اللباب في علوم الكتاب لابن عادل - ابن عادل  
{أَن رَّءَاهُ ٱسۡتَغۡنَىٰٓ} (7)

قوله : { أَن رَّآهُ استغنى } ، مفعول له ، أي : رؤيته نفسه مُسْتغنياً ، وتعدى الفعل هنا إلى ضميريه المتصلين ؛ لأن هذا من خواص هذا الكتاب .

قال الزمخشريُّ{[60536]} : «ومعنى الرؤية ، ولو كانت بمعنى الإبصار لامتنع في فعلها الجمع بين الضميرين ، و «اسْتَغْنَى » هو المفعول الثاني » .

قال شهاب الدين{[60537]} : والمسألة فيها خلاف : ذهب جماعةٌ إلى أن «رأى » البصرية تعطى حكم العلمية ، وجعل من ذلك قول عائشة - رضي الله عنها - : لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وما لنا طعام إلا الأسودان{[60538]} ؛ وأنشد : [ الكامل ]

5255- ولقَد أرَانِي للرِّمَاحِ دَرِيئَةً *** مِنْ عَنْ يَمينِي تَارَةً وأمَامِي{[60539]}

وتقدم تحقيقه .

وقرأ قنبل{[60540]} بخلاف عنه : «رأه » دون ألف بعد الهمزة ، وهو مقصور من «رآه » في قراءة العامة .

ولا شك أن الحذف جاء قليلاً ، كقولهم : «أصاب الناس جهد ولو تر أهل مكة » بحذف لام «ترى » ؛ وقول الآخر : [ الرجز ]

5256- *** وصَّانِيَ العَجَّاجُ فِيمَا وصَّنِي{[60541]}***

يريد : فيما وصاني ، ولما روي عن مجاهد هذه القراءة عن قنبل ، وقال : «قرأت بها عليه » نسبه فيها إلى الغلط ، ولا ينبغي ذلك ، لأنه إذا ثبت ذلك قراءة ، فإن لها وجهاً وإن كان غيره أشهر منه ، فلا ينبغي أن يقدم على تغليطه .

فصل في نزول الآية

قال ابن عبَّاسٍ في رواية «أبي صالح » : لما نزلت هذه الآية وسمع بها المشركون ، أتاه أبو جهل ، فقال : يا محمد ، أتزعم أنه من استغنى طغى ، فاجعل لنا جبال «مكة » ذهباً لعلنا نأخذ منها فنطغى ، فندعُ ديننا ، ونتبع دينك ، قال : فأتاه جبريل - عليه السلام - فقال : يا محمد خيِّرهم في ذلك ، فإن شاءوا فعلنا لهم ما أرادوه ، فإن لم يفعلوا فعلنا بهم كما فعلنا بأصحاب المائدةِ ، فعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم لا يقبلون ذلك ، فكفّ عنهم أسفاً عليهم{[60542]} .

[ وقيل : أن رآه استغنى بالعشيرة والأنصار والأعوان ، وحذف اللام من قوله : «أن رآه » كما يقال : إنكم لتطغون أن رأيتم غناكم ]{[60543]} .


[60536]:الكشاف (4/777).
[60537]:الدر المصون (6/546).
[60538]:تقدم.
[60539]:البيت لقطري بن الفجاءة، ينظر ديوانه ص 171، وخزانة الأدب (1/158)، 160، والدرر (18514، 269112)، وشرح التصريح (2/10)، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص 136، وشرح شواهد العيني (1/438)، والمقاصد النحوية (3/150، 305)، وأسرار العربية ص 255، والأشباه والنظائر (3/13)، وأوضح المسالك (33/57)، وجواهر الأدب ص 322، ومغني اللبيب (1/149)، وهمع الهوامع (1/156، 2/36).
[60540]:ينظر: السبعة (692)، والحجة 6/423، وإعراب القراءات (2/508)، وحجة القراءات (767).
[60541]:البيت لرؤية بن العجاج ينظر اللسان (وصى)، والبحر (8/489)، والدر المصون (6/546).
[60542]:ينظر تفسير القرطبي (20/83).
[60543]:سقط من: ب.