الأولى : روى البخاري ومسلم وغيرهما واللفظ للبخاري عن أنس قال ، قال رجل : يا نبي الله ، من أبي ؟ قال : [ أبوك فلان ] قال{[6026]} فنزلت " يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم " {[6027]} الآية . وخرج أيضا عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه : [ فوالله لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم به ما دمت في مقامي هذا ] فقام إليه رجل فقال : أين مدخلي يا رسول الله ؟ قال : [ النار ] . فقام عبدالله بن حذافة فقال : من أبي يا رسول الله فقال : [ أبوك حذافة ] وذكر الحديث قال ابن عبدالبر : عبدالله بن حذافة أسلم قديما ، وهاجر إلى أرض الحبشة الهجرة الثانية ، وشهد بدرا وكانت فيه دعابة{[6028]} ، وكان رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسله إلى كسرى بكتاب رسول الله صلى الله عليه سلم ، ولما قال من أبي يا رسول الله ، قال : [ أبوك حذافة ] قالت له أمه : ما سمعت بابن أعق منك آمنت أن تكون أمك قارفت ما يقارف نساء الجاهلية فتفضحها على أعين الناس ! فقال : والله لو ألحقني بعبد أسود للحقت به . وروى الترمذي والدارقطني عن علي رضي الله عنه قال : لما نزلت هذه الآية " ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا " {[6029]} [ آل عمران : 97 ] . قالوا : يا رسول الله أفي كل عام ؟ فسكت ، فقالوا : أفي كل عام ؟ قال : [ لا ولو قلت نعم لو جبت ] ، فأنزل الله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم " إلى آخر الآية . واللفظ للدارقطني سئل البخاري عن هذا الحديث فقال : هو حديث حسن إلا أنه مرسل ، أبو البختري لم يدرك عليا ، واسمه سعيد . وأخرجه الدارقطني أيضا عن أبي عياض عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ يا أيها الناس كتب عليكم الحج ] فقام رجل فقال : في كل عام يا رسول{[6030]} الله ؟ فأعرض عنه ، ثم عاد فقال : في كل عام يا رسول الله ؟ فقال : ( ومن القائل ) ؟ قالوا : فلان ؛ قال : [ والذي نفسي بيده لو قلت نعم لوجبت ولو وجبت ما أطقتموها ولو لم تطيقوها لكفرتم ] فأنزل الله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم " الآية . وقال الحسن البصري في هذه الآية : سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن أمور الجاهلية التي عفا الله عنها ولا وجه للسؤال عما عفا الله عنه . وروى مجاهد عن ابن عباس أنها نزلت في قوم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ، وهو قول سعيد بن جبير ؛ وقال : ألا ترى أن بعده : " ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام " [ المائدة : 103 ] . قلت : وفي الصحيح والمسند كفاية . ويحتمل أن تكون الآية نزلت جوابا للجميع ، فيكون السؤال قريبا بعضه من بعض . والله أعلم .
و " أشياء " وزنه أفعال ؛ ولم يصرف لأنه مشبه بحمراء ، قاله الكسائي وقيل : وزنه أفعلاء ، كقولك : هين وأهوناء ، عن الفراء والأخفش ويصغر فيقال : أشياء ؛ قال المازني : يجب أن يصغر شييات كما يصغر أصدقاء ، في المؤنث صديقات وفي المذكر صديقون .
الثانية : قال ابن عون : سألت نافعا عن قوله تعالى " لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم " فقال : لم تزل المسائل منذ قط تكره . روى مسلم عن المغيرة بن شعبة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : [ إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات وواد البنات ومنعا وهات وكره لكم ثلاثا ، قيل وقال ، وكثرة السؤال وإضاعة المال ] . قال كثير{[6031]} من العلماء : المراد بقوله [ وكثرة السؤال ] التكثير من السؤال في المسائل الفقهية تنطعا ، وتكلفا فيما لم ينزل ، والأغلوطات وتشقيق المولدات ، وقد كان السلف يكرهون ذلك ويرونه من التكليف{[6032]} ، ويقولون : إذا نزلت النازلة وفق المسؤول لها . قال مالك : أدركت أهله هذا البلد وما عندهم علم غير الكتاب والسنة ، فإذا نزلت نازلة جمع الأمير لها من حضر من العلماء فما اتفقوا عليه أنفذه ، وأنتم تكثرون المسائل وقد كرهها رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقيل : المراد بكثرة المسائل كثرة سؤال الناس الأموال والحوائج إلحاحا واستكثارا ، وقاله أيضا مالك وقيل : المراد بكثرة المسائل السؤال عما لا يعني من أحوال الناس بحيث يؤدي ذلك إلى كشف عوراتهم والاطلاع على مساوئهم . وهذا مثل قوله تعالى : " ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا{[6033]} " [ الحجرات : 12 ] قال ابن خويز منداد : ولذلك قال بعض{[6034]} أصحابنا متى قدم إليه طعام لم يسأل عنه من أين هذا أو عرض عليه شيء يشتريه لم يسأل من أين هو ؟ وحمل أمور المسلمين على السلامة والصحة .
قلت : والوجه حمل الحديث على عمومه فيتناول جميع تلك الوجوه كلها . والله أعلم{[6035]} .
الثالثة : قال ابن العربي : اعتقد قوم من الغافلين تحريم أسئلة النوازل حتى تقع تعلقا بهذه الآية ، وليس كذلك لأن هذه الآية مصرحة بأن السؤال المنهي عنه إنما كان فيما تقع المساءة في جوابه ولا مساءة في جواب نوازل الوقت فافترقا .
قلت قوله : اعتقد قوم من الغافلين فيه قبح ، وإنما كان الأولى به أن يقول : ذهب قوم إلى تحريم أسئلة النوازل ، لكنه جرى على عادته ، وإنما قلنا كان أولى به ؛ لأنه قد كان قوم من السلف يكرهها . وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يلعن من سأل عما لم يكن ، ذكره الدارمي في مسنده ، وذكر عن الزهري قال : بلغنا أن زيد بن ثابت الأنصاري كان يقول إذا سئل عن الأمر : أكان هذا ؟ فإن قالوا : نعم قد كان حدث فيه بالذي يعلم ، وإن قالوا : لم يكن قال : فذروه حتى يكون . وأسند عن عمار بن ياسر وقد سئل عن مسألة فقال : هل كان هذا بعد ؟ قالوا : لا ، قال : دعونا حتى يكون ، فإذا كان تجشمناها لكم . قال الدارمي : حدثنا عبدالله بن محمد بن أبي شيبة ، قال حدثنا ابن فضيل عن عطاء عن ابن عباس قال : ما رأيت قوما كانوا خيرا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض ، كلهن في القرآن ، منهن " يسألونك عن الشهر الحرام{[6036]} " [ البقرة : 217 ] ، " ويسألونك عن المحيض " [ البقرة : 222 ] وشبهه{[6037]} ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم .
الرابعة : قال ابن عبد البر : السؤال اليوم لا يخاف منه أن ينزل تحريم ولا تحليل من أجله ، فمن سأل مستفهما راغبا في العلم ونفي الجهل عن نفسه ، باحثا عن معنى يجب الوقوف في الديانة عليه ، فلا بأس به فشفاء العي{[6038]} السؤال ، ومن سأل متعنتا غير متفقه ولا متعلم فهو الذي لا يحل قليل سؤاله ولا كثيره . قال ابن العربي : الذي ينبغي للعالم أن يشتغل به هو بسط الأدلة ، وإيضاح سبل النظر ، وتحصيل مقدمات الاجتهاد ، وإعداد الآلة المعينة على الاستمداد ، فإذا عرضت نازلة أتيت من بابها ، ونشدت في مظانها ، والله يفتح في صوابها .
الخامسة : قوله تعالى : " وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم " فيه غموض ، وذلك أن في أول الآية النهي عن السؤال ثم قال : " وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم " فأباحه لهم ، فقيل : المعنى وإن تسألوا عن غيرها فيما مست الحاجة إليه ، فحذف المضاف ، ولا يصح حمله على غير الحذف . قال الجرجاني : الكناية في " عنها " ترجع إلى أشياء أخر ، كقوله تعالى : " ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين " [ المؤمنون : 12 ] يعني آدم ، ثم قال : " ثم جعلناه نطفة{[6039]} " [ المؤمنون : 13 ] أي ابن آدم ؛ لأن آدم لم يجعل نطفة في قرار مكين ، لكن لما ذكر الإنسان وهو آدم دل على إنسان مثله ، وعرف ذلك بقرينة الحال ، فالمعنى وإن تسألوا عن أشياء حين ينزل القرآن من تحليل أو تحريم أو حكم ، أو مست حاجتكم إلى التفسير ، فإذا سألتم فحينئذ تبد لكم ، فقد أباح هذا النوع من السؤال : ومثاله أنه بين عدة المطلقة والمتوفى عنها زوجها والحامل ، ولم يجز ذكر عدة التي ليست بذات قرء ولا حامل ، فسألوا عنها فنزل " واللائى يئسن من المحيض{[6040]} " [ الطلاق : 4 ] . فالنهي إذا في شيء لم يكن بهم حاجة إلى السؤال فيه ، فأما ما مست الحاجة إليه فلا .
السادسة : قوله تعالى : " عفا الله عنها والله غفور حليم " أي عن المسألة التي سلفت منهم . وقيل : عن الأشياء التي سألوا عنها من أمور الجاهلية وما جرى مجراها . وقيل : العفو بمعنى الترك ، أي تركها ولم يعرف بها في حلال ولا حرام فهو معفو عنها فلا تبحثوا عنه ، فلعله إن ظهر لكم حكمه من ساءكم . وكان عبيد بن عمير يقول : إن الله أحل وحرم ، فما أحل فاستحلوه ، وما حرم فاجتنبوه ، وترك بين ذلك أشياء لم يحلها ولم يحرمها ، فذلك عفو من الله ، ثم يتلو هذه الآية . وخرج الدارقطني عن أبي ثعلبة الخشني قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها وحرم حرمات فلا تنتهكوها وحدد حدودا فلا تعتدوها وسكت عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها ] والكلام على هذا التقدير فيه تقديم وتأخير ؛ أي لا تسألوا عن أشياء عفا الله عنها إن تبد لكم تسؤكم ، أي أمسك عن ذكرها فلم يوجب فيها حكما . وقيل : ليس فيه تقديم ولا تأخير ، بل المعنى قد عفا الله عن مسألتكم التي سلفت وإن كرهها النبي صلى الله عليه وسلم ، فلا تعودوا لأمثالها . فقوله : " عنها " أي عن المسألة ، أو عن السؤالات كما ذكرناه .
وحينئذ ظهر كالشمس مناسبة{[27779]} تعقيبها بقوله على طريق الاستئناف والاستنتاج : { يا أيها الذين آمنوا } أي أعطوا من أنفسهم{[27780]} العهد على الإيمان الذي معناه قبول جميع ما جاء به مَنْ وقع به الإيمان { لا تسئلوا عن أشياء } وذلك لأنهم إذا كانوا على خطر فيما يسرعون وفيما به ينتفعون من المآكل والمشارب وغيرها من الأقوال والأفعال فهم مثله فيما عنه يسألون سواء سألوا شرعه أو لا ، لأنه ربما أجابهم من لا يضره شيء إلى ما فيه ضررهم مما سألوه ، فإنهم لا يحسنون{[27781]} التفرقة بين الخبيث والطيب كما فعل بأهل السبت حيث أبوا الجمعة{[27782]} وسألوه ، فاشتد اعتناقها حينئذ بقوله :إن الله يحكم ما يريد }[ المائدة : 1 ] وبقوله : { ما على الرسول إلا البلاغ } [ المائدة : 99 ] فكان كأنه قيل : فما بلغكم إياه فخذوه بقبول وحسن انقياد ، وما لا فلا تسألوا عنه ، وسببُ نزولها - كما{[27783]} في الصحيحين عن أنس رضي الله عنه " أنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم حتى أحفوه{[27784]} بالمسألة{[27785]} ، فغضب فصعد المنبر فقال{[27786]} : لا تسألوني اليوم عن شيء إلا بينته لكم - وشرع يكرر ذلك ، وإذ جاء{[27787]} رجل كان إذا لاحى{[27788]} الرجال يدعى لغير أبيه فقال : يا رسول الله ! من أبي ؟ قال : أبوك{[27789]} حذافة ، ثم أنشأ عمر رضي الله عنه فقال : رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد رسولاً ، نعوذ بالله من سوء{[27790]} الفتن . وفي آخره : فنزلت { يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم } " وللبخاري في التفسير عن أنس أيضاً قال : " خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة ما سمعت مثلها قط ، قال : لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً ، فغطى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوههم ، لهم حنين ، فقال رجل : من أبي ؟ قال : فلان ، فنزلت { لا تسئلوا عن أشياء } " الآية . وللبخاري أيضاً عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : " كان قوم يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم استهزاء فيقول الرجل : من أبي ؟ ويقول الرجل تضل ناقته : أين ناقتي ؟ فأنزل الله فيهم هذه الآية : { يا أيها الذين آمنوا لا تسئلوا عن أشياء } حتى فرغ من الأية كلها " ولابن ماجه مختصراً و{[27791]} للحافظ أبي{[27792]} القاسم بن عساكر في الموافقات فيما أفاده المحب الطبري{[27793]} في مناقب العشرة وأبي يعلى في مسنده مطولاً عن أنس رضي الله عنه قال : " خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غضبان ونحن نرى أن معه جبرئيل عليه السلام حتى صعد المنبر - وفي رواية : فخطب الناس - فقال{[27794]} : سلوني ! فوالله لا تسألوني عن شيء اليوم إلا أخبرتكم وفي رواية : أنبأتكم به - فما رأيت يوماً كان أكثر باكياً منه ، فقال رجل : يا رسول الله - وفي رواية : فقام إليه رجل فقال : يا رسول الله - إنا كنا حديث عهد بجاهلية ، من أبي ؟ قال : أبوك حذافة - لأبيه الذي كان يدعى له - وفي رواية : أبوك حذافة الذي تدعى له - فقام إليه آخر فقال : يا رسول الله{[27795]} أفي الجنة أنا أم في النار ؟ {[27796]}فقال : في النار{[27797]} ، فقام إليه آخر فقال : يا رسول الله ! أعلينا الحج كل عام ؟ - وفي رواية : في كل عام - فقال : لو قلت : نعم ، لوجبت ، ولو وجبت لم تقوموا بها ، ولو لم تقوموا بها عذبتم ، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : رضينا{[27798]} بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً - وفي رواية : رسولاً - لا تفضحنا{[27799]} بسرائرنا - وفي رواية : فقام إليه عمر ابن الخطاب رضي الله عنه فقال : يا رسول الله ! إنا كنا حديث عهد بجاهلية فلا تبد علينا سرائرنا ، {[27800]} أتفضحنا{[27801]} بسرائرنا - اعف عنا عفا الله عنك{[27802]} ، فسرى عنه ، ثم التفت إلى الحائط فذكر بمثل الجنة والنار{[27803]} " وللإمام أحمد ومسلم والنسائي والدارقطني والطبري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال :{[27804]} خطب - وفي رواية{[27805]} : خطبنا - رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :
" يا أيها الناس ! إن الله قد{[27806]} فرض عليكم الحج حجوا " ، فقال رجل - وفي رواية النسائي : " فقال الأقرع بن{[27807]} حابس التميمي - : أ{[27808]} كل عام يا رسول الله ؟ فسكت حتى قالها ثلاثاً ، فقال : من السائل ؟ فقال : فلان ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : والذي نفسي بيده ! لو قلت : نعم ، لوجبت ، {[27809]} ثم إذا{[27810]} لا تسمعون ولا تطيعون ، ولكن حجة واحدة " - وفي رواية الدارقطني والطبري : " ولو وجبت ما أطقتموها ، ولو لم تطيقوها " - وفي رواية الطبري : " ولو تركتموه - لكفرتم " ، فأنزل الله تعالى { يا أيها الذين آمنوا لا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم{[27811]} } ثم قال : " ذروني ما تركتكم{[27812]} ، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة{[27813]} سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ، فإذا أمرتكم بشيء فآتوا{[27814]} منه ما استطعتم ، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه - و{[27815]} في رواية{[27816]} : فاجتنبوه " وهذا الحديث له ألفاظ كثيرة من طرق شتى استوفيتها في كتابي " الاطلاع على حجة الوداع " ولا تعارض بين هذه الأخبار ولو تعذر ردها إلى شيء واحد لما تقدم عند قوله تعالى : { لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم } من أن الأمر الواحد قد تعدد أسبابه ، بل وكل ما ذكر من أسباب تلك وما أشبهه كقوله تعالى :
{ ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال }[ النساء : 77 ] - الآية ، يصلح أن يكون سبباً لهذه ، وروى الدارقطني في آخر الرضاع من سننه عن أبي ثعلبة الخشني وفي آخر الصيد عن أبي الدرداء رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
" إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها ، وحرم حرمات فلا تنتهكوها ، وحد{[27817]} حدوداً فلا تعتدوها ، وسكت عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها " وقال أبو الدرداء : " فلا تكلفوها{[27818]} ، رحمة من ربكم فاقبلوها " وأخرج حديث أبي الدرداء أيضاً{[27819]} الطبراني .
ولما كان الإنسان{[27820]} قاصراً عن{[27821]} علم ما غاب ، فكان زجره عن الكشف عما يسوءه زجراً{[27822]} له عن كل ما يتوقع أن يسوءه ، قال تعالى : { إن تبد } أي تظهر{[27823]} { لكم } بإظهار عالم الغيب لها { تسؤكم } ولما كان ربما وقع في وهم متعنت أن هذا الزجر إنما هو لقصد راحة المسؤول عن السؤال{[27824]} خوفاً من عواقبه - قال : { وإن تسئلوا عنها } أي تلك الأشياء التي تتوقع{[27825]} مساءتكم عند إبدائها { حين ينزل القرآن } أي والملك حاضر { تبد لكم } ولما كان ربما قال : فما له لا يبديها سئل عنها أم لا ؟ قال : { عفا الله } بما له من الغنى المطلق والعظمة الباهرة وجميع صفات الكمال { عنها } أي سترها فلم يبدها لكم رحمة منه لكم وإراحة عما يسوءكم ويثقل عليكم في دين أو دنيا ؛ ولما كانت صفاته سبحانه أزلية ، لا تتوقف{[27826]} لواحدة منها على غيرها ، وضع الظاهر موضع المضمر لئلا يختص بما قبله فقال{[27827]} نادباً من{[27828]} وقع منه ذنب إلى التوبة : { والله } أي الذي له{[27829]} مع صفة الكمال{[27830]} صفة الإكرام { غفور } أزلاً وأبداً يمحو الزلات عيناً وأثراً ويعقبها بالإكرام على عادة الحكماء { حليم * } أي لا يعجل على العاصي بالعقوبة .