نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخۡشَوۡنَ رَبَّهُم بِٱلۡغَيۡبِ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَأَجۡرٞ كَبِيرٞ} (12)

ولما ذكر سبحانه أهل المعاملة بصفة العزة لما حصل لهم من العزة ، أتبعهم أضدادهم المطوعين أنفسهم {[66877]}لإشارة العقل{[66878]} المتأهلين لنعت المعرفة ، فقال مؤكداً لما للأضداد من التكذيب : { إن الذين يخشون } أي يخافون خوفاً{[66879]} أرق{[66880]} قلوبهم وأرق{[66881]} غيرهم ، بحيث كانوا كالحب على المقلى لا يقر لهم قرار من توقعهم العقوبة ، كلما{[66882]} ازدادوا طاعة ازدادوا خشية ، يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة ، فوقوا أنفسهم فوران النار بهم ، وعدل عن سياق الجلالة الجامع إلى صفة الإحسان تنبيهاً على أنهم غلب عليهم النظر إلى الإحسان فقادهم إلى الشكر ، مع ما نبهت{[66883]} عليه الخشية من اتصافهم بالفرق الذي أداهم إلى الذعر ، فقال : { ربهم } الذي أحسن إليهم بتطويرهم بما جعل لهم من الأسباب في أطوار الخير ، وإذا كانوا يخشونه مع نظرهم{[66884]} إلى صفة إحسانه ، فما ظنك بهم عند النظر إلى صفات انتقامه . { بالغيب } أي حال كونهم غائبين عنه سبحانه ، ووعيده غائباً عنهم ، وهم غائبون عن أعين الناس ، وقد ملأ الخوف ما غاب منهم عن الناس وهي قلوبهم ، فهم مع الناس يتكلمون وقلوبهم تتلظى بنيران{[66885]} الخوف وتكلم بسيوف الهيبة ، فيتركون المعصية حيث لا يراهم أحد من الناس ، ولا يكون لهم هذا إلا برياضة عظيمة لما عند الناس من القوى الموجبة للطغيان ، قال بعض العارفين : في الإنسان خواص{[66886]} تستدعي العلم بما يشوبها من الحظوظ فتنشأ منها - والعياذ بالله - المنازعة في الكبرياء والعظمة والجلال والجمال ، فالقلب يستدعي التفرد بالوجود والأمر والنهي ، فما من أحد إلا وهو مستبطن ما قال فرعون ، ولكن لا يجد له مجالاً كما وجد{[66887]}فرعون . والعقل يستدعي في تدبيره وتأثيره اعتقاد أنه لو مكن من الوجود لدبره ، ويرى أن تدبيره هو التدبير وإن كان أفسد الفاسد ، وكذلك{[66888]} لا يزال يقول : لو{[66889]} كان كذا{[66890]} لكان كذا . والنفس لتتخيل أنها من القوة والاقتدار بحيث لو أرادت أن تخرب مدناً وتبنيها فعلت ، فليحذر الإنسان فإن أعدى عدوه {[66891]}نفسه{[66892]} التي هي بين جنبيه{[66893]} ، فمهما تركها انتشرت ، {[66894]}قال تعالى{[66895]}

{ كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى }[ العلق : 6 و 7 ] وينسى ما بعدها

{ إن إلى ربك الرجعى }[ العلق : 8 ] ولهذا كان بعض الأكاسرة - وكانوا أعقل الملوك - يرتب واحداً يكون وراءه بالقرب منه ، يقول له{[66896]} إذا اجتمعت جنوده بعد كل قليل{[66897]} : أنت عبد ، لا يزال {[66898]}يكرر ذلك{[66899]} ، والملك يقول له كلما قاله{[66900]} : نعم ، فعلى العاقل أن يطوع نفسه لأن ترجع مطمئنة بأن يرضى بالله رباً ليدخل في رق العبودية ، وبالإسلام ديناً ليصير عريقاً فيها ، فلا ينازع الملك في ردائه الكبرياء وإزاره العظمة وتاجه الجلال وحلته الجمال ، ولا ينازعه فيما يدبره{[66901]} من الشرائع{[66902]} ، ويظهره من المعارف ، ويحكم به على{[66903]} عبيده من قضائه وقدره .

ولما كانت الخشية مشيرة إلى{[66904]} الذنوب ، فكان {[66905]}أهم ما إليهم {[66906]}الإراحة منها{[66907]} قال تعالى : { لهم مغفرة } أي سترة{[66908]} عظيمة تأتي على جميع ذنوبهم .

ولما كان السرور إنما يتم بالإعطاء قال : { وأجر } أي من فضل الله { كبير * } يكون لهم به من الإكرام ما ينسيهم ما قاسوه في الدنيا من شدائد الآلام ، وتصغر في جنبه لذائذ الدنيا العظام{[66909]} .


[66877]:- من ظ وم، وفي الأصل: إشارة لعقل.
[66878]:- من ظ وم، وفي الأصل: إشارة لعقل.
[66879]:- زيد من ظ وم.
[66880]:- من ظ وفي الأصل: وم، رقة.
[66881]:- من ظ وفي الأصل: وم، رقة.
[66882]:- من ظ وم، وفي الأصل: فكلمة.
[66883]:- من ظ وم، وفي الأصل: زيد نبهنا، ولم تكن الزيادة في ظ وم.
[66884]:- من ظ وم، وفي الأصل: فطرهم.
[66885]:- من ظ وم، وفي الأصل: نار.
[66886]:- زيد من ظ وم.
[66887]:- من ظ وم، وفي الأصل: قال.
[66888]:- من ظ وم، وفي الأصل: لذا.
[66889]:- من ظ وم، وفي الأصل: لولا.
[66890]:- تكرر في الأصل فقط.
[66891]:- في ظ وم: عدوله.
[66892]:- سقط ما بين الرقمين من ظ وم.
[66893]:- سقط ما بين الرقمين من ظ وم.
[66894]:- سقط ما بين الرقمين من ظ وم.
[66895]:- سقط ما بين الرقمين من ظ وم.
[66896]:- زيد من ظ وم.
[66897]:- زيد في الأصل: يقول، ولم تكن الزيادة في ظ وم فحذفناها.
[66898]:- من ظ وم، وفي الأصل: يكررها.
[66899]:- من ظ وم، وفي الأصل: يكررها.
[66900]:- من ظ وم، وفي الأصل: قالها.
[66901]:- من ظ وم، وفي الأصل: دبر.
[66902]:- من م، وفي الأصل وظ: البدائع.
[66903]:- زيد في الأصل. عبد من، ولم تكن الزيادة في ظ وم فحذفناها.
[66904]:-زيد في الأصل: ترك، ولم تكن الزيادة في ظ وم فحذفناها.
[66905]:- من ظ وم، وفي الأصل: فكانت.
[66906]:-من ظ وم، وفي الأصل: الزحة.
[66907]:- من ظ وم، وفي الأصل: الزحة.
[66908]:- سقط من ظ وم.
[66909]:- زيد في الأصل: انتهى ولم تكن الزيادة في ظ وم فحذفناها.