اللباب في علوم الكتاب لابن عادل - ابن عادل  
{وَأَنَّا كُنَّا نَقۡعُدُ مِنۡهَا مَقَٰعِدَ لِلسَّمۡعِۖ فَمَن يَسۡتَمِعِ ٱلۡأٓنَ يَجِدۡ لَهُۥ شِهَابٗا رَّصَدٗا} (9)

قوله : { وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ } ، المقاعد : جمع «مقعد » اسم مكان ، والضمير في «منها » ، أي : من السماء ، والمقاعد مواضع يقعد في مثلها لاستماع الأخبار من السماء ، وذلك أنَّ مردة الجن كانوا يفعلون ذلك ليستمعوا من الملائكة أخبار السماءِ فيلقوها إلى الكهنة فحرسها الله - تعالى - حين بعث رسوله بالشهب المحرقةِ ، فقالت الجن حينئذ : { فَمَن يَسْتَمِعِ الآن يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً } يعني بالشهاب الكواكب المحرقة .

قوله «الآن » . هو ظرفٌ حالي ، واستعير هنا للاستقبال ، كقوله الشاعر : [ الوافر ]

4899 - . . . *** سأسْعَى الآنَ إذ بَلغَتْ إنَاهَا{[58130]}

فاقترن بحرف التنفيس ، وقد تقدم هذا في البقرة عند قوله : «فالآن باشروهن »{[58131]} .

و «رصداً » إما مفعول له ، وإما صفة له «شهاباً » أي «ذا رصد » وجعل الزمخشري : «الرصد » اسم جمع ك «حرس » ، فقال : والرصد : اسم جمع للراصد ك «حرس » على معنى : ذوي شهاب راصدين بالرجم وهم الملائكة ويجوز أن يكون صفة ل «شهاب » بمعنى الراصد ، أو كقوله : [ الوافر ]

4900 - . . . *** . . . ومِعَى جَياعَا{[58132]}

فصل في بيان متى كان قذف الشياطين

اختلفوا : هل كانت الشياطينُ تقذف قبل البعث أو كان ذلك أمراً حدث لمبعث النبي صلى الله عليه وسلم ؟

فقال قوم : لم تحرس السماء في زمن الفترة فيما بين عيسى ومحمد - عليهما الصلاة والسلام - خمسمائة عامٍ ، وإنَّما كان من أجل بعثة النبي فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم منعوا من السماوات كلِّها وحرست بالملائكة والشهب ، قاله الكلبيُّ ، ورواه عطية عن ابن عباس ، ذكره البيهقي .

وقال عبد الله بن عمرو : لما كان اليوم الذي نُبِّىءَ رسول الله صلى الله عليه وسلم منعتِ الشياطينُ ورموا بالشُّهبِ{[58133]} .

وقال عبد الملك بن سابور : لم تكن السماء تحرس في الفترة بين عيسى ، ومحمد - عليهما الصلاة والسلام - فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم حُرستِ السماءُ ورميتِ الشياطينُ بالشهب ، ومنعت من الدنو من السماء .

قال نافع بن جبيرٍ : كانت الشياطين في الفترة تستمع فلا ترى ، فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رميت بالشهب ، ونحوه عن أبي بن كعبٍ قال : لم يرم بنجم ، منذ رفع عيسى - عليه الصلاة والسلام - حتى نُبِّىءَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فرُمِيَ بها{[58134]} .

وقيل : كان ذلك قبل البعثِ ، وإنِّما زادت بمبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إنذاراً بحاله .

وهو معنى قوله : «قَدْ مُلِئَتْ » ، أي : زيد في حرسها .

وقال أوس بن حجر - وهو جاهلي - : [ الكامل ]

4901 - فانْقَضَّ كالدُّرِّيِّ يَتْبَعُهُ***نَقعٌ يَثُورُ تَخالهُ طُنُبَا{[58135]}

قال الجاحظُ : «هذا البيت مصنوع ، لأنَّ الرمي لم يكن قبل البعث » .

والقول بالرمي أصح لهذه الآية ، لأنها تخبر عن الجن ، أنَّها أخبرت بالزيادة في الحرس وأنها امتلأت من الحرس ، والشهب .

وقال بشر بن أبي خازم : [ الكامل ]

4902 - والعِيرُ يَرْهَقُها الغُبَارُ وجَحْشُهَا***يَنقَضُّ خَلفَهُمَا انقِضَاضَ الكَوْكَبِ{[58136]}

وروى الزهريُّ عن علي بن الحسين عن ابن عباس - رضي الله عنهم - قال : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في نفر من الأنصار إذ رمي بنجم فاستنار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «مَا كُنتُمْ تقُولونَ في مِثْلِ هذا فِي الجَاهليَةِ » ؟ .

قالوا : كُنَّا نقُولُ : يَمُوتُ عَظِيمٌ ابنُ عظيمِ ، أو يولد عظيم [ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إنها لا ترمى لموتِ أحدٍ ولا لحياته ، ولكنَّ رَبَّنَا - تبارك وتعالى - إذَا قَضَى أمْراً فِي السَّماءِ ، سبَّح حملةُ العَرْشِ ، ثُمَّ سَبَّحَ أهْلُ كُلِّ سماءٍ ، حتَّى يَنتهِي التَّسبيحُ إلى هذه السَّماءِ ، ويَسْتَخْبِر أهْلُ السَّماءِ : ماذا قال ربُّكمْ ، فيُخْبَرُون ، ويُخبر أهْلُ كُلِّ سماءٍ ، حتَّى يَنْتَهِي الخَبَرُ إلى هذه السَّماءِ فتَخْطفُهُ الجنُّ ، فيروونه كما جاءُوا به فهو حقٌّ ولكنَّهم يزيدُون فيه »{[58137]} ]{[58138]} .

وهذا يدلُّ على أن هذه الشهب كانت موجودة قبل البعث ، وهو قول الأكثرين .

قال الجاحظ : فلو قال قائلٌ : كيف تتعرض الجنُّ لإحراق نفسها بسماع خبرٍ بعد أن صار ذلك معلوماً عندهم ؟ .

فالجوابُ : أنَّ الله تعالى ينسيهم ذلك ، حتى تعظم المحنة كما ينسى إبليس في كل وقت أنه لا يسلم ، وأن الله - تعالى - قال له : { وَإِنَّ عَلَيْكَ اللعنة إلى يَوْمِ الدين }[ الحجر : 35 ] ، ولولا هذا لما تحقق التكليف .

قال القرطبيُّ{[58139]} : «والرَّصدُ » ، قيل : من الملائكة ، أي : ورصداً من الملائكة ، وقيل : الرَّصَد هو الشهب ، والرصد : الحافظ للشيء ، والجمع أرصاد ، وفي غير هذا الموضع يجوز أن يكون جمعاً كالحرس ، والواحد : راصد .

وقيل : الرَّصَد هو الشهاب ، أي : شهاب قد أرصد له ليرجم به فهو «فعل » بمعنى «مفعول » ك «الخَبَط والنفض » .


[58130]:عجز بيت وصدره: فإني لست خاذلكم ولكن *** ... ينظر الدسوقي على المغني 1/149، والبحر المحيط 8/342.
[58131]:آية 187.
[58132]:جزء من عجز بيت للقطامي وتمام البيت: كأن نسوع رحلي ضمت***حوالب غرزا..... ينظر اللسان (غرز)، والكشاف 4/625 وفيه "كأن قتود" بدل "كأن نسوع".
[58133]:ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (6/434) وعزاه إلى الواقدي وأبي نعيم في "الدلائل".
[58134]:ذكره السيوطي في "الدر المنثور"(6/434) وعزاه إلى الواقدي وأبي نعيم في "الدلائل".
[58135]:ينظر القرطبي 19/10، والكشاف 4/626، والبحر 8/343، وروح المعاني 29/109.
[58136]:ينظر الكشاف 6/625، والبحر 8/343.
[58137]:تقدم تخريجه.
[58138]:سقط من أ.
[58139]:ينظر: الجامع لأحكام القرآن 19/10.