فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير للشوكاني - الشوكاني  
{ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ جَاعِلِ ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةِ رُسُلًا أُوْلِيٓ أَجۡنِحَةٖ مَّثۡنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَۚ يَزِيدُ فِي ٱلۡخَلۡقِ مَا يَشَآءُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ} (1)

مقدمة السورة:

سورة فاطر

هي خمس وأربعون آية وهي مكية . قال القرطبي : في قول الجميع . وأخرج البخاري وابن الضريس وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال : أنزلت سورة فاطر بمكة .

الفطر : الشقّ عن الشيء ، يقال : فطرته فانفطر ، ومنه : فطر ناب البعير إذا طلع ، فهو بعير فاطر ، وتفطر الشيء : تشقق ، والفطر الابتداء والاختراع ، وهو : المراد هنا ، والمعنى : { الحمد للَّهِ } مبدع { السموات والأرض } ، ومخترعهما ، والمقصود من هذا : أن من قدر على ابتداء هذا الخلق العظيم ، فهو قادر على الإعادة . قرأ الجمهور : { فاطر } على صيغة اسم الفاعل ، وقرأ الزهري ، والضحاك : ( فطر ) على صيغة الفعل الماضي ، فعلى القراءة الأولى هو نعت لله ؛ لأن إضافته محضة لكونه بمعنى : الماضي ، وإن كانت غير محضة كان بدلاً ، ومثله : { جَاعِلِ الملائكة رُسُلاً } يجوز فيه الوجهان ، وانتصاب رسلاً بفعل مضمر على الوجه الأوّل ، لأن اسم الفاعل إذا كان بمعنى الماضي لا يعمل ، وجوّز الكسائي عمله . وأما على الوجه الثاني ، فهو منصوب بجاعل ، والرسل من الملائكة هم جبريل ، وميكائيل ، وإسرافيل ، وعزرائيل . وقرأ الحسن : ( جاعل ) بالرفع ، وقرأ خليل بن نشيط ، ويحيى بن يعمر : ( جعل ) على صيغة الماضي . وقرأ الحسن ، وحميد : ( رسلاً ) بسكون السين ، وهي لغة تميم { أُوْلِى أَجْنِحَةٍ } صفة ل{ رسلاً } والأجنحة جمع جناح { مثنى وثلاث وَرُبَاعَ } صفة لأجنحة ، وقد تقدّم الكلام في مثنى ، وثلاث ، ورباع في النساء . قال قتادة : بعضهم له جنحان ، وبعضهم ثلاثة ، وبعضهم أربعة ينزلون بها من السماء إلى الأض ، ويعرجون بها من الأرض إلى السماء . قال يحيى بن سلام : يرسلهم الله إلى الأنبياء . وقال السدّي : إلى العباد بنعمه ، أو نقمه ، وجملة { يَزِيدُ في الخلق مَا يَشَاء } مستأنفة مقرّرة لما قبلها من تفاوت أحوال الملائكة ، والمعنى : أنه يزيد في خلق الملائكة ما يشاء ، وهو : قول أكثر المفسرين ، واختاره الفراء والزجاج . وقيل : إن هذه الزيادة في الخلق غير خاصة بالملائكة ، فقال الزهري ، وابن جريج : إنها حسن الصوت . وقال قتادة : الملاحة في العينين ، والحسن في الأنف ، والحلاوة في الفم . وقيل : الوجه الحسن . وقيل : الخط الحسن . وقيل : الشعر الجعد . وقيل : العقل والتمييز . وقيل : العلوم ، والصنائع ، ولا وجه لقصر ذلك على نوع خاص بل يتناول كل زيادة . وجملة : { إِنَّ الله على كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ } تعليل لما قبلها من أنه يزيد في الخلق ما يشاء .

/خ8