( وتسمى سورة الملائكة وهي مكية كما روى عن ابن عباس وقتادة وغيرهما وفي مجمع البيان قال الحسن : مكية إلا آيتين ( إن الذين يتلون كتاب الله ) الآية ( ثم أورثنا الكتاب ) الآية وآيها ست وأربعون في المدني الأخير والشامي وخمس وأربعون في الباقين والمناسبة على ما في البحر أنه عز وجل لما ذكر في آخر السورة المتقدمة هلاك المشركين أعداء المؤمنين وإنزالهم منازل العذاب تعين على المؤمنين حمده تعالى وشكره كما في قوله تعالى ( فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين ) وينضم إلى ذلك تواخي السورتين في الإفتتاح بالحمد وتقاربهما في المقدار وغير ذلك
{ الحمد للَّهِ فَاطِرِ السماوات والأرض } أي موجدهما من غير مثال يحتذيه ولا قانون ينتحيه ، فالفطر الإبداع ، وقال الراغب : هو إيجاده تعالى الشيء وإبداعه على هيئة مترشحة لفعل من الأفعال .
وأخرج عبد بن حميد . والبيهقي في «شعب الإيمان . وغيرهما عن ابن عباس قال : كنت لا أدري ما فاطر السماوات والأرض حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما : أنا فطرتها يعني ابتدأتها ؛ وأصل الفطر الشق ، وقال الراغب : الشق طولاً ثم تجوز فيه عما تقدم وشاع فيه حتى صار حقيقة أيضاً ، ووجه المناسبة أن السماوات والأرض والمراد بهما العالم بأسره لكونهما ممكنين والأصل في الممكن العدم كما يشير إليه قوله تعالى : { كُلُّ شَىْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ } [ القصص : 88 ] وقوله عليه الصلاة والسلام : " ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن " وصرح بذلك فلاسفة الإسلام قال رئيسهم : الممكن في نفسه ليس وهو عن علته أيس كان العدم كامن فيهما وبإيجادهما يشقان ويخرج العدم منهما .
وقيل في ذلك : كأنه تعالى شق العدم بإخراجهما منه ، وقيل : لا مانع من حمله على أصله هنا ويكون إشارة إلى الأمطار والنبات فكأنه قيل : الحمد لله فاطر السموات بالأمطار وفاطر الأرض بالنبات وفيه نظر ستأتي الإشارة إليه قريباً ، وقوله تعالى : { جَاعِلِ الملائكة رُسُلاً } على القولين يحتمل أن يكون معناه جاعل الملائكة عليهم السلام وسائط بينه وبين أنبيائه والصالحين من عباده يبلغون إليهم رسالته سبحانه بالوحي والإلهام والرؤيا الصادقة أو جاعلهم وسائط بينه وبين خلقه عز وجل يوصلون إليهم آثار قدرته وصنعه كالأمطار والرياح وغيرهما وهم الملائكة الموكلون بأمور العالم ، وهذا أنسب بالقول الثاني لكن يرد عليه أنه لا معنى لكون الأمطار شاقة للسماوات ، وقال الإمام : إن الحمد يكون على النعم ونعمه تعالى عاجلة وآجلة ، وهو في سورة سبأ إشارة إلى نعمة الإيجاد والحشر ودليله { يَعْلَمُ مَا يَلِجُ في الأرض وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السماء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا } [ سبأ : 2 ] وقوله تعالى : { وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا الساعة } [ سبأ : 3 ] والحمد في هذه السورة إشارة إلى نعمة البقاء في الآخرة ودليله جاعل الملائكة رسلاً أي يجعلهم سبحانه رسلاً يتلقون عباد الله تعالى كما قال سبحانه تتلقاهم الملائكة فيجوز أن يكون المعنى الحمد لله شاق السماوات والأرض يوم القيامة لنزول الأرواح من السماء وخروج الأجساد من الأرض وجاعل الملائكة رسلاً في ذلك اليوم يتلقون عباده ، وعليه فأول هذه السورة متصل بآخر ما مضى لأن قوله تعالى : { كما فعل بأشياعهم } [ سبأ : 4 5 ] بيان لانقطاع رجاء من كان في شك مريب ، ولما ذكر سبحانه حالهم ذكر حال المؤمنين وبشرهم بإرسال الملائكة إليهم وأنه تعالى يفتح أبواب الرحمة لهم انتهى ، وفيه من البعد ما فيه ، و { فَاطِرَ } صفة لله وإضافته محضة قال أبو البقاء : لأنه للماضي لا غير ، وقال غيره : هو معرف بالإضافة إذ لم يجر على الفعل بل أريد به الاستمرار والثبات كما يقال زيد مالك العبيد جاء أي زيد الذي من شأنه أن يملك العبيد جاء ، ومن جعل الإضافة غير محضة جعله بدلاً وهو قليل في المشتقات ، وكذا الكلام في ( جَاعِلِ . وَرُسُلاً ) على القول بأن إضافته غير محضة منصوب به بالاتفاق ، وأما على القول الآخر فكذلك عند الكسائي ، وذهب أبو علي إلى أنه منصوب بمضمر يدل هو عليه لأن اسم الفاعل إذا كان بمعنى الماضي لا يعمل عنده كسائر البصريين إلا معرفاً باللام ، وقال أبو سعيد السيرافي : اسم الفاعل المتعدي إلى اثنين يعمل بالثاني لأنه بإضافته إلى الأول تعذرت إضافته إلى الثاني فتعين نصبه له .
وعلل بعضهم ذلك بأنه بالإضافة أشبه المعرف باللام فعمل عمله هذا على تقدير كون الجعل تصييرياً أما على تقدير كونه إبداعياً فرسلاً حال مقدرة ، وقرأ الضحاك . والزهري { فَطَرَ * جَعَلَ } فعلاً ماضياً ونصب ما بعده قال أبو الفضل الرازي : يحتمل أن يكون ذلك على إضمار الذي نعتاً لله تعالى أو على تقدير قد فتكون الجملة حالاً .
وأنت تعلم أن حذف الموصول الاسمي لا يجوز عند جمهور البصريين ، وذهب الكوفيون . والأخفش إلى إجازته وتبعهم ابن مالك وشرط في بعض كتبه كونه معطوفاً على موصول آخر ومن حجتهم { آمنا بالذي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وإلهنا } [ العنكبوت : 64 ] وقول حسان :
أمن يهجو رسول الله منكم *** وينصره ويمدحه سواء
ما الذي دأبه احتياط وحزم *** وهواه أطاع يستويان
واختار أبو حيان كون الجملة خبر مبتدأ محذوف أي هو فطر . وقرأ الحسن { جَاعِلِ } بالرفع على المدح وجر { الملائكة } وقرأ عبد الوارث عن أبي عمرو { جَاعِلِ } بالرفع بلا تنوين ونصب { الملائكة } وخرج حذف التنوين على أنه لالتقاء الساكنين ونصب الملائكة إذا كان جاعل للمضي على مذهب الكسائي . وهشام في جواز أعمال الوصف الماضي النصب . وقرأ ابن يعمر . وخليد { جَعَلَ } فعلاً ماضياً { الملائكة } بالنصب وذلك بعد قراءته { فَاطِرَ } كالجمهور كقراءة من قرأ { فَالِقُ الإصباح وَجَعَلَ اليل سَكَناً } [ الأنعام : 96 ] وفي «الكشاف » قرئ { فَطَرَ . وَجَعَلَ } كلاهما بلفظ الفعل الماضي .
وقرأ الحسن : وحميد بن قيس { رُسُلاً } بسكون السين وهي لغة تميم ، وقوله تعالى : { أُوْلِى أَجْنِحَةٍ } صفة لرسلاً وأولو اسم جمع لذو كما إن أولاه اسم جمع لذا ، ونظير ذلك من الأسماء المتمكنة المخاض ، قال الجوهري : هي الحوامل من النوق واحدتها خلفة ، و { أَجْنِحَةٍ } جمع جناح صيغة جمع القلة ومقتضى المقام أن المراد به الكثرة .
وفي «البحر » قياس جمع الكثرة فيه جنح فإن كان لم يسمع كان أجنحة مستعملاً في القليل والكثير ، والظاهر أن الجناح بالمعنى المعروف عند العرب بيد أنا لا نعرف حقيقته وكيفيته ولا نقول إنه من ريش كريش الطائر .
نعم أخرج ابن المنذر عن ابن جريج أن أجنحة الملائكة عليهم السلام زغبة ، ورأيت في بعض كتب الإمامية أن الملائكة تزدحم في مجالس الأئمة فيقع من ريشها ما يقع وأنهم يلتقطونه ويجعلون منه ثياباً لأولادهم .
وهذا عندي حديث خرافة ، والكشفية منهم يؤولونه بما لا يخرجه عن ذلك ، وقوله تعالى : { مثنى وثلاث وَرُبَاعَ } الظاهر أنه صفة لأجنحة ، والمنع من الصرف على المشهور للصفة والعدل عن اثنين اثنين وثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة .
وقال الزمخشري : إنما لم تنصرف هذه الألفاظ لتكرار العدل فيها وذلك أنها عدلت عن ألفاظ الأعداد من صيغ إلى صيغ آخر كما عدل عمر عن عامر وحزام عن حازمة وعن تكرير إلى غير تكرير ففيها عدلان وأما الوصفية فلا يفترق الحال فيها بين المعدولة والمعدول عنها ألا تراك تقول مررت بنسوة أربع وبرجال ثلاثة فلا يعرج عليها . وتعقبه أبو حيان بأنه قاس الصفة في هذا المعدول على الصفة في أربع وثلاثة وليس بصحيح لأن مطلق الصفة لم يعدوه علة بل اشترطوا أن تكون الوصفية غير عارضة كما في أربع وأن لا يقبل تاء التأنيث أو تكون فيه كثلاث وثلاثة ، وقال «صاحب الكشف » فيه : إن العدول عن التكرار لا يعتبر فيه للصيغة واعتبر في تحقق العدل ذلك ثم العدول عن الصيغة الأصلية لإفادة التكرر فلا عدولين بوجه ، وبعد تسليم أن المعتبر في الوصف مقارنته لوضع المعدول فلا يضرب عروضه في المعدول عنه لا اتجاه للمنع ولا معول على السند وهو قول سيبويه على ما نقله الجوهري وهو المنصور على ما نبهت إليه انتهى . وتعقبه أيضاً «صاحب الفرائد » و «صاحب التقريب » بعروض الوصفية في المعدول عنه وعدمه في المعدول ، لكن قال الطيبي : وجدت لبعض المغاربة كلاماً يصلح أن يكون جواباً عنه وهو أن ثلاث مثلاً لا يخلو من أن يكون موضوعاً للصفة من غير اعتبار العدد أو لا يكون فإن كان الأول لم يكن فيه العدد والمقدر خلافه ، وإن كان الثاني كان الوصف عارضاً لثلاث كما كان عارضاً لثلاثة فيمكن أن يقال إن هذه الأعداد غير منصرفة للعدل المكرر كالجمع وألفي التأنيث انتهى ، وفيه ما لا يخفي .
وقال ابن عطية : إن هذه الألفاظ عدلت في حال التنكير فتعرفت بالعدل فهي لا تنصرف للعدل والتعريف وهذا قول غريب ذكر في «البحر » لبعض الكوفيين . وفي «الكشاف » هي نكرات يعرفن بلام التعريف تقول فلان ينكح المثنى والثلاث والرباع ، وقيل : { مثنى } حال من محذوف والعامل فيه محذوف يدل عليه { بَعْدِهِ رُسُلاً } أي يرسلون مثنى وثلاث ورباع ، والمعول عليه ما تقدم ، والمراد ذوي أجنحة متعددة متفاوتة في العدد حسب تفاوت ما لهم من المراتب ينزلون بها ويعرجون أو يسرعون بها حين يؤمرون ، ويجوز أن تكون كلاً أو بعضاً لأمور أخر كالزينة فيما بينهم وكالارجاء على الوجه حياء من الله تعالى إلى غير ذلك ، والمعنى أن من الملائكة خلقاً لكل واحد منهم جناحان وخلقاً لكل منهم ثلاثة أجنحة وخلقاً لكل منهم أربعة أجنحة ، ولا دلالة في الآية على نفي الزائد بل قال بعض المحققين : إن ما ذكر من العدد للدلالة على التكثير والتفاوت لا للتعيين ولا لنفي النقصان عن اثنين .
وقد أخرج الشيخان . والترمذي عن ابن مسعود في قوله تعالى : { لَقَدْ رأى مِنْ ءايات رَبّهِ الكبرى } [ النجم : 8 1 ] رأى جبريل له ستمائة جناح ، والترمذي عن مسروق عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ير جبريل في صورته إلا مرتين مرة عند سدرة المنتهى ومرة في جياد له ستمائة جناح قد سد الأفق ، وقال الزمخشري : مر بي في بعض الكتب أن صنفاً من الملائكة عليهم السلام لهم ستة أجنحة فجناحان يلفون بهما أجسادهم وجناحان يطيرون بهما في أمر من أمور الله تعالى وجناحان مرخيان على وجوههم حياء من الله عز وجل .
والبحث عن كيفية وضع الأجنحة شفعاً كانت أو وتراً فيما أرى مما لا طائل تحته ولم يصح عندي في ذلك شيء ولقياس الغائب على الشاهد ، قال بعضهم : إن المعنى إن في كل جانب لبعض الملائكة عليهم السلام جناحين ولبعضهم ثلاثة ولبعضهم أربعة وإلا فلو كانت ثلاثة لواحد لما اعتدلت ، وهو كما ترى .
وقال قوم : إن الجناح إشارة إلى الجهة ، وبيانه أن الله تعالى ليس فوقه شيء وكل شيء سواه فهو تحت قدرته سبحانه كما قال تعالى : { نَزَلَ بِهِ الروح الامين على قَلْبِكَ } [ الشعراء : 193 ، 194 ] وقال تعالى : { عَلَّمَهُ شَدِيدُ القوى } [ النجم : 5 ] وقال تعالى : { فالمدبرات أَمْراً } [ النازعات : 5 ] وهما جناحان وفيهم من يفعل ما يفعل من الخير بواسطة وفيهم من يفعله لا بواسطة فالفاعل بواسطة منهم من له ثلاث جهات ومنهم من له أربع جهات وأكثر ، وهذا خلاف الظاهر جداً ولا يحتاج إليه السني القائل بأن الملائكة عليهم السلام أجسام لطيفة نورية يقدرون على التشكل بالصور المختلفة وعلى الأفعال الشاقة وإنما يحتاج إليه أو إلى نحوه الفلاسفة وأتباعهم فإن الملائكة عندهم هي العقول المجردة ويسميها أهل الإشراق بالأنوار الظاهرة وبعض المتصوفة بالسرادقات النورية ، وقد ذكر بعض متأخريهم أن لها ذوات حقيقية وذوات إضافية مضافة إلى ما دونها إضافة النفس إلى البدن فأما ذواتها الحقيقية فإنما هي أمرية قضائية قولية وأما ذواتها الإضافية فإنما هي خلقية قدرية تنشأ منها الملائكة اللوحية وأعظمهم إسرافيل عليهم السلام ، وتطلق الملائكة عندهم على غير العقول كالمدبرات العلوية والسفلية من النفوس والطبائع ، وأطالوا الكلام في ذلك وظواهر الآيات والأخبار تكذبهم والله تعالى الموفق للصواب .
{ يَزِيدُ في الخلق مَا يَشَاء } استئناف مقرر لما قبله من تفاوت الملائكة عليهم السلام في عدد الأجنحة ومؤذن بأن ذلك من أحكام مشيئته تعالى لا لأمر راجع إلى ذواتهم ببيان حكم كلي ناطق بأنه عز وجل يزيد في أي خلق كان كل ما يشاء أن يزيده بموجب مشيئته سبحانه ومقتضى حكمته من الأمور التي لا يحيط بها الوصف ، وقال الفراء . والزجاج : هذا في الأجنحة التي للملائكة أي يزيد في خلق الأجنحة للملائكة ما يشاء فيجعل لكل ستة أجنحة أو أكثر وروى ذلك عن الحسن ، وكأن الجملة لدفع توهم عدم الزيادة على الأربعة .
وعن ابن عباس يزيد في خلق الملائكة والأجنحة ما يشاء ، وقيل : { الخلق } خلق الإنسان و { مَا يَشَاء } الخلق الحسن أو الصوت الحسن أو الحظ الحسن أو الملاحة في العينين أو في الأنف أو في الوجه أو خفة الروح أو جعودة الشعر وحسنه أو العقل أو العلم أو الصنعة أو العفة في الفقراء أو حلاوة النطق ، وذكروا في بعض ذلك أخباراً مرفوعة والحق أن ذلك من باب التمثيل لا الحصر ، والآية شاملة لجميع ذلك بل شاملة لما يستحسن ظاهراً ولما لا يستحسن وكل شيء من الله عز وجل حسن .
{ إِنَّ الله على كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ } تعليل بطريق التحقيق للحكم المذكور فإن شمول قدرته تعالى لجميع الأشياء مما يوجب قدرته سبحانه على أن يزيد في كل خلق كل ما يشاؤه تعالى إيجاباً بيناً .
ومن باب الإشارة : { الحمد للَّهِ فَاطِرِ السموات والأرض } إشارة إلى إيجاد عاملي اللطافة والكثافة وإلى أن إيجاد عالم اللطافة مقدم على إيجاد عالم الكثافة ، ويشير إلى ذلك ما شاع خلق الله تعالى الأرواح قبل الأبدان بأربعة آلاف سنة { جَاعِلِ الملائكة رُسُلاً } في إيصال أو أمره من يشاء من عباده أو وسائط تجري إرادته سبحانه في مخلوقاته على أيديهم { أُوْلِى أَجْنِحَةٍ مثنى وثلاث ورباع } إشارة إلى اختلافهم في الاستعداد { يَزِيدُ في الخلق مَا يَشَاء } [ فاطر : 1 ] عام في الملك وغيره ، وفسرت الزيادة بهبة استعداد رؤيته عز وجل { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة } [ يونس : 26 ]
{ 1 - 2 } { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }
يمدح الله تعالى نفسه الكريمة المقدسة ، على خلقه السماوات والأرض ، وما اشتملتا عليه من المخلوقات ، لأن ذلك دليل على كمال قدرته ، وسعة ملكه ، وعموم رحمته ، وبديع حكمته ، وإحاطة علمه .
ولما ذكر الخلق ، ذكر بعده ما يتضمن الأمر ، وهو : أنه { جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا } في تدبير أوامره القدرية ، ووسائط بينه وبين خلقه ، في تبليغ أوامره الدينية .
وفي ذكره أنه جعل الملائكة رسلا ، ولم يستثن منهم أحدا ، دليل على كمال طاعتهم لربهم وانقيادهم لأمره ، كما قال تعالى : { لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ }
ولما كانت الملائكة مدبرات بإذن اللّه ، ما جعلهم اللّه موكلين فيه ، ذكر قوتهم على ذلك وسرعة سيرهم ، بأن جعلهم { أُولِي أَجْنِحَةٍ } تطير بها ، فتسرع بتنفيذ ما أمرت به . { مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ } أي : منهم من له جناحان وثلاثة وأربعة ، بحسب ما اقتضته حكمته .
{ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ } أي : يزيد بعض مخلوقاته على بعض ، في صفة خلقها ، وفي القوة ، وفي الحسن ، وفي زيادة الأعضاء المعهودة ، وفي حسن الأصوات ، ولذة النغمات .
{ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } فقدرته تعالى تأتي على ما يشاؤه ، ولا يستعصي عليها شيء ، ومن ذلك ، زيادة مخلوقاته بعضها على بعض .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
سورة فاطر، سورة الملائكة، مكية.
النكت و العيون للماوردي 450 هـ :
سورة فاطر مكية في قول الجميع...
السراج المنير في تفسير القرآن الكريم للشربيني 977 هـ :
هي ختام السور المفتتحة باسم الحمد التي فصلت فيها النعم الأربع التي هي أمهات النعم المجموعة في الفاتحة وهي: الإيجاد الأول، ثم الإبقاء الأول، ثم الإيجاد الثاني المشار إليه بسورة سبأ، ثم الإبقاء الثاني الذي هو أنهاها وأحكمها، وهو الختام المشار إليه بهذه السورة المفتتحة بالابتداء،الدال عليه بإنهاء القدرة وأحكمها، المفصل أمره فيها في فريقي السعادة والشقاوة تفصيلاً شافياً، على أنه استوفى في هذه السورة النعم الأربع كما يأتي بيانه في محله...
محاسن التأويل للقاسمي 1332 هـ :
... وتسمى هذه السورة سورة (فاطر) لذكر هذا الاسم الجليل والنعت الجميل في طليعتها.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
هذه السورة المكّية نسق خاص في موضوعها وفي سياقها، أقرب ما تكون إلى نسق سورة الرعد، فهي تمضي في إيقاعات تتوالى على القلب البشري من بدئها إلى نهايتها؛ إيقاعات موحية مؤثرة تهزه هزاً، وتوقظه من غفلته ليتأمل عظمة هذا الوجود، وروعة هذا الكون، وليتدبر آيات الله المبثوثة في تضاعيفه، المتناثرة في صفحاته وليتذكر آلاء الله، ويشعر برحمته ورعايته، وليتصور مصارع الغابرين في الأرض ومشاهدهم يوم القيامة، وليخشع ويعنو وهو يواجه بدائع صنع الله، وآثار يده في أطواء الكون، وفي أغوار النفس، وفي حياة البشر، وفي أحداث التاريخ، وهو يرى ويلمس في تلك البدائع وهذه الآثار وحدة الحق ووحدة الناموس، ووحدة اليد الصانعة المبدعة القوية القديرة.
ذلك كله في أسلوب وفي إيقاع لا يتماسك له قلب يحس ويدرك، ويتأثر تأثر الأحياء. والسورة وحدة متماسكة متوالية الحلقات متتالية الإيقاعات، يصعب تقسيمها إلى فصول متميزة الموضوعات فهي كلها موضوع واحد، كلها إيقاعات على أوتار القلب البشري، تستمد من ينابيع الكون والنفس والحياة والتاريخ والبعث، فتأخذ على النفس أقطارها، وتهتف بالقلب من كل مطلع، إلى الإيمان والخشوع والإذعان. والسمة البارزة الملحوظة في هذه الإيقاعات هي تجميع الخيوط كلها في يد القدرة المبدعة، وإظهار هذه اليد تحرك الخيوط كلها وتجمعها، وتقبضها وتبسطها، وتشدها وترخيها، بلا معقب ولا شريك ولا ظهير.
ومنذ ابتداء السورة نلمح هذه السمة البارزة، وتطرد إلى ختامها.. هذا الكون الهائل نلمح اليد القادرة القاهرة تبرزه إلى الوجود وفق ما تريد: (الحمد لله فاطر السماوات والأرض، جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع. يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير).. وهذه القبضة القوية تنفرج فترسل بالرحمة تتدفق وتفيض، وتنقبض فتغلق ينابيعها وتغيض. بلا معقب ولا شريك: (ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها، وما يمسك فلا مرسل له من بعده، وهو العزيز الحكيم)...
ومن تلك الآيات وهذه التعقيبات يرتسم جو السورة، والسمة الغالبة عليها، والظل الذي تلقيه في النفس على وجه العموم. ونظراً لطبيعة السورة فقد اخترنا تقسيمها إلى ستة مقاطع متجانسة المعاني لتيسير تناولها. وإلا فهي شوط واحد متصل الإيقاعات والحلقات من بدئها إلى نهايتها...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
سميت {سورة فاطر} في كثير من المصاحف في المشرق والمغرب وفي كثير من التفاسير. وسميت في صحيح البخاري وفي سنن الترمذي وفي كثير من المصاحف والتفاسير {سورة الملائكة} لا غير. وقد ذكر لها كلا الاسمين صاحب الإتقان.
فوجه تسميتها {سورة فاطر} أن هذا الوصف وقع في طالعة السورة ولم يقع في أول سورة أخرى. ووجه تسميته {سورة الملائكة} أنه ذكر في أولها صفة الملائكة ولم يقع في سورة أخرى...
اشتملت هذه السورة على إثبات تفرد الله تعالى بالإلهية فافتتحت بما يدل على أنه مستحق الحمد على ما أبدع من الكائنات الدال إبداعها على تفرده تعلى بالإلهية.
وعلى إثبات صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما جاء به وأنه جاء به الرسل من قبله. وإثبات البعث والدار الآخرة.
وتذكير الناس بإنعام الله عليهم بنعمة الإيجاد ونعمة الإمداد، وما يعبد المشركون من دونه لا يغنون عنهم شيئا وقد عبدهم الذين من قبلهم فلم يغنوا عنهم.
وتثبيت النبي صلى الله عليه وسلم على ما يلاقيه من قومه.
وكشف نواياهم في الإعراض عن إتباع الإسلام لأنهم احتفظوا بعزتهم.
وإنذارهم أن يحل بهم ما حل بالأمم المكذبة قبلهم.
والثناء على الذين تلقوا الإسلام بالتصديق وبضد حال المكذبين.
وتذكيرهم بأنهم كانوا يودون أن يرسل إليهم رسول فلما جاءهم رسول تكبروا واستنكفوا.
وأنهم لا مفر لهم من حلول العذاب عليهم فقد شاهدوا آثار الأمم المكذبين من قبلهم، وأن لا يغتروا بإمهال الله إياهم فإن الله لا يخلف وعده.
والتحذير من غرور الشيطان والتذكير بعداوته لنوع الإنسان.
التفسير الحديث لدروزة 1404 هـ :
... تكررت في السورة تسلية النبي صلى الله عليه وسلم مما يلقاه من تكذيب قومه مما يدل على أنها نزلت في ظروف كان النبي صلى الله عليه وسلم فيها حزينا شديد الحسرة.
والسورة شطران أحدهما: عام التوجيه. وثانيهما: موجه للكفار السامعين. وآيات كل من الشطرين منسجمة، كما أنه ليس بينهما انفصال وتغاير بحيث يسوغ القول: إن فصول السورة نزلت متلاحقة حتى تمت...
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
ولكونها مكيّة النّزول، فانّ محتواها العام يعكس الملامح العامّة للسور المكية، كالحديث في المبدأ والمعاد والتوحيد، ودعوة الأنبياء، وذكر نعم الله عزّ وجلّ ومصير المجرمين يوم الجزاء.
ويمكن تلخيص آيات هذه السورة في خمسة أقسام:
قسم مهم من آيات هذه السورة يتحدّث حول آثار عظمة الله في عالم الوجود، وأدلّة التوحيد.
قسم آخر من آياتها يبحث في ربوبية الله وتدبيره لجميع أمور العالم، بالأخصّ أمور الإنسان، وعن خالقيته ورازقيته، وخلق الإنسان من التراب ومراحل تكامل الإنسان.
قسم آخر يتحدّث حول المعاد ونتائج الأعمال في الآخرة، ورحمة الله الواسعة في الدنيا، وسنّته الثابتة في المستكبرين.
قسم من الآيات يشير إلى مسألة قيادة الأنبياء وجهادهم الشديد والمتواصل ضدّ الأعداء المعاندين. ومواساة الرّسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذا الخصوص.
القسم الأخير منها يتعرّض للمواعظ والنصائح الإلهية فيما يخصّ المواضيع المذكورة أعلاه، ويعتبر مكمّلا لها.
بعض المفسّرين لخّص جميع هذه السورة في موضوع واحد وهو: هيمنة وقهّارية الله في جميع الأمور 11.
هذا الاعتبار وإن كان منسجماً مع القسم الأعظم من آيات السورة، إلاّ أنّه لا يمكن إنكار وجود موضوعات مختلفة أخرى فيها.
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{الحمد لله} الشكر لله {فاطر} يعني خالق {السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا} منهم جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وملك الموت، والكرام الكاتبين، عليهم السلام.
الملائكة {أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع}: من الملائكة من له جناحان، ومنهم من له ثلاثة، ومنهم من له أربعة...
{يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء} من خلق الأجنحة من الزيادة {قدير} يعني يزيد في خلق الأجنحة على أربعة أجنحة ما يشاء.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: الشكر الكامل للمعبود الذي لا تصلح العبادة إلا له، ولا ينبغي أن تكون لغيره خالق السموات السبع والأرض، "جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلاً "إلى من يشاء من عباده، وفيما شاء من أمره ونهيه.
"أُولي أجْنِحَةٍ مّثْنَى وَثُلاثَ وَرُباعَ" يقول: أصحاب أجنحة: يعني ملائكة، فمنهم من له اثنان من الأجنحة، ومنهم من له ثلاثة أجنحة، ومنهم من له أربعة... وقوله: "يَزِيدُ فِي الخَلْقِ ما يَشاءُ" وذلك زيادته تبارك وتعالى في خلق هذا الملك من الأجنحة على الآخر ما يشاء، ونقصانه عن الآخر ما أحبّ، وكذلك ذلك في جميع خلقه، يزيد ما يشاء في خلق ما شاء منه، وينقص ما شاء من خلق ما شاء، له الخلق والأمر، وله القدرة والسلطان.
"إنّ اللّهَ على كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" يقول: إن الله تعالى ذكره قدير على زيادة ما شاء من ذلك فيما شاء، ونقصان ما شاء منه ممن شاء، وغير ذلك من الأشياء كلها، لا يمتنع عليه فعل شيء أراده سبحانه وتعالى.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
{الحمد لله فاطر السماوات والأرض} ما ذُكر في القرآن {الحمد لله} إلا وذُكر على إثره التعظيم لله والإجلال له، وذُكر ما أنعم به على الخَلْق ليُلزمهم الشكر له والثناء عليه نحو ما ذكر: {الحمد لله فاطر السماوات والأرض}.
جميع ما ذُكر في القرآن من الحمد له ذُكر على إثره ما يوجب التعظيم له والتبجيل والثناء عليه والشكر له؛ تعليما منه الخلق الثناء على ذلك والشكر له، وبالله المعونة والقوة على ذلك.
{فاطر السماوات والأرض} قال بعضهم: الفاطر هو المبتدئ أو البادئ، هو قول القتبيّ من أهل الأدب، وكذلك ذكر عن ابن عباس رضي الله عنه، أنه قال: ما أدري ما فاطر السماوات والأرض حتى جاء أعرابيان فاختصما في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، أنا بدأتها، فعند ذلك عرفت، أو كلام نحوه.
ويجيء أن يكون الفاطر هو الشاقّ، أي شق السماوات كلها من واحدة وكذلك الأرضين كقوله: {إذا السماء انفطرت} [الانفطار: 1] أي انشقت كما قال: {إن الله فالق الحبّ والنوى} [الأنعام: 95] أي الشاق، لكن جميع ما أضيف إلى الله من الشق والفطر والجعل وغيره من نحو قوله: {جاعل الملائكة رُسُلا} كله على اختلاف الألفاظ عبارة عن الخلق، أي هو خالق ذلك كله. وأصل الخلق في اللغة هو التقدير.
{جاعل الملائكة رسلا} ففي ظاهر الآية جميع الملائكة رسلا؛ فإن كان على ذلك فكأنه ولّى كل واحد منهم أمرا من أمور الخلق والعباد، وإن كان على البعض فيكون تأويله: جاعل من الملائكة رسلا، أو في الملائكة رسلا.
أما ما ذكر من عدد الأجنحة للملائكة، فذلك لا يمنعهم عن الطيران، بل تزيد لهم قوة ومقدرة على ذلك...
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
تَعَرَّف إلى العباد بأفعاله، ونَدَبَهم إلى الاعتبار بها، فمنها ما نعلم منه ذلك معاينةً كالسماوات والأرض وغيرها، ومنها ما سبيلُ الإيمانِ به الخبرُ والنقلُ -لا بدليل العقل- والملائكةُ مِنْ ذلك؛ فلا نتحقق كيفيّة صُوَرِهم وأجنحتهم، وكيف يطيرون بأجنحتهم الثلاثة أو الأربعة، ولكن على الجملة نعلم كمال قدرته، وصِدْقَ كلمته.
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{فَاطِرَ السماوات} المعنى: أن الملائكة خلقاً أجنحتهم اثنان اثنان، أي: لكل واحد منهم جناحان، وخلقاً أجنحتهم ثلاثة ثلاثة. وخلقاً أجنحتهم أربعة أربعة.
{يَزِيدُ فِي الخلق مَا يَشَاء} أي: يزيد في خلق الأجنحة، وفي غيره ما تقتضيه مشيئته وحكمته، والأصل الجناحان: لأنهما بمنزلة اليدين، ثم الثالث والرابع زيادة على الأصل، وذلك أقوى للطيران وأعون عليه،... والآية مطلقة تتناول كل زيادة في الخلق: من طول قامة، واعتدال صورة، وتمام في الأعضاء؛ وقوة في البطش؛ وحصافة في العقل، وجزالة في الرأي، وجراءة في القلب، وسماحة في النفس، وذلاقة في اللسان ولباقة في التكلم، وحسن تأنّ في مزاولة الأمور؛ وما أشبه ذلك مما لا يحيط به الوصف...
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
الألف واللام في {الحمد} لاستغراق الجنس على أتم عموم، لأن {الحمد} بالإطلاق على الأفعال الشريفة والكمال هو لله تعالى، والشكر مستغرق فيه لأنه فصل من فصوله.
{رسلاً} معناه بالوحي وغير ذلك من أوامره.
{يزيد في الخلق ما يشاء} تقرير لما يقع في النفوس من التعجب والاستغراب عن الخبر بالملائكة أولي الأجنحة، أي ليس هذا ببدع في قدرة الله تعالى فإنه يزيد في خلقه ما يشاء.
الحمد يكون على النعمة في أكثر الأمر، ونعم الله قسمان: عاجلة وآجلة، والعاجلة وجود وبقاء، والآجلة كذلك إيجاد مرة وإبقاء أخرى؛ وههنا الحمد إشارة إلى نعمة البقاء في الآخرة، ويدل عليه قوله تعالى: {جاعل الملائكة رسلا} أي يجعلهم رسلا يتلقون عباد الله، كما قال تعالى: {وتتلقاهم الملائكة}، وعلى هذا فقوله تعالى {فاطر السموات} يحتمل وجهين:... الثاني: {فاطر السموات والأرض} أي شاقهما لنزول الأرواح من السماء وخروج الأجساد من الأرض ويدل عليه قوله تعالى: {جاعل الملائكة رسلا} فإن في ذلك اليوم تكون الملائكة رسلا، وعلى هذا فأول هذه السورة متصل بآخر ما مضى، لأن قوله كما فعل بأشياعهم بيان لانقطاع رجاء من كان في شك مريب وتيقنه بأن لا قبول لتوبته ولا فائدة لقوله آمنت،كما قال تعالى عنهم: {وقالوا آمنا به وأنى لهم التناوش} فلما ذكر حالهم، بين حال الموقن وبشره بإرساله الملائكة إليهم مبشرين، وبين أنه يفتح لهم أبواب الرحمة.
{يزيد في الخلق ما يشاء}... كل وصف محمود، والأولى أن يعمم.
{إن الله على كل شيء قدير} يقرر قوله: {يزيد في الخلق ما يشاء}.
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 671 هـ :
المراد بذكر السموات والأرض العالم كله، ونبه بهذا على أن من قدر على الابتداء قادر على الإعادة.
أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي 685 هـ :
{يزيد في الخلق ما يشاء} استئناف للدلالة على أن تفاوتهم في ذلك بمقتضى مشيئته ومؤدى حكمته لا أمر تستدعيه ذواتهم.
{إن الله على كل شيء قدير} وتخصيص بعض، الأشياء بالتحصيل دون بعض، إنما هو من جهة الإرادة...
البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي 745 هـ :
قيل: وإنما جعلهم أولي أجنحة، لأنه لما جعلهم رسلاً، جعل لهم أجنحة ليكون أسرع لنفاد الأمر وسرعة إنفاذ القضاء. فإن المسافة التي بين السماء والأرض لا تقطع بالأقدام إلا في سنين، فجعلت لهم الأجنحة حتى ينالوا المكان البعيد في الوقت القريب.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
{الحمد} أي الإحاطة بأوصاف الكمال إعداماً وإيجاداً.
ولما كانت الملائكة إفراداً وجمعاً مثل الخافقين في أن كلاًّ منهم مبدع من العدم على غير مثال سبق من غير مادة، وكان قد تقدم أنهم يتبرؤون من عبادة الكفرة يوم القيامة، وكان لا طريق لعامة الناس إلى معرفتهم إلا الخبر، أخبر عنهم بعد ما أخبر عما طريقه المشاهدة بما هو الحق من شأنهم، فقال مبيناً بتفاوتهم في الهيئات تمام قدرته وأنها بالاختيار: {جاعل الملائكة رسلاً} أي لما شاء من مراده وإلى ما شاء من عباده ظاهرين للأنبياء منهم ومن لحق بهم وغير ظاهرين.
{أولي أجنحة} أي تهيؤهم لما يراد منهم؛ ثم وصف الأجنحة فقال: (مثنى) أي جناحين جناحين لكل واحد لمن لا يحتاج فيما صرف فيه إلى أكثر من ذلك، ولعل ذكره للتنبيه على أن ذلك أقل ما يكون بمنزلة اليدين.
ولما كان ذلك زوجاً نبه على أنه لا يتقيد بالزوج فقال: {وثلاث} أي ثلاثة ثلاثة لآخرين منهم، ولما كان لو اقتصر على ذلك لظن الحصر فيه، نبه بذكر زوج الزوج على أن الزيادة لا تنحصر فقال: {ورباع} أي أربعة أربعة لكل واحد من صنف آخر منهم.
ولما ثبت بهذا أنه فاعل بالاختيار دون الطبيعة وغيرها، وإلا لوجب كون الأشياء غير مختلفة مع اتحاد النسبة إلى الفاعل، كانت نتيجة ذلك: {يزيد في الخلق} أي المخلوقات من أشياء مستقلة ومن هيئات للملائكة وغيرهم ومعاني لا تدخل تحت حصر من الذوات والألوان والمقادير...وغير ذلك مما يرجع إلى الكم والكيف مما لا يقدر على الإحاطة به غيره سبحانه، فبطل قول من قال: إنه فرغ من الخلق في اليوم السابع عند ما أتم خلق آدم فلم يبق هناك زيادة، كاليهود وغيرهم.
{ما يشاء} فلا بدع في أن يوجد داراً أخرى تكون لدينونة العباد، ثم علل ذلك كله بقوله مؤكداً لأجل إنكارهم البعث: {إن الله} أي الجامع لجميع أوصاف الكمال.
{على كل شيء قدير} فهو قادر على البعث فاعل له لا محالة.
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي 1270 هـ :
{الحمد للَّهِ فَاطِرِ السماوات والأرض}... قال الراغب: هو إيجاده تعالى الشيء وإبداعه على هيئة مترشحة لفعل من الأفعال.
وأصل الفطر الشق، وقال الراغب: الشق طولاً ثم تجوز فيه عما تقدم وشاع فيه حتى صار حقيقة أيضاً، ووجه المناسبة أن السماوات والأرض والمراد بهما العالم بأسره لكونهما ممكنين والأصل في الممكن العدم كما يشير إليه قوله تعالى: {كُلُّ شيء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} [القصص: 88]
وقيل في ذلك: كأنه تعالى شق العدم بإخراجهما منه، وقيل: لا مانع من حمله على أصله هنا ويكون إشارة إلى الأمطار والنبات فكأنه قيل: الحمد لله فاطر السموات بالأمطار وفاطر الأرض بالنبات وفيه نظر...
{فَاطِرَ} صفة لله وإضافته محضة قال أبو البقاء: لأنه للماضي لا غير، وقال غيره: هو معرف بالإضافة إذ لم يجر على الفعل بل أريد به الاستمرار والثبات كما يقال زيد مالك العبيد جاء أي زيد الذي من شأنه أن يملك العبيد جاء، ومن جعل الإضافة غير محضةـ، جعله بدلاً، وهو قليل في المشتقات، وكذا الكلام في (جَاعِلِ. وَرُسُلاً) على القول بأن إضافته غير محضة منصوب به بالاتفاق، وأما على القول الآخر فكذلك عند الكسائي، وذهب أبو علي إلى أنه منصوب بمضمر يدل هو عليه، لأن اسم الفاعل إذا كان بمعنى الماضي لا يعمل عنده كسائر البصريين إلا معرفاً باللام...
وعلل بعضهم ذلك بأنه بالإضافة أشبه المعرف باللام فعمل عمله هذا على تقدير كون الجعل تصييرياً، أما على تقدير كونه إبداعياً فرسلاً حال مقدرة.
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :
يمدح الله تعالى نفسه الكريمة المقدسة، على خلقه السماوات والأرض، وما اشتملتا عليه من المخلوقات... ولما ذكر الخلق، ذكر بعده ما يتضمن الأمر، وهو: أنه {جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا} في تدبير أوامره القدرية، ووسائط بينه وبين خلقه، في تبليغ أوامره الدينية.
وفي ذكره أنه جعل الملائكة رسلا، ولم يستثن منهم أحدا، دليل على كمال طاعتهم لربهم وانقيادهم لأمره، كما قال تعالى: {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
تبدأ السورة بتقديم الحمد لله. فهي سورة قوامها توجيه القلب إلى الله، وإيقاظه لرؤية آلائه، واستشعار رحمته وفضله، وتملي بدائع صنعه في خلقه، وامتلاء الحس بهذه البدائع، وفيضه بالتسبيح والحمد والابتهال: (الحمد لله).
ويتلو حمد الله ذكر صفته الدالة على الخلق والإبداع: (فاطر السماوات والأرض). فهو منشئ هذه الخلائق الهائلة التي نرى بعضها من فوقنا ومن تحتنا حيث كنا، والتي لا نعرف إلا القليل عن أصغرها وأقربها إلينا.. أمنا الأرض.. والتي ينتظمها ناموس واحد يحفظها في تناسق وتوافق، على ما بينها من أبعاد هائلة لا يتصورها خيالنا البشري إلا بمشقة عظيمة.
وإننا لنمر على مثل هذه الإشارة في القرآن الكريم إلى خلق السماوات والأرض، دون أن نقف أمامها طويلاً لنتدبر مدلولها الهائل؛ كما نمر على مشاهد السماوات والأرض ذاتها بمثل هذه البلادة، لا نقف أمامها إلا قليلاً...
والحديث في هذه السورة يتردد حول الرسل والوحي وما أنزل الله من الحق.. والملائكة هم رسل الله بالوحي إلى من يختاره من عباده في الأرض، وهذه الرسالة هي أعظم شيء وأجله، ومن ثم يذكر الله الملائكة بصفتهم رسلاً عقب ذكره لخلق السماوات والأرض، وهم صلة ما بين السماء والأرض. وهم يقومون بين فاطر السماوات والأرض، وأنبيائه ورسله إلى الخلق بأعظم وظيفة وأجلها... ولأول مرة -فيما مر بنا من القرآن في هذه الظلال- نجد وصفاً للملائكة يختص بهيئتهم، وهو وصف لا يمثلهم للتصور، لأننا لا نعرف كيف هم ولا كيف أجنحتهم هذه، ولا نملك إلا الوقوف عند هذا الوصف، دون تصور معين له، فكل تصور قد يخطئ.
(يزيد في الخلق ما يشاء).. يقرر طلاقة المشيئة، وعدم تقيدها بشكل من أشكال الخلق.
(إن الله على كل شيء قدير).. هذا التعقيب أوسع من سابقه وأشمل. فلا تبقى وراءه صورة لا يتناولها مدلوله، من صور الخلق والإنشاء والتغيير والتبديل...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
افتتاحها ب {الحمد لله}... وإجراء صفات الأفعال على اسم الجلالة مِن خلقِهِ السماوات والأرض وأفضل ما فيها من الملائكة والمرسلين، مؤذن بأن السورة جاءت لإِثبات التوحيد وتصديق الرسول صلى الله عليه وسلم.
وتخصيص ذكر الملائكة من بين مخلوقات السماوات والأرض لشرفهم بأنهم سكان السماوات وعظيم خلقهم. وأجري عليهم صفة أنهم رُسل لمناسبة المقصود من إثبات الرسالة، أي جاعلهم رسلاً منه إلى المرسلين من البشر للوحي بما يراد تبليغهم إياه للناس، واعلم أن ماهية الملائكة عندي أن يقال: أجسام لطيفة نورانية أخيار ذوو قوة عظيمة، ومن خصائصهم القدرة على التشكل بأشكال مختلفة، والعلم بما تتوقف عليه أعمالهم، ومقرهم السماوات ما لم يرسلوا إلى جهة من الأرض.
{إن الله على كل شيء قدير} تعليل لجملة {يزيد في الخلق ما يشاء}، وفي هذا تعريض بتسفيه عقول الذين أنكروا الرسالة وقالوا: {إن أنتم إلا بشر مثلنا} [إبراهيم: 10]، فأجيبوا بقول الرسل {إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على ما يشاء من عباده} [إبراهيم: 11].
تعرَّضنا للسور التي بُدئت بالحمد لله، وهي: [الفاتحة] والأنعام، والكهف، وسبأ. وهنا في فاطر، والحمد في كل منها له معنى وله مناسبة؛ لأن الإنسان احتاج إلى إيجاد من عدم، ثم وسائل إبقاء في الحياة الدنيا، ثم احتاج إلى إيجاد بعد البعث، وأيضاً وسائل إبقاء في الآخرة.
فسورة الكهف تعرضت لحمد الله على المنهج
{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ..} [الكهف: 1]؛ لأن المنهج هو وسيلة الاستبقاء للإنسان، فلولا أن المنهج يُبيِّن للناس الحق والباطل لتفاني الخَلْق، وما استقامتْ لهم الحياة، أما سورة سبأ فتعرضت لحمد الله على نعمه في الدنيا وفي الآخرة.
وهنا في فاطر: {الْحَمْدُ للَّهِ فَاطِرِ السَّمَٰوَٰتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً}؛ فذكرتْ الحمد على وسائل الإبقاء كلها، المادي منها المتمثل في مُقوِّمات الحياة المادية، والمعنوي منها المتمثل في منهج الله.
والحمد على إطلاقه لله تعالى، حتى إنْ توجه للبشر، فمردُّه إلى الله، لأنك حين تحمد البشر تحمده على شيء قدَّمه لك، هذا الشيء ليس مِنْ مِلْكه في الحقيقة، ولا من ذاته، إنما هو من فيض الله عليه، فهو مناول عن الله، وإنْ قدّم لك عملاً فإنما يقدِّمه بالطاقة التي خلقها الله فيه، وبالجوارح التي انفعلتْ بخَلْق الله فيه، إذن: فالحمد بكل صيغة راجع إلى الله تعالى.
ثم يأتي بحيثية من حيثيات حَمْد الله، فيقول: {فَاطِرِ السَّمَٰوَٰتِ وَالأَرْضِ} ومعنى فاطر السماوات والأرض: خلقها ومُبدعها على غير مثال سابق يُحتذى به، وهذه مسألة تستحق الحمد؛ لأن الله تعالى كرَّم الإنسان الخليفة في الأرض، فسَوَّدهُ على سائر الأجناس وكرَّمه بالعقل الذي يختار بين البدائل.
وبعد ذلك بيَّن سبحانه إنْ كان خَلْق الإنسان مُعْجزاً، وإن كان هو السيد المخدوم من جميع الأجناس، فإنَّ خَلْق السماوات والأرض أكبر من خَلْق الناس وأعظم؛ لذلك لما تكلم سبحانه عن حمد الله ذكر أكبر المخلوقات وأعظمها، وهي السماوات والأرض.
والسماء هي كل ما علاك، لذلك تُطلق على السحاب، فهو السماء التي ينزل منها المطر...
وقوله سبحانه {جَاعِلِ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً}... هؤلاء الملائكة جعلهم الله {رُسُلاً} إما إلى الرسل من البشر يحملون إليهم منهج الله، وإما رسلاً منه سبحانه لمهامهم التي تتعلق بهذا الكائن الإنساني. ثم وصفهم فقال: {أُوْلِيۤ} أصحاب {أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ} [فاطر: 1] وهذا الوصف دلَّ على صلة الملائكة بالجو والسماء، ومهمة الصعود والهبوط، وهذه الأجنحة ليس لها نظام ثابت، بل منهم مَنْ له مثنى، ومَنْ له ثلاث، ومَنْ له رُبَاع، بل ويزيد الله في ذلك ما يشاء {يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَآءُ}.
وكأن الخالق سبحانه يقول لنا: إنْ كنتم لم تروْا إلا جناحين للطائر، فلا تتعجبوا ولا تنكروا أنْ يكون للملَك أكثر من ذلك؛ لأنه خَلْق الله الذي يزيد في الخَلْق ما يشاء، والذي له سبحانه طلاقة القدرة، فخَلْق الله ليس عملية ميكانيكية أو قوالب تُصَبُّ على شكل واحد، وخَلْق الله ليس مخبزاً آلياً يُخرِج لك الأرغفة متساوية.
وتتجلى طلاقة القدرة في الخلق منذ خَلْق الإنسان الأول آدم عليه السلام، فإنْ كانت مسألة التناسل تقوم على وجود ذكر وأنثى، ومن هذه جاءت جمهرة الناس، فطلاقة القدرة تخرق هذه القاعدة في كل مراحل القسمة العقلية لها، فالله خلق آدم عليه السلام من لا أب ولا أم، وخلق حواء من أب بلا أم، وخلق عيسى عليه السلام من أم بلا أب.
فما دام أن الذي يزيد في الخَلْق هو الله، فلا تتعجب ولا تُكذِّب حين تسمع الحديث النبوي، قال صلى الله عليه وسلم:"رأيتُ جبريل وله ستمائة جناح" صَدِّق؛ لأنك لستَ مسئولاً عن الكيفية، إنما عليك أنْ تُوثق الكلام: صدر من الله أو لم يصدر، صَحَّ عن رسول الله أو لم يصح، كُنْ كالصِّدِّيق لمَّا حدثوه عن الإسراء والمعراج وقالوا: إن صاحبك يقول كذا وكذا، فقال الصِّديق: "إنْ كان قال فقد صدق".
لذلك، فالذين يبحثون في عِلَل الأحكام عليهم أنْ يَدَعُوا البحث فيها، ويكفي أنْ يُوثِّقوا مصدرها، فإنْ كانت من الله فعلي أن أفعل لمجرد أن الله أمرني بذلك، فَعِلَّة الحكم أن الله أمر به، فهمتُ حكمته أو لم أفهم...
فقوله سبحانه {يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَآءُ} [فاطر: 1] دليل على طلاقة القدرة التي لا يعجزها شيء...
ثم تختم الآية بما يُطمئِن القلوب إلى هذه الطلاقة {إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} هذه هي العلة، يعني: لا تتعجب، فهي قدرة الله التي لا يُعجزها شيء، وشيء هذه تعد جنس الأجناس؛ لأنها تشمل من الذرَّة إلى المجرَّة، وهو سبحانه يقول للشيء كُنْ فيكون، فكأنه موجود في علم الغيب ينتظر الأمر بأن يظهر.