اللباب في علوم الكتاب لابن عادل - ابن عادل  
{فَأَمَّا ٱلۡيَتِيمَ فَلَا تَقۡهَرۡ} (9)

قوله : { فَأَمَّا اليتيم فَلاَ تَقْهَرْ } . اليتيم منصوب ب «تَقْهَرْ » ، وبه استدل ابن مالك على أنه لا يلزم من تقديم المعمول تقديم العامل ؛ ألا ترى أنَّ اليتيم منصوب بالمجزوم ، وقد تقدم الجازم ، لو قدمت المجزوم على جازمه ، لامتنع ، لأن المجزوم لا يتقدم على جازمه ، كالمجرور لا يقدم على جاره .

وتقدَّم ذلك في سورة هود عليه السلام عند قوله تعالى : { أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ } [ هود : 8 ] .

وقرأ العامة : «تَقْهَر » بالقاف من الغلبة ، وابن مسعود ، والشعبي ، وإبراهيم النخعي والأشهب العقيلي ، «تكهر » بالكاف . كهر في وجهه : أي عبس ، وفلان ذو كهرة ، أي : عابس الوجه .

ومنه الحديث : «فَبِأبِي هُوَ وأمِّي فوالله ما كهرني » .

قال أبو حيان{[60427]} : «وهي لغة بمعنى قراءة الجمهور » انتهى .

والكهر في الأصل : ارتفاع النهار مع شدة الحر .

وقيل : الكهر : الغلبة ، والكهر : الزجر . والمعنى : لا تسلط عليه بالظلم ، بل ادفع إليه حقه ، واذكر يتمكَ . قاله الأخفش .

وقال مجاهدٌ : لا تحتقر . وخص اليتيم ، لأنه لا ناصر له غير الله تعالى ، فغلظ في تأثير العقوبة على ظالمه ، والمعنى : عامله كما عاملناك به ، ونظيره : { وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ } [ القصص : 77 ] .

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «الله الله فيمَنْ لَيْسَ له إلا الله » .

فصل

دلت الآية على اللطف باليتيم وبره والإحسان إليه ، قال قتادة : كن لليتيم كالأب الرحيم ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أنا وكافل اليتيم كهاتين ، وأشار بالسبابة والوسطى »{[60428]} .

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «مَنْ ضَمَّ يَتِيمَاً فَكَانَ فِي نَفَقَتِهِ وكفاهُ مؤنَتَهُ ، كَانَ لَهُ حِجَابَاً مِنَ النَّارِ يَوْمَ القِيَامَةِ »{[60429]} .

وقال النبي صلى الله عليه وسلم : «مَنْ مَسَحَ برأسِ يَتِيمٍ كَانَ لَهُ بكُلِّ شَعْرةً حَسَنةٌ »{[60430]} .

فصل

الحكمة في أن الله تعالى اختار لنبيه اليتم ، أنه عرف حرارة اليتم ، فيرفق باليتيم ، وأيضاً ليشاركه في الاسم ، فيكرمه لأجل ذلك ، لقوله - عليه الصلاة والسلام - : «إذَا سَمَّيْتُم الوَلَدَ مُحَمَّداً فأكْرِمُوهُ ووسِّعُوا لَهُ فِي المَجْلسِ » وأيضاً ليعتمد من أول عمره على الله تعالى ، فيشبه إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - في قوله : «حَسْبي مِنْ سُؤالِي ، علمهُ بِحَالِي » .

وأيضاً فالغالب أن اليتيم تظهر عيوبه فلما لم يجدوا فيه عيباً ، لم يجدوا فيه مطعناً .

وأيضاً جعله يتيماً ، ليعلم كل أحد فضيلته ابتداء من الله تعالى ، لا من التعليم ، لأن من له أب فإن أباه يعلمه ، ويؤدبه .

وأيضاً فاليتم والفقر نقص في العادة ، فكونه صلى الله عليه وسلم مع هذين الوصفين من أكرم الخلق كان ذلك قلباً للعادة ، فكان معجزة ظاهرة .


[60427]:ينظر: الكشاف 4/768، والمحرر الوجيز 5/495، والبحر المحيط 8/482، والدر المصون 6/539.
[60428]:تقدم تخريجه.
[60429]:أخرجه ابن عدي في "الكامل" (3/1097).
[60430]:أخرجه الطبراني في "الكبير" (8/239) وأبو نعيم في "تاريخ أصبهان" (1/208، 296).