وأعجب ما في الأمر أن المشركين ، يجعلون لله ما يكرهون من البنات وغير البنات ، ثم يزعمون كاذبين أن سينالهم الخير والإحسان جزاء على ما يجعلون ويزعمون ! والقرآن يقرر ما ينتظرهم وهو غير ما يزعمون :
( ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى . لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون ) .
والتعبير يجعل ألسنتهم ذاتها كأنها الكذب ذاته ، أو كأنها صورة له ، تحكيه وتصفه بذاتها . كما تقول قوامه يصف الرشاقة وعينه تصف الحور . لأن ذلك القوام بذاته تعبير عن الرشاقة مفصح عنها ، ولأن هذه العين بذاتها تعبير عن الحور مفصح عنه . كذلك قال : تصف ألسنتهم الكذب ، فهي بذاتها تعبير عن الكذب مفصح عنه مصور له ، لطول ما قالت الكذب وعبرت عنه حتى صارت رمزا عليه ودلالة له ! .
وقولهم : أن لهم الحسنى ، وهم يجعلون لله ما يكرهون هو ذلك الكذب الذي تصفه ألسنتهم أما الحقيقة التي يجبههم بها النص قبل أن تكمل الآية ، فهي أن لهم النار دون شك ولا ريب ، وعن استحقاق وجدارة :
( لا جرم أن لهم النار ) وأنهم معجلون إليها غير مؤخرين عنها : ( وأنهم مفرطون ) والفرط هو ما يسبق ، والمفرط ما يقدم ليسبق فلا يؤجل .
قوله تعالى : " ويجعلون لله ما يكرهون " ، أي : من البنات . " وتصف ألسنتهم الكذب " ، أي : وتقول ألسنتهم الكذب . " الكذب " ، مفعول " تصف " ، و " أن " ، في محل نصب بدل من الكذب ؛ لأنه بيان له . وقيل : " الحسنى " ، الجزاء الحسن ، قاله الزجاج . وقرأ ابن عباس وأبو العالية ومجاهد وابن محيصن " الكذب " ، برفع الكاف والذال والباء نعتا للألسنة ، وكذا " ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب{[9917]} " [ النحل : 116 ] . والكذب جمع كذوب ؛ مثل رسول ورسل ، وصبور وصبر ، وشكور وشكر . " أن لهم الحسنى " ، قال مجاهد : هو قولهم أن لهم البنين ، ولله البنات . " لا جرم أن لهم النار " قال الخليل : " لا جرم " ، كلمة تحقيق ، ولا تكون إلا جوابا ، يقال : فعلوا ذلك ، فيقال : لا جرم سيندمون . أي : حقا أن لهم النار . وقد تقدم مستوفى{[9918]} . " وأنهم مفرطون " ، متركون منسيون في النار ، قاله ابن الأعرابي وأبو عبيدة والكسائي والفراء ، وهو قول سعيد بن جبير ومجاهد . وقال ابن عباس وسعيد بن جبير أيضا : مبعدون . قتادة والحسن : معجلون إلى النار ، مقدمون إليها . والفارط : الذي يتقدم إلى الماء ، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( أنا فرطكم على الحوض ) ، أي : متقدمكم . وقال القطامي :
فاسْتَعْجَلُونَا وكانوا من صَحَابَتِنَا *** كما تعجّل فُرَّاطٌ لورّاد
والفراط : المتقدمون في طلب الماء . والوراد : المتأخرون . وقرأ نافع في رواية ورش " مفرطون " ، بكسر الراء وتخفيفها ، وهي قراءة عبدالله بن مسعود وابن عباس ، ومعناه مسرفون في الذنوب والمعصية ، أي : أفرطوا فيها . يقال : أفرط فلان على فلان ، إذا أربى عليه ، وقال له أكثر مما قال من الشر . وقرأ أبو جعفر القارئ " مفرطون " ، بكسر الراء وتشديدها ، أي : مضيعون أمر الله ، فهو من التفريط في الواجب .
ولما كان ما تقدم أمارة على كراهتهم لما نسبوه إلى الله تعالى ، أتبعه التصريح بعد التلويح بقوله تعالى : { ويجعلون لله } ، أي ، وهو الملك الأعظم { ما يكرهون } ، أي : لأنفسهم ، من البنات والأموال والشركاء في الرئاسة ، ومن الاستخفاف برسلهم وجنودهم والتهاون برسالاتهم ، ثم وصف جراءتهم مع ذلك ، الكائنة في محل الخوف ، المقتضية لعدم التأمل اللازم لعدم العقل فقال : { وتصف } ، أي : تقول معتقدة مع القول الصفاء ، ولما كان قولاً لا حقيقة له بوحه ، أسنده إلى اللسان فقال : { ألسنتهم } ، أي : مع ذلك ، مع أنه قول لا ينبغي أن يتخيله عاقل ، { الكذب } ، ثم بينه بقوله : { أن لهم الحسنى } ، أي عنده ، ولا جهل أعظم ، ولا حكم أسوأ ، من أن تقطع بأن من تجعل له ما تكره ، يجعل لك ما تحب ، فكأنه قيل : فما لهم عنده ؟ فقيل : { لا جرم } ، أي : لا ظن ولا تردد في { أن لهم النار } ، التي هي جزاء الظالمين ، { وأنهم مفرطون * } ، أي : مقدمون ، معجلون إليها بتقديم من يسوقهم وإعجاله لهم ؛ وقال الرماني : متروكون فيها ، من قول العرب : ما أفرطت ورائي أحداً ، أي ما خلفت ولا تركت ، وقرأ نافع بالتخفيف والكسر ، أي مبالغون في الإسراف والجراءة على الله .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.