وفي مجال التربية للجماعة المسلمة يكشف لها عن البواعث الفطرية الخفية التي من عندها يبدأ الانحراف ؛ إذا لم تضبط باليقظة الدائمة ؛ وإذا لم تتطلع النفس إلى آفاق أعلى ؛ وإذا لم تتعلق بما عند الله وهو خير وأزكى .
إن الاستغراق في شهوات الدنيا ، ورغائب النفوس ، ودوافع الميول الفطرية هو الذي يشغل القلب عن التبصر والاعتبار ؛ ويدفع بالناس إلى الغرق في لجة اللذائذ القريبة المحسوسة ؛ ويحجب عنهم ما هو أرفع وأعلى ؛ ويغلظ الحس فيحرمه متعة التطلع إلى ما وراء اللذة القريبة ؛ ومتعة الاهتمامات الكبيرة اللائقة بدور الإنسان العظيم في هذه الأرض ؛ واللائقة كذلك بمخلوق يستخلفه الله في هذا الملك العريض .
ولما كانت هذه الرغائب والدوافع - مع هذا - طبيعية وفطرية ، ومكلفة من قبل الباريء - جل وعلا - أن تؤدي للبشرية دورا أساسيا في حفظ الحياة وامتدادها ، فإن الإسلام لا يشير بكبتها وقتلها ، ولكن إلى ضبطها وتنظيمها ، وتخفيف حدتها واندفاعها ؛ وإلى أن يكون الإنسان مالكا لها متصرفا فيها ، لا أن تكون مالكة له متصرفة فيه ؛ وإلى تقوية روح التسامي فيه والتطلع إلى ما هو أعلى .
ومن ثم يعرض النص القرآني الذي يتولى هذا التوجيه التربوي . . هذه الرغائب والدافع ، ويعرض إلى جوارها على امتداد البصر الوانا من لذائذ الحس والنفس في العالم الآخر ، ينالها من يضبطون أنفسهم في هذه الحياة الدنيا عن الاستغراق في لذائذها المحببة ، ويحتفظون بإنسانيتهم الرفيعة .
وفي آية واحدة يجمع السياق القرآني أحب شهوات الأرض إلى نفس الإنسان : النساء والبنين والأموال المكدسة والخيل والأرض المخصبة والأنعام . . وهي خلاصة للرغائب الأرضية . إما بذاتها ، وإما بما تستطيع أن توفره لأصحابها من لذائذ أخرى . . وفي الآية التالية يعرض لذائذ أخرى في العالم الآخر : جنات تجري من تحتها الأنهار . وأزواج مطهرة . وفوقها رضوان من الله . . وذلك كله لمن يمد ببصره إلى أبعد من لذائذ الأرض ، ويصل قلبه بالله ، على النحو الذي تعرضه آيتان تاليتان :
( زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين ، والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة ، والخيل المسومة ، والأنعام ، والحرث . . ذلك متاع الحياة الدنيا ، والله عنده حسن المآب . قل : أؤنبئكم بخير من ذلكم ؟ للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار - خالدين فيها - وأزواج مطهرة ، ورضوان من الله . والله بصير بالعباد . الذين يقولون : ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار . الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار . . )
( زين للناس ) . وصياغة الفعل للمجهول هنا تشير إلى أن تركيبهم الفطري قد تضمن هذا الميل ؛ فهو محبب ومزين . . وهذا تقرير للواقع من أحد جانبيه . ففي الإنسان هذا الميل إلى هذه " الشهوات " ، وهو جزء من تكوينه الأصيل ، لا حاجة إلى إنكاره ، ولا إلى استنكاره في ذاته . فهو ضروري للحياة البشرية كي تتأصل وتنمو وتطرد - كما أسلفنا - ولكن الواقع يشهد كذلك بأن في فطرة الإنسان جانبا آخر يوازن ذلك الميل ، ويحرس الإنسان أن يستغرق في ذلك الجانب وحده ؛ وأن يفقد قوة النفخة العلوية أو مدلولها وإيحاءها . هذا الجانب الآخر هو جانب الاستعداد للتسامي ، والاستعداد لضبط النفس ووقفها عند الحد السليم من مزاولة هذه " الشهوات " . الحد الباني للنفس وللحياة ؛ مع التطلع المستمر إلى ترقية الحياة ورفعها إلى الأفق الذيتهتف إليه النفحة العلوية ، وربط القلب البشري بالملإ الأعلى والدار الآخرة ورضوان الله . . هذا الاستعداد الثاني يهذب الاستعداد الأول ، وينقيه من الشوائب ، ويجعله في الحدود المأمونة التي لا يطغى فيها جانب اللذة الحسية ونزعاتها القريبة ، على الروح الإنسانية وأشواقها البعيدة . . والاتجاه إلى الله ، وتقواه ، هو خيط الصعود والتسامي إلى تلك الأشواق البعيدة .
( زين للناس حب الشهوات ) . . فهي شهوات مستحبة مستلذة ؛ وليست مستقذرة ولا كريهة . والتعبير لا يدعو إلى استقذارها وكراهيتها ؛ إنما يدعو فقط إلى معرفة طبيعتها وبواعثها ، ووضعها في مكانها لا تتعداه ، ولا تطغى على ما هو أكرم في الحياة وأعلى . والتطلع إلى آفاق أخرى بعد أخذ الضروري من تلك " الشهوات " في غير استغراق ولا إغراق !
وهنا يمتاز الإسلام بمراعاته للفطرة البشرية وقبولها بواقعها ، ومحاولة تهذيبها ورفعها ، لا كبتها وقمعها . . والذين يتحدثون في هذه الأيام عن " الكبت " واضراره ، وعن " العقد النفسية " التي ينشئها الكبت والقمع ، يقررون أن السبب الرئيسي للعقد هو " الكبت " وليس هو " الضبط " . . وهو استقذار دوافع الفطرة واستنكارها من الأساس ، مما يوقع الفرد تحت ضغطين متعارضين : ضغط من شعوره - الذي كونه الإيحاء أو كونه الدين أو كونه العرف - بأن دوافع الفطرة دوافع قذرة لا يجوز وجودها أصلا ، فهي خطيئة ودافع شيطاني ! وضغط هذه الدوافع التي لا تغلب لأنها عميقة في الفطرة ، ولأنها ذات وظيفة أصيلة في كيان الحياة البشرية ، لا تتم إلا بها ، ولم يخلقها الله في الفطرة عبثا . . وعندئذ وفي ظل هذا الصراع تتكون " العقد النفسية " . . فحتى إذا سلمنا جدلا بصحة هذه النظريات النفسية ، فإننا نرى الإسلام قد ضمن سلامة الكائن الإنساني من هذا الصراع بين شطري النفس البشرية . بين نوازع الشهوة واللذة ، وأشواق الارتفاع والتسامي . . وحقق لهذه وتلك نشاطها المستمر في حدود التوسط والاعتدال .
( زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث . . . ) . .
والنساء والبنون شهوة من شهوات النفس الإنسانية قوية . . وقد قرن اليهما ( القناطير المقنطرة من الذهب والفضة ) . . ونهم المال هو الذي ترسمه ( القناطير المقنطرة ) ولو كان يريد مجرد الميل إلى المال لقال : والأموال . أو والذهب والفضة . ولكن القناطير المقنطرة تلقي ظلا خاصا هو المقصود . ظل النهم الشديد لتكديس الذهب والفضة . ذلك أن التكديس ذاته شهوة . بغض النظر عما يستطيع المال توفيره لصاحبه من الشهوات الأخرى !
ثم قرن إلى النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة . . الخيل المسومة . والخيل كانت - وما تزال حتى في عصر الآلة المادي اليوم - زينة محببة مشتهاة . ففي الخيل جمال وفتوة وانطلاق وقوة . وفيها ذكاء وألفة ومودة . وحتى الذين لا يركبونها فروسية ، يعجبهم مشهدها ، ما دام في كيانهم حيوية تجيش لمشهد الخيل الفتية !
وقرن إلى تلك الشهوات الأنعام والحرث . وهما يقترنان عادة في الذهن وفي الواقع . . الأنعام والحقول المخصبة . . والحرث شهوة بما فيه من مشهد الإنبات والنماء . وإن تفتح الحياة في ذاته لمشهد حبيب فإذا أضيفتإليه شهوة الملك ، كان الحرث والأنعام شهوة .
وهذه الشهوات التي ذكرت هنا هي نموذج لشهوات النفوس ، يمثل شهوات البيئة التي كانت مخاطبة بهذا القرآن ؛ ومنها ما هو شهوة كل نفس على مدار الزمان . والقرآن يعرضها ثم يقرر قيمتها الحقيقية ، لتبقى في مكانها هذا لا تتعداه ، ولا تطغى على ما سواه :
( ذلك متاع الحياة الدنيا ) . .
ذلك كله الذي عرضه من اللذائذ المحببة - وسائر ما يماثله من اللذائذ والشهوات - متاع الحياة الدنيا . لا الحياة الرفيعة ، ولا الآفاق البعيدة . . متاع هذه الأرض القريب . .
{ زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب }
حب الشهوات : حب المشتهيات للنفس .
المقنطرة : المجمعة أو المضعفة .
المسومة : الراعية في المرعى مأخوذ من سوم خيله إذا أرسلها في المرعى أو المطهمة الحسان .
و الأنعام : الإبل والبقر والغنم والمعز . والحرث : مصدر مراد به المزروع .
في آية واحدة يجمع السياق القرآني أحب شهوات الأرض إلى نفس الإنسان : النساء والبنين والأموال المكدسة والخيل والأرض الخضراء والأنعام . . وهي خلاصة الرغائب الأرضية إما بذاتها وإما بما تستطيع أن توفره لأصحابها من لذائذ أخرى .
و قد بدأت الأية أنواع المشتهيات بقولها :
1 – { من النساء } وقدمهن على الكل لأن التمتع بهن أكثر والاستئناس بهن أتم إذ يحصل منهن أتم اللذات .
2- البنين المراد بهم الأولاد الذكور للتكثر بهم والتفاخر والزينة و قيل المراد بهم الأولاد مطلقا كما قال تعالى : { إنما أولادكم وأموالكم فتنة } ( الأنفال 28 ) وفي الحديث ( الولد مجبنة مبخلة ) ( 133 ) والعلة في حب الزوجة وحب الولد واحدة وهي تسلسل النسل وبقاء النوع وهي حكمة مطردة في غير الإنسان من الحيوانات الأخرى .
وقدم حب النساء على حب الأولاد مع ان حبهن قد يزول وحب الأولاد لا يزول لأن الولد يعظم فيه الغلو والإسراف كحب المرأة فكم من رجل جنى حبه للمرأة على أولاده وكم من غني عزيز يعيش أولاده عيشة الذل والفقر بسبب حب والدهم لغير أمهم .
3- { و القناطير المقنطرة } أي الأموال الكثيرة من الذهب والفضة والقناطير جمع قنطار ويطلق أحيانا على المال الكثير بغير عدد وقد يستعمل في مقدار كثير معين من المال وهو 12 ألف أوقية .
وفي القاموس القنطار مائة رطل من الذهب والفضة ووصف القناطير بالمقنطرة للمبالغة فمن عادة العرب ان يصفوا الشيء بما يشتق منه للمبالغة كقولهم ألوف مؤلفة وبدر مبدرة وإبل مؤبلة ودراهم مدرهمة وظل ظليل .
و نهم المال هو الذي ترسمه القناطير المقنطرة ولو كان يريد مجرد الميل إلى المال لقال والأموال أو الذهب او الفضة ولكن القناطير المقنطرة توحي بالنهم الشديد لتكديس الأموال ذلك ان التكديس ذاته شهوة . بغض النظر عما يستطيع المال توفيره لصاحبه من الشهوات الأخرى .
و حب المال غريزة فطرية وقد يبلغ النهم بالإنسان في جمع المال ان ينسى ان المال وسيلة لا مقصد فيفتن في الوصول إليه الفنون المختلفة ولا يبالي أمن حلال كسب ام من حرام .
و قد أباح الإسلام الملكية ولكنه هذبها وقلم أظافرها واوجب ان يكون تملك المال لمن طرق سليمة كما أوجب فيه الزكاة وغير ذلك من الواجبات وبذلك يكون المال نعمة لا نقمة فنعم المال الصالح للرجل الصالح .
روى البخاري ومسلم عن ابن عباس أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال ( لو كان لابن آدم واديان من ذهب لتمنى أن يكون لهما ثالث ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب ) ( 134 ) .
4- والخيل المسمومة : التي ترعى في الأودية يقال سام الدابة رعاها وأسامها أخرجها إلى المرعى كما قال تعالى : { منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون } . ( النحل 10 ) .
و قال ابن جرير : المسومة المعلمة التي عليها السيمياء وهي العلامة .
و قال أبو مسلم : المراد من هذه العلامات الأوضاح والغرر التي تكون في الخيل وهي أن تكون الأفراس غرا وقال النابغة :
بسمر كالقداح مسموات *** عليها معشر أشباه جن
و قال ابن جرير إن معنى المطهمة والمعلمة والرائعة واحد .
و كل من الخيل الراعية التي تقتني للتجارة والمطهمة التي يقتنيها الكبراء والأغنياء للمفاخرة من متاع الدنيا الذي يتنافس فيه . ومن الناس من يغلو في حب الخيل وأشباهها حتى يفوق عنده كل حب .
5 – والأنعام وهي الإبل والبقر والغنم ، والأنعام مال أهل البادية بها ثروتهم وفيها تكاثرهم وتفاخرهم ومنها معايشهم ومرافقهم .
و قد امتن الله بالأنعام على عباده فقال :
{ و الأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرءوف رحيم والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق الله ما لا تعلمون } ( النحل 5- 8 ) .
6- والحرث : أي الزرع والنبات والشجر على اختلاف أنزاعه وهو قوام حياة الإنسان والحيوان في البدو والحضر .
{ ذلك متاع الحياة الدنيا } أي ذلك الذي ذكر من الأنواع الستة هو ما يستمتع به الناس في حياتهم الدنيا أي الأولى .
{ و الله عنده حسن المآب } . والله عنده المرجع في الحياة الآخرة التي تكون بعد موت الناس وبعثهم لا ينبغي لهم ان يجعلوا كل همهم في هذا المتاع القريب العاجل بحيث يشغلهم عن الاستعداد لما هو خير منه في الآجل .
و الإسلام دين وسط فهو لم يحرم التمتع بالطيبات فإن التمتع بها حلال كما قال سبحانه : { قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة } ( الأعراف 32 ) . فالزوجة الصالحة نعمة والدنيا متاع وخير متاعها الزوجة الصالحة .
و الابن الصالح نعمة والمال نعمة وهو وسيلة لإخراج الزكاة والصدقة وكذلك الخيل والأنعام والحرث .
و لكن على المؤمن ألا يشتغل بها عن طاعة الله وألا يجعلها أكبر همه أو شاغلا له عن آخرته .
فإذا اتقى ذلك واستمتع بها بالقصد والاعتدال فهو السعيد في الدارين .
{ ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار } ( البقرة 201 ) .
{ زين للناس } قيل : المزين هو الله وقيل : الشيطان . ولا تعارض بينهما فتزيين الله بالإيجاد والتهيئة للانتفاع ، وإنشاء الجبلة على الميل إلى الدنيا . وتزيين الشيطان بالوسوسة والخديعة .
{ والقناطير } جمع قنطار ، وهو ألف ومائتا أوقية ، وقيل : ألف ومائتا مثقال ، وكلاهما مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم .
{ المقنطرة } مبنية من لفظ القناطير وللتأكيد كقولهم ألوف مؤلفة ، وقيل : المضروبة دنانير أو دراهم .
{ المسومة } الراعية من قولهم : سام الفرس وغيره ، إذا جال في المسارح ، وقيل : المعلمة في وجوهها شيئان : فهي من السمات بمعنى العلامات قيل : المعدة للجهاد .