نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي  
{ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡمَوۡتَ وَٱلۡحَيَوٰةَ لِيَبۡلُوَكُمۡ أَيُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗاۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡغَفُورُ} (2)

ودل على ذلك بقوله : { الذي خلق } أي قدر وأوجد .

ولما كان الخوف من إيقاع المؤلم أدعى إلى الخضوع ، لأنه أدل على الملك مع أن الأصل {[66653]}في الأشياء العدم{[66654]} ، قدم قوله : { الموت } أي هذا الجنس ، وهو زوال الحياة عن الحي ، الذي هو في غاية الاقتدار على التقلب بجعله جماداً كأن لم يكن به حركة أصلاً . أول ما يفعل في تلك الدار بعد استقرار{[66655]} كل فريق في داره هوأن{[66656]} يعدم هذا الجنس ، فيذبح بعد أن يصور في صورة كبش . { والحياة } أي هذا الجنس ، وهو المعنى الذي يقدر الجماد به على التقلب بنفسه وبالإرادة{[66657]} ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : الموت خلقه الله على صورة كبش أملح ، لا يمر بشيء ولا يجد ريحه إلا مات ، والحياة على صورة فرس بلقاء ، وهي التي كان جبريل والأنبياء يركبونها فلا يجد ريحها شيء إلا حيي ، وهي التي أخذ السامري قبضة من أثرها ، وألقاه على الحلي الذي ألقاه بنو إسرائيل ، ونوى أن يكون عجلاً فصار عجلاً{[66658]} .

ولما ذكر الدال على القدرة أتبعه غايته ، وهو الحكم الذي هو خاصة الملوك فقال تعالى : { ليبلوكم } أي يعاملكم وهو {[66659]}أعلم بكم{[66660]} من أنفسكم معاملة المختبر لإظهار ما عندكم من العمل بالاختيار . { أيكم أحسن عملاً } أي من جهة العمل ، أي عمله أحسن من عمل غيره ، وعبارة القرآن في إسناد{[66661]} الحسن إلى الإنسان تدل على أن من كان عمله أحسن{[66662]} كان هو أحسن ، ولو أنه أبشع الناس منظراً ، ومن كان عمله أسوأ{[66663]} كان بخلاف ذلك ، والحسن إنما يدرك بالشرع ، فما حسنه الشرع فهو الحسن{[66664]} وما قبحه فهو القبيح ، وكان ذلك مفيداً للقيام بالطاعة ، لأن من تفكر في حاله علم أنه مباين لبقية الحيوانات بعقله وللنباتات بحياته ، وللجمادات بنموه ، وأن ذلك ليس {[66665]}له من{[66666]} ذاته بدليل موته ، فما كان له{[66667]} ذلك إلا بفاعل مختار ، له الحياة من ذاته ، فيجتهد في رضاه باتباع رسله إن كان عاقلاً ، فيشكره إذا أنعم ، ويصبر إن {[66668]}امتحن وانتقم ، ويخدمه بما أمر ، وينزجر عما عنه زجره ، فهذه الآية مشتملة على وجود المقتضي للسعادة وانتفاء المانع{[66669]} منها ، ووجود المقتضي إعداد وإرشاد ، فالإعداد إعانته سبحانه للعبد بإعداده لقبول السعادة ، كالحداد يلين الحديد{[66670]} بالنار ليقبل أن يكون سكيناً ، والإرشاد أخذه بالناصية إلى ما أعد له كالضرب{[66671]} بالسكين وإصلاحها للقطع بها ، وانتفاء المانع هو الموقف{[66672]} عن ذلك وهو دفع {[66673]}المشوشات والمفسدات{[66674]} كتثلم السكين وهو يجري مجرى السبب وسبب السبب ، وهو ما اشتمل عليه{[66675]} قوله صلى الله عليه وسلم :

" اللهم أعني ولا تعن عليّ " الحديث{[66676]} ، فذكره لتمام القدرة والعزة مع ذكر الأحسن دال على توفيقه بما ذكر ، ومن تأمل الآية عرف أنه ما خلق إلا ليتميز جوهره من صدق غيره أو صدقه من جوهر غيره ، وأن الدنيا مزرعة ، وأن{[66677]} الآخرة محصدة ، فيصير من نفسه على بصيرة ، وثارت{[66678]} إرادته لما خلق له تارة بالنظر إلى جمال ربه من حسن وإحسان ، وأخرى إلى جلاله من قدرة وإمكان{[66679]} ، وتارة بالنظر لنفسه بالشفقة عليها من خزي الحرمان ، فيجتهد في رضا ربه وصلاح نفسه ، خوفاً من عاقبة هذه البلوى .

ولما كان لا يغفل الابتلاء منا إلا جاهل بالعواقب ، وعاجز عن رد المسيء عن{[66680]} إساءته ، وجعله محسناً من أول نشأته ، قال نافياً لذلك عن منيع جنابه ، بعد أن نفاه بلطيف تدبيره وعظيم أمره في خلق{[66681]} الموت والحياة ، ومزيلاً بوصف العزة لما قد يقوله من يكون قوي الهمة : أنا لا أحتاج إلى تعب كبير في الوصول إليه سبحانه بل أصل إليه{[66682]} أي وقت شئت{[66683]} بأيسر سعي { وهو } أي والحال أنه وحده { العزيز } أي{[66684]} الذي يصعب الوصول إليه جداً ، من العزاز وهو المكان الوعر و{[66685]}الذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء ، فلو أراد جعل الكل محسنين ، ولا يكون كذلك{[66686]} إلا وهو تام القدرة فيلزم تمام{[66687]} العلم والوحدانية ووجوب الوجود أزلاً وأبداً .

ولما كان العزيز منا يهلك كل من خالفه إذا علم مخالفته{[66688]} ، قال مبيناً إمهاله للعصاة مرغباً للمسيء في التوبة ، بعد ترهيبه من الإصرار على الحوبة ، لأنه قد يكون مزدرئاً لنفسه قائلاً : إن مثلي لا يصلح للخدمة لما لي من الذنوب{[66689]} القاطعة وأين التراب من رب{[66690]} الأرباب { الغفور * } أي أنه{[66691]} مع ذلك يفعل في محو الذنوب عيناً وأثراً فعل المبالغ في ذلك ، ويتلقى من أقبل إليه أحسن تلق ، كما قال تعالى في الحديث القدسي : " ومن أتاني يمشي أتيته هرولة {[66692]} " .


[66653]:- من ظ وم، وفي الأصل: شيئا إلا لعدم.
[66654]:- من ظ وم، وفي الأصل: شيئا إلا لعدم.
[66655]:- من ظ وم، وفي الأصل: استغراق.
[66656]:- من ظ وم، وفي الأصل: بأن.
[66657]:- من ظ وم، وفي الأصل: الإرادة.
[66658]:- زيد من ظ.
[66659]:- من ظ وم، وفي الأصل: لكم.
[66660]:- من ظ وم، وفي الأصل: لكم.
[66661]:- من ظ وم، وفي الأصل: سناد.
[66662]:- من ظ وم، وفي الأصل: حسن.
[66663]:- من ظ وم، وفي الأصل: ساء.
[66664]:- من ظ وم، وفي الأصل: حسن.
[66665]:- من ظ وم، وفي الأصل: بعض.
[66666]:- من ظ وم، وفي الأصل: بعض.
[66667]:- زيد في الأصل: من، ولم تكن الزيادة في ظ وم فحذفناها.
[66668]:- من م، وفي الأصل وظ: إذا.
[66669]:- من ظ وم، وفي الأصل: الموانع.
[66670]:- من ظ وم، وفي الأصل: الحديدة.
[66671]:- من ظ وم، وفي الأصل: بالضرب.
[66672]:- من ظ وم، وفي الأصل: المتوقف.
[66673]:- من ظ وم، وفي الأصل، المفسدات المشوشات.
[66674]:- من ظ وم، وفي الأصل، المفسدات المشوشات.
[66675]:- زيد من ظ وم.
[66676]:- راجع سنن ابن ماجه- الدعاء.
[66677]:- زيد من م.
[66678]:- من ظ وم، وفي الأصل: تأثرت.
[66679]:- من ظ وم، وفي الأصل: أحكام.
[66680]:- من ظ وم، وفي الأصل: إلى.
[66681]:- زيد من ظ وم.
[66682]:- زيد في الأصل: أي، ولم تكن الزيادة في ظ وم فحذفناها.
[66683]:- زيد من ظ وم.
[66684]:- زيد من ظ وم.
[66685]:- زيد من م.
[66686]:- من ظ وم، وفي الأصل: ذلك.
[66687]:- من ظ وم، وفي الأصل: تام.
[66688]:- من ظ وم، وفي الأصل: بمخالفته.
[66689]:- من ظ وم، وفي الأصل: الذنوبة.
[66690]:- زيد من ظ و م.
[66691]:- زيد من ظ و م.
[66692]:- الحديث مستفيض.