بسم الله الرحمن الرحيم هل أتى على الإنسان استفهام تقرير تقريب ولذلك فسر بقد وأصله أهل كقوله أهل رأونا بسفح القاع ذي الأكم حين من الدهر طائفة محدودة من الزمان الممتد الغير المحدود لم يكن شيئا مذكورا بل كان شيئا منسيا غير مذكور بالإنسانية كالعنصر والنطفة والجملة حال من الإنسان أو وصف ل حين بحذف الراجع .
( سورة الإنسان مكية ، وقيل مدنية ، وآياتها 31 آية ، نزلت بعد سورة الرحمان )
وقد اختلف في مكيتها ومدنيتها ، وفي المصحف المتداول أنها مدنية ، ولكن آيات السورة وسياقها وموضوعاتها تحمل الطابع المكي ، وهي أقرب إلى أن تكون مكية .
والمكي من القرآن هو ما نزل بمكة قبل الهجرة ، والمدني هو ما نزل بالمدينة بعد الهجرة .
وهناك سور متفق على مكيتها ، وسور متفق على مدنيتها ، وسور مختلف فيها ، من العلماء من يرى أنها مدنية ، ومنهم من يرى أنها مكية ، ومن هذه السور سورة الإنسان .
وقد غلب على السور المكية الحديث عن الألوهية ، والتحذير من عبادة الأصنام ، والتذكير بالبعث والجزاء ، ولفظ الأنظار إلى مشاهد الكون ونواميسه ، وآيات الله في الآفاق ، ودلائل القدرة الإلهية في الخلق والنفس .
وغلب على السور المدنية وصف غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم ، وحالات المجتمع المدني ، والحديث عن المنافقين واليهود ، والعناية بتشريع الأحكام ، ونظام المجتمع ودعائم الحكم السليم .
والقرآن في مجمعه كتاب هداية ، ودعوة إلى القيم ومكارم الأخلاق ، وحث على الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، ودعوة إلى تهذيب النفس ، وحث على الفضيلة والاستقامة ، وتقوى الله ومراقبته .
وهذه المعاني التي نجدها في السور المكية والمدنية ، وفي السور المختلف في مكيتها ومدنيتها ، كسورة الإنسان .
ولا نملك نحن إلا أن نقول : سورة الإنسان سورة من القرآن الكريم يختلف الترجيح في مكيتها ومدنيتها ، ونرى أن أسلوبها أقرب إلى أسلوب القرآن المكي ، وبذلك تكون جميع سور جزء ( تبارك الذي بيده الملك ) مكية .
سورة الإنسان نداء رخي ندي للإنسان أن يتذكر أصله الذي خلق منه ، ويتذكر فضل الله عليه ، حيث خلقه بشرا سويا ، ويسر له طريق الخير والشر ، ليختار بإرادته وكسبه ، وعقله وطاقاته ومداركه .
وبذلك تذكر السورة أصل الخلق ، والمدارك والطاقات التي منحها الله للإنسان ، وميّزه بهذا على جميع المخلوقات ، حيث منحه الإرادة والاختيار ، والسمع والبصر ، ليسمع ويرى ويفكر ويتدبر ، ثم يختار بإرادته وكسبه ، وهذه ميزة خاصة بالإنسان وحده في هذا الكون .
فالملاك مطيع طاعة مطلقة ، والحيوان مزود بالإدراك دون الاختيار ، والكون كله مسخر بمشيئة الله ، وخاضع لنواميسه خضوع القهر والغلبة .
والإنسان زود بالعقل ليختار الطاعة لله أو المعصية ، وهذا هو أساس الابتلاء والاختبار ، فإن أطاع صار أهلا لرضوان الله وجنته ، وإن عصى صار أهلا لغضبه وناره .
وقد ذكرت السورة عذاب أهل النار في آية واحدة ، وهي الآية الرابعة ، واسترسلت في وصف نعيم أهل الجنة وثوابهم في الآيات من ( 5-22 ) ، أي في جزء كبير من السورة .
ثم يتجه الخطاب إلى الرسول الأمين صلى الله عليه وسلم ، لتثبيته على الدعوة ، وتوجيهه إلى الصبر ، وانتظار حكم الله في الأمر ، والاتصال بربه ، والاستمداد منه كلما طال الطريق ، وذلك في الآيات من ( 23 -26 ) .
وفي الجزء الأخير من السورة تذكير للكافرين باليوم الثقيل الذي لا يحسبون حسابه ، والذي يخافه الأبرار ويتقونه ، والتلويح لهم بهوان أمرهم على الله الذي خلقهم ، ومنحهم ما هم فيه من القوة ، وهو قادر على الذهاب بهم ، والإتيان بقوم آخرين ، لولا تفضله عليهم بالبقاء لتمضي مشيئة في الابتلاء ، ويلوح في ختام السورة بعاقبة الابتلاء ، وذلك في الآيات من ( 27 -31 ) .
1- قد أتى على هذا النوع- نوع الإنسان- زمن لم يكن موجودا ، حتى يعرف ويذكر .
والحين : طائفة من الزمان غير محدودة ، وعن ابن عباس وابن مسعود : أن الإنسان ههنا آدم ، والحين محدود ، وذلك أنه مكث أربعين سنة طينا ، إلى أن نفخ فيه الروح فصار شيئا مذكورا بعد كونه كالمنسيi .
2- إنا خلقنا الإنسان من نطفة ، اختلط فيها ماء الرجل بماء المرأة ، مريدين ابتلاءه واختباره بالتكليف فيما بعد ، إذا شبّ وبلغ الحلم ، فجعلناه سميعا بصيرا ، ليتمكن من استماع الآيات ، ومشاهدة الدلائل ، والتعقل والتفكر .
ومقصود الآية : نحن نعامل الإنسان معاملة المختبر له ، أيميل إلى أصله الأرضي فيكون حيوانا نباتيا معدنيا شهوانيا ، أم يكون إلهيا معتبرا بالسمع والبصر والفكر ؟
3- بيّن الله للإنسان الطريق السوي ، بإرسال الرسل ، وإنزال الكتب ، وهو بالخيار ، إما أن يكون شاكرا لنعماء الله ، فيسير في الطريق الواضح المرسوم ، وإما أن يكون كافرا فيعرض ويكفر ، ويختار الضلال على الهدى .
4- إنا هيأنا لمن كفروا بنعمتنا سلاسل للأقدام ، وأغلالا تشدّ بها أيديهم إلى أعناقهم ، كما يفعل بالمجرمين في الدنيا ، ونارا تتسعر يلقى فيها بالمسلسلين المغلولين .
ثم تصف الآيات بعد ذلك نعيم المتقين ، وصفا طويلا لم نجد مثله في سورة سابقة ، ويستمر هذا الوصف من الآية ( 5 ) إلى الآية ( 22 ) ، أي ( 18 ) آية من مجموع آيات السورة وهي ( 31 ) آية ، أي أن أكثر من نصف السورة يصف نعيم المتقين وحليّهم وملابسهم وخدمهم ، وما هم فيه من نعمة ورضوان وملك كبير .
ولنسر مع هذه الآيات التي تصف نعيم المتقين :
5 ، 6- إن شراب الأبرار في الجنة ممزوج بالكافور ، يشربونه في كأس تغترف من عين تفجّر لهم تفجيرا في كثرة ووفرة ، وينتفعون بها كما يشاءون ، ويتبعهم ماؤها إلى كل مكان ، يحبون وصولها إليه .
قال مجاهد : يقودونها حيث شاءوا ، وتتبعهم حيث مالواii .
7- كانوا يوفون بالنذر فيفعلون ما اعتزموا من الطاعات وما التزموا من الواجبات ، أي أنهم يؤدون ما أوجبه الله عليهم بأصل الشرع ، وما أوجبوه على أنفسهم بالنذر .
وهم يستشعرون الخشية من يوم القيامة ، ذلك يوم شديد عذابه ، عظيم خطره ، كالنار يتطاير شررها فيعم شرها .
8- وكانوا يطعمون الطعام ، ويقدمون المعونة النافعة لكل مسكين عاجز عن الاكتساب ، ولكل يتيم مات كاسبه ، ولكل أسير لا يملك لنفسه قوة ولا حيلة .
9- وحين يقدمون الطعام والمعونة النافعة لكل مسكين عاجز عن الاكتساب ، ولكل يتيم مات كاسبه لا يترفعون على عباد الله ولا يشعرون بالاستعلاء والعظمة ، إنما يقدمون المعونة في إخلاص وتجرد لوجه الله ، ولا ينتظرون شكرا ولا إعلانا .
قال مجاهد وسعيد بن جبير : أما والله ما قالوه بألسنتهم ، ولكن علم الله به من قلوبهم ، فأثنى عليهم به ، ليرغب في ذلك راغبiii .
10- لقد أخرجوا الصدقة لوجه الله ، ولسان حالهم يقول : إنا نفعل ذلك ليرحمنا ربنا ، ويتلقانا بلطفه في يوم عبوس ، تعبس فيه الوجوه ، قمطرير شديد العبوس .
قال النسفي : وصف اليوم بصفة أهله من الأشقياء ، نحو : نهارك صائم ، والقمطرير شديد العبوس ، الذي يجمع ما بين عينيه . iv .
11- فحفظهم الله من شر ذلك اليوم ، وكسا وجوههم نضرة ونضارة ، وتنعما وفرحا وسرورا .
12- وجزاهم بصبرهم على الإيثار والتزامهم بأمر الله جنة يسكنونها ، وحريرا يلبسونه .
ثم تصف الآيات مساكن أهل الجنة ، وشرابهم وأوانيه وسقاته ، وما تفضل به عليهم ربهم ، من فاخر اللباس والحلي ، وأصناف النعيم فتقول :
13- هم في جلسة مريحة مطمئنة ، الجو حولهم رخاء ناعم ، دافئ في غير حر ، ندى في غير برد ، فلا شمس تلهب النسائم ، ولا زمهرير وهو البرد القارس .
14- ظلال الجنة قريبة من الأبرار ، مظلة عليهم ، وقطوفها وثمارها قريبة دانية في متناول أيديهم ، ينالها القائم والقاعد والمتكئ .
15 ، 19- يطاف عليهم بآنية من فضة بيضاء ، في صفاء الزجاج ، فيرى ما في باطنها من ظاهرها ، مما لم تعهده الأرض في آنية الفضة ، وهي بأحجام مقدرة تقديرا ، يحقق المتاع والجمال ، ثم هي تمزج بالزنجبيل كما مزجت مرة بالكافور ، وهي كذلك تملأ من عين جارية تسمى سلسبيلا ، لشدة عذوبتها واستساغتها للشاربين ، وزيادة في المتاع فإن الذين يطوفون بهذه الآواني والأكواب هم غلمان صباح الوجوه ، لاي فعل فيهم الزمن ، ولا تدركهم السن ، فهم مخلدون في سن الصباحة والصبا والوضاءة ، وهم هنا وهناك كاللؤلؤ المنثور .
20- تجمل هذه الآية خطوط هذا النعيم ، وتلقى عليه نظرة كاملة فاحصة ، تلخص وقعه في القلب والنظر ، فإذا نظرت في الجنة رأيت نعيما عظيما ، وملكا كبيرا لا يحيط به الوصف .
21- ثم تخصيص هذه الآية مظهرا من مظاهر النعيم والملك الكبير ، فتقول : إن لباس أهل الجنة السندس ، وهو الحرير الرقيق ، والاستبرق وهو الحرير السميك المبطن ، وقد حلوا أساور من فضة ، وتدرج نعيمهم في الارتقاء إلى مدارج الكمال ، حتى وصل إلى : وسقاهم ربهم . وأضاف السقي إلى ذاته الشريف والتخصيص . شرابا طهورا . مبالغة في طهارته ونظافته بخلاف خمر الدنيا ، فهو عطاء كريم من معط كريم ، وهذه تضاف إلى قيمة ذلك النعيم .
22- ثم ختم وعدهم بالود والتكريم ، فقال : إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا .
أي : يقال لهؤلاء الأبرار هذا القول ، زيادة في سرورهم : إن هذا الذي أعطيناكم من الكرامة ، كان ثوابا على أعمالكم الصالحة ، وكان عملكم في الدنيا مشكورا ، حمدكم عليه ربكم ورضيه لكم ، فأثابكم به من الكرامة .
وهذا النطق من الملأ الأعلى يعدل هذه المناعم كلها ، ويمنحها قيمة أخرى فوق قيمتها ، لأنها جزاء على عمل ، وثواب لإنسان اختار الهدى والطريق المستقيم والعمل الصالح ، فاستحق النعيم والتكريم .
23- وبعد أن بين الله سبحانه ما في الجنة من نعيم ، ذكر نبيه صلى الله عليه وسلم بنعمة الرسالة تسلية لفؤاده ، وحثا على الصبر والثبات ، فقال : إن نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا .
إن القرآن من عند الله تعالى ، أنزله منجما مفصلا في ثلاث وعشرين سنة ، ليكون أسهل لحفظه وتفهمه ودراسته ، ولتكون الأحكام آتية وفق الحوادث التي تجدّ في الكون ، فتكون تثبيتا لإيمان المؤمنين وزيادة في تقوى المتقين .
24- اصبر على أن أمر الله واثبت على الحق ، ولا تتبع أحدا من الآثمين إذا دعاك إلى الإثم ، ولا من الكافرين إذا دعاك إلى الكفر ، إن الأمور مرهونة بقدر الله ، وهو يمهل الباطل ويملي للشر ، كل أولئك لحكمة يعلمها يجرى بها قدره ، وينفذ بها حكمه ، فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثما أو كفورا .
ونهيه صلى الله عليه وسلم عن طاعة الآثم والكفور –وهو لا يطيع واحدا منهما- إشارة إلى أن الناس محتاجون إلى مواصلة الإرشاد ، لما ركب في طباعهم من الشهوة الداعية إلى اجتراح السيئات ، وأن أحدا لو استغنى عن توفيق الله وإرشاده لكان أحق الناس بذلك هو الرسول المعصوم صلى الله عليه وسلم .
25 ، 26- ودم على ذكره في الصباح والمساء ، والخلوة والجلوة ، وصلّ بعض الليل كصلاتي المغرب والعشاء ، واسجد له بالليل وسبحه طويلا ، لأنه مصدر القوة والعناية ، وينبوع العون والهداية ، ومن وجد الله وجد كل شيء ، فالصلة به هي السعادة الكبرى ، والعناية العظمى ، والزاد الحقيقي الصالح لهذه الرحلة المضنية في طريق الحياة .
27- إن هؤلاء المشركين بالله يحبون الدنيا ، وتعجبهم زينتها ، وينهمكون في لذتها الفانية ، ويتركون اليوم الثقيل الذي ينتظرهم هناك بالسلاسل والأغلال والسعير ، بعد الحساب العسير .
والآية تثبيت للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين في مواجهة المشركين ، إلى جانب أنها تهديد ملفوف لأصحاب العاجلة باليوم الثقيل .
28- يتلو ذلك التهديد التهوين من أمرهم عند الله ، الذي أعطاهم ما هم فيه من قوة وبأس ، وهو قادر على الذهاب بهم ، فهم لا يعجزون الله بقوتهم ، وهو الذي خلقهم وأعطاهم إياها ، وهو قادر على أن يخلق أمثالهم في مكانهم ، فإذا أمهلهم ولم يبدل أمثالهم فهو فضله ومنته ، وهو قضاؤه وحكمته .
29- إن هذه السورة بما فيه من ترتيب بديع ، ونسق عجيب ، ووعد ووعيد ، وترغيب وترهيب في تذكرة وتبصرة لكل ذي عقل وبصيرة ، فمن شاء الخير والنجاة لنفسه في الدنيا والآخرة فليتقرب إلى ربه بالطاعة ، وليصدق بالقرآن الكريم والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم فذلك هو الطريق إلى الله .
30- ويعقب على ذلك بإطلاق المشيئة ، ورد كل شيء إليها ليكون الاتجاه الأخير إليها ، والاستسلام الأخير لحكمها : وما تشاءون إلا أن يشاء الله . . .
أي : وما تشاءون اتخاذ السبيل الموصلة إلى النجاة ، ولا تقدرون على تحصيلها ، إلا إذا وفقكم الله لاكتسابها ، وأعدكم لنيلها . ذلك كي تعلم قلوب البشر أن الله هو الفاعل المختار ، المتصرف القهار .
إن الله كان عليما . بما يصلح العباد . حكيما . وضع كل إنسان في موضعه من الهداية والضلال ، فهو يعيد المتقين على القيام بواجبهم ، ويسلب عونه عن المشركين ، فيتيهون في بيداء الضلال .
31- يدخل من يشاء في رحمته . . . فيهديه ويوفقه للطاعة بحسب استعداده . والظالمين أعد لهم عذابا أليما . وقد أملى لهم وأمهلهم ، لينتهوا إلى هذا العذاب الأليم .
وهذا الختام يلتئم مع المطلع ، ويصور نهاية الابتلاء الذي خلق الله له الإنسان من نطفة أمشاج ، ووهبه السمع والإبصار ، وهداه السبيل إما إلى الجنة وإما إلى النار .
اشتملت سورة الإنسان على خمسة مقاصد :
3- وصف النار وصفا قصيرا في آية واحدة ، ووصف الجنة وصفا مسهبا في قرابة ( 18 ) آية .
4- ذكر المنّة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأمره بالصبر وقيام الليل .
5- المنّة على الخلق بإحكام خلقهم ، وإضافة كلية المشيئة إلى الله تعالى .
{ هل أتى على الإنسان حين من الدّهر لم يكن شيئا مذكورا 1 إنّا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا 2 إنّا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا 3 }
حين : وقت وزمان ، وقيل : طائفة محدودة من الزمان ، شاملة الكثير والقليل .
الدهر : الزمان الممتد غير المحدود ، ويقع على مدة العالم جميعها ، وعلى كل زمان طويل غير معين .
1- هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا .
قد أتى على الإنسان زمن طويل ، لم يكن موجودا في هذا الكون ، فقد كان في عالم العدم ، ثم خلق الله آدم بعد خلق الكون بستة بلايين سنة ، وكأن الحق سبحانه وتعالى خلق الكون في ستة أيام ، وقضى بأن يترك الكون هذه المدة في الخلق والوجود ، حتى يكون بعد هذه المدة صالحا لوجود الإنسان عليه ، حيث كانت السماء رتقاء لا تمطر ، والأرض بالتالي لا تنبت ، وعندما وجد الإنسان على ظهر الأرض ، وجد الماء ، وجعله الله سبب الحياة ، والنبات والرزق ، واستمرار الأحياء على ظهر الأرض .
قال تعالى : أو لم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون . ( الأنبياء : 30 ) .
أي أن الله تعالى هيّأ للإنسان البيت الذي سيسكنه وهو الكون ، فجعل السماء الصمّاء تتفتق بالمطر ، وجعل الأرض الصماء تتفتق بالنبات ، وجعل الماء أساس الحياة بقدرة الله .
ثم إن الذي أوجد الإنسان من العدم قادر على إعادته بعد الموت للبعث والحشر والحساب والجزاء .
قال تعالى : وهو الذي يبدأ الخلق ثم عيده . . . ( الروم : 27 ) .
قال ابن كثير : يخبر تعالى عن الإنسان أنه أوجده بعد أن لم يكن شيئا يذكر لحقارته وضعفه . اه .
وقال المفسرون : هل أتى . بمعنى قد أتى .
تذكير الإنسان بأصل نشأته ، فقد كان شيئا منسيّا ، لا يفطن له ، وكان في العدم ذرة في صلب أبيه ، وماء مهينا ، لا يعلم به إلا الذي يريد أن يخلقه ، ومرّ عليه حين من الدهر كانت الكرة الأرضية خالية منه ، ثم خلقه الله وأبدع تكوينه وإنشاءه ، بعد أن كان مغمورا ومنسيا لا يعلم به أحد .
قال عطاء : هي مكية . وقال مجاهد وقتادة مدنية . وقال الحسن وعكرمة : هي مدنية إلا آية وهي قوله : { فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثماً أو كفورا } .
{ هل أتى } قد أتى { على الإنسان } يعني آدم عليه السلام ، { حين من الدهر } أربعون سنة ، وهو من طين ملقى بين مكة ، والطائف قبل أن ينفخ فيه الروح ، { لم يكن شيئاً مذكوراً } لا يذكر ولا يعرف ، ولا يدرى ما اسمه ولا ما يراد به ، يريد : كان شيئاً ولم يكن مذكوراً ، وذلك من حين خلقه من طين إلى أن نفخ فيه الروح . روي أن عمر سمع رجلاً يقرأ هذه الآية : { لم يكن شيئاً مذكوراً } فقال عمر : ليتها تمت ، يريد : ليته بقي على ما كان ، قال ابن عباس : ثم خلقه بعد عشرين ومائة سنة .
1- سورة " الإنسان " يرى بعضهم أنها من السور المكية الخالصة ، ويرى آخرون أنها من السور المدنية .
قال الآلوسي : هي مكية عند الجمهور ، وقال مجاهد وقتادة : مدنية كلها ، وقال الحسن : مدنية إلا آية واحدة ، وهي قوله –تعالى- : [ ولا تطع منهم آثما أو كفورا ]( {[1]} ) .
2- والذي تطمئن إليه النفس أن هذه السورة ، من السور المكية الخالصة ، فإن أسلوبها وموضوعها ومقاصدها . . كل ذلك يشعر بأنها من السور المكية ، إذ من خصائص السور المكية ، كثرة حديثها عن حسن عاقبة المؤمنين ، وسوء عاقبة المكذبين ، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالصبر ، وإثبات أن هذا القرآن من عند الله –تعالى- والتحريض على مداومة ذكر الله –تعالى- وطاعته . . وكل هذه المعاني نراها واضحة في هذه السورة .
ولقد رأينا الإمام ابن كثير –وهو من العلماء المحققين- عند تفسيره لهذه السورة ، قال بأنها مكية ، دون أن يذكر في ذلك خلافا ، مما يوحي بأنه لا يعتد بقول من قال بأنها مدنية .
3- وتسمى هذه السورة –أيضا- بسورة " هل أتى على الإنسان " ، فقد روى البخاري –في باب القراءة في الفجر- عن أبي هريرة ، قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الفجر سورة " ألم السجدة " . وسورة " هل أتى على الإنسان " .
وتسمى –أيضا- بسورة : الدهر ، والأبرار ، والأمشاج ، لورود هذه الألفاظ فيها .
وعدد آياتها : إحدى وثلاثون آية بلا خلاف .
4- ومن مقاصدها البارزة : تذكير الإنسان بنعم الله –تعالى- عليه ، حيث خلقه –سبحانه- من نطفة أمشاج ، وجعله سميعا بصيراً ، وهداه السبيل .
وحيث أعد له ما أعد من النعيم الدائم العظيم . . متى أطاعه واتقاه .
كما أن من مقاصدها : إنذار الكافرين بسوء العاقبة إذا ما استمروا على كفرهم . وإثبات أن هذا القرآن من عند الله –تعالى- وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم وأمته بالصبر والإكثار من ذكر الله –تعالى- بكرة وأصيلا .
وبيان أن حكمته –تعالى- قد اقتضت أنه : [ يدخل من يشاء في رحمته ، والظالمين أعد لهم عذابا أليما ] .
الاستفهام فى قوله - تعالى - : { هَلْ أتى عَلَى الإنسان . . } للتقرير . والمراد بالإِنسان : جنسه ، فيشمل جميع بنى آدم ، والحين : المقدار المجمل من الزمان ، لأحد لأكثره ولا لأقله . والدهر : الزمان الطويل غير المحد بوقت معين .
والمعنى : لقد أتى على الإِنسان { حِينٌ مِّنَ الدهر } أى : وقت غير محدد من الزمان الطويل الممتد فى هذه الحياة الدنيا .
{ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً } أى : لم يكن هذا الإِنسان فى ذلك الحين من الدهر ، شيئا مذكورا من بين أفراد جنسه ، وإنما كان شيئا غير موجود إلا فى علم الله - تعالى - .
ثم أوجده - سبحانه - بعد ذلك من نطفة فعلقة فمضغة . . ثم أنشأه - سبحانه - بعد ذلك خلقا آخر ، فتبارك الله أحسن الخالقين .
فالمقصود بهذه الآية الكريمة بيان مظهر من مظاهر قدرته - عز وجل - حيث أوجد الإِنسان من العدم ، ومن كان قادرا على ذلك ، كان - من باب أول - قادرا على إعادته إلى الحياة بعد موته ، والحساب والجزاء .
قال الإِمام الفخر الرازى ما ملخصه : اتفقوا على أن " هل " هاهنا ، وفى قوله - تعالى - : { هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الغاشية } بمعنى قد ، كما تقول : هل رأيت صنيع فلان ، وقد علمت أنه قد رآه . وتقول : هل وعظتك وهل أعطيتك ، ومقصودك أن تقرره بأنك قد أعطيته ووعظته .
والدليل على أن " هل " هنا ليست للاستفهام الحقيقى . . أنه محال على الله - تعالى - فلابد من حمله على الخبر .
وجاءت الآية الكريمة بأسلوب الاستفهام ، لما فيه من التشويق إلى معرفة ما سيأتى بعده من كلام .
وجملة { لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً } فى وضع نصب على الحال من الإِنسان ، والعائد محذوف . أى : حالة كون هذا الإِنسان ، لم يكن فى ذلك الحين من الدهر ، شيئا مذكورا من بين أفراد جنسه . وإنما كان نسيا منسيا ، لا يعلم بوجوده أحد سوى خالقه - عز وجل - .
ثم فصل - سبحانه - بعد هذا التشويق ، أطوار خلق الإِنسان فقال : { إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ }