نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي  
{فَبِمَا رَحۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ وَشَاوِرۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِۖ فَإِذَا عَزَمۡتَ فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَوَكِّلِينَ} (159)

ولما فرغ من وعظ الصحابة رضي الله تعالى عنهم أتبعه تحبيب النبي صلى الله عليه وسلم فيما فعل بهم من الرفق{[19582]} والللين مع ما سبب الغضب الموجب للعنف والسطوة من{[19583]} اعتراض {[19584]}من اعترض{[19585]} على ما أشار به ، ثم مخالفتهم لأمره في حفظ المركز والصبر والتقوى ، ثم خذلانهم له وتقديم أنفسهم على نفسه الشريفة ، ثم{[19586]} عدم{[19587]} العطف عليه وهو يدعوهم إليه ويأمر{[19588]} بإقبالهم عليه ، ثم اتهام من اتهمه . إلى غير ذلك من الأمور التي توجب لرؤساء الجيوش وقادة الجنود اتهام أتباعهم وسوء الظن بهم الموجب للغضب والإيقاع ببعضهم ليكون ذلك زاجراً{[19589]} لهم عن العود إلى مثله فقال تعالى : { فبما رحمة من الله } أي{[19590]} الذي له الكمال كله { لنت لهم } أي ما لنت{[19591]} لهم هذا اللين الخارق للعادة{[19592]} ورفقت بهم هذا الرفق بعدما فعلوا بك إلا بسبب رحمة عظيمة من الله الحائز لجميع الكمال ، فقابلتهم بالجميل ولم تعنفهم بانهزامهم عنك بعد إذ خالفوا رأيك ، وهم كانوا سبباً لاستخراجك ؛ والذي اقتضى هذا الحصر هو ما{[19593]} لأنها نافية في سياق الإثبات فلم يمكن{[19594]} أن توجه إلا{[19595]} إلى ضد ما أثبته{[19596]} السياق ، ودلت زيادتها على أن تنوين{[19597]} " رحمة " للتعظيم ، أي فبالرحمة{[19598]} العظيمة لا بغيرها لنت .

ولما بين سبحانه وتعالى سبب هذا اللين المتين بين ثمرته{[19599]} ببيان ما في ضده من الضرر فقال : { ولو كنت فظّاً } أي سيىء الخلق جافياً في القول { غليظ القلب } أي قاسية لا تتأثر بشيء{[19600]} ، تعاملهم بالعنف والجفاء { لانفضّوا } أي تفرقوا تفرقاً{[19601]} قبيحاً {[19602]}لا اجتماع{[19603]} معه { من حولك } أي ففات المقصود من البعثة .

ولما أخبره{[19604]} سبحانه وتعالى أنه هو{[19605]} عفا عنهم ما فرطوا في حقه أمره بالعفو عنهم فيما يتعلق به صلى الله عليه وسلم ، وبالاستمرار على مشاورتهم عند النوائب لئلا يكون خطؤهم في الرأي - أولاً في الخروج من المدينة .

وثانياً في تضييع المركز ، وثالثاً في إعراضهم عن الإثخان في العدو بعد الهزيمة الذي ما شرع القتال إلا لأجله بإقبالهم عن النهب ، ورابعاً{[19606]} في {[19607]}وهنهم عند كر العدو{[19608]} إلى غير ذلك - موجباً لترك مشاورتهم ، فيفوت ما فيها من المنافع في نفسها وفيما تثمره{[19609]} من التألف والتسنن{[19610]} وغير ذلك فقال سبحانه وتعالى : { فاعف عنهم } أي ما فرطوا في هذه الكرة في حقك { واستغفر لهم } أي الله سبحانه وتعالى لما فرطوا في حقه { وشاورهم } أي استخرج{[19611]} آراءهم { في الأمر } أي الذي تريده من أمور الحرب تألفاً لهم وتطييباً لنفوسهم ليستن{[19612]} بك من بعدك { فإذا عزمت } أي بعد ذلك على أمر فمضيت فيه ، وقراءة من ضم التاء للمتكلم بمعناها ، أي فإذا فعلت أنت أمراً بعد المشاورة لأني فعلت فيه - بأني أردته - فعل العازم .

ولما أمر بالمشاورة التي هي النظر في الأسباب أمر بالاعتصام بمسببها من غير التفات إليها ليكمل جهاد الإنسان بالملابسة ثم التجرد فقال : { فتوكل } أي فيه { على الله{[19613]} } أي الذي له الأمر كله ، ولا يردك عنه خوف عاقبة - كما فعلت بتوفيق الله في هذه الغزوة ، ثم علل ذلك بقوله{[19614]} : { إن الله } أي الذي لا كفوء له{[19615]} { يحب المتوكلين * } أي فلا يفعل بهم إلا ما فيه{[19616]} إكرامهم وإن رُئي غير ذلك .


[19582]:في ظ: الرزق.
[19583]:في ظ: مع.
[19584]:سقط من مد.
[19585]:سقط من مد.
[19586]:سقط من ظ.
[19587]:في ظ: أعدم.
[19588]:في ظ: ما أمر.
[19589]:من ظ ومد، وفي الأصل: زجرا.
[19590]:سقط من ظ ومد.
[19591]:من ظ ومد، وفي الأصل: ما كنت.
[19592]:في ظ: بالعادة.
[19593]:زيد من ظ ومد.
[19594]:في ظ: فلم تكن.
[19595]:سقط من ظ.
[19596]:من ظ ومد، وفي الأصل: أثبت.
[19597]:في ظ: ينوين.
[19598]:في ظ: قابلة لرحمته ـ كذا.
[19599]:من ظ ومد، وفي الأصل: ثمرة.
[19600]:من مد، وفي الأصل: لشيء، وقد سقط من ظ.
[19601]:من ظ، وفي الأصل ومد: تفريقا.
[19602]:من ظ ومد، وفي الأصل: لاجتماع.
[19603]:من ظ ومد، وفي الأصل: لاجتماع.
[19604]:من ظ ومد، وفي الأصل: أخبر.
[19605]:سقط من ظ.
[19606]:سقطت من ظ.
[19607]:سقطت من ظ.
[19608]:سقطت من ظ.
[19609]:في ظ: تثمر.
[19610]:في ظ: السن.
[19611]:من مد، وفي الأصل: استخراج.
[19612]:من ظ ومد، وفي الأصل: وليتسن ـ كذا.
[19613]:ورد بعده في الأصل "إن الله يحب المتوكلين"، فرتبناه حسبما ترتب في ظ ومد.
[19614]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[19615]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[19616]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.