول : الميل ، وقدم تقدم أنه لازم للعلو ، والعول{[20423]} : كل أمر غلبك{[20424]} ، كأنه علا عنك فلم تقدر{[20425]} على نيله ، والمستعان به - لأنه لا يتوصل به إلى المقصود إلا وفيه علو ، وقوت العيال - لأنه سبب علوهم ، وعوّل{[20426]} عليه معولاً{[20427]} : اتكل واعتمد ، والاسم كعنب ، وعيّل ككيس{[20428]} ، وعال : جار{[20429]} والميزان : نقص أو زاد{[20430]} ، فالزيادة من الارتفاع ، والنقص من لازم الميل ، وعالت الفريضة : ارتفعت أي زادت سهامها فدخل النقصان على أهل الفرائض ، قال أبو عبيد{[20431]} : أظنه مأخوذاً{[20432]} من الميل ، وعال أمرهم : اشتد وتفاقم ، وعال فلان عولاً وعيالاً : كثر{[20433]} عياله ، كأعول وأعيل ، ورجل معيل ومعيّل{[20434]} ذو عيال ، وأعال الرجل وأعول - إذا حرص ، إما مما تقدم تخريجه ، وإما لأنه لازم لذي العيال ، وعال عليه : حمل ، أي رفع عليه الحمول كعول ، وفلان : حرص ، والفرس ، صوتت ، وأعولت المرأة : رفعت صوتها بالبكاء ، وعيل عوله{[20435]} : ثكلته أمه - لما يقع من صياحها ، وعيل ما هو عائله : غلب{[20436]} ما هو غالبه ، يضرب لمن يعجب من كلامه ونحوه لأنه{[20437]} لا يكون كذلك إلا وقد خرج عن أمثاله علواً ، وقد يكون بسفول ، فيكون من التسمية بالضد ، والعالة{[20438]} : النعامة لأنها أطول الطير ، وما له عال ولا مال : شيء لأن ذلك غاية في السفول إن كان عجزاً ، وفي العلو إن كان زهداً ، ويقال للعاثر : عالك عالياً .
كقولهم : لعا لك ، والمعول : حديدة تنفر{[20439]} بها الجبال - من القوة اللازمة للعلو{[20440]} ، والعالة ، شبه الظلة{[20441]} يستر بها من المطر{[20442]} ؛ واللوعة : حرقة{[20443]} توجد من الحزن أو{[20444]} الحب أو{[20445]} المرض أو الهم - لأنها تعلو الإنسان ، ولاعه الحب : أمرضه ، وأتان لاعة الفؤاد إلى جحشها - كأنها ولهى{[20446]} فزعاً ، ولاع يلاع : جزع أو مرض ورجل هاع{[20447]} لاع : جبان جزوع ، أو حريص ، أو سيىء الخلق - لما علاه من هذه{[20448]} الأخلاق المنافية للعقل وغلبه{[20449]} منها ، ولاعته{[20450]} الشمس : غيرت لونه واللاعة أيضاً : الحديدة{[20451]} الفؤاد الشهمة{[20452]} - {[20453]}لأنه يعلو غيره{[20454]} ، وامرأة لاعة : التي{[20455]} تغازلك ولا تمكنك{[20456]} - لما لها في ذلك من الغلبة والعلو على القلوب ؛ والوعل : تيس الجبل{[20457]} ، والشريف ، والملجأ ، والوعلة : الموضع المنيع من الجبل ، أو صخرة مشرفة منه ، وهم علينا وعل واحد : مجتمعون ، وما لك عن ذلك وعل ، أي بد - فإنه لولا علوه عليك ما اضطررت إليه ، والوعل : اسم شوال{[20458]} - كأنه لما له من العلو بالعيد والحج ، والوعل ككتف{[20459]} : اسم شعبان لما له من العلو بتوسطه بين رجب وشوال ، والوعلة{[20460]} أيضاً : عروة القميص والزير زره{[20461]} والقدح والإبريق الذي يعلق بها فيعلو ، ووعال كغراب : حصن باليمن ، والمستوعل - بفتح العين : حرز الوعل ، ووعل كوعد : أشرف ، وتوعلت الجبل{[20462]} : علوته ؛ وأولع فلان بكذا ، أو{[20463]} ولع بالكسر : استخف{[20464]} ، أي صار{[20465]} عالياً{[20466]} عليه غالباً له لإطاقته حمله ، وولع بحقه : ذهب ، وولع بالفتح - إذا كذب ، إما للإزالة وإما لأنه استخفه الكذب فحمله ، وولع والع - مبالغة ، أي كذب عظيم والمولع : الذي فيه لمع من ألوان - كأنه علا على تلك الألوان ، أو غلب تلك الألوان أصل لونه ، وعبارة القاموس : والتوليع : استطالة البلق ، يقال{[20467]} برذون وثور مولع - كمعظم ، والوليع : الطلع ما دام في قيقائه ، أي وعائه{[20468]} . وهو قشرة الطلع لعلوه{[20469]} ، وما أدري ما ولعه - بالفتح أي حبسه ، إما للإزالة ، لإنه لما منعه كان{[20470]} كأنه أزال علوه ، وإما لأنه علا عليه ، وأولعه به{[20471]} ، أي أغراه ، أي حمله عليه ؛ والعيلة{[20472]} : الحاجة ، وعال يعيل - إذا افتقر ، وذلك إما من الإزالة ، أو لأن الحاجة علته ، أو لأنها ميل ، وعالني الشيء : أعجزني ، وعيل صبري : قل وضعف{[20473]} أي علاه من الأمر ما أضعفه ، وعلت الضالة : لم أدر أين أبغيها ، والمعيل{[20474]} : الأسد والنمر والذئب - لأنه يعيل صيداً أي يلتمس ، فهو يرجع إلى العلو والقدرة على الطلب ، وعالني الشيء : أعوزني - إما أزال علوي ، أو علا عني ، وعال في {[20475]}مشيه{[20476]} : تمايل {[20477]}واختال وتبختر{[20478]} - لأنه لا يفعله إلا عال في نفسه مع أنه كله من الميل ، وعال في الأرض : ذهب أي علا عليها مشياً ، والذكر من الضباع{[20479]} عيلان ، والعيل محركة : عرضك حديثك وكلامك على من لا يريده{[20480]} وليس من شأنه - كأنه لم يهتد لمن يريده فعرضه على من لا يريده{[20481]} ، فهو يرجع إلى الحاجة المزيلة للعلو ؛ وليعة{[20482]} الجوع - بالفتح : حرقته - كما تقدم في اللوعة ، ولعت - بالكسر : ضجرت ، كأنه من الإزالة ، أو أن العلو للأمر المتضجر منه ، والملياع{[20483]} - بالكسر : السريعة العطش لأنها تعلو الإبل حينئذ سبقا{[20484]} إلى الماء أو لأن العطش علاها ، والملياع : التي تقدم الإبل سابقة ثم ترجع إليها ، وريح لياع{[20485]} - بالكسر : شديدة ، وقد وضح بذلك صحة ما {[20486]}فسر به{[20487]} إمامنا الشافعي صريحاً ومطابقة - كما تقدم ، وشهد له العول في الحساب والسهام ، وهو كثرتها ، وظهر تحامل من رد ذلك وقال : إنه لا يقال في كثرة العيال إلا : عال{[20488]} يعيل ، وكم من عائب{[20489]} قولا صحيحاً ! وكيف لا وهو من الأئمة المحتج بأقوالهم في اللغة ، وقد وافقه غيره وشهد لقوله الحديث الصحيح ؛ قال الإمام يحيى بن أبي الخير العمراني الشافعي في كتابه البيان : { ألا تعولوا{[20490]} } قال الشافعي : معناه أن لا تكثر{[20491]} عيالكم{[20492]} ومن تمونونه{[20493]} ، وقيل : إن أكثر السلف قالوا : المعنى أن لا تجوروا{[20494]} ، يقال : عال يعول - إذا جار ، عال يعيل - إذا كثر عياله ؛ إلا زيد بن أسلم فإنه قال : معناه أن لا تكثر عيالكم ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم يشهد لذلك ، قال :
" ابدأ بنفسك ثم بمن تعول " انتهى .
وهذا الحديث أخرجه الشيخان وغيرهما عن حكيم بن حزام عن أبي هريرة رضي الله عنهما بلفظ " أفضل الصدقة ما كان عن{[20495]} ظهر غنى ، واليد العليا خير من اليد السفلى ، وابدأ بمن تعول " وفي الباب أيضاً عن عمران بن حصين وأبي رمية العلوي وأبي أمامة رضي الله عنهم ، وأثر زيد بن أسلم رواه الدارقطني والبيهقي من طريق سعيد بن أبي هلال عنه ، قال : " ذلك أدنى أن لا يكثر من يعولونه " أفاده{[20496]} شيخنا ابن حجر في تخريج أحاديث الرافعي وقال الإمام : إن تفسير الشافعي هو تفسير الجماعة ، عبر عنه بالكناية{[20497]} وهي ذكر الكثرة ، وأراد{[20498]} الميل لكون الكثرة ، لا تنفك عنه ، وقال ابن الزبير : لما تضمنت سورة البقرة ابتداء الخلق وإيجاد آدم عليه الصلاة والسلام من غير أب ولا أم ، وأعقبت بسورة آل عمران لتضمنها – مع {[20499]}ما ذكر{[20500]} في صدرها - أمر عيسى عليه الصلاة والسلام ، وأنه كمثل آدم عليه الصلاة والسلام في عدم{[20501]} الافتقار إلى أب ، وعلم الموقنون من ذلك أنه تعالى لو شاء لكانت سنة فيمن بعد آدم عليه الصلاة والسلام ، فكأن سائر الحيوان{[20502]} لا يتوقف إلا على أم فقط ؛ أعلم سبحانه أن من عدا المذكورين عليهما الصلاة والسلام من ذرية آدم سبيلهم{[20503]} سبيل الأبوين فقال تعالى : { يا أيها الناس اتقوا ربكم } إلى قوله : { وبث منهما{[20504]} رجالاً كثيراً ونساء } ثم أعلم تعالى كيفية{[20505]} النكاح المجعول سبباً{[20506]} في التناسل وما يتعلق به ، وبين حكم الأرحام و{[20507]}المواريث فتضمنت السورة ابتداء الأمر وانتهاءه{[20508]} ، فأعلمنا بكيفية التناكح وصورة الاعتصام واحترام بعضنا{[20509]} لبعض وكيفية تناول الإصلاح فيما بين الزوجين عند التشاجر والشقاق ، وبين لنا ما ينكح وما أبيح من العدد وحكم من لم يجد الطول وما يتعلق بهذا إلى المواريث ، فصل ذلك كله إلا{[20510]} الطلاق .
لأن{[20511]} أحكامه تقدمت ، ولأن بناء هذه السورة على التواصل والائتلاف ورعي حقوق ذوي الأرحام وحفظ ذلك كله إلى حالة{[20512]} الموت المكتوب علينا ، وناسب هذا المقصود من{[20513]} التواصل والألفة ما افتتحت به السورة من قوله تعالى :{ الذي خلقكم من نفس واحدة }[ النساء : 1 ] ، فافتتحها بالالتئام والوصلة {[20514]}ولهذا خصت{[20515]} من حكم تشاجر الزوجين بالإعلام بصورة الإصلاح والمعدلة{[20516]} إبقاء لذلك التواصل{[20517]} فلم يكن الطلاق ليناسب هذا ، فلم يقع له هنا{[20518]} ذكر{[20519]} إلا إيماء{[20520]}{ وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته }[ النساء : 13 ] ولكثرة{[20521]} ما يعرض من رعي حظوظ النفوس عند الزوجية ومع القرابة - ويدق ذلك ويغمض{[20522]} - تكرر كثيراً في هذه السورة الأمر بالاتقاء ، وبه افتتحت{ اتقوا ربكم }[ النساء : 1 ] ، { واتقوا الله الذي تسآءلون به والأرحام }[ النساء : 1 ] ، { ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله }[ النساء : 131 ] ، ثم حذروا من حال من صمم{[20523]} على الكفر وحال اليهود والنصارى والمنافقين وذوي التقلب في الأديان بعد أذن اليقين ، وكل ذلك تأكيد لما أمروا به من الاتقاء ، والتحمت الآيات إلى الختم بالكلالة من المواريث المتقدمة - انتهى .