{ زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب }
حب الشهوات : حب المشتهيات للنفس .
المقنطرة : المجمعة أو المضعفة .
المسومة : الراعية في المرعى مأخوذ من سوم خيله إذا أرسلها في المرعى أو المطهمة الحسان .
و الأنعام : الإبل والبقر والغنم والمعز . والحرث : مصدر مراد به المزروع .
في آية واحدة يجمع السياق القرآني أحب شهوات الأرض إلى نفس الإنسان : النساء والبنين والأموال المكدسة والخيل والأرض الخضراء والأنعام . . وهي خلاصة الرغائب الأرضية إما بذاتها وإما بما تستطيع أن توفره لأصحابها من لذائذ أخرى .
و قد بدأت الأية أنواع المشتهيات بقولها :
1 – { من النساء } وقدمهن على الكل لأن التمتع بهن أكثر والاستئناس بهن أتم إذ يحصل منهن أتم اللذات .
2- البنين المراد بهم الأولاد الذكور للتكثر بهم والتفاخر والزينة و قيل المراد بهم الأولاد مطلقا كما قال تعالى : { إنما أولادكم وأموالكم فتنة } ( الأنفال 28 ) وفي الحديث ( الولد مجبنة مبخلة ) ( 133 ) والعلة في حب الزوجة وحب الولد واحدة وهي تسلسل النسل وبقاء النوع وهي حكمة مطردة في غير الإنسان من الحيوانات الأخرى .
وقدم حب النساء على حب الأولاد مع ان حبهن قد يزول وحب الأولاد لا يزول لأن الولد يعظم فيه الغلو والإسراف كحب المرأة فكم من رجل جنى حبه للمرأة على أولاده وكم من غني عزيز يعيش أولاده عيشة الذل والفقر بسبب حب والدهم لغير أمهم .
3- { و القناطير المقنطرة } أي الأموال الكثيرة من الذهب والفضة والقناطير جمع قنطار ويطلق أحيانا على المال الكثير بغير عدد وقد يستعمل في مقدار كثير معين من المال وهو 12 ألف أوقية .
وفي القاموس القنطار مائة رطل من الذهب والفضة ووصف القناطير بالمقنطرة للمبالغة فمن عادة العرب ان يصفوا الشيء بما يشتق منه للمبالغة كقولهم ألوف مؤلفة وبدر مبدرة وإبل مؤبلة ودراهم مدرهمة وظل ظليل .
و نهم المال هو الذي ترسمه القناطير المقنطرة ولو كان يريد مجرد الميل إلى المال لقال والأموال أو الذهب او الفضة ولكن القناطير المقنطرة توحي بالنهم الشديد لتكديس الأموال ذلك ان التكديس ذاته شهوة . بغض النظر عما يستطيع المال توفيره لصاحبه من الشهوات الأخرى .
و حب المال غريزة فطرية وقد يبلغ النهم بالإنسان في جمع المال ان ينسى ان المال وسيلة لا مقصد فيفتن في الوصول إليه الفنون المختلفة ولا يبالي أمن حلال كسب ام من حرام .
و قد أباح الإسلام الملكية ولكنه هذبها وقلم أظافرها واوجب ان يكون تملك المال لمن طرق سليمة كما أوجب فيه الزكاة وغير ذلك من الواجبات وبذلك يكون المال نعمة لا نقمة فنعم المال الصالح للرجل الصالح .
روى البخاري ومسلم عن ابن عباس أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال ( لو كان لابن آدم واديان من ذهب لتمنى أن يكون لهما ثالث ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب ) ( 134 ) .
4- والخيل المسمومة : التي ترعى في الأودية يقال سام الدابة رعاها وأسامها أخرجها إلى المرعى كما قال تعالى : { منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون } . ( النحل 10 ) .
و قال ابن جرير : المسومة المعلمة التي عليها السيمياء وهي العلامة .
و قال أبو مسلم : المراد من هذه العلامات الأوضاح والغرر التي تكون في الخيل وهي أن تكون الأفراس غرا وقال النابغة :
بسمر كالقداح مسموات *** عليها معشر أشباه جن
و قال ابن جرير إن معنى المطهمة والمعلمة والرائعة واحد .
و كل من الخيل الراعية التي تقتني للتجارة والمطهمة التي يقتنيها الكبراء والأغنياء للمفاخرة من متاع الدنيا الذي يتنافس فيه . ومن الناس من يغلو في حب الخيل وأشباهها حتى يفوق عنده كل حب .
5 – والأنعام وهي الإبل والبقر والغنم ، والأنعام مال أهل البادية بها ثروتهم وفيها تكاثرهم وتفاخرهم ومنها معايشهم ومرافقهم .
و قد امتن الله بالأنعام على عباده فقال :
{ و الأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرءوف رحيم والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق الله ما لا تعلمون } ( النحل 5- 8 ) .
6- والحرث : أي الزرع والنبات والشجر على اختلاف أنزاعه وهو قوام حياة الإنسان والحيوان في البدو والحضر .
{ ذلك متاع الحياة الدنيا } أي ذلك الذي ذكر من الأنواع الستة هو ما يستمتع به الناس في حياتهم الدنيا أي الأولى .
{ و الله عنده حسن المآب } . والله عنده المرجع في الحياة الآخرة التي تكون بعد موت الناس وبعثهم لا ينبغي لهم ان يجعلوا كل همهم في هذا المتاع القريب العاجل بحيث يشغلهم عن الاستعداد لما هو خير منه في الآجل .
و الإسلام دين وسط فهو لم يحرم التمتع بالطيبات فإن التمتع بها حلال كما قال سبحانه : { قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة } ( الأعراف 32 ) . فالزوجة الصالحة نعمة والدنيا متاع وخير متاعها الزوجة الصالحة .
و الابن الصالح نعمة والمال نعمة وهو وسيلة لإخراج الزكاة والصدقة وكذلك الخيل والأنعام والحرث .
و لكن على المؤمن ألا يشتغل بها عن طاعة الله وألا يجعلها أكبر همه أو شاغلا له عن آخرته .
فإذا اتقى ذلك واستمتع بها بالقصد والاعتدال فهو السعيد في الدارين .
{ ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار } ( البقرة 201 ) .
قوله تعالى : { زين للناس حب الشهوات } . جمع شهوة وهي ما تدعو النفس إليه .
قوله تعالى : { من النساء } بدأ بهن لأنهن حبائل الشيطان .
قوله تعالى : { والبنين والقناطير } جمع قنطار واختلفوا فيه ، فقال الربيع بن انس : القنطار المال الكثير بعضه على بعض ، وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه : القنطار ألف ومائتا أوقية ، لكل أوقية أربعون درهما ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما والضحاك : ألف ومائتا مثقال ، وعنهما رواية أخرى اثنا عشر ألف درهم وألف دينار دية أحدكم ، وعن الحسن قال : القنطار دية أحدكم ، وقال سعيد بن جبير وعكرمة : هو مائة ألف ، ومائة من ، ومائة رطل ، ومائة مثقال ، ومائة درهم . ولقد جاء الإسلام يوم جاء وبمكة مائة رجل قد قنطروا ، وقال سعيد بن المسيب وقتادة : ثمانون ألفاً ، وقال مجاهد : سبعون ألفاً ، وعن السدي قال : أربعة آلاف مثقال ، وقال الحكم : القنطار مابين السماء والأرض من مال . وقال أبو نصرة ملء مسك ثور ذهباً أو فضة ؛ وسمي قنطاراً من الإحكام ، يقال : قنطرت الشيء إذا أحكمته ، ومنه سميت القنطرة .
قوله تعالى : { المقنطرة } . قال الضحاك : المحصنة المحكمة ، وقال قتادة : هي الكثيرة المنضدة بعضها فوق بعض . وقال يمان : هي المدفونة ، وقال السدي : هي المضروبة المنقوشة حتى صارت دراهم ودنانير . وقال الفراء :المضعفة ، فالقناطير ثلاثة ، والمقنطرة تسعة .
قوله تعالى : { من الذهب والفضة } . وقيل سمي الذهب ذهباً لأنه يذهب ولا يبقى ، والفضة لأنها تنفض أي تتفرق .
قوله تعالى : { والخيل المسومة } . الخيل جمع لا واحد له من لفظه ، واحدها فرس كالقوم والنساء ونحوهما . والمسومة ، قال مجاهد : هي المطهمة الحسان . وقال عكرمة : تسويمها حسنها . وقال سعيد بن جبير : هي الراعية ، يقال : أسام الخيل وسومها ، وقال الحسن وأبو عبيده : هي المعلمة من السيماء ، والسمة العلامة . ثم منهم من قال : سيماها الشبة واللون ، وهو قول قتادة ، وقيل : الكي .
قوله تعالى : { والأنعام } . جمع النعم ، وهي الإبل والبقر والغنم جمع لا واحد له من لفظه .
قوله تعالى : { والحرث } يعني الزرع .
قوله تعالى : { ذلك } . الذي ذكرت .
قوله تعالى : { متاع الحياة الدنيا } . يشير إلى أنها متاع يفنى .
قوله تعالى : { والله عنده حسن المآب } . أي المرجع ، فيه إشارة إلى التزهيد في الدنيا وترغيب في الآخرة .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.