قوله تعالى : { فبما رحمة من الله } . أي فبرحمة من الله وما صلة كقوله ( فبما نقضهم ) .
قوله تعالى : { لنت لهم } . أي سهلت لهم أخلاقك ، وكثرة احتمالك ، ولم تسرع إليهم بالغضب فيما كان منهم يوم أحد .
قوله تعالى : { ولو كنت فظاً } . يعني جافياً سيء الخلق قليل الاحتمال .
قوله تعالى : { غليظ القلب } . قال الكلبي : فظاً في القول غليظ القلب في الفعل .
قوله تعالى : { لانفضوا من حولك } . أي لنفروا وتفرقوا عنك ، يقال : فضضتهم فانفضواأي فرقتهم فتفرقوا .
قوله تعالى : { فاعف عنهم } . تجاوز عنهم ما أتوا يوم أحد .
قوله تعالى : { واستغفر لهم } . حتى أشفعك فيهم .
قوله تعالى : { وشاورهم في الأمر } . أي : استخرج آراهم واعلم ما عندهم ، من قول العرب شرت الدابة ، وشورتها إذا استخرجت جريها ، وشرت العسل وأشرته إذا أخذته من موضعه واستخرجته . واختلفوا في المعنى الذي لأجله أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بالمشاورة مع كمال عقله وجزالة رأيه ونزول الوحي عليه ، ووجوب طاعته على الخلق فيما أحبوا وكرهوا . فقال بعضهم : هو خاص في المعنى ، أي : وشاورهم فيما ليس عندك فيه من الله تعالى عهد ، قال الكلبي : يعني ناظرهم في لقاء العدو ومكايد الحرب عند الغزو . وقال مقاتل وقتادة :أمر الله تعالى بمشاورتهم تطييباً لقلوبهم ، فإن ذلك أعطف لهم عليه وأذهب لأضغانهم ، فإن سادات العرب كانوا إذا لم يشاوروا في الأمر شق ذلك عليهم . وقال الحسن : قد علم الله عز وجل أنه ما به إلى مشاورتهم حاجة ولكنه أراد أن يستن به من بعده .
أخبرنا أبو طاهر بن علي بن عبد الله الفارسي قال : أخبرنا أبو ذر محمد بن إبراهيم بن علي الصالحاني ، أخبرنا عبد الله بن محمد بن جعفر ، أخبرنا علي بن العباس المقانعي ، أخبرنا أحمد بن ماهان أخبرني أبي أخبرنا طلحة بن زيد ، عن عقيل ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : " ما رأيت رجلاً أكثر استشارة للرجال من رسول الله صلى الله عليه وسلم " .
قوله تعالى : { فإذا عزمت فتوكل على الله } . لا على مشاورتهم ، أي قم بأمر الله وثق به واستعنه .
{ فبما رحمة من الله } أي فبرحمة أي فبنعمة من الله وإحسان منه إليك { لنت لهم } يا محمد أي سهلت أخلاقك لهم وكثر احتمالك { ولو كنت فظا } غليظا في القول { غليظ القلب } في الفعل { لانفضوا } لتفرقوا { من حولك فاعف عنهم } فيما فعلوا يوم أحد { واستغفر لهم } حتى أشفعك فيهم { وشاورهم في الأمر } تطييبا لنفوسهم ورفعا من أقدارهم ولتصير سنة { فإذا عزمت } على ما تريد إمضاءه { فتوكل على الله } لا على المشاورة
قوله تعالى : ( فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين ) .
( ما ) صلة زائدة للتأكيد . وذلك كقوله : ( فيما نقضهم ميثاقهم ) فيكون التقدير : فبرحمة من الله . أي أن محمدا صلى الله عليه و سلم صار رحيما بالمؤمنين لينا لهم بفضل من الله ورحمة . فالله سبحانه قد صنع هذه النبي العظيم على عينه ليكون على طبيعته الفذة وسجيته المميزة من فرط الرقة والعطف واللين ، فما كان قاسيا ولا فظا ولكن كان يخاطب الناس في غاية من الهشاشة والبشاشة التي لا تتجلى بهذه الدرجة العليا في غير نبي أوتي العصمة .
قوله : ( ولو كنت فظا غليظ القلب ) الفظ : الشديد الغليظ . والفظ من الرجال يعني الغليظ الجافي ، السيء الخلق . نقول : فظظت تفظ فظاظة فأنت فظ . والغليظ القلب أي القاسي . أو قليل الإشفاق والرحمة .
قوله : ( لانفضوا من حولك ) أي تفرقوا عنك حتى لا يبقى حولك أحد منهم . وذلك درس بليغ جدير بالدعاة إلى دين الله أن يعوه وأن يقفوا عليه في تدبر واستبصار . وأصل ذلك خطاب الله لرسوله الكريم أن يا محمد لو كنت جافيا قاسي القلب مع هؤلاء المؤمنين لتفرقوا عنك هيبة لك واستحياء منك بعد الذي كان من توليهم ، لكنك كنت معهم رحيما رفيقا حانيا . ولا عجب في ذلك ، فإن ذلكم كان خلق الرسول صلى الله عليه و سلم . كان خلقه ودأبه الرفق والرحمة والتواضع والعفو عن زلات المسيئين ، كان عليه الصلاة والسلام غاية في اللين وطيب العشرة وطهارة القلب . لا جرم أنه أكمل الخليقة طرا في حميد خصاله وشرف محاسنه التي يعز على الكون أو الكائنات أن تضاهيها .
قوله : ( فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر ) الفاء تدل على التعقيب . وذلك بعد أن بين الله مدى ما يتجلى في نبيه الكريم من خصال الرحمة واللين ، وانتفاء الغلظة والفظاظة يكلف الله نبيه بما يتضمن ثلاثة أمور :
الأول : أن يعفو عنهم فيما يتعلق بحقه . أي ما له في خاصته عليهم من تبعة .
الثاني : أن يستغفر لهم فيما لله عليهم من تبعة . أي فيما يختص بحق الله عليهم .
الثالث : أن يستشيرهم فيما يستشار فيه من قضايا الحرب ونحوها مما لم ينزل فيه وحي . وفي اللغة يقال : شاورهم مشاورة وشوارا ومشورة ، والاسم الشورى . والمشاورة مأخوذة من قولهم : شرت العسل أشوره إذا أخذته من موضعه واستخرجته . وقيل : مأخوذة من قولهم شرت الدابة شورا ، إذا عرضتها في المشوار . وتشاور القوم واشتوروا ( وأمرهم شورى بينهم ) أي لا يستأثر أحد بشيء دون غيره{[621]} .
لما أمر الله نبيه بمشاورة المسلمين في أمور الحياة مما يعرض لهم من قضايا ومشكلات ، كان عليه الصلاة والسلام أحرص الناس على العمل بمبدأ المشاورة ، فكان يستشير أصحابه في قضايا الحرب وغيرها من أمور الدنيا مما لم ينزل فيه وحي . فقد شاورهم يوم بدر في الذهاب إلى العير فقالوا : يا رسول الله لو استعرضت بنا عرض البحر لقطعناه معك ، ولو سرت بنا على برك الغماد لسرنا معك ، ولا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى : اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون . ولكن نقول : اذهب فنحن معك وبين يديك وعن يمينك وعن شمالك مقاتلون .
وكذلك شاورهم أين يكون المنزل حتى أشار المنذر بن عمرو بالتقدم أمام القوم وكذلك وشاورهم في أحد في أن يعقد في المدينة أو يخرج إلى العدو . فأشار جمهور المسلمين بالخروج إليهم فخرج إليهم .
وكلك شاورهم يوم الخندق في مصالحة الأحزاب بثلث ثمار المدينة عامئذ فأبى ذلك عليه سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فترك ذلك .
وكذلك شاورهم يوم الحديبية في أني ميل على ذراري المشركين . فقال له الصديق : إنا لما تجيء لقتال وإنما جئنا معتمرين ، فأجابه إلى ما قال : وقال صلى الله عليه و سلم في قصة الإفك : " وأشيروا علي معشر المسلمين في قوم أبنوا أهلي ورموهم . و أيم الله ما علمت على أهلي من سوء وأبنوهم بمن ؟ والله ما علمت إلا خيرا " . {[622]} وقوله : ( أبنوا ) بفتح الباء أي اتهموا . أبنه بشيء يأبنه فهو مأبون بخير أو شر . فإن أطلقت فقلت مأبون فهو للشر . وابنه تأبينا أ ] عابة في وجهه . وأبن فلان يؤبن بكذا أي يذكر بقبيح{[623]} .
وكذلك استشار عليا وأسامة في فراق عائشة رضي الله عنها ، إلى غير ذلك من وجوه المشاورة في مختلف الأحوال والوقائع مما ليس فيه شرع ؛ لما في ذلك من تطيب لقلوب المسلمين وترويضهم على المشاورة وإسداء النصائح والسديد من الأقوال في صراحة مكشوفة لا تعرف اللبس أو المداهنة أو المصانعة ، عسى أن يكون في ذلك ما ينتفع به المسلمون فيجتنبون مواطن التعثر والزلل .
ولئن كان ذلك شأن النبي في مشاورة القوم لاتنزاع الأصلح من الرأي ، وهو عليه السلام في القمة الرفيعة من درجات الذكاء والفطنة والعبقرية ، وهو المؤيد أيضا من الله بالوحي والعصمة والكلاءة ، فلا جرم أن يكون المسلمون من بعده أشد حاجة للمشاورة كيما يكون مبدأ الشورى راسخا في أذهانهم ، فيطبقونه في كل الأحوال . وفي ذلك من نشر المودة وتبديد المباغضة والأثرة ما يثير في المسلمين النزوع للتفاهم والتآخي ومبادلة الثقة . وبخلاف ذلك تشيع فيهم علائم الريبة وانتفاء الثقة والاستبداد والجنوح للطغيان والتسلط .
قوله : ( فإذا عزمت فتوكل على الله ) العزم معناه قصد الإمضاء ، عزم على الأمر يعزم عزما وعزمه واعتزمه وتعزم أي أراد فعله وقطع عليه أو جدّ في الأمر{[624]} .
أما التوكل فمعناه الاعتماد على الله مع إظهار العجز . والاسم التكلان . {[625]} والمعنى المراد أنه إذا حصل الرأي المشفوع بالمشورة فلا ينبغي الاعتماد عليه ، بل يجب الاعتماد في كل حال على الله . فهو سبحانه يكتب لعباده السداد والتوفيق ، ويجنبهم مزالق الضر والشر والعثرات . وعلى هذا لا ينبغي لمسلم أن يعتمد على أحد غير الله من المخاليق ، بل المسلم مكلف أن يتخذ من الأسباب ما يجده موصلا لمراده من غير أن يكون في ذلك توكل أو اعتماد على شيء أو أحد سوى الله . وما كان لمسلم أن يعتمد على ذاته وما أوتي من عزائم وقدرات ومواهب ، ولا أن يعتمد على عظيم ولا ملك ولا جبار ولا غير هؤلاء من مشاهير الدنيا وذوي الجاه والسلطان . ومع ذلك فإن المسلم مكلف بالسعي والجد والعزم مهما تكن النتائج . والله جلت قدرته يتعبد عباده بوجيبة الأخذ بالأسباب كيلا يؤخذ معليهم مثلبة التقصير والتفريط ، أو العجز والكسل .
قوله : ( إن الله يحب المتوكلين ) ذلك أن التوكل على الله من غير عجز ولا تواكل ولا تفريط ، إنما يشير إلى صدق الإيمان بالله ، وإلى تمام الثقة واليقين بكمال قدرته ، وأنه يجبر عبادة المخلصين المخبتين ، وهو سبحانه خير مجير ومعوان{[626]} .