في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{أَتَىٰٓ أَمۡرُ ٱللَّهِ فَلَا تَسۡتَعۡجِلُوهُۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ} (1)

مقدمة السورة:

سورة النحل مكية وآياتها ثمان وعشرون ومائة

بسم الله الرحمن الرحيم

هذه السورة هادئة الإيقاع ، عادية الجرس ؛ ولكنها مليئة حافلة . موضوعاتها الرئيسية كثيرة منوعة ؛ والإطار الذي تعرض فيه واسع شامل ؛ والأوتار التي توقع عليها متعددة مؤثرة ، والظلال التي تلونها عميقة الخطوط .

وهي كسائر السور المكية تعالج موضوعات العقيدة الكبرى : الألوهية . والوحي . والبعث . ولكنها تلم بموضوعات جانبية أخرى تتعلق بتلك الموضوعات الرئيسية . تلم بحقيقة الوحدانية الكبرى التي تصل بين دين إبراهيم - عليه السلام - ودين محمد [ ص ] وتلم بحقيقة الإرادة الإلهية والإرادة البشرية فيما يختص بالإيمان والكفر والهدى والضلال . وتلم بوظيفة الرسل ، وسنة الله في المكذبين لهم . وتلم بموضوع التحليل والتحريم وأوهام الوثنية حول هذا الموضوع . وتلم بالهجرة في سبيل الله ، وفتنة المسلمين في دينهم ، والكفر بعد الإيمان وجزاء هذا كله عند الله . . ثم تضيف إلى موضوعات العقيدة موضوعات المعاملة : العدل والإحسان والإنفاق والوفاء بالعهد ، وغيرها من موضوعات السلوك القائم على العقيدة . . وهكذا هي مليئة حافلة من ناحية الموضوعات التي تعالجها .

فأما الإطار الذي تعرض فيه هذه الموضوعات ، والمجال الذي تجري فيه الأحداث ، فهو فسيح شامل . . هو السماوات والأرض . والماء الهاطل والشجر النامي . والليل والنهار والشمس والقمر والنجوم . والبحار والجبال والمعالم والسبل والأنهار . وهو الدنيا بأحداثها ومصائرها ، والأخرى بأقدارها ومشاهدها . وهو الغيب بألوانه وأعماقه في الأنفس والآفاق .

في هذا المجال الفسيح يبدو سياق السورة وكأنه حملة ضخمة للتوجيه والتأثير واستجاشة العقل والضمير . حملة هادئة الإيقاع ، ولكنها متعددة الأوتار . ليست في جلجلة الأنعام والرعد ، ولكنها في هدوئها تخاطب كل حاسة وكل جارحة في الكيان البشري ، وتتجه إلى العقل الواعي كما تتجه إلى الوجدان الحساس . إنها تخاطب العين لترى ، والأذن لتسمع ، واللمس ليستشعر ، والوجدان ليتأثر ، والعقل ليتدبر . وتحشد الكون كله : سماؤه وأرضه ، وشمسه وقمره ، وليله ونهاره ، وجباله وبحاره وفجاجه وأنهاره وظلاله وأكنانه نبته وثماره ، وحيوانه وطيوره . كما تحشد دنياه وآخرته ، وأسراره وغيوبه . . كلها أدوات توقع بها على أوتار الحواس والجوارح والعقول والقلوب ، مختلف الإيقاعات التي لا يصمد لها فلا يتأثر بها إلا العقل المغلق والقلب الميت ، والحس المطموس .

هذه الإيقاعات تتناول التوجيه إلى آيات الله في الكون ، وآلائه على الناس كما تتناول مشاهد القيامة ، وصور الاحتضار ، ومصارع الغابرين ؛ تصاحبها اللمسات الوجدانية التي تتدسس إلى أسرار الأنفس ، وإلى أحوال البشر وهم أجنة في البطون ، وهم في الشباب والهرم والشيخوخة ، وهم في حالات الضعف والقوة ، وهم في أحوال النعمة والنقمة . كذلك يتخذ الأمثال والمشاهد والحوار والقصص الخفيف أدوات للعرض والإيضاح .

فأما الظلال العميقة التي تلون جو السورة كله فهي الآيات الكونية تتجلى فيها عظمة الخلق ، وعظمة النعمة ، وعظمة العلم والتدبير . . كلها متداخلة . . فهذا الخلق الهائل العظيم المدبر عن علم وتقدير ، ملحوظ فيه أن يكون نعمة على البشر ، لا تلبي ضروراتهم وحدها ، ولكن تلبي أشواقهم كذلك ، فتسد الضرورة . وتتخذ للزينة ، وترتاح بها أبدانهم وتستروح لها نفوسهم ، لعلهم يشكرون . .

ومن ثم تتراءى في السورة ظلال النعمة وظلال الشكر ، والتوجيهات إليها ، والتعقيب بها في مقاطع السورة ، وتضرب عليها الأمثال ، وتعرض لها النماذج ، وأظهرها نموذج إبراهيم( شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم ) .

كل أولئك في تناسق ملحوظ بين الصور والظلال والعبارات والإيقاعات ، والقضايا والموضوعات نرجو أن نقف على نماذج منه في أثناء استعراضنا للسياق .

ونبدأ الشوط الأول ، وموضوعه هو التوحيد ؛ وأدواته هي آيات الله في الخلق ، وأياديه في النعمة ، وعلمه الشامل في السر والعلانية ، والدنيا والآخرة . فلنأخذ في التفصيل :

( تى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون . ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده : أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون ) . .

لقد كان مشركوا مكة يستعجلون الرسول [ ص ] أن يأتيهم بعذاب الدنيا أو عذاب الآخرة . وكلما امتد بهم الأجل ولم ينزل بهم العذاب زادوا استعجالا ، وزادوا استهزاء ، وزادوا استهتارا ؛ وحسبوا أن محمدا يخوفهم ما لا وجود له ولا حقيقة ، ليؤمنوا له ويستسلموا . ولم يدركوا حكمة الله في إمهالهم ورحمته في إنظارهم ؛ ولم يحاولوا تدبر آياته في الكون ، وآياته في القرآن . هذه الآيات التي تخاطب العقول والقلوب ، خيرا من خطابها بالعذاب ! والتي تليق بالإنسان الذي أكرمه الله بالعقل والشعور ، وحرية الإرادة والتفكير .

وجاء مطلع السورة حاسما جازما : أتى أمر الله . . يوحي بصدور الأمر وتوجه الإرادة ؛ وهذا يكفي لتحققه في الموعد الذي قدره الله لوقوعه ( فلا تستعجلوه )فإن سنة الله تمضي وفق مشيئته ، لا يقدمها استعجال . ولا يؤخرها رجاء . فأمر الله بالعذاب أو بالساعة قد قضي وانتهى ، أما وقوعه ونفاذه فسيكون في حينه المقدر ، لا يستقدم ساعة ولا يتأخر .

وهذه الصيغة الحاسمة الجازمة ذات وقع في النفس مهما تتماسك أو تكابر ، وذلك فوق مطابقتها لحقيقة الواقع ؛ فأمر الله لا بد واقع ، ومجرد قضائه يعد في حكم نفاذه ، ويتحقق به وجوده ، فلا مبالغة في الصيغة ولا مجانبة للحقيقة ، في الوقت الذي تؤدي غايتها من التأثر العميق في الشعور .

فأما ما هم عليه من شرك بالله الواحد ، وتصورات مستمدة من هذا الشرك فقد تنزه الله عنه وتعالى :

( سبحانه وتعالى عما يشركون ) بكل صوره وأشكاله ، الناشئة عن هبوط في التصور والتفكير .

أتى أمر الله المنزه عن الشرك المتعالي عما يشركون .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{أَتَىٰٓ أَمۡرُ ٱللَّهِ فَلَا تَسۡتَعۡجِلُوهُۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ} (1)

مقدمة السورة:

دروس من سورة النحل

عرض إجمالي للسورة :

سورة النحل سورة مكية ، وعدد آياتها " 128 " آية ، وهي سورة هادئة الإيقاع ، عادية الجرس ، ولكنها مليئة حافلة ، موضوعاتها الرئيسة كثيرة منوعة ، والإطار التي تعرض فيه واسع شامل .

وهي كسائر السور المكية تعالج موضوعات العقيدة الكبرى : الألوهية ، والوحي والبعث ، ولكنها تلم بموضوعات جانبية أخرى تتعلق بتلك الموضوعات الرئيسة ، تلم بحقيقة الوحدانية الكبرى التي تصل بين دين إبراهيم عليه السلام ، ودين محمد صلى الله عليه وسلم ، وتلم بحقيقة الإرادة الإلهية والإرادة البشرية فيما يختص بالإيمان والكفر والهدى والضلال ، وتلم بوظيفة الرسل ، وسنة الله في المكذبين لهم ، وتلم بموضوع التحليل والتحريم ، وأوهام الوثنية حول هذا الموضوع ، وتلم بالهجرة في سبيل الله ، وفتنة المسلمين في دينهم ، والكفر بعد الإيمان وجزاء هذا كله عند الله ثم تضيف إلى موضوعات العقيدة موضوعات المعاملة : العدل والإحسان ، والإنفاق والوفاء بالعهد ، وغيرها من موضوعات السلوك القائم على العقيدة ، وهكذا هي مليئة حافلة من ناحية الموضوعات التي تعالجها .

فأما الإطار الذي تعرض فيه هذه الموضوعات ، والمجال الذي تجرى فيه الأحادث فهو فسيح شامل . . هو السماوات والأرض ، والماء الهاطل ، والشجر النامي . . والليل والنهار ، والشمس والقمر والنجوم . والبحار والجبال والمعالم والسبل والأنهار ، وهو الدنيا بأحداثها ومصائرها ، والأخرى بأقدارها ومشاهدها ، وهو الغيب بألوانه وأعماقه في الأنفس والآفاق .

في هذا المجال الفسيح يبدو سياق السورة وكأنه حملة ضخمة للتوجيه والتأثير واستجاشة العقل والضمير ، حملة هادئة الإيقاع ، ولكنها متعددة الأوتار ، ليست في جلجلة سورة الأنعام وسورة الرعد ، ولكنها في هدوئها تخاطب كل حاسة وكل جارحة في الكيان البشري ، وتتجه إلى العقل الواعي كما تتجه إلى الوجدان الحساس إنها تخاطب العين ؛ لترى ، والأذن ؛ لتسمع ، واللمس ؛ ليستشعر ، والوجدان ؛ ليتأثر والعقل ؛ ليتدبر ، وتحشد الكون كله : سماءه وأرضه ، وشمسه وقمره ، وليله ونهاره ، وجباله وبحاره ، وفجاجه وأنهاره ، وظلاله وأكنافه ، ونبته وثماره ، وحيوانه وطيوره ، كما تحشد دنياه وآخرته ، وأسراره وغيوبه . . كلها أدوات توقع بها على أوتار الحواس والجوارح والعقول والقلوب ، مختلف الإيقاعات التي لا يغلق أمامها إلا القلب الميت ، والعقل المنكوس ، والحس المطموس .

هذه الإيقاعات تتناول التوجيه إلى آيات الله في الكون وآلائه على الناس ، كما تتناول مشاهد القيامة ، وصور الاحتضار ومصارع الغابرين ، تصاحبها اللمسات الوجدانية التي تتسرب إلى أسرار الأنفس ، وإلى أحوال البشر وهم أجنة في البطون ، وهم في الشباب والهرم والشيخوخة ، وهم في حالات الضعف والقوة ، وهم في أحوال النعمة والنقمة ، كذلك تتخذ السورة الأمثال ، والمشاهد ، والحوار ، والقصص الخفيفة ، أدوات للعرض والإيضاح .

فأما الظلال العميقة التي تلون جو السورة كله ، فهي : الآيات الكونية تتجلى فيها عظمة الخلق ، وعظمة النعمة ، وعظمة العلم والتدبير . . كلها متداخلة ، فهذا الخلق الهائل العظيم المدبر عن علم وتقدير ملحوظ فيه أن يكون نعمة على البشر لا تلبي ضروراتهم وحدها ، ولكن تلبي أشواقهم كذلك ، فتسد الضرورة ، وتتخذ للزينة ، وترتاح بها أبدانهم وتستريح لها نفوسهم ، لعلهم يشكرون ، ومن ثم تتراءى في السورة ظلال النعمة ، وظلال الشكر ، والتوجيهات إليها ؛ والتعقيب بها في مقاطع السورة وتضرب عليها الأمثال ، ونعرض لها النماذج وأظهرها نموذج إبراهيم .

{ شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم } . ( النحل : 121 ) .

كل أولئك في تناسق ملحوظ بين الصور والأفكار ، والعبارات والإيقاعات ، والقضايا والموضوعات نرجو أن نشاهده في أثناء استعراضنا لأجزاء السورة .

التوحيد في السورة

تبدأ سورة النحل بآية مشهورة تقال كثيرا عندما يحين الأجل ويقف الإنسان عاجزا أمام حوادث القدر ، يقول سبحانه : { أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون } . ( النحل : 1 ) .

ومن أسباب نزول هذه الآية : أن أهل مكة كانوا يستعجلون الرسول صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم بعذاب الدنيا أو عذاب الآخرة . وكلما امتد بهم الأجل ولم ينزل العذاب ؛ زادوا استعجالا ، وزادوا استهزاء واستهتارا ، وحسبوا أن محمدا يخوفهم بما لا وجود له ولا حقيقة ؛ ليؤمنوا له ويستسلموا ، ولم يدركوا حكمة الله في إمهالهم ورحمته في إنظارهم ولم يحاولوا تدبر آياته في الكون ، وآياته في القرآن .

نعم الله

تسترسل الآيات في سورة النحل تستعرض نعم الله سبحانه على الإنسان ؛ فتذكر خلق السماوات والأرض والإنسان ، والأنعام والنبات ، والليل والنهار ، والجبال والبحار ، والشمس والقمر والنجوم ، وهي ظواهر طبيعية ملموسة ولكننا إذا قرأنا الآيات من 3 إلى18 في سورة النحل نجد أننا أمام لوحة كونية معروضة تنتقل بالإنسان من مشهد إلى آخر وكل مشهد يدل على وحدانية الخالق ، ووحدانية المنعم . وتعرض الآيات هذه النعم فوجا فوجا ومجموعة مجموعة بادئة بخلق السماوات والأرض فيقول سبحانه : { خلق السماوات والأرض بالحق } . ( النحل : 3 ) .

فالحق قوام خلقهما والحق قوام تدبيرهما ، والحق عنصر أصيل في تصريفهما وتصريف من فيهما وما فيهما ؛ فما من شيء من ذلك كله عبث ولا جزاف ، إنما كل شيء قائم على الحق وملتبس به وسائر في النهاية إليه .

ثم تستعرض الآيات نعمة خلق الأنعام ، والأنعام المتعارف عليها في الجزيرة العربية كانت هي : الإبل ، والبقر ، والضأن ، والمعز . وقد أباح الله أكلها أما الخيل ، والبغال ، والحمير ؛ فللركوب والزينة ولا تؤكل ، ثم يجيء التعقيب على هذه النعمة يقول سبحانه : { ويخلق ما لا تعلمون } . ( النحل : 8 ) .

ليظل المجال مفتوحا في التصور البشري لتقبل أنماط جديدة من أدوات الحمل والنقل والركوب والزينة . إن الإسلام عقيدة مفتوحة مرنة قابلة لاستقبال طاقات الحياة كلها ومقدرات الحياة كلها ، ومن ثم يهيئ القرآن الأذهان لاستقبال كل ما تتمخض عنه القدرة ويتمخض عنه العلم ، ويتمخض عنه المستقبل ، استقباله بالوجدان الديني المتفتح المستعد لتلقي كل جديد في عجائب الخلق والعلم والحياة .

ولقد وجدت وسائل للحمل والنقل والركوب والزينة ، لم يكن يعلمها أهل ذلك الزمان وستجد وسائل أخرى لا يعلمها أهل هذا الزمان ، والقرآن يهيئ القلوب والأذهان بلا جمود ولا تحجر حين يقول : { ويخلق مالا تعلمون } .

والفوج الثاني من آيات الخلق والنعمة ، هو :

إنزال الماء وإنبات النبات والمرعى والزروع التي يأكل منها الإنسان مع الزيتون والنخيل والأعناب وغيرها من أشجار الثمار .

والفوج الثالث من أفواج الآيات :

تسخير الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم ، وكلها ذات أثر حاسم في حياة الإنسان ومن شاء فليتصور نهارا بلا ليل أو ليلا بلا نهار ، ثم يتصور مع هذا حياة الإنسان والحيوان والنبات في هذه الأرض كيف تكون ، كل أولئك طرف من حكمة التدبير ، وتناسق النواميس في الكون كله . يدركه أصحاب العقول التي تتدبر وتعقل : { إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون } . ( النحل : 12 ) .

والفوج الرابع من أفواج النعمة فيما خلق الله للإنسان : { وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه إن في ذلك لآية لقوم يذكرون } . ( النحل : 13 ) .

امتن الله على عباده بما خلق لهم في الأرض من ألوان المنافع ، وبما أودعه فيها للبشر من مختلف المعادن التي تقوم بها حياتهم في بعض الجهات وفي بعض الأزمان ولفت أنظارهم إلى هذه الذخائر المخبوءة في الأرض ، المودوعة للناس حتى يبلغوا رشدهم يوما بعد يوم ، ويستخرجوا كنوزهم في حينها ووقت الحاجة إليها ، وكما قيل : إن كنزا منها قد نفذ أعقبه كنز آخر غنى ، من رزق الله المدخر للعباد قال تعالى : { إن في ذلك لآية لقوم يذكرون } .

ثم امتن سبحانه على عباده بالبحر المالح وما يشتمل عليه من صنوف النعم ؛ فمنها : اللحم الطري من السمك وغيره للطعام ، وإلى جواره الحلية من اللؤلؤ ومن المرجان وغيرها من الأصداف والقواقع .

ومنها : مرور السفن تمخر عباب البحر ، وتيسر المصالح وتبادل المنافع بين الناس قال تعالى : { وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون } . ( النحل : 14 ) .

وعندما ينتهي استعراض النعم يبين القرآن : أن من يخلق ليس كمن لا يخلق وأن نعم الله على الإنسان لا تعد ولا تحصى .

{ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها } . ( النحل : 18 ) .

وحدة الألوهية

تتعرض الآيات من 22 إلى50 في سورة النحل ، لتقرير وحدة الألوهية فيقول سبحانه : { وإلهكم إله واحد } .

وكل ما سبق في السورة من آيات الخلق وآيات النعمة وآيات العلم يؤدي إلى هذه الحقيقة الكبيرة البارزة وهي : أن هذا الكون البديع المنظم لا يحفظ نظامه إلا إله واحد والذين لا يسلمون بهذه الحقيقة ؛ قلوبهم منكرة ؛ فالجحود صفة كامنة فيها ، والعلة أصيلة في نفوسهم المريضة ، وطباعهم المعاندة المتكبرة عن الإقرار الإذعان والتسليم .

وتختم هذه الآيات بمشهد مؤثر ؛ مشهد الظلال في الأرض كلها ساجدة لله ومعها ما في السماوات وما في الأرض من دابة ، والملائكة قد برئت نفوسهم من الاستكبار وامتلأت بالخوف من الله والطاعة لأمره بلا جدال . هذا المشهد الخاشع الطائع يقابل صورة المستكبرين المتكبرة قلوبهم في مفتتح هذه المجموعة من الآيات .

وبين المطلع والختام يستعرض السياق مقولات أولئك المستكبرين المنكرين للوحي والقرآن ؛ إذ يزعمون : أنه أساطير الأولين ، ومقولاتهم عن أسباب شركهم بالله وتحريمهم ما لم يحرمه الله ؛ إذ يدعون : أن الله أراد منهم الشر وارتضاه . ومقولاتهم عن البعث والقيامة ؛ إذ يقسمون جهدهم : لا يبعث الله من يموت ، ويتولى الرد على مقولاتهم جميعا ، ويعرض في ذلك مشاهد احتضارهم ومشاهد بعثهم وفيها يتبرءون من تلك المقولات الباطلة كما يعرض بعض مصارع الغابرين من المكذبين أمثالهم ويخوفهم أخذ الله في ساعة من ليل أو نهار وهم لا يشعرون وهم في تقلبهم في البلاد ، أو وهم على تخوف وتوقع وانتظار للعذاب .

إلى جوار هذا يعرض صورا عن مقولات المتقين المؤمنين وما ينتظرهم عند الاحتضار ويوم البعث من طيب الجزاء . . . وينتهي هذا الدرس بذلك المشهد الخاشع الطائع للظلال والدواب والملائكة في الأرض والسماء والسياق القرآني يعبر عن خضوع الأشياء لنواميس الله بالسجود وهو أقصى مظاهر الخضوع ويوجه إلى حركة الظلال المتفيئة أي : الراجعة بعد امتداد وهي حركة لطيفة خفيفة ذات دبيب في المشاعر والأعماق ، ويرسم المخلوقات داخرة أي : خاضعة خاشعة ويضم إليها ما في السماوات وما في الأرض من دابة ويضيف إلى الحشد الكوني . . الملائكة في مقام خشوع وخضوع وعبادة وسجود ، قال تعالى : { ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون*يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون } . ( النحل : 50 ، 49 ) .

أدلة الوحدانية

تستمر الآيات من 51 إلى76 في سورة النحل في إثبات قضية الألوهية الواحدة التي لا تتعدد ، تبدأ فتقرر وحدة الإله ووحدة المالك ، ووحدة المنعم في الآيات الثلاث الأولى متواليات وتختم بمثلين تضربهما للسيد المالك الرازق ، والعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء ولا يملك شيئا . . هل يستوون ؟ ! فكيف يسوي الله المالك الرازق بمن لا يقدر ولا يملك ولا يرزق ؛ فيقال : هذا إله وهذا إله ؟ ! .

وفي خلال هذا الدرس تعرض الآيات نموذجا بشريا للناس حين يصيبهم الضر فيجأرون إلى الله وحده ، وإذا كشف عنهم الضر راحوا يشركون به غيره .

وتعرض الآيات صورا من أوهام الوثنية وخرافاتها في تخصيص بعض ما رزقه الله لآلهتهم المدعاة ، في حين أنهم لا يردون شيئا مما يملكونه على عبيدهم ولا يقاسمونهم إياه وفي نسبة البنات إلى الله على حين يكرهون ولادة البنات لهم ، { وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم } . ( النحل : 58 ) .

وفي الوقت الذي يجعلون لله ما يكرهون تروح ألسنتهم تتشدق : بأن لهم الحسنى ، وأنهم سينالون على ما فعلوا خيرا وهذه الأوهام التي ورثوها من المشركين قبلهم ، هي التي أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم ، يبين لهم الحقيقة فيها ، وليخرجهم من ظلمات الشرك إلى نور اليقين ثم تأخذ الآيات في عرض نماذج من صنع الألوهية الحقة في تأملها عظة وعبرة ؛ فالله وحده هو القادر عليها الموجد لها ، وهي هي دلائل الألوهية لا سواها ؛ فالله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها والله يسقي الناس غير الماء لبنا سائغا يخرج من بطون الأنعام من بين فرث ودم ، والله يطلع للناس ثمرات النخيل والأعناب يتخذون منها سكرا ورزقا حسنا ، والله أوحى إلى النحل لتتخذ من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون ثم تخرج عسلا فيه شفاء للناس .

اسم السورة

وقد سميت هذه السورة بسورة النحل للإشارة إلى الأمر العجيب الدقيق في شأن النحل فهي تعمل بإلهام من الفطرة التي أودعها إياها الخالق ، وهذا الإلهام لون من الوحي تعمل النحل بمقتضاه وهي تعمل بدقة عجيبة يعجز عن مثلها العقل المفكر سواء في بناء خلاياها ، أو في تقسيم العمل بينها ، أو في طريقة إفرازها للعسل المصفى .

وهي تتخذ بيوتها حسب فطرتها في الجبال والشجر ، وما يعرشون أي : ما يرفعون من الكروم وغيرها ، وقد ذلل الله لها سبل الحياة ، بما أودع في فطرتها وفي طبيعة الكون حولها من توافق ، قال تعالى : { وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون*ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون } . ( النحل : 69 ، 68 ) .

وقد سئل الإمام الشافعي : بم عرفت الله ؟ قال : بالنحلة ؛ نصفها يعسل ونصفها يلسع . وفي الحديث : ( المؤمن كالنحلة )أي : أنه خفيف الظل مترفع في هدفه ، لا يأكل إلا طيبا ، ولا يترك إلا أثرا حسنا ، وإذا وقع على شيء لم يكسره . وتستمر الآيات في عرض أدلة القدرة الإلهية فتذكر : أن الله يخلق الناس ويتوفاهم ويؤجل بعضهم حتى يشيخ فينسى ما تعلمه ويرتد ساذجا لا يعلم شيئا ، والله فضل بعضهم على بعض في الرزق ، والله جعل لهم من أنفسهم أزواجا ، وجعل لهم من أزواجهم بنين وحفدة ، وهم بعد هذا كله يعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا في السماوات والأرض ، ويجعلون لله الأشباه والأمثال ! .

هذه اللمسات كلها في أنفسهم وفيما حولهم ، يوجههم إليها ؛ لعلهم يستشعرون القدرة ، وهي تعمل في ذواتهم ، وفي طعامهم ، وفي شرابهم ، وفي كل شيء حولهم .

وفي كل شيء له آية *** تدل على أنه الواحد

مظاهر القدرة الإلهية

تتحدث الآيات من 77 إلى 89 في سورة النحل عن مظاهر القدرة الإلهية فتوضح عظمة الخالق وفيض نعمته وإحاطة علمه وتركز الآيات في هذا الشوط على قضية البعث . والساعة إحدى أسرار الغيب ، الذي يختص الله بعلمه فلا يطلع عليه أحدا .

وموضوعات هذا الدرس تشمل ألوانا من أسرار غيب الله في السماوات والأرض ، وفي الأنفس والآفاق : غيب الساعة التي لا يعلمها إلا الله وهو عليها قادر وهي عليه هينة ، { وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب } . ( النحل : 77 ) .

وغيب الأرحام والله وحده هو الذي يخرج الأجنّة من هذا الغيب لا تعلم شيئا ، ثم ينعم على الناس بالسمع والأبصار والأفئدة ؛ لعلهم يشكرون نعمته .

وغيب أسرار الخلق ويعرض منها تسخير الطير في جو السماء ما يمسكهن إلا الله .

يلي هذا الدرس استعراض لبعض نعم الله المادية على الناس وهي بجانب تلك الأسرار وفي جوها ، نعم السكن والهدوء والاستظلال في البيوت المبنية والبيوت المتخذة من جلود الأنعام للظعن والإقامة ، والأثاث والمتاع من الأصواف والأوبار والأشعار .

وتذكر الآيات من نعم الله : الظلال ، والأكنان وهي ما يستر الإنسان ويغطيه والسرابيل وهي ما يلبسه الإنسان من قميص يقيه الحر والبرد أو درع تقيه بأس الحرب : { كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون } . ( النحل : 81 ) .

ثم تفصل الآيات أمر البعث في مشاهد يعرض فيها المشركون وشركاؤهم والرسل شهداء عليهم والرسول صلى الله عليه وسلم شهيد على قومه . وبذلك تتم هذه الجولة في جو البعث والقيامة .

الأوامر والنواهي

تتعرض الآيات من 90 إلى 111 في سورة النحل لشرح بعض أهداف القرآن ويبدأ هذا الدرس بآية شهيرة يرددها الخطباء على المنابر في نهاية خطبة الجمعة وهي قوله تعالى : { إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون } . ( النحل : 90 ) .

وفي هذا الدرس أمر بالوفاء بالعهد ونهي عن نقض الأيمان بعد توكيدها وكلها من مبادئ السلوك الأساسية التي جاء بها القرآن الكريم .

وفي هذا الدرس بيان : الجزاء المقرر لنقض العهد ، واتخاذ الأيمان ؛ للخداع والتضليل ، وهو العذاب العظيم ، والبشرى للذين صبروا ومضاعفة الثواب لهم .

ثم تذكر الآيات : بعض آداب تلاوة القرآن . وهي : الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم لطرد شبحه من مجلس القرآن الكريم ، كما تذكر بعض تقولات المشركين عن القرآن فمنهم من يرمي الرسول صلى الله عليه وسلم بافترائه على الله ومنهم من يقول : إن غلاما أعجميا هو الذي يعلمه هذا القرآن .

وفي نهاية الدرس يبين : جزاء من يكفر بعد إيمانه ، ومن يكره على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان . ويبين : جزاء من فتنوا عن دينهم ثم هاجروا وجاهدوا وصبروا . وكل أولئك تبيان وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين .

وفي الآيات إباحة لمن أكرم على الكفر أن ينطق لسانه به مادام القلب عامر بالإيمان ؛ روى ابن جرير بإسناده أن العذاب لما اشتد على عمار بن ياسر ؛ نطق ببعض ما أرادوا ، ثم شكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ( كيف تجد قلبك ؟ )قال : مطمئنا بالإيمان ؛ قال النبي : ( إن عادوا فعد ) فكانت رخصة في مثل هذه الحال .

وقد أبى بعض المسلمين أن يظهروا الكفر بلسانهم مؤثرين الموت على لفظة باللسان كذلك صنعت سمية أم عمار بن ياسر ، وهي تطعن بالحرية في موضع العفة حتى تموت ، وكذلك صنع أبوه ياسر .

وقد كان بلال رضوان الله عليه يعذب أشد العذاب حتى لتوضع الصخرة العظيمة على صدره في شدة الحر ويطلب منه أن ينطق بكلمة فيأبى وهو يقول : أحد أحد .

ولست أبالي حين أقتل مسلما *** على أي جنب كان في الله مصرعي

ختام سورة النحل

يتحدث الربع الأخير في سورة النحل عن مثل ضربه الله ؛ لتصوير حال مكة وقومها المشركين الذين جحدوا نعمة الله عليهم ؛ لينظروا المصير الذي يتهددهم من خلال المثل الذي يضربه لهم ، حين يقول سبحانه : { وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون } . ( النحل : 112 ) .

وهي حال أشبه شيء بحال مكة ؛ جعل الله فيها البيت ، وجعلها بلدا حراما من دخله فهو آمن مطمئن لا تمتد إليه يد ولو كان قاتلا ، ولا يجرؤ أحد على إيذائه وهو في جوار بيت الله الكريم ، وكان الناس يتخطفون من حول البيت وأهل مكة في حراسته وحمايته آمنون مطمئنون ، كذلك كان رزقهم يأتيهم هينا هنيئا من كل مكان من الحجيج ومع القوافل الآمنة مع أنهم في واد قفر جدب غير ذي زرع ، فكانت تجبى إليهم ثمرات كل شيء فيتذوقون طعم الأمن وطعم الرغد منذ دعوة إبراهيم الخليل ، فإذا كذّب أهل مكة بدعوة محمد وجحدوا رسالته ؛ استحقوا العقاب ، والعذاب ، ولباس الجوع والخوف ؛ جزاء كفرهم وعنادهم .

ثم ينتقل السياق بهم إلى الطيبات التي حرمتها قبائل مكة على أنفسها اتباعا لأوهام الوثنية ، وقد أحلها الله لهم ، وحدد المحرمات وبينها وليست هذه منها وذلك لون من الكفر بنعمة الله وعدم القيام بشكرها يتهددهم بالعذاب الأليم من أجله ، وهو افتراء على الله لم ينزل به شريعة .

وبمناسبة ما حرّم على المسلمين من الخبائث ، يشير إلى ما حرّم على اليهود من الطيبات بسبب ظلمهم . وقد جعل هذا التحريم عقوبة لهم على عصيانهم . ولم يكن محرما على آبائهم في عهد إبراهيم الذي كان أمة قانتا لله حنيفا ، ولم يكن من المشركين ، شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم . فكانت حلالا له الطيبات ولبنيه من بعده حتى حرّم الله بعضها على اليهود في صورة عقوبة لهم خاصة ، ومن تاب من بعد جهالته فإن الله غفور رحيم .

ثم جاء دين محمد صلى الله عليه وسلم امتدادا وإتباعا لدين إبراهيم ؛ فعادت الطيبات كلها حلالا وكذلك السبت الذي منع فيه اليهود من الصيد ، فإنما السبت على أهله الذين اختلفوا فيه ، ففريق كف عن الصيد وفريق نقض عهده ؛ فمسخه الله وانتكس عن مستوى الإنسانية .

وتختم السورة عند هذه المناسبة بالأمر إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أن يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة ، وأن يجادلهم بالتي هي أحسن ، وأن يلتزم قاعدة العدل في رد الاعتداء بمثله دون تجاوز . . والصبر والعفو خير ، والعاقبة بعد ذلك للمتقين المحسنين ؛ لأن الله معهم ينصرهم ويرعاهم ويهديهم طريق الخير والفلاح .

وفي أسباب نزول القرآن : أن الآيات الأخيرة من سورة النحل نزلت في حمزة بن عبد المطلب حين استشهد في غزوة أحد . وفي هذه الغزوة مثّل المشركون بالمسلمين فبقروا بطونهم وقطعوا مذاكيرهم وما تركوا أحدا غير ممثول به غير حنظلة بن الراهب ، كان الراهب أبو عامر مع أبي سفيان فتركوا حنظلة لذلك ، ثم وقف رسول الله على جثة حمزة وقد مثّل به فرآه مبقور البطن ؛ فقال : ( أما والذي أحلف به ، إن أظفرني الله بهم لأمثلن بسبعين مكانك ! ) فنزل قوله تعالى : { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين } . ( النحل : 126 ) .

ولما نزلت هذه الآية ؛ كفّر النبي عن يمينه وكف عما أراده ، ومن هذا ذهبوا إلى أن خواتيم سورة النحل مدنية ، ولا خلاف في تحريم المثلة وقد وردت الأخبار بالنهي عنها حتى بالكلب العقور .

بسم الرحمن الرحيم

{ أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون1ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون2 } .

المفردات :

أتى أمر الله : قرب ودنا ، وهذا وعيد للمشركين .

أمر الله : العذاب والهلاك لهؤلاء المشركين .

1

التفسير :

1{ أتى أمر الله فلا تستعجلوه . . . } .

أي : قرب عذاب المشركين وهلاكهم ، أما إتيانه بالفعل وتحققه فمنوط بحكم الله النافذ ، وقضائه الغالب على كل شيء ، فهو يأتي في الحين الذي قدره وقضاه .

ومعنى قوله : { فلا تستعجلوه } ، لا تطلبوا حصوله قبل حضور الوقت المقدر في علمه تعالى ؛ فلله سنن ونواميس في إنزال العذاب ، وهو سبحانه لا يعجل لعجلة العباد ، وكل شيء عنده بمقدار .

{ سبحانه وتعالى عما يشركون } .

ادعوا : أن عبادتهم الأصنام لتشفع لهم عند الله ؛ حتى يتخلصوا من هذا العذاب المتوقع ؛ فأجاب القرآن عن هذه الشبهة ، بتنزيه الله عن شركة الشركاء والأنداد .

قال الفخر الرازي :

{ عما يشركون } . يجوز أن تكون ما مصدرية ، والتقدير : سبحانه وتعالى عن شركهم ، ويجوز أن تكون بمعنى : الذي ، أي : سبحانه وتعالى عن هذه الأصنام ، التي جعلوها شركاء لله ؛ لأنها جمادات خسيسة فأي مناسبة بينها وبين خالق الكائنات ، ومدبر الأرض والسماوات ؟ ! .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{أَتَىٰٓ أَمۡرُ ٱللَّهِ فَلَا تَسۡتَعۡجِلُوهُۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ} (1)

مقدمة السورة:

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

سورة النحل مكية كلها، غير قوله تعالى: {وإن عاقبتم...} [آية:126-128] إلى آخر السورة. وقوله تعالى: {ثم إن ربك للذين هاجروا...} [آية:110] الآية. وقوله تعالى: {من كفر بالله من بعد إيمانه...} [الآية:106] الآية. وقوله تعالى: {والذين هاجروا...} [آية:41] الآية. وقوله تعالى: {وضرب الله مثلا قرية...} [الآية:112] الآية. فإن هذه الآيات مدنيات.

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

سورة النحل هي مكية إلا آية هي قوله "والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا "الآية.

وقال الشعبي: نزلت النحل كلها بمكة إلا قوله "وإن عاقبتم..." إلى آخرها.

وقال قتادة: من أول السورة إلى قوله "كن فيكون" مكي، والباقي مدني.

وقال مجاهد: أولها مكي وآخرها مدني..

تفسير القرآن للسمعاني 489 هـ :

هذه السورة تسمى سورة النعم، وقيل: سورة الآلاء.

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

...مكية غير قوله تعالى: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} الآية، نزلت بالمدينة في شأن التمثيل بحمزة رضي الله عنه وقتلى أحد...

وأما قوله تعالى: {والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا} فمكي في شأن هجرة الحبشة.

السراج المنير في تفسير القرآن الكريم للشربيني 977 هـ :

...والمقصود من هذه السورة الدلالة على أنه تعالى تام القدرة والعلم فاعل بالاختيار منزه عن شوائب النقص وأدل ما فيها على هذا المعنى أمر النحل، لما ذكر من شأنها في دقة الفهم في ترتيب بيوتها ورحبها وسائر أمرها من اختلاف ألوان ما يخرج منها من أعسالها وجعله شفاء مع أكلها من الثمار النافعة والضارة وغير ذلك من الأمور ووسمها بالنعم واضح...

محاسن التأويل للقاسمي 1332 هـ :

سورة النحل سميت بها لاشتمالها على قوله تعالى: {وأوحى ربك إلى النحل} المشير إلى أنه لا يبعد أن يلهم الله عز وجل بعض خواص عباده، أن يستخرجوا الفوائد الحلوة الشافية من هذا الكتاب بحمل كلماته على مواضع الشرف، وعلى المعاني المثمرة، وعلى التصرفات العالية، مع تحصيل الأخلاق الفاضلة وسلوك سبيل التصفية والتزكية. وهذا أكمل ما يعرف به فضائل القرآن ويدرك به مقاصده. قاله المهايمي. وقال بعضهم: تسمية السورة بذلك تسمية بالأمر المهم. ليتفطن الغرض الذي يرمي إليه، ك (الجمعة) لأهمية الاجتماع الأسبوعي وما ينجم عنه من مصالح الأمور العامة، والحديد لمنافعه العظيمة. و (النحل)، و (العنكبوت)، و (النمل)، للتفطن لصغار الحيوانات الحكيمة الصنائع، وهكذا، وسيأتي طرف من حكمة النحل وأسراره عند آيته في هذه السورة.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

هذه السورة هادئة الإيقاع، عادية الجرس؛ ولكنها مليئة حافلة. موضوعاتها الرئيسية كثيرة منوعة؛ والإطار الذي تعرض فيه واسع شامل؛ والأوتار التي توقع عليها متعددة مؤثرة، والظلال التي تلونها عميقة الخطوط. وهي كسائر السور المكية تعالج موضوعات العقيدة الكبرى: الألوهية. والوحي. والبعث. ولكنها تلم بموضوعات جانبية أخرى تتعلق بتلك الموضوعات الرئيسية. تلم بحقيقة الوحدانية الكبرى التي تصل بين دين إبراهيم -عليه السلام- ودين محمد صلى الله عليه وسلم وتلم بحقيقة الإرادة الإلهية والإرادة البشرية فيما يختص بالإيمان والكفر والهدى والضلال. وتلم بوظيفة الرسل، وسنة الله في المكذبين لهم. وتلم بموضوع التحليل والتحريم وأوهام الوثنية حول هذا الموضوع. وتلم بالهجرة في سبيل الله، وفتنة المسلمين في دينهم، والكفر بعد الإيمان وجزاء هذا كله عند الله.. ثم تضيف إلى موضوعات العقيدة موضوعات المعاملة: العدل والإحسان والإنفاق والوفاء بالعهد، وغيرها من موضوعات السلوك القائم على العقيدة.. وهكذا هي مليئة حافلة من ناحية الموضوعات التي تعالجها. فأما الإطار الذي تعرض فيه هذه الموضوعات، والمجال الذي تجري فيه الأحداث، فهو فسيح شامل.. هو السماوات والأرض. والماء الهاطل والشجر النامي. والليل والنهار والشمس والقمر والنجوم. والبحار والجبال والمعالم والسبل والأنهار. وهو الدنيا بأحداثها ومصائرها، والأخرى بأقدارها ومشاهدها. وهو الغيب بألوانه وأعماقه في الأنفس والآفاق. في هذا المجال الفسيح يبدو سياق السورة وكأنه حملة ضخمة للتوجيه والتأثير واستجاشة العقل والضمير. حملة هادئة الإيقاع، ولكنها متعددة الأوتار. ليست في جلجلة الأنعام والرعد، ولكنها في هدوئها تخاطب كل حاسة وكل جارحة في الكيان البشري، وتتجه إلى العقل الواعي كما تتجه إلى الوجدان الحساس. إنها تخاطب العين لترى، والأذن لتسمع، واللمس ليستشعر، والوجدان ليتأثر، والعقل ليتدبر. وتحشد الكون كله: سماؤه وأرضه، وشمسه وقمره، وليله ونهاره، وجباله وبحاره وفجاجه وأنهاره وظلاله وأكنانه نبته وثماره، وحيوانه وطيوره. كما تحشد دنياه وآخرته، وأسراره وغيوبه.. كلها أدوات توقع بها على أوتار الحواس والجوارح والعقول والقلوب، مختلف الإيقاعات التي لا يصمد لها فلا يتأثر بها إلا العقل المغلق والقلب الميت، والحس المطموس. هذه الإيقاعات تتناول التوجيه إلى آيات الله في الكون، وآلائه على الناس كما تتناول مشاهد القيامة، وصور الاحتضار، ومصارع الغابرين؛ تصاحبها اللمسات الوجدانية التي تتدسس إلى أسرار الأنفس، وإلى أحوال البشر وهم أجنة في البطون، وهم في الشباب والهرم والشيخوخة، وهم في حالات الضعف والقوة، وهم في أحوال النعمة والنقمة. كذلك يتخذ الأمثال والمشاهد والحوار والقصص الخفيف أدوات للعرض والإيضاح. فأما الظلال العميقة التي تلون جو السورة كله فهي الآيات الكونية تتجلى فيها عظمة الخلق، وعظمة النعمة، وعظمة العلم والتدبير.. كلها متداخلة.. فهذا الخلق الهائل العظيم المدبر عن علم وتقدير، ملحوظ فيه أن يكون نعمة على البشر، لا تلبي ضروراتهم وحدها، ولكن تلبي أشواقهم كذلك، فتسد الضرورة. وتتخذ للزينة، وترتاح بها أبدانهم وتستروح لها نفوسهم، لعلهم يشكرون.. ومن ثم تتراءى في السورة ظلال النعمة وظلال الشكر، والتوجيهات إليها، والتعقيب بها في مقاطع السورة، وتضرب عليها الأمثال، وتعرض لها النماذج، وأظهرها نموذج إبراهيم (شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم). كل أولئك في تناسق ملحوظ بين الصور والظلال والعبارات والإيقاعات، والقضايا والموضوعات نرجو أن نقف على نماذج منه في أثناء استعراضنا للسياق. ونبدأ الشوط الأول، وموضوعه هو التوحيد؛ وأدواته هي آيات الله في الخلق، وأياديه في النعمة، وعلمه الشامل في السر والعلانية، والدنيا والآخرة.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

سميت هذه السورة عند السلف سورة النحل، وهو اسمها المشهور في المصاحف وكتب التفسير وكتب السنة. ووجه تسميتها بذلك أن لفظ النحل لم يذكر في سورة أخرى.

أغراض هذه السورة

معظم ما اشتملت عليه السورة إكثار متنوع الأدلة على تفرد الله تعالى بالإلهية، والأدلة على فساد دين الشرك وإظهار شناعته. وأدلة إثبات رسالة محمد صلى الله عليه وسلم. وإنزال القرآن عليه صلى الله عليه وسلم. وإن شريعة الإسلام قائمة على أصول ملة إبراهيم عليه السلام. وإثبات البعث والجزاء؛ فابتدئت بالإنذار بأنه قد اقترب حلول ما أنذر به المشركون من عذاب الله الذي يستهزئون به، وتلا ذلك قرع المشركين وزجرهم على تصلبهم في شركهم وتكذيبهم. وانتقل إلى الاستدلال على إبطال عقيدة الشرك؛ فابتدئ بالتذكير بخلق السماوات والأرض، وما في السماء من شمس وقمر ونجوم، وما في الأرض من ناس وحيوان ونبات وبحار وجبال، وأعراض الليل والنهار. وما في أطوار الإنسان وأحواله من العبر. وخصت النحل وثمراتها بالذكر لوفرة منافعها والاعتبار بإلهامها إلى تدبير بيوتها وإفراز شهدها. والتنويه بالقرآن وتنزيهه عن اقتراب الشيطان، وإبطال افترائهم على القرآن. والاستدلال على إمكان البعث وأنه تكوين كتكوين الموجودات. والتحذير مما حل بالأمم التي أشركت بالله وكذبت رسله عليهم السلام عذاب الدنيا وما ينتظرهم من عذاب الآخرة. وقابل ذلك بضده من نعيم المتقين المصدقين والصابرين على أذى المشركين والذين هاجروا في الله وظلموا. والتحذير من الارتداد عن الإسلام، والترخيص لمن أكره على الكفر في التقية من المكرهين. والأمر بأصول من الشريعة؛ من تأصيل العدل، والإحسان، والمواساة، والوفاء بالعهد، وإبطال الفحشاء والمنكر والبغي، ونقض العهود، وما على ذلك من جزاء بالخير في الدنيا والآخرة. وأدمج في ذلك ما فيها من العبر والدلائل، والامتنان على الناس بما في ذلك من المنافع الطيبات المنتمة، والمحاسن، وحسن المناظر، ومعرفة الأوقات، وعلامات السير في البر والبحر، ومن ضرب الأمثال. ومقابلة الأعمال بأضدادها. والتحذير من الوقوع في حبائل الشيطان. والإنذار بعواقب كفران النعمة. ثم عرض لهم بالدعوة إلى التوبة {ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة} الخ...

وملاك طرائق دعوة الإسلام {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة}. وتثبيت الرسول صلى الله عليه وسلم ووعده بتأييد الله إياه.

التفسير الحديث لدروزة 1404 هـ :

...ولا يمكن أن يقال إن فصولها منقطعة عن بعضها، بل إن التساوق بينها أو بين أكثرها أكثر ظهورا، وهذا يبرر القول إن فصولها نزلت متتابعة فدونت متتابعة كما نزلت إلى أن تمت. وقد روي أن الآيات [126-128] مدنية، وأسلوبها ومضمونها وسياقها يسوغ التوقف في ذلك ويجعل الرجحان لمكيتها.

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

محتويات السّورة:

يذهب أكثر المفسّرين إلى أنّ قسماً من آيات هذه السورة مكيّة، وقسمها الآخر آيات مدنيّة، في حين يعتبر بعضهم أنّ آياتها مكيةً على الإِطلاق. وعند ملاحظة طبيعة السورة المكية والمدنية يتبيّن لنا أنّ الرأي الأوّل أكثر صواباً، ويعزز ذلك ما تبحثه الآية (41) (والذين هاجروا في اللّه...)، والآية (101) (ثمّ إنّ ربّك للذين هاجروا من بعدما فتنوا ثمّ جاهدوا فصبروا...) حيث أنّها تناولت بوضوح موضوع الهجرة والجهاد معاً.. وكما هو بيّن فإِنّ الموضوعين يتناسبان مع الحوادث التي جرت بعد هجرة النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من مكّة إلى المدينة. وإِذا اعتبرنا الهجرة المشار إِليها في الآية (41) هي هجرة المسلمين الأُولى حين هاجر جمع منهم من مكّة إلى الحبشة برئاسة جعفر بن أبي طالب (رضي الله عنه)، فيستبعد أن تكون الهجرة والجهاد المشار إِليهما في الآية (101) الهجرة الأُولى، ولا تنطبق الآية المباركة إِلاّ على هجرة النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المدينة. بالإضافة إلى أنّ الآية (126) (وإِن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به...) قد نزلت في غزوة أُحد التي وقعت بعد الهجرة الثّانية، وهذا معروف عند المفسّرين.

وقال بعض المفسّرين: إِنّ الآيات الأربعين الأوّل من السورة نزلت في مكّة وبقية الآيات نزلت في المدينة، في حين يعتبر البعض الآخر منهم جميع آياتها مكّية سوى الآيات المتعلقة بغزوة أُحد (الآيات الثلاثة الأخيرة). فالمتيقن بخصوص السورة أنّ آياتها مكّية ومدينة، إِلاّ أنّه لا يمكن تشخيص ما هو مكي أو مدني بالدقة الكافية سوى الموارد المذكورة.

...فقراءة الآيات التي تتناول جانباً كبيراً من النعم الإِلهية بتدبر وتفكر مع وجود العزم على العمل والسير وفق الشكر للمنعم، تكون سبيلا لأنْ يستعمل الإِنسان كل نعمة بما ينبغي عليه أن يستعمل، فلا يحبس ولا يهمل، ويكون من الشاكرين.. فإِنْ أصبح كذلك فهل سيتعرض لمحاسبة بعد؟

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{أتى أمر الله}، وذلك أن كفار مكة لما أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم الساعة، فخوفهم بها أنها كائنة، فقالوا: متى تكون؟ تكذيبا بها، فأنزل الله عز وجل: يا عبادي، {أتى أمر الله}

{فلا تستعجلوه}، أي فلا تستعجلوا وعيدي...

{سبحانه}، نزه الرب تعالى نفسه عن شرك أهل مكة، ثم عظم نفسه جل جلاله، فقال: {وتعالى}، يعني: وارتفع، {عما يشركون}.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

أتى أمر الله فقرُب منكم أيها الناس ودنا، فلا تستعجلوا وقوعه. ثم اختلف أهل التأويل في الأمر الذي أعلم الله عباده مجيئه وقُربه منهم ما هو، وأيّ شيء هو؟:

فقال بعضهم: هو فرائضه وأحكامه...

وقال آخرون: بل ذلك وعيد من الله لأهل الشرك به، أخبرهم أن الساعة قد قَرُبت وأن عذابهم قد حضر أجله فدنا...

وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب، قول من قال: هو تهديد من الله أهل الكفر به وبرسوله، وإعلام منه لهم قرب العذاب منهم والهلاك، وذلك أنه عقّب ذلك بقوله سبحانه وتعالى:"عَمّا يُشْرِكُونَ" فدلّ بذلك على تقريعه المشركين ووعيده لهم. وبعد، فإنه لم يبلغنا أن أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم استعجل فرائض قبل أن تُفرض عليهم فيقال لهم من أجل ذلك: قد جاءتكم فرائض الله فلا تستعجلوها. وأما مستعجلو العذاب من المشركين فقد كانوا كثيرا. وقوله سبحانه وتعالى: {عَمّا يُشْرِكُونَ} يقول تعالى ذكره: تنزيها لله وعلوّا له عن الشرك الذي كانت قريش ومن كان من العرب على مثل ما هم عليه يَدين به...

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

{أتى أمر الله فلا تستعجلوه} وجوه:

أحدها: أن يعرف قوله: {أمر الله} وإرادته، وما الذي استعجلوه، وأن ما استعجلوه الساعة والقيامة بقوله: {يستعجل بها الذين لا يؤمنون} الآية (الشورى: 8) ونحوه من الآيات.

والثاني: {أمر الله} رسوله الذي كان يستنصر به أهل الكتاب على المشركين كقوله: {وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا} الآية (البقرة: 89) وكان يتمنى مشركو العرب أن يكون لهم رسول كسائر الكفرة كقوله: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم} الآية (فاطر: 42) فلا تستعجلوا ذهاب ما كنتم تتمنون بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم أو شيء آخر، والله أعلم.

ثم إنه لم يُرد بقوله: {أتى أمر الله} وقوعه، ولكن قربه، أي قرب آثار أمر الله كما يقال: أتاك الخير، وأتاك أمر كذا على إرادة القرب لا على الوقوع. وجائز أن يكون قوله: {أتى أمر الله} أي ظهرت أعلام الله وآثاره، وليس على إتيان أمره من مكان كقوله: {جاء الحق وزهق الباطل} وآثاره هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأنه كان به يختم النبوة، فهو كان إعلام الساعة على ما روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: (بعثت أنا والساعة كهاتين) (البخاري: 6503) أشار إلى إصبعيه لقربهما منه، والله أعلم.

{سبحانه وتعالى عما يشركون} سبحان: هي كلمة إجلال الله يجريها على ألسن أوليائه على تبرئته مما قالت الملحدة فيه، وتعاليه عن جميع ما نسبوا إليه من الولد والصاحبة والشريك وغيره من الأشباه والأضداد،

{وتعالى} عن ذلك. سبحان الله، حرف يذكر على إثر شيء مستبعد أو مستعجب أو مستعظم جوابا لذلك، وهو ما ذكره على إثر وصف وقول، لا يليق بالله من الولد والشريك ونحوه، فقال: سبحان الله على التنزيه مما وصفوه.

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

وانما قال "أتى أمر الله "ولم يقل يأتي، لأن الله تعالى قرب الساعة، فجعلها كلمح البصر، فقال "وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب" وقال "اقتربت الساعة" وكل ما هو آت قريب، فعبر بلفظ الماضي ليكون أبلغ في الموعظة، وإن كان قوله "فلا تستعجلوه" يدل على أنه في معني يأتي... ومعنى "تعالى ": تعاظم بأعلى صفات المدح عن أن يكون له شريك في العبادة، وجميع صفات النقص منتفية عنه.

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

والكائناتُ كلُّها والحادثات بأَسْرِها من جملة أمره، أي حصل أمرُ تكوينه وهو أمر من أموره لأنه حاصلٌ بتقديره وتيسيره، وقَضَائه وتدبيره؛ فما يحصل من خير وشرَّ، ونفع وضرِّ، وحلو ومُرِّ. فذلك من جملة أمره تعالى.

{فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ} وأصحاب التوحيد لا يستعجلون شيئاً باختيارهم لأنهم قد سقطت عنهم الإرادات والمطالبات، وهم خامدون تحت جريان تصريف الأقدار؛ فليس لهم إيثار ولا اختيار فلا يستعجلون أمراً، وإذا أَمَّلوا شيئاً، أو أُخْبِروا بحصول شيءٍ فلا استعجال لهم، بل شأنهم التأنِّي والثباتُ والسكونُ، وإذا بَدَا من التقدير حُكمٌ فلا استعجالَ لهم لما يَرِدُ عليهم، بل يتقبلون مفاجأةَ التقدير بوجهٍ ضاحك، ويستقبلون ما يبدو من الغيب من الردِّ والقبول، والمنع والفتوح بوصف الرضا، ويحمدون الحق -سبحانه وتعالى- على ذلك.

{سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}: تعالى عما يشركون بربهم، والكفار لم ييسر لهم حتى أَنَّه لا سكَنَ لقلوبهم من حديثه.

معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي 516 هـ :

والاستعجال: طلب الشيء قبل حينه...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

كانوا يستعجلون ما وعدوا من قيام الساعة أو نزول العذاب بهم يوم بدر، استهزاء وتكذيباً بالوعد، فقيل لهم {أتى أَمْرُ الله} الذي هو بمنزلة الآتي الواقع وإن كان منتظراً لقرب وقوعه {فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ}...

{سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ} تبرأ عز وجل عن أن يكون له شريك، وأن تكون آلهتهم له شركاء، أو عن إشراكهم. على أنّ «ما» موصولة أو مصدرية،...فإن قلت: كيف اتصل هذا باستعجالهم؟ قلت: لأنّ استعجالهم استهزاء وتكذيب وذلك من الشرك.

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

... قوله {أمر الله} قال فيه جمهور المفسرين: إنه يريد القيامة وفيها وعيد للكفار، وقيل: المراد نصر محمد عليه السلام، وقيل: المراد تعذيب كفار مكة بقتل محمد صلى الله عليه وسلم لهم وظهوره عليهم، ذكر نحو هذا النقاش عن ابن عباس، وقيل: المراد فرائض الله وأحكامه في عباده وشرعه لهم، هذا هو قول الضحاك، ويضعفه قوله {فلا تستعجلوه} إنا لا نعرف استعجالاً إلا ثلاثة اثنان منها للكفار وهي في القيامة وفي العذاب، والثالث للمؤمنين في النصر وظهور الإسلام، وقوله {أتى} على هذا القول إخبار عن إتيان ما يأتي، وصح ذلك من جهة التأكيد، وإذا كان الخبر حقاً فيؤكد المستقبل بأن يخرج في صيغة الماضي، أي كأنه لوضوحه والثقة به قد وقع، ويحسن ذلك في خبر الله تعالى لصدق وقوعه، وقال قوم: {أتى} بمعنى قرب، وهذا نحو ما قلت، وإنما يجوز الكلام بهذا عندي لمن يعلم قرينه التأكيد ويفهم المجاز، وأما إن كان المخاطب لا يفهم القرينة فلا يجوز وضع الماضي موضع المستقبل، لأن ذلك يفسد الخبر ويوجب الكذب، وإنما جار في الشرط لوضوح القرينة ب {أن}، ومن قال: إن الأمر القيامة، قال: إن قوله {فلا تستعجلوه} رد على المكذبين بالبعث القائلين متى هذا الوعد، ومن قال: إن الأمر تعذيب الكفار بنصر محمد صلى الله عليه وسلم وقتله لهم، قال إن قوله {فلا تستعجلوه} رد على القائلين {عجل لنا قطنا} [ص: 16] ونحوه من العذاب، أو على مستبطئي النصر من المؤمنين في قراءة من قرأ بالتاء...

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

اعلم أن معرفة تفسير هذه الآية مرتبة على سؤالات ثلاثة:

فالسؤال الأول: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخوفهم بعذاب الدنيا تارة وهو القتل والاستيلاء عليهم كما حصل في يوم بدر، وتارة بعذاب يوم القيامة، وهو الذي يحصل عند قيام الساعة، ثم إن القوم لما لم يشاهدوا شيئا من ذلك احتجوا بذلك على تكذيبه وطلبوا منه الإتيان بذلك العذاب وقالوا له ائتنا به. وروي أنه لما نزل قوله تعالى: {اقتربت الساعة وانشق القمر} قال الكفار فيما بينهم إن هذا يزعم أن القيامة قد قربت فأمسكوا عن بعض ما تعملون حتى ننظر ما هو كائن، فلما تأخرت قالوا ما نرى شيئا مما تخوفنا به، فنزل قوله: {اقترب للناس حسابهم} فأشفقوا وانتظروا يومها فلما امتدت الأيام قالوا: يا محمد ما نرى شيئا مما تخوفنا به فنزل قوله: {أتى أمر الله} فوثب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورفع الناس رؤوسهم فنزل قوله: {فلا تستعجلوه} والحاصل أنه عليه السلام لما أكثر من تهديدهم بعذاب الدنيا وعذاب الآخرة ولم يروا شيئا نسبوه إلى الكذب.

فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة بقوله: {أتى أمر الله فلا تستعجلوه} وفي تقرير هذا الجواب وجهان:

الوجه الأول: أنه وإن لم يأت ذلك العذاب إلا أنه كان واجب الوقوع والشيء إذا كان بهذه الحالة والصفة فإنه يقال في الكلام المعتاد أنه قد أتى ووقع إجراء لما يجب وقوعه بعد ذلك مجرى الواقع يقال لمن طلب الإغاثة وقرب حصولها: قد جاءك الغوث فلا تجزع.

والوجه الثاني: وهو أن يقال أن أمر الله بذلك وحكمه به قد أتى وحصل ووقع، فأما المحكوم به فإنما لم يقع، لأنه تعالى حكم بوقوعه في وقت معين فقبل مجيء ذلك الوقت لا يخرج إلى الوجود والحاصل كأنه قيل: أمر الله وحكمه بنزول العذاب قد حصل ووجد من الأزل إلى الأبد فصح قولنا أتى أمر الله، إلا أن المحكوم به والمأمور به إنما لم يحصل، لأنه تعالى خصص حصوله بوقت معين فلا تستعجلوه ولا تطلبوا حصوله قبل حضور ذلك الوقت.

السؤال الثاني: قالت الكفار: هب أنا سلمنا لك يا محمد صحة ما تقوله من أنه تعالى حكم بإنزال العذاب علينا إما في الدنيا وإما في الآخرة، إلا أنا نعبد هذه الأصنام فإنها شفعاؤنا عند الله فهي تشفع لنا عنده فنتخلص من هذا العذاب المحكوم به بسبب شفاعة هذه الأصنام.

فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة بقوله: {سبحانه وتعالى عما يشركون} فنزه نفسه عن شركة الشركاء والأضداد، والأنداد وأن يكون لأحد من الأرواح والأجسام أن يشفع عنده إلا بإذنه و {ما} في قوله: {عما يشركون} يجوز أن تكون مصدرية، والتقدير: سبحانه وتعالى عن إشراكهم ويجوز أن تكون بمعنى الذي، أي سبحانه وتعالى عن هذه الأصنام التي جعلوها شركاء لله، لأنها جمادات خسيسة، فأي مناسبة بينها وبين أدون الموجودات فضلا عن أن يحكم بكونها شركاء لمدبر الأرض والسموات.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

لما ختم الحجر بالإشارة إلى إتيان اليقين، وهو صالح لموت الكل ولكشف الغطاء بإتيان ما يوعدون مما يستعجلون به استهزاء من العذاب في الآخرة بعد ما يلقون في الدنيا، ابتدأ هذه بمثل ذلك سواء، غير أنه ختم تلك باسم الرب المفهم للإحسان لطفاً بالمخاطب، وافتتح هذه باسم الأعظم الجامع لجميع معاني الأسماء لأن ذلك أليق بمقام التهديد، ولما ستعرفه من المعاني المتنوعة في أثناء السورة، وسيكرر هذا الاسم فيها تكريراً تعلم منه صحة هذه الدعوى...

{أتى أمر الله} أي الملك الأعظم الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، بما يذل الأعداء، ويعز الأولياء، ويشفي صدورهم، ويقر أعينهم. ولما كانت العجلة نقصاً، قال مسبباً عن هذا الإخبار: {فلا تستعجلوه} أيها الأعداء استهزاء، وأيها الأولياء استكفاء واستشفاء، وذلك مثل ما أفهمه العطف في قوله تعالى {وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم} كما تقدم...

{سبحانه...}...وقد آل الأمر في نظم الآية إلى أن صار كأنه قيل: إنه لا يعجل لأنه منزه عن النقص، ولا بد من إنفاذ أمره لأنه متعالٍ عن الكفوء؛ أو يقال: لا تستعجلوه لأنه تنزه عن النقص فلا يعجل، وتعالى عن أن يكون له كفوء يدفع ما يريد فلا بد من وقوعه، فهي واقعة موقع التعليل لصدر الآية كما أن صدر الآية تعليل لآخر سورة الحجر.

السراج المنير في تفسير القرآن الكريم للشربيني 977 هـ :

{أتى أمر الله} فيه وجهان:

أحدهما أنه ماض لفظاً مستقبل معنى إذ المراد به يوم القيامة وإنما أبرزه في صورة ما وقع وانقضى تحقيقاً له ولصدق المخبر به.

والثاني: أنه على بابه والمراد مقدّماته وأوائله وهو نصر رسوله صلى الله عليه وسلم.

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود 982 هـ :

{أتى أَمْرُ الله} أي الساعةُ أو ما يعُمها وغيرَها من العذاب الموعود للكفرة، عبّر عن ذلك بأمر الله للتفخيم والتهويل وللإيذان بأن تحققَه في نفسه وإتيانِه منوطٌ بحكمه النافذِ وقضائِه الغالب، وإتيانُه عبارةٌ عن دنوّه واقترابِه على طريقة نظمِ المتوقَّعِ في سلك الواقع، أو عن إتيان مباديه القريبةِ على نهج إسنادِ حال الأسبابِ إلى المسبَّبات. وأياً ما كان ففيه تنبيهٌ على كمال قربِه من الوقوع واتصالِه وتكميلٌ لحسن موقع التفريعِ في قوله عز وجل: {فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ} فإن النهيَ عن استعجال الشيءِ وإن صح تفريعُه على قرب وقوعِه أو على وقوع أسبابه القريبة لكنه ليس بمثابة تفريعِه على وقوعه، إذ بالوقوع يستحيل الاستعجالُ رأساً لا بما ذكر من قرب وقوعِه ووقوعِ مباديه، والخطابُ للكفرة خاصة كما يدل عليه القراءةُ على صيغة نهي الغائبِ، واستعجالُهم وإن كان بطريق الاستهزاءِ، لكنه حُمل على الحقيقة ونُهوا عنه بضرب من التهكم لا مع المؤمنين، سواءٌ أريد بأمر الله ما ذُكر أو العذابُ الموعود للكفرة خاصة، أما الأولُ فلأنه يتصور من المؤمنين استعجالُ الساعة أو ما يعمها وغيرَها من العذاب حتى يعمهم النهيُ عنه، وأما الثاني فلأن استعجالَهم له بطريق الحقيقةِ واستعجالَ الكفرة بطريق الاستهزاءِ كما عرَفْته فلا ينتظمُهما صيغةٌ واحدة، والالتجاءُ إلى إرادة معنىً مجازيَ يعمهما معاً من غير أن يكون هناك رعايةُ نكتة سرّية تعسفٌ لا يليق بشأن التنزيلِ الجليلِ...

{سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ} أي تنزه وتقدّس بذاته وجل عن إشراكهم المؤدِّي إلى صدور أمثالِ هذه الأباطيلِ عنهم، أو عن أن يكون له شريكٌ فيدفعَ ما أراد بهم بوجه من الوجوه، وصيغةُ الاستقبالِ للدلالة على تجدد إشراكِهم واستمرارِه، والالتفاتُ إلى الغَيبة للإيذان باقتضاء ذكرِ قبائحِهم للإعراض عنهم وطرحِهم عن رتبة الخطاب، وحكايةِ شنائعهم لغيرهم، وعلى تقدير تخصيصِ الخطابِ بالمؤمنين تفوت هذه النُّكتةُ كما يفوت ارتباطُ المنهيِّ عنه.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

.. لقد كان مشركو مكة يستعجلون الرسول [صلى الله عليه وسلم] أن يأتيهم بعذاب الدنيا أو عذاب الآخرة. وكلما امتد بهم الأجل ولم ينزل بهم العذاب زادوا استعجالا، وزادوا استهزاء، وزادوا استهتارا؛ وحسبوا أن محمدا يخوفهم ما لا وجود له ولا حقيقة، ليؤمنوا له ويستسلموا. ولم يدركوا حكمة الله في إمهالهم ورحمته في إنظارهم؛ ولم يحاولوا تدبر آياته في الكون، وآياته في القرآن. هذه الآيات التي تخاطب العقول والقلوب، خيرا من خطابها بالعذاب! والتي تليق بالإنسان الذي أكرمه الله بالعقل والشعور، وحرية الإرادة والتفكير. وجاء مطلع السورة حاسما جازما: أتى أمر الله.. يوحي بصدور الأمر وتوجه الإرادة؛ وهذا يكفي لتحققه في الموعد الذي قدره الله لوقوعه (فلا تستعجلوه) فإن سنة الله تمضي وفق مشيئته، لا يقدمها استعجال. ولا يؤخرها رجاء. فأمر الله بالعذاب أو بالساعة قد قضي وانتهى، أما وقوعه ونفاذه فسيكون في حينه المقدر، لا يستقدم ساعة ولا يتأخر. وهذه الصيغة الحاسمة الجازمة ذات وقع في النفس مهما تتماسك أو تكابر، وذلك فوق مطابقتها لحقيقة الواقع؛ فأمر الله لا بد واقع، ومجرد قضائه يعد في حكم نفاذه، ويتحقق به وجوده، فلا مبالغة في الصيغة ولا مجانبة للحقيقة، في الوقت الذي تؤدي غايتها من التأثر العميق في الشعور. فأما ما هم عليه من شرك بالله الواحد، وتصورات مستمدة من هذا الشرك فقد تنزه الله عنه وتعالى: (سبحانه وتعالى عما يشركون) بكل صوره وأشكاله، الناشئة عن هبوط في التصور والتفكير. أتى أمر الله المنزه عن الشرك المتعالي عما يشركون.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

...وفي التعبير عنه بأمر الله إبهام يفيد تهويله وعظمته لإضافته لمن لا يعظم عليه شيء. وقد عبّر عنه تارات بوعد الله ومرّات بأجل الله ونحو ذلك.

والخطاب للمشركين ابتداء...ويجوز أن يكون شاملاً للمؤمنين لأن عذاب الله وإن كان الكافرون يستعجلون به تهكّماً لظنّهم أنه غير آتتٍ، فإن المؤمنين يضمرون في نفوسهم استبطاءه ويحبّون تعجيله للكافرين.

وحذف المتعلق ب {تستعجلوه} لدلالة قوله: {أتى أمر الله} عليه. والتقدير فلا تستعجلوا الله بأمره، على نحو قوله تعالى: {سأريكم آياتي فلا تستعجلون} [سورة الأنبياء: 37].

والمراد من النهي هنا دقيق لم يذكروه في موارد صيغ النهي. ويجدر أن يكون للتسوية كما ترد صيغة الأمر للتسوية، أي لا جدوى في استعجاله لأنه لا يعجّل قبل وقته المؤجّل له.

مستأنفة استئنافاً ابتدائياً لأنها المقصود من الوعيد، إذ الوعيد والزّجر إنما كانا لأجل إبطال الإشراك، فكانت جملة {أتى أمر الله} كالمقدمة، وجملة {سبحانه وتعالى عما يشركون} كالمقصد.

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

...إن هذه الأجواء توحي بأن المسألة هي مسألة عذابٍ ينتظر الجاحدين في الآخرة، لا مسألة هزيمةٍ تنتظرهم في الدنيا، ويضاف إلى ذلك، أن كلمة الاستعجال التي وردت في الآية تتحدث عن العذاب الذي كان الكافرون يستعجلون الأنبياء إنزاله. إن ذلك كله يجعلنا نستظهر هذا المعنى الذي يوحي بأن أمر الله قد جاء، من خلال قرار الله الحاسم الذي يملك القدرة على تنفيذه، وملاحقة كل المتمرّدين عليه، ما يجعل من قضية الوقت مسألةً غير أساسية في الموضوع، لأن الوقت لا يمثل مشكلة إلا للذين يضيّع الوقت الفرصة عليهم، أما بالنسبة إلى الله، فإنه لا يخاف الفوت، فلا يعجل في تنفيذ إرادته. ومن هنا جاءت الآية لتؤكد المسألة كما لو كانت حاضرةً، فلا مجال لاستعجالها، لأنها آتية لا ريب فيها في وقتها المقرر عند الله.