في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{أَتَىٰٓ أَمۡرُ ٱللَّهِ فَلَا تَسۡتَعۡجِلُوهُۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ} (1)

مقدمة السورة:

سورة النحل مكية وآياتها ثمان وعشرون ومائة

بسم الله الرحمن الرحيم

هذه السورة هادئة الإيقاع ، عادية الجرس ؛ ولكنها مليئة حافلة . موضوعاتها الرئيسية كثيرة منوعة ؛ والإطار الذي تعرض فيه واسع شامل ؛ والأوتار التي توقع عليها متعددة مؤثرة ، والظلال التي تلونها عميقة الخطوط .

وهي كسائر السور المكية تعالج موضوعات العقيدة الكبرى : الألوهية . والوحي . والبعث . ولكنها تلم بموضوعات جانبية أخرى تتعلق بتلك الموضوعات الرئيسية . تلم بحقيقة الوحدانية الكبرى التي تصل بين دين إبراهيم - عليه السلام - ودين محمد [ ص ] وتلم بحقيقة الإرادة الإلهية والإرادة البشرية فيما يختص بالإيمان والكفر والهدى والضلال . وتلم بوظيفة الرسل ، وسنة الله في المكذبين لهم . وتلم بموضوع التحليل والتحريم وأوهام الوثنية حول هذا الموضوع . وتلم بالهجرة في سبيل الله ، وفتنة المسلمين في دينهم ، والكفر بعد الإيمان وجزاء هذا كله عند الله . . ثم تضيف إلى موضوعات العقيدة موضوعات المعاملة : العدل والإحسان والإنفاق والوفاء بالعهد ، وغيرها من موضوعات السلوك القائم على العقيدة . . وهكذا هي مليئة حافلة من ناحية الموضوعات التي تعالجها .

فأما الإطار الذي تعرض فيه هذه الموضوعات ، والمجال الذي تجري فيه الأحداث ، فهو فسيح شامل . . هو السماوات والأرض . والماء الهاطل والشجر النامي . والليل والنهار والشمس والقمر والنجوم . والبحار والجبال والمعالم والسبل والأنهار . وهو الدنيا بأحداثها ومصائرها ، والأخرى بأقدارها ومشاهدها . وهو الغيب بألوانه وأعماقه في الأنفس والآفاق .

في هذا المجال الفسيح يبدو سياق السورة وكأنه حملة ضخمة للتوجيه والتأثير واستجاشة العقل والضمير . حملة هادئة الإيقاع ، ولكنها متعددة الأوتار . ليست في جلجلة الأنعام والرعد ، ولكنها في هدوئها تخاطب كل حاسة وكل جارحة في الكيان البشري ، وتتجه إلى العقل الواعي كما تتجه إلى الوجدان الحساس . إنها تخاطب العين لترى ، والأذن لتسمع ، واللمس ليستشعر ، والوجدان ليتأثر ، والعقل ليتدبر . وتحشد الكون كله : سماؤه وأرضه ، وشمسه وقمره ، وليله ونهاره ، وجباله وبحاره وفجاجه وأنهاره وظلاله وأكنانه نبته وثماره ، وحيوانه وطيوره . كما تحشد دنياه وآخرته ، وأسراره وغيوبه . . كلها أدوات توقع بها على أوتار الحواس والجوارح والعقول والقلوب ، مختلف الإيقاعات التي لا يصمد لها فلا يتأثر بها إلا العقل المغلق والقلب الميت ، والحس المطموس .

هذه الإيقاعات تتناول التوجيه إلى آيات الله في الكون ، وآلائه على الناس كما تتناول مشاهد القيامة ، وصور الاحتضار ، ومصارع الغابرين ؛ تصاحبها اللمسات الوجدانية التي تتدسس إلى أسرار الأنفس ، وإلى أحوال البشر وهم أجنة في البطون ، وهم في الشباب والهرم والشيخوخة ، وهم في حالات الضعف والقوة ، وهم في أحوال النعمة والنقمة . كذلك يتخذ الأمثال والمشاهد والحوار والقصص الخفيف أدوات للعرض والإيضاح .

فأما الظلال العميقة التي تلون جو السورة كله فهي الآيات الكونية تتجلى فيها عظمة الخلق ، وعظمة النعمة ، وعظمة العلم والتدبير . . كلها متداخلة . . فهذا الخلق الهائل العظيم المدبر عن علم وتقدير ، ملحوظ فيه أن يكون نعمة على البشر ، لا تلبي ضروراتهم وحدها ، ولكن تلبي أشواقهم كذلك ، فتسد الضرورة . وتتخذ للزينة ، وترتاح بها أبدانهم وتستروح لها نفوسهم ، لعلهم يشكرون . .

ومن ثم تتراءى في السورة ظلال النعمة وظلال الشكر ، والتوجيهات إليها ، والتعقيب بها في مقاطع السورة ، وتضرب عليها الأمثال ، وتعرض لها النماذج ، وأظهرها نموذج إبراهيم( شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم ) .

كل أولئك في تناسق ملحوظ بين الصور والظلال والعبارات والإيقاعات ، والقضايا والموضوعات نرجو أن نقف على نماذج منه في أثناء استعراضنا للسياق .

ونبدأ الشوط الأول ، وموضوعه هو التوحيد ؛ وأدواته هي آيات الله في الخلق ، وأياديه في النعمة ، وعلمه الشامل في السر والعلانية ، والدنيا والآخرة . فلنأخذ في التفصيل :

( تى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون . ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده : أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون ) . .

لقد كان مشركوا مكة يستعجلون الرسول [ ص ] أن يأتيهم بعذاب الدنيا أو عذاب الآخرة . وكلما امتد بهم الأجل ولم ينزل بهم العذاب زادوا استعجالا ، وزادوا استهزاء ، وزادوا استهتارا ؛ وحسبوا أن محمدا يخوفهم ما لا وجود له ولا حقيقة ، ليؤمنوا له ويستسلموا . ولم يدركوا حكمة الله في إمهالهم ورحمته في إنظارهم ؛ ولم يحاولوا تدبر آياته في الكون ، وآياته في القرآن . هذه الآيات التي تخاطب العقول والقلوب ، خيرا من خطابها بالعذاب ! والتي تليق بالإنسان الذي أكرمه الله بالعقل والشعور ، وحرية الإرادة والتفكير .

وجاء مطلع السورة حاسما جازما : أتى أمر الله . . يوحي بصدور الأمر وتوجه الإرادة ؛ وهذا يكفي لتحققه في الموعد الذي قدره الله لوقوعه ( فلا تستعجلوه )فإن سنة الله تمضي وفق مشيئته ، لا يقدمها استعجال . ولا يؤخرها رجاء . فأمر الله بالعذاب أو بالساعة قد قضي وانتهى ، أما وقوعه ونفاذه فسيكون في حينه المقدر ، لا يستقدم ساعة ولا يتأخر .

وهذه الصيغة الحاسمة الجازمة ذات وقع في النفس مهما تتماسك أو تكابر ، وذلك فوق مطابقتها لحقيقة الواقع ؛ فأمر الله لا بد واقع ، ومجرد قضائه يعد في حكم نفاذه ، ويتحقق به وجوده ، فلا مبالغة في الصيغة ولا مجانبة للحقيقة ، في الوقت الذي تؤدي غايتها من التأثر العميق في الشعور .

فأما ما هم عليه من شرك بالله الواحد ، وتصورات مستمدة من هذا الشرك فقد تنزه الله عنه وتعالى :

( سبحانه وتعالى عما يشركون ) بكل صوره وأشكاله ، الناشئة عن هبوط في التصور والتفكير .

أتى أمر الله المنزه عن الشرك المتعالي عما يشركون .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{أَتَىٰٓ أَمۡرُ ٱللَّهِ فَلَا تَسۡتَعۡجِلُوهُۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ} (1)

مقدمة السورة:

سورة النحل

سورة النحل مكية ، آياتها مائة وثمان وعشرون ، وقال كثير من العلماء أن الآيات الثلاث الأخيرة مدنية وهي قوله تعالى : { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به . . . الآيات } .

ابتدأت السورة بتأكيد وعيد الله تعالى للمشركين ، وبيان قدرته على تنفيذه بدليل خلقه السماوات والأرض ، ثم الامتنان على عباده بخلق الأنعام

وما فيها من منافع ، وإنباته الزرع ، وما خلق في البحر من أسماك تؤكل ، وجواهر للزينة . ثم أشار إلى ما تستوجبه هذه النعم من شكره ، ووجوب عبادته ، وإلى افتراء المشركين على القرآن الكريم وادعاء أنه من أساطير الأولين ، وإنذارهم بأن يحلّ بهم ما حل بمن قبلهم من العذاب . ثم ذكر سبحانه إنكار المشركين للبعث ولجاجتهم في الإنكار ، واحتجاج المشركين بعدم الحاجة إلى إرسال الرسل ، وبيّن أن وظيفة الرسل البلاغ والإنذار لا خلق الهداية والإيمان . وأجمل دعوة الأنبياء بأنها عبادة الله واجتناب الطاغوت . فمن الناس من استجاب لدعوتهم ، ومنهم من حقّت عليهم الضلالة .

ثم أورد إنكار المشركين للبعث والنشور وحلفهم على ذلك . وعطف إلى إنكارهم رسالة محمد وبعثه وأنه رجل لا ملك . فكذبهم الله بأن الأنبياء جميعا كانوا رجالا لا ملائكة . ثم أكد إنذار المشركين بعذاب الخسف ، وذكّر أنهم جعلوا الملائكة بنات مع حزنهم إذا بشر أحدهم بالأنثى . كذلك بين الله رحمته بعبادة وعدم مؤاخذتهم بذنوبهم ، وأنه لو آخذهم لما ترك على ظهر الأرض دابة ، وعدّد بعض نعمه الكثيرة عليهم ، ومنها إنزال اللبن من بين الفرث والدم ، وما خلقه من ثمرات من النخيل والأعناب ، والعسل والنخل .

وبعد ذلك ضرب الأمثال لقدرته ، ومنها خلق السمع والبصر وتسخير الطير في جو السماء . كذلك أنه جعل لهم البيوت سكنا ، ومكنهم أن يتخذوا سرابيل تقيهم الحر وبأس العدو . كما جعل الأنبياء شهداء على أممهم ، وأمر عباده بالعدل والإحسان وصلة الأرحام ، وبالنهي عن الفحشاء والمنكر والبغي ، كما أمرهم بالوفاء بالعهود وضرب الأمثال على ذلك . ثم وجّه سبحانه وتعالى الأنظار إلى عظم المخلوقات الدالة بدورها على عظمة الخالق ، وكيف قابل المشركون هذا الفضل العميم .

وبعد أن بيّن مطالب الإسلام في كل فضيلة أشار إلى إعجاز القرآن ، وكفر المشركين به وافترائهم عليه ، ثم أشار إلى حال هؤلاء يوم القيامة ، وبيّن كيف كانوا يحلون ويحرمون من غير حجة ، كما فعل اليهود أيضا . وجاء على ذكر إبراهيم فمدحه بصفات لم يوصف بها نبي غيره ، وأمر النبي محمدا صلى الله عليه وسلم باتباعه وسلوك طريقته .

فالسورة مملوءة حافلة ، موضوعاتها الرئيسية متنوعة ، والعرض فيها هادئ رصين ، يرد في تناسق ملحوظ بين الصور والعبارات ، والقضايا والموضوعات . وتختم السورة بهذه الآية اللطيفة المبشرة : { إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون } .

بسم الله الرحمان الرحيم

أتى أمر الله : دنا وقرب . أمر الله : وعده وحكمه .

كان مشركو مكةَ يستعجلون الرسولَ عليه الصلاة والسلام أن يأتيهم بعذاب الدنيا أو عذاب الآخرة ، فجاء مطلعُ هذه السورة حاسماً : { أتى أَمْرُ الله فَلاَ تَسْتَعْجِلُوه } .

وقد تحقَّقَ هذا الوعيدُ بأن أهلك الله عدداً من صناديِدهم في هذه الدنيا ونصر رسولَه والمؤمنين ، ولَعذابُ الآخرة أشدّ ، وهو واقعٌ لا ريب فيه . تَنَزَّه الله عن أن يكون له شريك يُعبد دونه .

قراءات :

قرأ حمزة والكسائي : «تشركون » بالتاء ، والباقون «يشركون » بالياء كما هي في المصحف .