فتح الرحمن في تفسير القرآن لتعيلب - تعيلب  
{فَبِمَا رَحۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ وَشَاوِرۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِۖ فَإِذَا عَزَمۡتَ فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَوَكِّلِينَ} (159)

{ فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك } يمتن المولى سبحانه على النبي والمؤمنين {[1192]} بما هدى إليه مصطفاه صلى الله عليه وسلم من خفض جناحه لمن اتبعه وحمله على من أساء فأحبهم أعظم الحب وآثروه هم على أنفسهم وعلى أهليهم ولو كان صلوات الله عليه وحاشاه جافي الطبع أو متجهم الوجه أو قليل التفرق والشفقة لتفرق الناس عنه ولنفروا منه ، عن قتادة أي والله لطهره الله من الفظاظة والغلظة وجعله قريبا رحيما بالمؤمنين رءوفا ، وذكر لنا أن نعت محمد صلى الله عليه وسلم في التوراة ليس بفظ ولا غليظ ولا صخوب في الأسواق ولا يجزي بالسيئة مثلها ولكن يعفو ويصفح { فاعف عنهم } لعل ذلك أمر بالصفح وعدم المؤاخذة على ما له عليه الصلاة والسلام في خاصته عليهم من تبعة { واستغفر لهم } ادع الله لهم أن يستر عليهم ما يكون خاصته عليهم من تبعة ؛ { واستغفر لهم } ادع الله أن يستر عليهم ما يكون من سيئاتهم وأن لا يعاقبهم بذنوبهم { وشاورهم في الأمر } تقول العرب : شار العسل أي استخرجه واجتناه وأخذه من موضعه وأشرني على العمل أي أعني واستشار أمره إذا تبين وظهر ؛ فالمولى سبحانه يأمر نبيه والأمة في ذلك تبعا له أن يأخذ الرأي من أهله فيما يحدث من أمور وأن يجتني ما عند الخبراء من خبرة في آية واقعة تكون . ففي المشورة كما يستفاد من أصلها اللغوي استبانة لوجه الحق واستظهار لخطة الرشد والحكمة والصواب ؛ ومعلوم أن المشاورة تكون فيما لم يرد به الشرع ؛ نقل في الجامع لأحكام القرآن قال ابن عطية : والشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام من لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب هذا ما لا خلاف فيه وقد مدح الله المؤمنين بقوله { . . وأمرهم شورى بينهم . . }{[1193]} وقال ابن خويز منداد : واجب على الولاة مشاورة العلماء فيما لا يعلمون وفيما أشكل عليهم من أمور الدين ووجوه الجيش فيما يتعلق بالحرب ووجوه الناس فيما يتعلق بالمصالح ، ووجوه الكتاب والوزراء والعمال فيما يتعلق بمصالح البلاد وعمارتها ، ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم استشار{[1194]} في أمر الخروج إلى غزوة بدر وكذا قبل السير إلى معركة أحد ، كما أنه استشار في أمر الأسرى ، وفي غير ذلك كما أشار عليه بعض الأصحاب رضوان الله عليهم بالمنزل يوم بدر وبالعريش يكون فيه ، فقبل مشورتهم .

عن قتادة : أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم أن يشاور أصحابه في الأمور وهو يأتيه وحي السماء لأنه أطيب لأنفس القوم وإن القوم إذا شاور بعضهم بعضا أو أرادوا بذلك وجه الله عزم لهم على أرشده ؛ وقال العلماء : وصفة المستشار إن كان في الأحكام أن يكون عالما دينا وقلما يكون ذلك إلا في عاقل . قال الحسن : ما كمل دين امرئ ما لم يكمل عقله وصفة المستشار في أمور الدنيا أن يكون عاقلا مجربا محببا لمن يستشيره وقد جعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه الخلافة -وهي أعظم النوازل – شورى ؛ قال البخاري : وكانت الأئمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم يستشيرون الأمناء في أمر العلم في الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها . مما يقول الطبري : وأما أمته فإنهم إذا تشاوروا مستنين بفعله في ذلك على تصادق وتآخ للحق وإرادة جميعهم للصواب من غير ميل إلى الهوى ، ولا حيد عن الهدى فالله مسددهم وموفقهم .

وأما قوله { فإذا عزمت فتوكل على الله } فإنه يعني : فإذا صح عزمك بتثبيتنا إياك وتسديدنا لك فيما أنابك وحزبك من أمر دينك ودنياك فامض لما أمرناك به على ما أمرناك به ، وافق ذلك آراء أصحابك وما أشاروا به عليك أو خالفها وتوكل فيما تأتي من أمورك وتدع وتحاول أن تزاول على ربك فثق به في كل ذلك وارض بقضائه في جميعه ، دون آراء سائر خلقه ومعونتهم ، فإن الله يحب المتوكلين وهم الراضون بقضائه والمستسلمون لحكمه فيهم وافق ذلك منهم هوى أو خالفه . 1ه . والعزم : قصد الإمضاء .


[1192]:مما أورد صاحب تفسير غرائب القرآن: ثم إنه سبحانه لما أرشدهم في الآيات المتقدمة إلى ما ينفعهم معاشهم ومعادهم وكان من جملة ذلك أن عفا عنهم زاد في الفضل والإحسان بأن مدح الرسول صلى الله عليه وسلم حين عفا عنهم وترك التغليظ عليهم في انهزامهم. روى أن امرأة عثمان دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وكان النبي صلى الله عليه وسلم وعلي يغسلان السلاح فقالت: ما فعل عثمان ؟ أما والله لا تجدونه أمام القوم، فقال لها علي: ألا إن عثمان فضح الذمار اليوم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم {مه} – يعني اسكت-. وروى أنه قال حينئذ " أعياني أزواج الأخوات أن يتحابوا (ولما دخل عثمان مع صاحبه ما زاد على أن قال: لقد ذهبتم بها عريضة) وعنه قال (إنما أنا لكم مثل الوالد فإذا ذهب أحدكم إلى الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها) وقال صلى الله عليه وسلم (لا حلم أحب إلى الله من حلم إمام ورفقه ولا جهل أبغض إلى الله من جهل إمام وخرقه) فلما كان صلى الله عليه وسلم إمام العالمين وجب أن يكون أكثرهم حلما وأحسنهم خلقا لأن الغرض من البعثة وهو التزام التكاليف لا يتم إلا إذا مالت قلوب الأمة إليه وسكنت نفوسهم لديه ورأوا فيه آثار الشفقة وإمارات النصيحة. وعن بعض الصحابة أنه قد قال لقد أحسن الله إلينا كل الإحسان كنا مشركين فلو جاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الدين جملة، وبالقرآن دفعة لثقلت هذه التكاليف علينا، فما كنا ندخل في الإسلام ولكنه دعانا على كلمة واحدة فلما قبلناها وعرفنا حلاوة الإيمان قبلنا ما وراءها كلمة بعد كلمة على سبيل الرفق إلى أن تم الدين وكملت الشريعة.
[1193]:من سورة الشورى من الآية 38.
[1194]:روى الإمام أحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للعمرين- أبي بكر وعمر- رضي الله تعالى عنهما (لو اجتمعتما على مشورة ما خالفتكما).