ثم يحدث هذه الأمة عن حقيقتها الكبيرة في هذا الكون ، وعن وظيفتها الضخمة في هذه الأرض ، وعن مكانها العظيم في هذه البشرية ، وعن دورها الأساسي في حياة الناس ؛ مما يقتضي أن تكون لها قبلتها الخاصة ، وشخصيتها الخاصة ؛ وألا تسمع لأحد إلا لربها الذي اصطفاها لهذا الأمر العظيم :
( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ، لتكونوا شهداء على الناس ، ويكون الرسول عليكم شهيدا ) . .
إنها الأمة الوسط التي تشهد على الناس جميعا ، فتقيم بينهم العدل والقسط ؛ وتضع لهم الموازين والقيم ؛ وتبدي فيهم رأيها فيكون هو الرأي المعتمد ؛ وتزن قيمهم وتصوراتهم وتقاليدهم وشعاراتهم فتفصل في أمرها ، وتقول : هذا حق منها وهذا باطل . لا التي تتلقى من الناس تصوراتها وقيمها وموازينها . وهي شهيدة على الناس ، وفي مقام الحكم العدل بينهم . . وبينما هي تشهد على الناس هكذا ، فإن الرسول هو الذي يشهد عليها ؛ فيقرر لها موازينها وقيمها ؛ ويحكم على أعمالها وتقاليدها ؛ ويزن ما يصدر عنها ، ويقول فيه الكلمة الأخيرة . . وبهذا تتحدد حقيقة هذه الأمة ووظيفتها . . لتعرفها ، ولتشعر بضخامتها . ولتقدر دورها حق قدره ، وتستعد له استعدادا لائقا . .
وإنها للأمة الوسط بكل معاني الوسط سواء من الوساطة بمعنى الحسن والفضل ، أو من الوسط بمعنى الاعتدال والقصد ، أو من الوسط بمعناه المادي الحسي . .
( أمة وسطا ) . . في التصور والاعتقاد . . لا تغلو في التجرد الروحي ولا في الارتكاس المادي . إنما تتبع الفطرة الممثلة في روح متلبس بجسد ، أو جسد تتلبس به روح . وتعطي لهذا الكيان المزدوج الطاقات حقه المتكامل من كل زاد ، وتعمل لترقية الحياة ورفعها في الوقت الذي تعمل فيه على حفظ الحياة وامتدادها ، وتطلق كل نشاط في عالم الأشواق وعالم النوازع ، بلا تفريط ولا إفراط ، في قصد وتناسق واعتدال .
( أمة وسطا ) . . في التفكير والشعور . . لا تجمد على ما علمت وتغلق منافذ التجرتة والمعرفة . . . ولا تتبع كذلك كل ناعق ، وتقلد تقليد القردة المضحك . . إنما تستمسك بما لديها من تصورات ومناهج وأصول ثم تنظر في كل نتاج للفكر والتجريب ؛ وشعارها الدئم : الحقيقة ضالة المؤمن أنى وجدها أخذها ، في تثبت ويقين .
( أمة وسطا ) . . في التنظيم والتنسيق . . لا تدع الحياة كلها للمشاعر ، والضمائر ، ولا تدعها كذلك للتشريع والتأديب . إنما ترفع ضمائر البشر بالتوجيه والتهذيب ، وتكفل نظام المجتمع بالتشريع والتأديب ؛ وتزاوج بين هذه وتلك ، فلا تكل الناس إلى سوط السلطان ، ولا تكلهم كذلك إلى وحي الوجدان . . ولكن مزاج من هذا وذاك .
( أمة وسطا ) . . في الارتباطات والعلاقات . . لا تلغي شخصية الفرد ومقوماته ، ولا تلاشي شخصيته في شخصية الجماعة أو الدولة ؛ ولا تطلقه كذلك فردا أثرا جشعا لا هم له إلا ذاته . . إنما تطلق من الدوافع والطاقات ما يؤدي إلى الحركة والنماء ؛ وتطلق من النوازع والخصائص ما يحقق شخصية الفرد وكيانه . ثم تضع من الكوابح ما يقف دون الغلو ، ومن المنشطات ما يثير رغبة الفرد في خدمة الجماعة ؛ وتقرر من التكاليف والواجبات ما يجعل الفرد خادما للجماعة ، والجماعة كافلة للفرد في كافلة للفرد في تناسق واتساق .
( أمة وسطا ) . . في المكان . . في سرة الأرض ، وفي أوسط بقاعها . وما تزال هذه الأمة التي غمر أرضها الإسلام إلى هذه اللحظة هي الأمة التي تتوسط أقطار الأرض بين شرق وغرب ، وجنوب وشمال ، وما تزال بموقعها هذا تشهد الناس جميعا ، وتشهد على الناس جميعا ؛ وتعطي ما عندها لأهل الأرض قاطبة ؛ وعن طريقها تعبر ثمار الطبيعة وثمار الروح والفكر من هنا إلى هناك ؛ وتتحكم في هذه الحركة ماديها ومعنويها على السواء .
( أمة وسطا ) . . في الزمان . . تنهي عهد طفولة البشرية من قبلها ؛ وتحرس عهد الرشد العقلي من بعدها . وتقف في الوسط تنفض عن البشرية ما علق بها من أوهام وخرافات من عهد طفولتها ؛ وتصدها عن الفتنة بالعقل والهوى ؛ وتزواج بين تراثها الروحي من عهود الرسالات ، ورصيدها العقلي المستمر في النماء ؛ وتسيربها على الصراط السوي بين هذا وذاك .
وما يعوق هذه الأمة اليوم عن أن تأخذ مكانها هذا الذي وهبه الله لها ، إلا أنها تخلت عن منهج الله الذي اختاره لها ، واتخذت لها مناهج مختلفة ليست هي التي اختارها الله لها ، واصطبغت بصبغات شتى ليست صبغة الله واحدة منها ! والله يريد لها أن تصطبغ بصبغته وحدها .
وأمة تلك وظيفتها ، وذلك دورها ، خليقة بأن تحتمل التبعة وتبذل التضحية ، فللقيادة تكاليفها ، وللقوامة تبعاتها ، ولا بد أن تفتن قبل ذلك وتبتلى ، ليتأكد خلوصها لله وتجردها ، واستعدادها للطاعة المطلقة للقيادة الراشدة .
وإذن يكشف لهم عن حكمة اختيار القبلة التي كانوا عليها ، بمناسبة تحويلهم الآن عنها :
( وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه )
ومن هذا النص تتضح خطة التربية الربانية التي يأخذ الله بها هذه الجماعة الناشئة ، التي يريد لها أن تكون الوارثة للعقيدة ، المستخلفة في الأرض تحت راية العقيدة . إنه يريد لها أن تخلص له ؛ وأن تتخلص من كل رواسب الجاهلية ووشائجها ؛ وأن تتجرد من كل سماتها القديمة ومن كل رغابها الدفينة ؛ وأن تتعرى من كل رداء لبسته في الجاهلية ، ومن كل شعار اتخذته ، وأن ينفرد في حسها شعار الإسلام وحده لا يتلبس به شعار آخر ، وأن يتوحد المصدر الذي تتلقى منه لا يشاركه مصدر آخر .
ولما كان الاتجاه إلى البيت الحرام قد تلبست به في نفوس العرب فكرة أخرى غير فكرة العقيدة ؛ وشابت عقيدة جدهم إبراهيم شوائب من الشرك ، ومن عصبية الجنس ، إذ كان البيت يعتبر في ذلك الحين بيت العرب المقدس . . والله يريده أن يكون بيت الله المقدس ، لا يضاف إليه شعار آخر غير شعاره ، ولا يتلبس بسمة أخرى غير سمته .
لما كان الاتجاه إلى البيت الحرام قد تلبست به هذه السمة الأخرى ، فقد صرف الله المسلمين عنه فترة ، ووجههم إلى بيت المقدس ، ليخلص مشاعرهم من ذلك التلبس القديم أولا ؛ ثم ليختبر طاعتهم وتسليمهم للرسول [ ص ] ثانيا ، ويفرز الذين يتبعونه لأنه رسول الله ، والذين يتبعونه لأنه أبقى على البيت الحرام قبلة ، فاستراحت نفوسهم إلى هذا الإبقاء تحت تأثير شعورهم بجنسهم وقومهم ومقدساتهم القديمة .
إنها لفتة دقيقة شديدة الدقة . . إن العقيدة الإسلامية لا تطيق لها في القلب شريكا ؛ ولا تقبل شعارا غير شعارها المفرد الصريح ؛ إنها لا تقبل راسبا من رواسب الجاهلية في أية صورة من الصور . جل أم صغر . وهذا هو إيحاء ذلك النص القرآني : ( وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه ) . . والله - سبحانه - يعلم كل ما يكون قبل أن يكون . ولكنه يريد أن يظهر المكنون من الناس ، حتى يحاسبهم عليه ، ويأخذهم به . فهو - لرحمته بهم - لا يحاسبهم على ما يعلمه من أمرهم ، بل على ما يصدر عنهم ويقع بالفعل منهم .
ولقد علم الله أن الانسلاخ من الرواسب الشعورية ، والتجرد من كل سمة وكل شعار له بالنفس علقة . . أمر شاق ، ومحاولة عسيرة . . إلا أن يبلغ الإيمان من القلب مبلغ الاستيلاء المطلق ، وإلا أن يعين الله هذا القلب في محاولته فيصله به ويهديه إليه :
( وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله ) . .
فإذا كان الهدى فلا مشقة ولا عسر في أن تخلع النفس عنها تلك الشعارات ، وأن تنفض عنها تلك الرواسب ؛ وأن تتجرد لله تسمع منه وتطيع ، حيثما وجهها الله تتجه ، وحيثما قادها رسول الله تقاد .
ثم يطمئن المسلمين على إيمانهم وعلى صلاتهم . إنهم ليسوا على ضلال ، وإن صلاتهم لم تضع ، فالله سبحانه لا يعنت العباد ، ولا يضيع عليهم عبادتهم التي توجهوا بها إليه ؛ ولا يشق عليهم في تكليف يجاوز طاقتهم التي يضاعفها الإيمان ويقويها :
( وما كان الله ليضيع إيمانكم ، إن الله بالناس لرؤوف رحيم ) . .
إنه يعرف طاقتهم المحدودة ، فلا يكلفهم فوق طاقتهم ؛ وإنه يهدي المؤمنين ، ويمدهم بالعون من عنده لاجتياز الامتحان ، حين تصدق منهم النية ، وتصح العزيمة . وإذا كان البلاء مظهرا لحكمته ، فاجتياز البلاء فضل رحمته : ( إن الله بالناس لرؤوف رحيم ) . .
بهذا يسكب في قلوب المسلمين الطمأنينة ، ويذهب عنها القلق ، ويفيض عليها الرضى والثقة واليقين . .
{ وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرءوف رحيم( 143 ) }
( وسطا ) : خيارا عدولا ، وفي القرآن " قال أوسطهم " أي أعدلهم وخيرهم ، والصلاة الوسطى هي الفضلى .
العقب : مؤخر الرجل ، ومعنى " ينقلب على عقبيه " يرجع إلى الخلف ، والمقصود أنه يرتد عن دينه .
ولهذه المشيئة هديناكم إلى الطريق الأقوم وجعلناكم أمة عدولا خيارا بما وفقناكم إليه من الدين الصحيح والعمل الصالح لتكونوا مقرري الحق بالنسبة للشرائع السابقة ، وليكون الرسول مهيمنا عليكم ، ويسددكم بإرشاده في حياته ، وبنهجه وسنته بعد وفاته .
وأما القبلة ( بيت المقدس ) التي شرعناها لك حينا من الدهر فإنما جعلناها امتحانا للمسلمين ليتميز من يذعن فيقبلها عن طواعية ، ومن يغلب عليه هوى تعصبه العربي لتراث إبراهيم فيعصى أمر الله ويضل عن سواء السبيل .
ولقد كان الأمر بالتوجه إلى بيت المقدس من الأمور الشاقة إلا على من وفقه الله بهدايته ، وكان امتثال هذا الأمر من أركان الإيمان ، فمن أستقبل بيت المقدس حين الأمر باستقباله فلن يضيع عليه إيمانه وعبادته رأفة من الله به ورحمة .
{ وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا . . . . . }
أي وكما هديناكم أيها المؤمنون إلى صراط مستقيم ، بتوليتكم القبلة التي ترضونها ، ومثل ما جعلنا قبلتكم أيها المسلمون وسطا لأنها البيت الحرام الذي هو المثابة والأمن للناس ، وجعلناكم أيضا ( أمة وسطا ) أي خيارا عدولا بين الأمم ليتحقق التناسب بينكم وبين قبلتكم التي تتوجهون إليها في صلواتكم ، وتشهدون على الأمم السابقة بأن أنبياءهم قد بلغوهم الرسالة ونصحوهم بما ينفعهم ، ولكي يشهد الرسول صلى الله عليه وسلم عليكم بأنكم صدقتموه وآمنتم به .
ولما جعل الله هذه الأمة وسطا خصها بأكمل الشرائع وأقوم المناهج وأوضح المذاهب ، كما قال تعالى : { هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس } . ( الحج : 87 ) .
روى الإمام أحمد عن أبى سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «يدعو نوح يوم القيامة ، فيقال له : هل بلغت ؟ فيقول : نعم . فيدعى قومه ، فيقال لهم : هل بلغكم ؟ فيقولون : ما أتانا من نذير ، وما أتانا من أحد . فيقال لنوح : من يشهد لك ؟ فيقول : محمد وأمته ، قال : فذلك قوله : وكذلك جعلناكم أمة وسطا . قال : الوسط العدل ، فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ، ثم أشهد عليكم » . رواه البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه( 5 ) .
{ وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه } .
وما جعلنا قبلتك السابقة بيت المقدس ، ثم حولناك عنها إلى البيت الحرام إلا لنميز من يتبعك في كلتيهما ممن ينصرف عن اتباعك ، فإن اتباع الرسول ولو فيما تكرهه النفس من آثار الإيمان والتسليم لمن هو أعلم بالحكمة ، وهو الله تعالى فالحكمة في تحويل القبلة تمييز الصادق في الإيمان عن غيره ممن لم يدخل الدين في قرارة نفسه ، وإنما دخل فيه على حرف بحيث يرتد عنه لأقل شبهة وأدنى ملابسة ، كما حصل ذلك من ضعاف الإيمان عند تحويل القبلة إلى الكعبة .
والارتداد على العقبين ، هو الرجوع إلى الخلف ، وهو تمثيل للارتداد عن الإسلام ، ومخالفة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم لما في كليهما من أسوأ حالات العود والارتداد .
{ وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله } .
وإن كانت هذه الفعلة ، وهي تحويلنا لك إلى بيت المقدس إلى الكعبة لكبيرة وشاقة على النفوس إلا على الذين هدى الله . قلوبهم وأيقنوا بتصديق الرسول ، وأن ما جاء به فهو الحق الذي لا مرية فيه ، وأن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، فله أن يكلف عباده بما شاء وينسخ ما يشاء ، وله الحكمة التامة والحجة البالغة في ذلك .
قال تعالى : { وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا } . ( الإسراء : 82 ) .
وقال سبحانه : { قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى }( فصلت : 44 ) .
وما كان الله ليضيع إيمانكم : أي صلاتكم إلى بيت المقدس قبل ذلك لا يضيع ثوابها عند الله .
«وفي الصحيح عن البراء قال : مات قوم كانوا يصلون نحو بيت المقدس ، فقال الناس : ما حالهم في ذلك ؟ فأنزل الله تعالى : وما كان الله ليضيع إيمانكم » ورواه الترمذي عن ابن عباس وصححه » ( 6 ) .
{ إن الله بالناس لرءوف رحيم } : إن الله يشمل الناس برأفته ورحمته ، وبخاصة عباده المؤمنين الطائعين ، فلهذا لا يضيع إيمانهم .
روى البخاري : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى امرأة من السبي ، قد فرق بينها وبين ولدها ، فجعلت كلما وجدت صبايا من السبي أخذته فألصقته بصدرها وهي تدور على ولدها ، فلما وجدته ضمته إليها وألقمته ثديها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أترون هذه طارحة ولدها في النار وهي تقدر على ألا تطرحه ؟ قالوا : لا يا رسول الله ، قال : فو الله ، لله أرحم بعباده من هذه بولدها( 7 ) .
{ جعلناكم أمة وسطا } أي : خيارا .
{ شهداء على الناس } أي : تشهدون يوم القيامة بإبلاغ الرسل إلى قومهم . { عليكم شهيدا } أي : بأعمالكم ، قال عليه الصلاة والسلام : أقول كما قال أخي عيسى :{ وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم }[ المائدة :117 ] الآية .
فإن قيل : لم قدم المجرور في قوله :{ عليكم شهيدا } وآخره في قوله :{ شهداء على الناس } ؟ فالجواب : أن تقديم المعمولات يفيد الحصر ، فقدم المجرور في قوله :{ عليكم شهيدا } ؛ لاختصاص شهادة النبي صلى الله عليه وسلم بأمته ولم يقدمه في قوله :{ شهداء على الناس } لأنه لم يقصد الحصر .
{ القبلة التي كنت عليها } فيها قولان :
أحدهما : أنها الكعبة ، وهو قول ابن عباس .
والآخر : هو بيت المقدس ، وهو قول قتادة وعطاء والسدي ، وهذا مع ظاهر قوله :{ كنت عليها } لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي إلى بيت المقدس ، ثم انصرف عنه إلى الكعبة ، وأما قول ابن عباس : فتأويله بوجهين : الأول : أن كنت بمعنى أنت .
والثاني : قيل : إن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى الكعبة قبل بيت المقدس ، وإعراب { التي كنت عليها } مفعول ب{ جعلنا } ، أو صفة ل{ لقبلة } ، ومعنى الآية على القولين : اختبار وفتنة للناس بأمر القبلة ، وأما على قول قتادة فإن الصلاة إلى بيت المقدس فتنة للعرب لأنهم كانوا يعظمون الكعبة ، أو فتنة لمن أنكر تحويلها ، وتقديره على هذا : ما جعلنا صرف القبلة ، أما على قول ابن عباس ، فإن الصلاة إلى الكعبة فتنة لليهود لأنهم يعظمون بيت المقدس ، وهم مع ذلك ينكرون النسخ فأنكروا صرف القبلة أو فتنة لضعفاء المسلمين حتى رجع بعضهم عن الإسلام حين صرفت القبلة .
{ لنعلم } أي : العلم الذي تقوم به الحجة على العبد وهو إذا ظهر في الوجود ما علمه الله .
{ ينقلب على عقبيه } عبارة عن الارتداد عن الإسلام ، وهو تشبيه بمن رجع يمشي إلى وراء .
{ وإن كانت } إن مخففة من الثقيلة واسم كان ضمير الفعلة وهي التحول عن القبلة .
{ إيمانكم } قيل : صلاتكم إلى بيت المقدس واستدل به من قال إن الأعمال من الإيمان ، وقيل : معناه ثبوتكم على الإيمان حين انقلب غيركم بسبب تحويل القبلة .