ثم يحدث هذه الأمة عن حقيقتها الكبيرة في هذا الكون ، وعن وظيفتها الضخمة في هذه الأرض ، وعن مكانها العظيم في هذه البشرية ، وعن دورها الأساسي في حياة الناس ؛ مما يقتضي أن تكون لها قبلتها الخاصة ، وشخصيتها الخاصة ؛ وألا تسمع لأحد إلا لربها الذي اصطفاها لهذا الأمر العظيم :
( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ، لتكونوا شهداء على الناس ، ويكون الرسول عليكم شهيدا ) . .
إنها الأمة الوسط التي تشهد على الناس جميعا ، فتقيم بينهم العدل والقسط ؛ وتضع لهم الموازين والقيم ؛ وتبدي فيهم رأيها فيكون هو الرأي المعتمد ؛ وتزن قيمهم وتصوراتهم وتقاليدهم وشعاراتهم فتفصل في أمرها ، وتقول : هذا حق منها وهذا باطل . لا التي تتلقى من الناس تصوراتها وقيمها وموازينها . وهي شهيدة على الناس ، وفي مقام الحكم العدل بينهم . . وبينما هي تشهد على الناس هكذا ، فإن الرسول هو الذي يشهد عليها ؛ فيقرر لها موازينها وقيمها ؛ ويحكم على أعمالها وتقاليدها ؛ ويزن ما يصدر عنها ، ويقول فيه الكلمة الأخيرة . . وبهذا تتحدد حقيقة هذه الأمة ووظيفتها . . لتعرفها ، ولتشعر بضخامتها . ولتقدر دورها حق قدره ، وتستعد له استعدادا لائقا . .
وإنها للأمة الوسط بكل معاني الوسط سواء من الوساطة بمعنى الحسن والفضل ، أو من الوسط بمعنى الاعتدال والقصد ، أو من الوسط بمعناه المادي الحسي . .
( أمة وسطا ) . . في التصور والاعتقاد . . لا تغلو في التجرد الروحي ولا في الارتكاس المادي . إنما تتبع الفطرة الممثلة في روح متلبس بجسد ، أو جسد تتلبس به روح . وتعطي لهذا الكيان المزدوج الطاقات حقه المتكامل من كل زاد ، وتعمل لترقية الحياة ورفعها في الوقت الذي تعمل فيه على حفظ الحياة وامتدادها ، وتطلق كل نشاط في عالم الأشواق وعالم النوازع ، بلا تفريط ولا إفراط ، في قصد وتناسق واعتدال .
( أمة وسطا ) . . في التفكير والشعور . . لا تجمد على ما علمت وتغلق منافذ التجرتة والمعرفة . . . ولا تتبع كذلك كل ناعق ، وتقلد تقليد القردة المضحك . . إنما تستمسك بما لديها من تصورات ومناهج وأصول ثم تنظر في كل نتاج للفكر والتجريب ؛ وشعارها الدئم : الحقيقة ضالة المؤمن أنى وجدها أخذها ، في تثبت ويقين .
( أمة وسطا ) . . في التنظيم والتنسيق . . لا تدع الحياة كلها للمشاعر ، والضمائر ، ولا تدعها كذلك للتشريع والتأديب . إنما ترفع ضمائر البشر بالتوجيه والتهذيب ، وتكفل نظام المجتمع بالتشريع والتأديب ؛ وتزاوج بين هذه وتلك ، فلا تكل الناس إلى سوط السلطان ، ولا تكلهم كذلك إلى وحي الوجدان . . ولكن مزاج من هذا وذاك .
( أمة وسطا ) . . في الارتباطات والعلاقات . . لا تلغي شخصية الفرد ومقوماته ، ولا تلاشي شخصيته في شخصية الجماعة أو الدولة ؛ ولا تطلقه كذلك فردا أثرا جشعا لا هم له إلا ذاته . . إنما تطلق من الدوافع والطاقات ما يؤدي إلى الحركة والنماء ؛ وتطلق من النوازع والخصائص ما يحقق شخصية الفرد وكيانه . ثم تضع من الكوابح ما يقف دون الغلو ، ومن المنشطات ما يثير رغبة الفرد في خدمة الجماعة ؛ وتقرر من التكاليف والواجبات ما يجعل الفرد خادما للجماعة ، والجماعة كافلة للفرد في كافلة للفرد في تناسق واتساق .
( أمة وسطا ) . . في المكان . . في سرة الأرض ، وفي أوسط بقاعها . وما تزال هذه الأمة التي غمر أرضها الإسلام إلى هذه اللحظة هي الأمة التي تتوسط أقطار الأرض بين شرق وغرب ، وجنوب وشمال ، وما تزال بموقعها هذا تشهد الناس جميعا ، وتشهد على الناس جميعا ؛ وتعطي ما عندها لأهل الأرض قاطبة ؛ وعن طريقها تعبر ثمار الطبيعة وثمار الروح والفكر من هنا إلى هناك ؛ وتتحكم في هذه الحركة ماديها ومعنويها على السواء .
( أمة وسطا ) . . في الزمان . . تنهي عهد طفولة البشرية من قبلها ؛ وتحرس عهد الرشد العقلي من بعدها . وتقف في الوسط تنفض عن البشرية ما علق بها من أوهام وخرافات من عهد طفولتها ؛ وتصدها عن الفتنة بالعقل والهوى ؛ وتزواج بين تراثها الروحي من عهود الرسالات ، ورصيدها العقلي المستمر في النماء ؛ وتسيربها على الصراط السوي بين هذا وذاك .
وما يعوق هذه الأمة اليوم عن أن تأخذ مكانها هذا الذي وهبه الله لها ، إلا أنها تخلت عن منهج الله الذي اختاره لها ، واتخذت لها مناهج مختلفة ليست هي التي اختارها الله لها ، واصطبغت بصبغات شتى ليست صبغة الله واحدة منها ! والله يريد لها أن تصطبغ بصبغته وحدها .
وأمة تلك وظيفتها ، وذلك دورها ، خليقة بأن تحتمل التبعة وتبذل التضحية ، فللقيادة تكاليفها ، وللقوامة تبعاتها ، ولا بد أن تفتن قبل ذلك وتبتلى ، ليتأكد خلوصها لله وتجردها ، واستعدادها للطاعة المطلقة للقيادة الراشدة .
وإذن يكشف لهم عن حكمة اختيار القبلة التي كانوا عليها ، بمناسبة تحويلهم الآن عنها :
( وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه )
ومن هذا النص تتضح خطة التربية الربانية التي يأخذ الله بها هذه الجماعة الناشئة ، التي يريد لها أن تكون الوارثة للعقيدة ، المستخلفة في الأرض تحت راية العقيدة . إنه يريد لها أن تخلص له ؛ وأن تتخلص من كل رواسب الجاهلية ووشائجها ؛ وأن تتجرد من كل سماتها القديمة ومن كل رغابها الدفينة ؛ وأن تتعرى من كل رداء لبسته في الجاهلية ، ومن كل شعار اتخذته ، وأن ينفرد في حسها شعار الإسلام وحده لا يتلبس به شعار آخر ، وأن يتوحد المصدر الذي تتلقى منه لا يشاركه مصدر آخر .
ولما كان الاتجاه إلى البيت الحرام قد تلبست به في نفوس العرب فكرة أخرى غير فكرة العقيدة ؛ وشابت عقيدة جدهم إبراهيم شوائب من الشرك ، ومن عصبية الجنس ، إذ كان البيت يعتبر في ذلك الحين بيت العرب المقدس . . والله يريده أن يكون بيت الله المقدس ، لا يضاف إليه شعار آخر غير شعاره ، ولا يتلبس بسمة أخرى غير سمته .
لما كان الاتجاه إلى البيت الحرام قد تلبست به هذه السمة الأخرى ، فقد صرف الله المسلمين عنه فترة ، ووجههم إلى بيت المقدس ، ليخلص مشاعرهم من ذلك التلبس القديم أولا ؛ ثم ليختبر طاعتهم وتسليمهم للرسول [ ص ] ثانيا ، ويفرز الذين يتبعونه لأنه رسول الله ، والذين يتبعونه لأنه أبقى على البيت الحرام قبلة ، فاستراحت نفوسهم إلى هذا الإبقاء تحت تأثير شعورهم بجنسهم وقومهم ومقدساتهم القديمة .
إنها لفتة دقيقة شديدة الدقة . . إن العقيدة الإسلامية لا تطيق لها في القلب شريكا ؛ ولا تقبل شعارا غير شعارها المفرد الصريح ؛ إنها لا تقبل راسبا من رواسب الجاهلية في أية صورة من الصور . جل أم صغر . وهذا هو إيحاء ذلك النص القرآني : ( وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه ) . . والله - سبحانه - يعلم كل ما يكون قبل أن يكون . ولكنه يريد أن يظهر المكنون من الناس ، حتى يحاسبهم عليه ، ويأخذهم به . فهو - لرحمته بهم - لا يحاسبهم على ما يعلمه من أمرهم ، بل على ما يصدر عنهم ويقع بالفعل منهم .
ولقد علم الله أن الانسلاخ من الرواسب الشعورية ، والتجرد من كل سمة وكل شعار له بالنفس علقة . . أمر شاق ، ومحاولة عسيرة . . إلا أن يبلغ الإيمان من القلب مبلغ الاستيلاء المطلق ، وإلا أن يعين الله هذا القلب في محاولته فيصله به ويهديه إليه :
( وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله ) . .
فإذا كان الهدى فلا مشقة ولا عسر في أن تخلع النفس عنها تلك الشعارات ، وأن تنفض عنها تلك الرواسب ؛ وأن تتجرد لله تسمع منه وتطيع ، حيثما وجهها الله تتجه ، وحيثما قادها رسول الله تقاد .
ثم يطمئن المسلمين على إيمانهم وعلى صلاتهم . إنهم ليسوا على ضلال ، وإن صلاتهم لم تضع ، فالله سبحانه لا يعنت العباد ، ولا يضيع عليهم عبادتهم التي توجهوا بها إليه ؛ ولا يشق عليهم في تكليف يجاوز طاقتهم التي يضاعفها الإيمان ويقويها :
( وما كان الله ليضيع إيمانكم ، إن الله بالناس لرؤوف رحيم ) . .
إنه يعرف طاقتهم المحدودة ، فلا يكلفهم فوق طاقتهم ؛ وإنه يهدي المؤمنين ، ويمدهم بالعون من عنده لاجتياز الامتحان ، حين تصدق منهم النية ، وتصح العزيمة . وإذا كان البلاء مظهرا لحكمته ، فاجتياز البلاء فضل رحمته : ( إن الله بالناس لرؤوف رحيم ) . .
بهذا يسكب في قلوب المسلمين الطمأنينة ، ويذهب عنها القلق ، ويفيض عليها الرضى والثقة واليقين . .
ولما بين استقامة القبلة التي وجههم إليها عرف أنها وسط لا جور فيها فاتبع ذلك قوله : { وكذلك } أي ومثل ما جعلنا قبلتكم وسطاً لأنها إلى البيت العتيق الذي هو وسط الأرض وهو بناء إبراهيم عليه السلام الذي هو أوسط الأنبياء وهو مع ذلك خيار البيوت فهو وسط بكل معنى { جعلناكم } بالهداية إليه في الاستقبال وإلى غيره مما نأمركم به { أمة } . قال الحرالي : من الأم وهو تتبع الجملة والعدد بعضها لبعض إلى أن ينتهي{[5336]} لإمام أول{[5337]} ، فالإمام والأمة كالمتقابلين ، الإمام قاصد أمماً ، والأمة قاصدة إمامها الذي هو أممها ، والإمام ما بين اليدين بمشهد الحس وسبيل القصد - انتهى{[5338]} . { وسطاً } أي شريفة{[5339]} خياراً{[5340]} ، لأن الوسط العدل الذي نسبة الجوانب كلها إليه سواء ، فهو خيار الشيء . قال {[5341]}أبو تمام{[5342]} الطائي .
كانت هي الوسط {[5343]}المحمي فاكتنفت{[5344]} *** {[5345]}بها الحوادث{[5346]} حتى أصبحت طرفا{[5347]}
وسالك{[5348]} الوسط من الطريق محفوظ من الغلط ، ومتى زاغ عن الوسط حصل الجور الموقع في الضلال عن القصد ؛ ففي هذا أنهم لما ادعوا الخصوصية كذبوا وردت حججهم{[5349]} ثم أثبتت الخصوصية لهذه الأمة{[5350]} ؛ والوسط بالتحريك اسم لعين ما بين طرفي الشيء كمركز الدائرة ، وبالسكون اسم مبهم لداخل الدائرة مثلاً ، وكذا{[5351]} كان ظرفاً ، فالأول يجعل مبتدأ وفاعلاً ومفعولاً به ، ولا يصح شيء من هذا في الساكن - قاله الأصبهاني .
ومادة وسط مهموزة وغير مهموزة واوية ويائية بتراكيبها الأحد عشر : وسط ، وطس ، سوط ، سطو ، طوس{[5352]} ، طسو ، طيس{[5353]} ، طسى ، سيط{[5354]} سطأ طسأ ، تدور على العدل السواء الذي نسبته إلى كل جانب على التساوي ، ويلزم أن يكون أعلى من غيره ، لأن أكثر{[5355]} المخلوقات كُريّ ؛ وكل ما كان في وسط الكرة كان أعلى ، ولأن كل جزء بعد الوسط إذا نسبته إلى الطرف الذي يليه كان ما بينه وبينه أقل مما{[5356]} بينه وبين الوسط ؛ ويلزم العدل الجودة ويلزم{[5357]} العلو الغلبة والسطوة والكثرة والشدة ، وقد يلزم العلو الاضطراب فيأتي الاختلاط والاقتطاع والضعف ؛ فمن الأصل الوسط من كل شيء أعدله ، ووسط الشيء ما بين طرفيه ، فإذا سكنت السين كان ظرفاً أو هو فيما هو مصمت فإذا كانت أجزاؤه متخلصة متباينة فبالإسكان ؛ ووسطه قطّعه نصفين ، وتوسط بينهم عمل الوساطة{[5358]} وأخذ الوسط بين الرديء والجيد ، ووسط القوم و{[5359]}توسطهم هو وسط فيهم أوسطهم نسباً وأرفعهم محلاً وهو المتوسط بين القوم ، وواسطة الرحل ما بين قادمته وآخرته ، وأوطاس{[5360]} واد بديار هوازن{[5361]} لما وصفه به دريد بن الصمة من أنه لا حزن ضرس ولا سهل دهس{[5362]} ، أي يثقل المشي فيه بكونه شبه الرمل وما هو برمل ولا تراب . ومن الجودة وهي{[5363]} ملزومة لحسن الوسط الباب ، والصلاة الوسطى أفضل الصلوات ، والطاووس طائر حسن ، والجميل من الرجال والفضة ، والأرض المخضرة فيها كل ضرب من النبت ، والمطوس كمعظم الشيء الحسن ، والطوس بالفتح القمر وحسن الوجه ونضارته بعد علة ، وتطوست المرأة تزينت ، وطواس كسحاب ليلة من ليالي المحاق كأنه من باب الإزالة أو بالنظر إلى أن النجوم في شدة الظلام أحسن . ومن العلو : سطا الفرس أبعد الخطو{[5364]} ، والساطىء الفرس البعيد الخطوة والذي يرفع ذنبه في حضره ، والطويل وواسط الكور مقدمه{[5365]} ، ومن الشدة والغلبة : صار الماء وسيطه{[5366]} غلب على الطين ، وسطا عليه وبه صال أو قهر بالبطش{[5367]} ، والراعي على الناقة أدخل يده في رحمها ليخرج ما فيها من ماء الفحل{[5368]} ، والفرس ركب رأسه ، وساطاه شدد عليه ؛ والساطي الفحل المغتلم يخرج من إبل إلى إبل ، وسطأها مهموزاً كمنع جامعها ؛ والوطس كالوعد الضرب الشديد والكسر ، والوطيس التنور وحرّ الحرب ، والوطيس شدة الأمر ، وككَتّاب{[5369]} الراعي ، وتواطسوا عليّ أي تواطحوا أي تداولوا الشر{[5370]} بينهم ، والموج تلاطم ، وأوطاس واد بديار هوازن{[5371]} لأنه أشد مما هو رمل صرف ، والسوط{[5372]} الذي يضرب به والشدة والضرب ، والمسواط فرس لا يعطى حضره{[5373]} إلا بالسوط ، والسياط قضبان الكراب الذي عليه دماليقه أي عراجينه والكراب أصول السعف الغلاظ العراض ، وسوَّط أخرج ذلك ، والطوس بالفتح الوطء وبالضم دوام الشيء ودواء يشرب للحفظ ، وطواس كسحاب ليلة من ليالي المحاق ، وما أدري أين طوّس به أي ذهب به{[5374]} وطسى كرضى طسا غلب الدسم{[5375]} على قلبه فاتخم كطسا أي واوياً{[5376]} ؛ وطسيء مهموزاً أيضاً كفرح وجمع طَسأ وطساء فهو طسيء اتخم أو تغير من أكل الدسم{[5377]} ، وأطسأه الشبع ونفسي{[5378]} طاسئة ويدخل هذا في الاضطراب والاختلاط والضعف .
ومن الكثرة الوسط وهي الناقة تملأ الإناء ويدخل في الجيد ، الطيس العدد الكثير ، وكل ما في وجه الأرض من تراب وقِمام أو خلق كثير النسل كالذباب والنمل والهوام أو دقاق التراب كالطيسل {[5379]}في الكل{[5380]} وكثرة كل شيء من الرمل والماء وغيرهما ؛ وسطا{[5381]} الماء كثر{[5382]} ؛ والسويطاء مرقة كثيرة الماء ، ومن الاختلاط سياط ككتاب مغن مشهور ؛ و{[5383]}سطا الطعام ذاقه ؛ والساطىء{[5384]} الفحل المغتلم يخرج من إبل إلى إبل ، وسطا الراعي على الناقة أدخل يده في رحمها ليخرج ما فيها{[5385]} من ماء الفحل ؛ والسوط{[5386]} الذي يضرب به والخلط والضرب ، والسياط قضبان الكراب الذي عليه دماليقه ، وسوط باطل ضوء يخرج{[5387]} من الكوّة ، وسطت الشيء بالسوط ضربته به ، والسوط أيضاً ما يخلط به كالمسواط وولد لإبليس ، والمسواط فرس لا يعطى حُضره إلا بالسوط ، واستوط أمره اضطرب{[5388]} واختلط ، وأموالهم سويطة{[5389]} بينهم مختلطة{[5390]} ، والطوس بالضم دواء يشرب للحفظ ، والطاووس طائر والأرض المخضرة فيها كل ضرب من النبت ، ومن الاقتطاع الطاس أي الإناء يشرب فيه ، والسوط النصيب والفضلة من الغدير . ومن الضعف الوسط من بيوت الشعراء وهو أصغرها ، وطسأ كمنع مهموزاً استحيى{[5391]} .
ولما أثبت لهم الوسط الذي{[5392]} من حله كان جديراً بأن لا يخفى عليه شيء{[5393]} من الجوانب واستلزم ذلك كونه خياراً قال : { لتكونوا } أي أنتم لا غيركم { شهداء }{[5394]} {[5395]}كما أفاده التعبير{[5396]} بهذا{[5397]} دون أن يقال : لتشهدوا ، وقال : { على الناس } أي كافة . ولما كان الرسول صلى الله عليه وسلم أوسطهم قال : { ويكون الرسول } أي{[5398]} لا غيره بما اقتضاه اختصاصه بكونه وسط الوسط { عليكم } خاصة{[5399]} { شهيداً } بأنكم تابعتموه وصدقتموه فكنتم خير أمة أخرجت للناس ، وبأنه قد بلغكم مدة حياته ، فلما مات خلف فيكم كتاباً معجزاً متواتراً لا يغسله الماء ولا تحرقه النار ، لأنه محفوظ في الصدور متلو بالألسن إلى أن يأتي أمر الله ، ولذلك عبر بأداة الاستعلاء{[5400]} فافهم صوغ الكلام هكذا : إنهم{[5401]} حازوا شرفين أنه لا يشهد عليهم{[5402]} إلا الرسول ، وأنه لا يحتاج في الشهادة على سائر الأمم إلى غير شهادتهم دفعاً لتوهم أن غيرهم يشهد عليهم كما شهدوا عليهم ، ولتوهم أن غيرهم لا يكتفى{[5403]} في الشهادة عليه إلا بشهادة الرسول كما لم يكتف فيهم إلا بذلك .
ولما أعلم بما { سيقول السفهاء } [ البقرة : 142 ] وعلم جوابهم وبين سر التحويل بين علة التوجيه{[5404]} إلى قبلتين بقوله : { وما جعلنا } {[5405]}أي بعظمتنا التي لا يقاويها أحد{[5406]} { القبلة } قال الحرالي : في جملته إنباء بأن القبلة مجعولة أي مصيرة عن حقيقة وراءها{[5407]} ابتلاء بتقليب{[5408]} الأحكام ليكون تعلق القلب بالله الحكيم لا بالعمل المحكم ، فالوجهة{[5409]} الظاهرة ليكون ذلك علماً على المتبع عن صدق فيثبت عند تقلب{[5410]} الأحكام بما في قلبه{[5411]} من صدق التعلق بالله والتوجه له أيان ما وجهه ، وعلى المجيب عن غرض ظاهر ليس يسنده صدق باطن فيتعلق من الظاهر بما لا يثبت عند تغيره - انتهى{[5412]} .
وبين أنها الأولى بقوله : { التي كنت عليها } وبين أن العلة التمييز بين الناس بقوله : { إلا لنعلم } أي بما لنا من العظمة بالجنود والرسل وغيرهم حين وجود الأمر بالتحول عنها { من يتبع الرسول } في كل ما يأمر به اتباعاً دالاً على تمكن إيمانه { ممن ينقلب } أي يرتد{[5413]} فيدبر{[5414]} بعد إقباله متنكساً { على عقبيه } علماً متعلقاً بموجود تقوم به الحجة في مجاري عاداتكم ، والعقب مؤخر القدم . وقال الحرالي : لنجعل علماً ظاهراً على الصادق وغيره يشتمل العلم به من علم الغيب قبل كونه وبعد كونه ، ومن لم يعلم الغيب إلا عن علم بما ينبئ عنه نون الاستتباع فهذا وجهه{[5415]} ووجه ما يرد من نحوه في القرآن والسنة - انتهى .
ثم بين{[5416]} شدتها على من أخلد إلى العادة{[5417]} لغلبة القوة الحيوانية البهيمية ولم يتمرن في{[5418]} الانقياد للأوامر الإلهية على خلع الإلف وذل النفس فقال : { وإن كانت } أي الجعلة { لكبيرة } {[5419]}أي ثقيلة شاقة جداً{[5420]} لأن مفارقة الألف بعد طمأنينة النفس إليه أمر شاق جداً ، ثم استثنى من أيده سبحانه بروح منه وسكينة فقال : { إلا على الذين هدى الله } أي خلق {[5421]}الذي له الأمر كله{[5422]} الهداية في قلوبهم فانقادوا لما هداهم إليه بنصيب الأدلة .
ولما كان قبولهم لهذا الأمر وثباتهم{[5423]} عند تغير الأحكام إنما كان عن إيمان وعلم محيط جعل الله عز وجل أعمالهم وتوجههم للقبلة الأولى من الإيمان فقال : { وما كان الله } {[5424]}الذي له الكمال المطلق{[5425]} { ليضيع{[5426]} } قال الحرالي : مما منه الضياع والضيعة وهو التفريط فيما له غناء وثمرة إلى أن لا يكون له غناء ولا ثمرة { إيمانكم } أي المصرح به في قولكم :{ آمنا بالله }[ البقرة : 8 ] المشار إلى صدق الدعوى فيه بقولكم :
{ ونحن له مخلصون }[ البقرة : 139 ] في شيء من الأشياء لا في صلاتكم إلى القبلة الأولى ، ولا في تمييز الصادق منكم من المنافق بالامتحان بتغيير الأحكام من القبلة وغيرها ولا في اختصاصكم به سبحانه دون أهل الكتاب الجاحدين لآياته الناكبين عن مرضاته الناكثين لعهوده .
ولما نزه نفسه المقدسة عن جميع{[5427]} هذه الإضاعة علل ذلك بما هو أعم فقال{[5428]} : { إن الله }{[5429]} أي المحيط بجميع صفات الكمال{[5430]} { بالناس } أي الذين هم أعم من المؤمنين وغيرهم ممن ينوسون بين حال الهدى والفتنة { لرءوف } أي فيرحم من يشاء ممن توصل إليه بعمل صالح رأفة منه به ، فإن الرأفة كما قال الحرالي في التفسير عطف العاطف على من لم{[5431]} يجد عنده منه وصلة ، فهي رحمة ذي الصلة بالراحم ، قال : والرحمة تعم من لا صلة له بالراحم ، وقال في شرح الأسماء : إن المرؤوف به تقيمه عناية الرأفة حتى تحفظ{[5432]} بمسراها{[5433]} في سره ظهور ما يُستدعى العفو لأجله على{[5434]} علنه - انتهى .
وذلك مقتضى لكونها أشد الرحمة وأبلغها وألطفها كما قالوه{[5435]} { رحيم } {[5436]}لمن يشاء{[5437]} ولو لم يكن منه سعي في الوصلة فتقتلعه من ذنوبه اقتلاعاً أشد ما كان بها اعتلاقاً فتقيمه فيما ترضاه الإلهية وذلك مع موافقته لما قاله العلماء ترق من العالي إلى الأعلى ، فإن رحمة من لا سبب منه تقتضي العطف عليه أبلغ في نوعها من حيث كونها ابتداء والأولى أبلغ في نفسها لما اقتضاها من السبب ، فإن كان المراد بالناس العرب فهو بشارة له صلى الله عليه وسلم بأنه يقر عينه بجعلهم من حزبه بالتثبيت لمن كان إذ ذاك مقبلاً والإقبال لمن كان مدبراً . وإن كان المراد أعم منهم فهو بشارة باتباع أكثر الخلائق له صلى الله عليه وسلم ، فإذا نزل عيسى عليه السلام وقع العموم الحقيقي في الطريق المحمدي باتباع الكل له صلى الله عليه وسلم والله أعلم ؛ ويجوز أن يكون تعليلاً للكلام من أوله فيكون المعنى أن صفتي رأفته ورحمته مقتضيتان للتمييز بين المؤمنين وغيرهم للعدل بين الناس ، لأن تسوية المصلح بالمفسد يؤلم المصلح وسيأتي إن شاء الله تعالى في آخر براءة ما ينفع استحضاره هنا .
وقوله : ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ) اسم الإشارة في قوله كذلك يتعلق بتحويل القبلة نحو الكعبة . أي حولنا قبلتكم إلى الكعبة لتكونوا ( أمة وسطا ) والوسط هو العدل والأجود والخيار ، وهو موضع الثناء والتفضيل ، وجاء في في الحديث الشريف : " خير الأمور أوسطها " {[150]} ويقول الإمام علي رضي الله عنه : " عليكم بالنمط الأوسط ؛ فإليه ينزل العالي وإليه يرتفع النازل " .
لقد جعل الله هذه الأمة بين الأمم وسطا ؛ لتكون خير البشرية كافة بما أوتيت من خصائص مميزة قمينة بتفضيلها تفضيلا ظاهرا . وهي خصائص تتجلى في كمال الكتاب المعجز الحكيم الذي جاء حاويا لخبر الأولين والآخرين ، وفيه صلاح البشرية في هذه الدنيا ويوم يقوم الناس لرب العالمين . وتتجلى كذلك في كمال الشريعة والمنهاج اللذين يغطيان واقع الحياة كلها بما فيها من قضايا السياسة والتربية والاقتصاد والسلوك ومطالب النفس والروح جميعا .
وتتجلى أيضا في الموقف المتميز السليم المجانب لكلا الإفراط والتفريط ، وهاتان ظاهرتان مرفوضتان مغايرتان لطبيعة الإسلام القائمة على الاعتدال ومراعاة الفطرة السليمة ، ومعلوم أن الإسلام دين وسط ، فلا هو بالإفراط كالذي عليه اليهود من حيث تحريفهم للتوراة بما يلائم شهواتهم ويميل معها ميلا عظيما ، ولا هو بالتفريط الذي عليه النصارى وذلك من حيث عزوفهم في ملتهم عن الحياة وما فيها من طيبات إلى الدرجة المغالية المذمومة التي لا تطاق والتي تحتسب ضربا من العذاب يؤز النفس ويؤلم الجسد .
ومن جهة أخرى فقد كان اليهود مفرّطين ؛ وذلك لاجترائهم المذهل على أنبيائهم بالقتل والضرب والتكذيب والتعذيب ، أما النصارى فقد كانوا مفرطين ( بسكون الفاء ) ؛ وذلك لغلوهم المسرف في إجلال نبيهم عيسى عليه السلام حتى أحلوه مقام الإله ، لكن أمة الإسلام ليست على شيء من ذلك . ولكنها الأمة المعتدلة الوسط التي تقوم على المحجة المستقيمة والتي تنفر من التفريط والإفراط . فهي أمة لا تعبد أحدا سوى الله ، وترتكز في عقيدتها على أساس ثابت مكين واحد هو التوحيد القائم على أعظم مقولة في دين الإسلام وهي " لا إله إلا الله " .
وينظر المسلمون للأنبياء جميعا على أنهم عباد مصطفون أبرار قد اختارهم الله من بين خلقه لتناط بهم أمانة التبليغ . فهم بذلك أناس من جنس البشر ، لكنهم يفوقون البشر بما أوتوه من حظوة الاصطفاء ، وبما ركب في شخوصهم وفطرتهم من زخم الروح والاستعداد الذاتي العظيم ومن العصمة التي تدرأ عن طبائعهم مقارفة الخطايا .
قوله : ( لتكونوا شهداء على الناس ) اللام للتعليل ، وواو الجماعة اسم تكون في محل رفع ، ( شهداء ) خبر ومفردها شاهد أو شهيد .
وهذه خصيصة أخرى من كبريات الخصائص لهذه الأمة المبجلة الوسط . وتتجلى هذه الخصيصة لهذه الأمة في كونها شهيدة على الناس يوم القيامة ؛ إذ تشهد لهم أو عليهم بما أسلفوه من أعمال .
وفي هذا الصدد أخرج البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد في مسنده عن النبي ( ص ) أنه قال : " يدعى نوح يوم القيامة فيقال له : هل بلغت ؟ فيقول : نعم ، فيُدعى قومه فيقال لهم : هل بلغكم ؟ فيقولون : ما أتانا من نذير وما أتانا من أحد ، فيقال لنوح : من يشهد لك ، فيقول محمد وأمته " .
وأخرجه الإمام أحمد بإسناده عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله ( ص ) : " يجيء النبي يوم القيامة ومعه الرجلان وأكثر من ذلك فيدعى قومه فيقال : هل بلغكم هذا ؟ فيقولون : لا . فيقال له : هل بلغت قومك ؟ فيقول : نعم . فيقال : من يشهد لك فيقول : محمد وأمته فيقال لهم : هل بلغ هذا قومه ؟ فيقولون : نعم . فيقال : وما علمكم ؟ فيقولون : جاءنا نبينا فأخبرنا أن الرسل قد بلغوا " .
هذا هو تأويل الشهادة لهذه الأمة على الناس يوم القيامة . وفي ذلك إبراز للشأن العظيم الذي تحتله هذه الأمة بما يجعلها خير أمة أخرجت للناس ، ويجعلها كذلك أمة وسطا لتقف على ذروة السنام من التكريم والاعتبار في الدنيا والآخرة .
قوله : ( وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه ) القبلة التي كان النبي عليها هي بيت المقدس . فهي قبلته والمسلمين حال هجرتهم إلى المدينة وذلك بأمر وتوجيه من الله سبحانه ؛ ليميز أهل اليقين من الشك وليستبين الذين يثبتون في الطريق وهم ماضون على صراط الله وعلى منهجه القويم ، ثم الذين ينكصون على أعقابهم وينتكسون انتكاسة المرتدين الأشقياء .
قوله : ( وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله ) كان تحويل القبلة عن بيت المقدس إلى مكة أمرا كبيرا أثار الاهتمام والتساؤل من كثير من الناس ، وهو كذلك حدث يثير دهشة يهود وكثيرين غيرهم ممن راعهم هذا التحول غير المتوقع ؛ لذلك كانت قضية تحويل القبلة بالنسبة لأولئك جميعا أمرا عظيما قد تمخض عن فتنة أفقدت ضعاف العزيمة والعقيدة جل إيمانهم أو بعضه ( إلا على الذين هدى الله ) فإنه يستثني من هؤلاء المفتونين المنتكسين من ثبتوا على الحق ولم يزعزعهم إعصار الفتنة ممن هدوا إلى الامتثال لأمر الله والانقياد لشرعه وما أنزله من تكليف مهما كان ثقيلا أو عسير الاحتمال .
قوله : ( وما كان الله ليضيع إيمانكم ) كان ذلك جوابا عن سؤال طرحه بعض المسلمين عن مصير الذين صلوا نحو بيت المقدس ثم ماتوا من قبل أن تحول القبلة نحو مكة ، فهل هم مأجورون على استقبالهم الأول ؟ فقد أخرج الترمذي وغيره عن ابن عباس أن قوما كانوا يصلون نحو بيت المقدس ثم ماتوا ، فقال الناس : ما حالهم في ذلك ؟ فأنزل الله هذه الآية . وبذلك فإن الله لا يضيع أجر هؤلاء العاملين الذين استقبلوا بيت المقدس في صلاتهم طيلة مقامهم في المدينة من قبل أن تحول القبلة إلى البيت الحرام{[151]} . أما قوله : ( إيمانكم ) أي بالقبلة الأولى التي كنتم عليها وذلك بناء على اتباعكم أمر نبيكم إذ توجه صوب بيت المقدس فأطعمتموه وتوجهتم معه دون مُشاقة أو خلاف . ولا شك أن ذلك كله منوط بإيمانكم بالله ورسوله وأنكم تتصرفون وتنشطون تبعا لما تفرضه العقيدة .
قوله : ( إن الله بالناس لرءوف رحيم ) ذلك تعقيب على ما سبق من حكم ، وهو تعقيب ينسجم تماما مع ما سبقه من معنى ، وبذلك يأتي الحكم السابق والتعقيب اللاحق في الآية مؤتلفين تمام الائتلاف ومتسقين غاية الاتساق . فالله جلت قدرته لا يظلم الناس شيئا ولا يحرم أحدا من حقه مثقال ذرة ، حتى إن كانت هذه حسنة ، فإنه يضاعفها أضعافا كثيرة . وهو سبحانه لن يتر العالمين المتقين الذين صلوا نحو القدس أجورهم فهو سبحانه ( بالناس لرءوف رحيم ) الرؤوف من الرأفة وهي أشد من الرحمة . فالله تباركت أسماؤه من حيث رحمته بالمخاليق ليس كمثله أحد ورحمته بالعباد بالغة مطلقة لا تعرف الحدود .
وقد جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله ( ص ) رأى امرأة من السبي قد فرق بينها وبين لولدها ، فجعلت كلما وجدت صبيا من السبي أخذته فألصقته بصدرها وهي تدور على ولدها . فلما وجدته ضمته إليها وألقمته ثديها . فقال رسول الله ( ص ) : " أترون هذه طارحة ولدها في النار وهي تقدر على ألا تطرحه " ؟ قالوا : لا يا رسول الله . قال : " فوالله لله أرحم بعباده من هذه بولدها " {[152]}