صفوة البيان لحسين مخلوف - حسنين مخلوف [إخفاء]  
{فَبِمَا رَحۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ وَشَاوِرۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِۖ فَإِذَا عَزَمۡتَ فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَوَكِّلِينَ} (159)

{ فظا }كريه الخلق ، خشن الجانب ، جافيا في المعاشرة قولا وفعلا . وفعله من باب تعب . وأصل الفظ مكروه طبعا . { غليظ القلب }قاسيه ، من الغلظة ضد الرقة ، وتنشأ عنها الفظاظة وفعله ككرم وضرب .

{ وشاورهم في الأمر }أي في أمر الحرب ونحوه مما تجري في المشاورة عادة ، وفي أمر الدين الذي لم ينزل فيه وحي ، للاستظهار بآرائهم ، ولتطييب قلوبهم ، ولتستن بك أمتك في ذلك . روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( أما إن الله ورسوله لغنيان عنها ، ولكن جعلها الله تعالى رحمة لأمتي ، فمن استشار منهم لم يعدم رشدا ، ومن تركها لم يعدم غيا ) . وقد درج الأئمة الراشدون من بعده صلى الله عليه وسلم على هذه السنة التي هي من أهم عزائم الأحكام في الإسلام . وإنما كانوا يستشيرون الأمناء الصلحاء من أهل العلم والدين ، والبصر بالأمور ، والصدق والأمانة ، والشجاعة في الحق .

والمشورة والمشاورة : استخراج الرأي بمراجعة البعض البعض . مأخوذة من قولهم : شرت الدابة ، إذا علمت خبرها بجري أو غيره . أو من قولهم : شرت العسل واشترته ، إذا أخذته من الخلية .

{ فإذا عزمت فتوكل على الله }أي فإذ ا عقدت قلبك على الأمر بعد المشاورة ، فاعتمد على الله في إمضائه وفوض أمرك إليه ، فإن بيده مقاليد الأمور كلها ، فما شاء كان ، وما لم يشأ لم يكن .

والتوكل : الاعتماد على الله والتفويض إليه . وهو لا ينافي الأخذ بالأسباب ، ومنها الشورى ، كما تشير إليه الآية ، وخبر : ( اعقلها وتوكل ) . والله تعالى خلق الأسباب والمسببات ، وربط بينهما ربطا عاديا ، وجعلها من سننه الكونية ، فترك الأخذ بها جهل ، وترك التوكل عليه زندقة .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{فَبِمَا رَحۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ وَشَاوِرۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِۖ فَإِذَا عَزَمۡتَ فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَوَكِّلِينَ} (159)

قوله تعالى : ( فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين ) .

( ما ) صلة زائدة للتأكيد . وذلك كقوله : ( فيما نقضهم ميثاقهم ) فيكون التقدير : فبرحمة من الله . أي أن محمدا صلى الله عليه و سلم صار رحيما بالمؤمنين لينا لهم بفضل من الله ورحمة . فالله سبحانه قد صنع هذه النبي العظيم على عينه ليكون على طبيعته الفذة وسجيته المميزة من فرط الرقة والعطف واللين ، فما كان قاسيا ولا فظا ولكن كان يخاطب الناس في غاية من الهشاشة والبشاشة التي لا تتجلى بهذه الدرجة العليا في غير نبي أوتي العصمة .

قوله : ( ولو كنت فظا غليظ القلب ) الفظ : الشديد الغليظ . والفظ من الرجال يعني الغليظ الجافي ، السيء الخلق . نقول : فظظت تفظ فظاظة فأنت فظ . والغليظ القلب أي القاسي . أو قليل الإشفاق والرحمة .

قوله : ( لانفضوا من حولك ) أي تفرقوا عنك حتى لا يبقى حولك أحد منهم . وذلك درس بليغ جدير بالدعاة إلى دين الله أن يعوه وأن يقفوا عليه في تدبر واستبصار . وأصل ذلك خطاب الله لرسوله الكريم أن يا محمد لو كنت جافيا قاسي القلب مع هؤلاء المؤمنين لتفرقوا عنك هيبة لك واستحياء منك بعد الذي كان من توليهم ، لكنك كنت معهم رحيما رفيقا حانيا . ولا عجب في ذلك ، فإن ذلكم كان خلق الرسول صلى الله عليه و سلم . كان خلقه ودأبه الرفق والرحمة والتواضع والعفو عن زلات المسيئين ، كان عليه الصلاة والسلام غاية في اللين وطيب العشرة وطهارة القلب . لا جرم أنه أكمل الخليقة طرا في حميد خصاله وشرف محاسنه التي يعز على الكون أو الكائنات أن تضاهيها .

قوله : ( فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر ) الفاء تدل على التعقيب . وذلك بعد أن بين الله مدى ما يتجلى في نبيه الكريم من خصال الرحمة واللين ، وانتفاء الغلظة والفظاظة يكلف الله نبيه بما يتضمن ثلاثة أمور :

الأول : أن يعفو عنهم فيما يتعلق بحقه . أي ما له في خاصته عليهم من تبعة .

الثاني : أن يستغفر لهم فيما لله عليهم من تبعة . أي فيما يختص بحق الله عليهم .

الثالث : أن يستشيرهم فيما يستشار فيه من قضايا الحرب ونحوها مما لم ينزل فيه وحي . وفي اللغة يقال : شاورهم مشاورة وشوارا ومشورة ، والاسم الشورى . والمشاورة مأخوذة من قولهم : شرت العسل أشوره إذا أخذته من موضعه واستخرجته . وقيل : مأخوذة من قولهم شرت الدابة شورا ، إذا عرضتها في المشوار . وتشاور القوم واشتوروا ( وأمرهم شورى بينهم ) أي لا يستأثر أحد بشيء دون غيره{[621]} .

لما أمر الله نبيه بمشاورة المسلمين في أمور الحياة مما يعرض لهم من قضايا ومشكلات ، كان عليه الصلاة والسلام أحرص الناس على العمل بمبدأ المشاورة ، فكان يستشير أصحابه في قضايا الحرب وغيرها من أمور الدنيا مما لم ينزل فيه وحي . فقد شاورهم يوم بدر في الذهاب إلى العير فقالوا : يا رسول الله لو استعرضت بنا عرض البحر لقطعناه معك ، ولو سرت بنا على برك الغماد لسرنا معك ، ولا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى : اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون . ولكن نقول : اذهب فنحن معك وبين يديك وعن يمينك وعن شمالك مقاتلون .

وكذلك شاورهم أين يكون المنزل حتى أشار المنذر بن عمرو بالتقدم أمام القوم وكذلك وشاورهم في أحد في أن يعقد في المدينة أو يخرج إلى العدو . فأشار جمهور المسلمين بالخروج إليهم فخرج إليهم .

وكلك شاورهم يوم الخندق في مصالحة الأحزاب بثلث ثمار المدينة عامئذ فأبى ذلك عليه سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فترك ذلك .

وكذلك شاورهم يوم الحديبية في أني ميل على ذراري المشركين . فقال له الصديق : إنا لما تجيء لقتال وإنما جئنا معتمرين ، فأجابه إلى ما قال : وقال صلى الله عليه و سلم في قصة الإفك : " وأشيروا علي معشر المسلمين في قوم أبنوا أهلي ورموهم . و أيم الله ما علمت على أهلي من سوء وأبنوهم بمن ؟ والله ما علمت إلا خيرا " . {[622]} وقوله : ( أبنوا ) بفتح الباء أي اتهموا . أبنه بشيء يأبنه فهو مأبون بخير أو شر . فإن أطلقت فقلت مأبون فهو للشر . وابنه تأبينا أ ] عابة في وجهه . وأبن فلان يؤبن بكذا أي يذكر بقبيح{[623]} .

وكذلك استشار عليا وأسامة في فراق عائشة رضي الله عنها ، إلى غير ذلك من وجوه المشاورة في مختلف الأحوال والوقائع مما ليس فيه شرع ؛ لما في ذلك من تطيب لقلوب المسلمين وترويضهم على المشاورة وإسداء النصائح والسديد من الأقوال في صراحة مكشوفة لا تعرف اللبس أو المداهنة أو المصانعة ، عسى أن يكون في ذلك ما ينتفع به المسلمون فيجتنبون مواطن التعثر والزلل .

ولئن كان ذلك شأن النبي في مشاورة القوم لاتنزاع الأصلح من الرأي ، وهو عليه السلام في القمة الرفيعة من درجات الذكاء والفطنة والعبقرية ، وهو المؤيد أيضا من الله بالوحي والعصمة والكلاءة ، فلا جرم أن يكون المسلمون من بعده أشد حاجة للمشاورة كيما يكون مبدأ الشورى راسخا في أذهانهم ، فيطبقونه في كل الأحوال . وفي ذلك من نشر المودة وتبديد المباغضة والأثرة ما يثير في المسلمين النزوع للتفاهم والتآخي ومبادلة الثقة . وبخلاف ذلك تشيع فيهم علائم الريبة وانتفاء الثقة والاستبداد والجنوح للطغيان والتسلط .

قوله : ( فإذا عزمت فتوكل على الله ) العزم معناه قصد الإمضاء ، عزم على الأمر يعزم عزما وعزمه واعتزمه وتعزم أي أراد فعله وقطع عليه أو جدّ في الأمر{[624]} .

أما التوكل فمعناه الاعتماد على الله مع إظهار العجز . والاسم التكلان . {[625]} والمعنى المراد أنه إذا حصل الرأي المشفوع بالمشورة فلا ينبغي الاعتماد عليه ، بل يجب الاعتماد في كل حال على الله . فهو سبحانه يكتب لعباده السداد والتوفيق ، ويجنبهم مزالق الضر والشر والعثرات . وعلى هذا لا ينبغي لمسلم أن يعتمد على أحد غير الله من المخاليق ، بل المسلم مكلف أن يتخذ من الأسباب ما يجده موصلا لمراده من غير أن يكون في ذلك توكل أو اعتماد على شيء أو أحد سوى الله . وما كان لمسلم أن يعتمد على ذاته وما أوتي من عزائم وقدرات ومواهب ، ولا أن يعتمد على عظيم ولا ملك ولا جبار ولا غير هؤلاء من مشاهير الدنيا وذوي الجاه والسلطان . ومع ذلك فإن المسلم مكلف بالسعي والجد والعزم مهما تكن النتائج . والله جلت قدرته يتعبد عباده بوجيبة الأخذ بالأسباب كيلا يؤخذ معليهم مثلبة التقصير والتفريط ، أو العجز والكسل .

قوله : ( إن الله يحب المتوكلين ) ذلك أن التوكل على الله من غير عجز ولا تواكل ولا تفريط ، إنما يشير إلى صدق الإيمان بالله ، وإلى تمام الثقة واليقين بكمال قدرته ، وأنه يجبر عبادة المخلصين المخبتين ، وهو سبحانه خير مجير ومعوان{[626]} .


[621]:- المصباح المنير جـ 1 ص 351 والقاموس المحيط جـ 2 ص 67 وتفسير الرازي جـ 9 ص 67.
[622]:- تفسير ابن كثير جـ 1 ص 420.
[623]:- القاموس المحيط جـ 4 ص 196 ومختار الصحاح ص 3.
[624]:- القاموس المحيط جـ 4 ص 151
[625]:- القاموس المحيط جـ 4 ص 67.
[626]:- تفسير الرازي جـ 9 ص 69 وتفسير القرطبي جـ 4 ص 253 وفتح القدير جـ 1 ص 393.