الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةٗ وَسَطٗا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيۡكُمۡ شَهِيدٗاۗ وَمَا جَعَلۡنَا ٱلۡقِبۡلَةَ ٱلَّتِي كُنتَ عَلَيۡهَآ إِلَّا لِنَعۡلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِۚ وَإِن كَانَتۡ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَٰنَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ} (143)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{وكذلك}، يعني وهكذا

{جعلناكم أمة وسطا}: عدلا، نظيرها في "ن والقلم"، قوله سبحانه: {قال أوسطهم}، (القلم: 28)، يعني أعدلهم، وقوله سبحانه: {من أوسط ما تطعمون أهليكم}، (المائدة: 89)، يعني أعدل، فقول الله: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا}، يعني أمة محمد، تشهد بالعدل في الآخرة بين الأنبياء وبين أممهم.

{لتكونوا شهداء على الناس}: على الرسل هل بلغت الرسالة عن ربها إلى أممهم.

{ويكون الرسول}: محمد صلى الله عليه وسلم

{عليكم شهيدا}: يعني على أمته أنه بلغهم الرسالة.

{وما جعلنا القبلة التي كنت عليها}: يعني بيت المقدس.

{إلا لنعلم}: إلا لنرى.

{من يتبع الرسول}: محمدا صلى الله عليه وسلم على دينه في القبلة ومن يخالفه من اليهود.

{ممن ينقلب على عقبيه}: ومن يرجع إلى دينه الأول.

{وإن كانت لكبيرة}: يعني القبلة حين صرفها عن بيت المقدس إلى الكعبة، فعظمت على اليهود.

ثم استثنى، فقال: {إلا على الذين هدى الله}: فإنه لا يكبر عليهم ذلك.

{وما كان الله ليضيع إيمانكم}: وذلك أن حيي بن أخطب اليهودي وأصحابه قالوا للمسلمين: أخبرونا عن صلاتكم نحو بيت المقدس، أكانت هدى أم ضلالة؛ فوالله لئن كانت هدى لقد تحولتم عنه، ولئن كانت ضلالة لقد دنتم الله بها فتقربتم إليه بها، وإن من مات منكم عليها مات على الضلالة. فقال المسلمون: إنما الهدى ما أمر الله عز وجل به، والضلالة ما نهى الله عنه، قالوا: فما شهادتكم على من مات منكم على قبلتنا؟

وكان قد مات قبل أن تحول القبلة إلى الكعبة: أسعد بن زرارة، ومات البراء بن معرور، وكانا من النقباء، ومات رجال، فانطلقت عشائرهم، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: توفي إخواننا وهم يصلون إلى القبلة الأولى، وقد صرفك الله عز وجل إلى قبلة إبراهيم، عليه السلام، فكيف بإخواننا، فأنزل الله عز وجل: {وما كان الله ليضيع إيمانكم}، يعني إيمان صلاتكم نحو بيت المقدس، يقول: لقد تقبلت منهم.

{إن الله بالناس لرءوف}: يرق لهم. {رحيم}: حين قبلها منهم قبل تحويل القبلة.

تفسير الشافعي 204 هـ :

... سمى الطَّهُورَ والصلوات إيمانا في كتابه، وذلك حين صرف الله تعالى وجه نبيه صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس، وأمره بالصلاة إلى الكعبة. وكان المسلمون قد صلوا إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا، فقالوا: يا رسول الله! أرأيت صلاتنا التي كنا نصليها إلى بيت المقدس ما حالها وحالنا؟ فأنزل الله تعالى:

{وَمَا كَانَ اَللَّهُ لِيُضِيعَ إِيـمَانَكُم إِنَّ اَللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ} فسمى الصلاة إيمانا. فمن لقي الله حافظا لصلواته، حافظا لجوارحه، مؤديا بكل جارحة من جوارحه ما أمر الله به وفرض عليها، لقي الله مستكمل الإيمان من أهل الجنة. ومن كان لشيء منها تاركا متعمدا مما أمر الله به لقي الله ناقص الإيمان. (مناقب الشافعي: 1/392. ومن مناقب الإمام الشافعي: 123. و أحكام الشافعي: 1/67. ومعرفة السنن والآثار: 1/484.)...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

"وكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطا": كما هديناكم أيها المؤمنون بمحمد عليه الصلاة والسلام، وبما جاءكم به من عند الله، فخصصناكم بالتوفيق لقبلة إبراهيم وملّته، وفضلناكم بذلك على من سواكم من أهل الملل كذلك خصصناكم ففضلناكم على غيركم من أهل الأديان بأن جعلناكم أمة وسطا. وقد بينا أن الأمة هي القرن من الناس والصنف منهم وغيرهم.

وأما الوسط فإنه في كلام العرب: الخيار، يقال منه: فلان وسط الحسب في قومه: أي متوسط الحسب، إذا أرادوا بذلك الرفع في حسبه، وهو وسط في قومه وواسط... وأنا أرى أن الوسط في هذا الموضع هو الوسط الذي بمعنى الجزء الذي هو بين الطرفين، مثل «وسط الدار»، محرّك الوسط مثقّله، غير جائز في سينه التخفيف. وأرى أن الله تعالى ذكره إنما وصفهم بأنهم وسط لتوسطهم في الدين، فلا هم أهل غلوّ فيه غلوّ النصارى الذين غلوا بالترهب وقيلهم في عيسى ما قالوا فيه، ولا هم أهل تقصير فيه تقصير اليهود الذين بدلوا كتاب الله وقتلوا أنبياءهم وكذبوا على ربهم وكفروا به، ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه، فوصفهم الله بذلك، إذ كان أحبّ الأمور إلى الله أوسطها.

وأما التأويل فإنه جاء بأن الوسط العدل، وذلك معنى الخيار لأن الخيار من الناس عدولهم. حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا مؤمل، قال: حدثنا سفيان عن الأعمش عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري: وكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطا قال: «عُدُولاً.

حدثني عليّ بن عيسى، قال: حدثنا سعيد بن سليمان، عن حفص بن غياث، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله: جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطا قال: عُدُولاً»...

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: وكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطا قال: هم وسط بين النبيّ صلى الله عليه وسلم وبين الأمم.

"لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَىَ النّاس ويَكُونَ الرّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدا".

والشهداء جمع شهيد. فمعنى ذلك: وكذلك جعلناكم أمة وسطا عدولاً (لتكونوا) شهداء لأنبيائي ورسلي على أممها بالبلاغ أنها قد بلغت ما أمرت ببلاغه من رسالاتي إلى أممها، ويكون رسولي محمد صلى الله عليه وسلم شهيدا عليكم بإيمانكم به، وبما جاءكم به من عندي. كما:

حدثني أبو السائب، قال: حدثنا حفص، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يُدْعَىَ بِنُوحٍ عَلَيْهِ السّلاَمُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُقَالُ لَهُ: هَلْ بَلّغْتَ ما أُرْسِلْتَ بِهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُقَالُ لِقَوْمِهِ: هَلْ بَلّغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: مَا جَاءَنَا مِنْ نَذِيرٍ، فَيُقَالُ لَهُ: مَنْ يَعْلَمُ ذَاكَ؟ فَيَقُولُ مُحَمّدٌ وأُمّتُهُ فهو قوله: وكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَىَ النّاسِ ويَكُونُ الرّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدا».

حدثنا مجاهد بن موسى، قال: حدثنا جعفر بن عون، قال: حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد عن النبيّ صلى الله عليه وسلم بنحوه، إلا أنه زاد فيه: «فَيُدْعَوْنَ وَيَشْهَدُونَ أنّهُ قَدْ بَلّغَ»...

حدثني عصام بن ورّاد بن الجراح العسقلاني، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن الفضل، عن أبي هريرة، قال: خرجت مع النبيّ صلى الله عليه وسلم في جنازة، فلمّا صلّى على الميت قال الناس: نعم الرجل فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «وَجَبَتْ». ثم خرجت معه في جنازة أخرى، فلما صلوا على الميت قال الناس: بئس الرجل فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «وَجَبَتْ». فقام إليه أبيّ بن كعب فقال: يا رسول الله ما قولك وجبت؟ قال: «قول الله عَزّ وجَلّ: لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَىَ النّاسِ».

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا زيد بن حباب، قال: حدثنا عكرمة بن عمار، قال: حدثني إياس بن سلمة بن الأكوع، عن أبيه، قال: كنا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم، فمرّ عليه بجنازة فأثنى عليها بثناء حسن، فقال: «وَجَبَتْ»، ومرّ عليه بجنازة أخرى، فأثنى عليها دون ذلك، فقال: «وَجَبَتْ»، قالوا: يا رسول الله ما وجبت؟ قال: «المَلاَئِكَةُ شُهَدَاءُ اللّهِ في السّماءِ وأنْتُمْ شُهَداءُ اللّهِ في الأرْضِ فَمَا شَهِدْتُمْ عَلَيْهِ وَجَبَ». ثم قرأ: وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَىَ اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ والمُؤْمِنُونَ... الآية...

"وَمَا جَعَلْنَا القِبْلَةَ الّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتّبِعُ الرّسُولَ مِمّنْ يَنْقَلِبُ عَلَىَ عَقِبَيْهِ": ولم نجعل صَرْفَك عن القبلة التي كنت على التوجه إليها يا محمد فصرفناك عنها إلا لنعلم من يتبعك ممن لا يتبعك ممن ينقلب على عقبيه. والقبلة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها التي عناها الله بقوله: وَمَا جَعَلْنَا القِبْلَةَ الّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا هي القبلة التي كنت تتوجه إليها قبل أن يصرفك إلى الكعبة... يعني بيت المقدس.

وإنما قلنا ذلك معناه لأن محنة الله أصحاب رسوله في القبلة إنما كانت فيما تظاهرت به الأخبار عند التحويل من بيت المقدس إلى الكعبة، حتى ارتدّ فيما ذكر رجال ممن كان قد أسلم واتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأظهر كثير من المنافقين من أجل ذلك نفاقهم، وقالوا: ما بال محمد يحوّلنا مرّة إلى هَهنا، ومرّة إلى هَهنا؟ وقال المسلمون فيما مضى من إخوانهم المسلمين، وهم يصلون نحو بيت المقدس: بطلت أعمالنا وأعمالهم وضاعت. وقال المشركون: تحير محمد صلى الله عليه وسلم في دينه. فكان ذلك فتنة للناس وتمحيصا للمؤمنين...

فإن قال لنا قائل: أوَما كان الله عالما بمن يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه إلا بعد اتباع المتبع، وانقلاب المنقلب على عقبيه، حتى قال: ما فعلنا الذي فعلنا من تحويل القبلة إلا لنعلم المتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنقلب على عقبيه؟ قيل: إن الله جل ثناؤه هو العالم بالأشياء كلها قبل كونها، وليس قوله: "وَمَا جَعَلْنَا القِبْلَةَ الّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتّبِعُ الرّسُولَ مِمّنْ يَنْقَلِبُ عَلَىَ عَقِبَيْهِ "يخبر أنه لم يعلم ذلك إلا بعد وجوده.

فإن قال: فما معنى ذلك؟ قيل له: أما معناه عندنا فإنه: وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا ليعلم رسولي وحزبي وأوليائي من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه. فقال جل ثناؤه: "إلاّ لِنَعْلَمَ "ومعناه: ليعلم رسولي وأوليائي، إذ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولياؤه من حزبه، وكان من شأن العرب إضافة ما فعلته أتباع الرئيس إلى الرئيس، وما فعل بهم إليه نحو قولهم: فتح عمر بن الخطاب سواد العراق، وجبى خراجها، وإنما فعل ذلك أصحابه عن سبب كان منه في ذلك.

وكالذي رُوي في نظيره عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يَقُولُ اللّهُ جَلّ ثَنَاؤُهُ: مَرِضْتُ فَلَمْ يَعُدْنِي عَبْدِي، وَاسْتَقْرَضْتُهُ فَلَمْ يُقْرِضْنِي، وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَنْبَغِ لَهُ أنْ يَشْتِمَنِي»...

عن ابن عباس: "وَمَا جَعَلْنَا القِبْلَةَ الّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتّبِعُ الرّسُولَ مِمّنْ يَنْقَلِبُ عَلَىَ عَقِبَيْهِ": لنميز أهل اليقين من أهل الشرك والريبة.

وقال بعضهم: إنما قيل ذلك من أجل أن العرب تضع العلم مكان الرؤية، والرؤية مكان العلم، كما قال جل ذكره: ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبّكَ بأصحابِ الفِيلِ. فزعم أن معنى: ألَمْ تَرَ: ألم تعلم، وزعم أن معنى قوله: إلاّ لِنَعْلَمَ بمعنى: إلا لنرى من يتبع الرسول. وزعم أن قول القائل: رأيت وعلمت وشهدت حروف تتعاقب فيوضع بعضها موضع بعض... وهذا تأويل بعيد، من أجل أن الرؤية وإن استعملت في موضع العلم من أجل أنه مستحيل أن يرى أحد شيئا، فلا توجب رؤيته إياه علما بأنه قد رآه إذا كان صحيح الفطرة، فجاز من الوجه الذي أثبته رؤية أن يضاف إليه إثباته إياه علما، وصحّ أن يدلّ بذكر الرؤية على معنى العلم من أجل ذلك. فليس ذلك وإن كان في الرؤية لما وصفنا بجائز في العلم، فيدلّ بذكر الخبر عن العلم على الرؤية لأن المرء قد يعلم أشياء كثيرة لم يرها ولا يراها، ويستحيل أن يرى شيئا إلا علمه، كما قد قدمنا البيان، مع أنه غير موجود في شيء من كلام العرب أن يقال: علمت كذا بمعنى رأيته، وإنما يجوز توجيه معاني ما في كتاب الله الذي أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم من الكلام إلى ما كان موجودا مثله في كلام العرب دون ما لم يكن موجودا في كلامها، فموجود في كلامها «رأيت» بمعنى «علمت»، وغير موجود في كلامها «علمت» بمعنى «رأيت»، فيجوز توجيه إلاّ لِنَعلمَ إلى معنى: إلا لنرى.

وقال آخرون: إنما قيل: "إلاّ لِنَعْلَمَ" من أجل أن المنافقين واليهود وأهل الكفر بالله أنكروا أن يكون الله تعالى ذكره يعلم الشيء قبل كونه، وقالوا إذ قيل لهم: إن قوما من أهل القبلة سيرتدّون على أعقابهم، إذا حوّلت قبلة محمد صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة: ذلك غير كائن، أو قالوا: ذلك باطل. فلما فعل الله ذلك، وحوّل القبلة، وكفر من أجل ذلك من كفر، قال الله جل ثناؤه: ما فعلت إلا لنعلم ما عندكم أيها المشركون المنكرون علمي بما هو كائن من الأشياء قبل كونه، أني عالم بما هو كائن مما لم يكن بعد.

فكأن معنى قائل هذا القول في تأويل قوله: إلا لِنَعْلَمَ إلا لنبين لكم أنا نعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه. وهذا وإن كان وجها له مخرج، فبعيد من المفهوم.

وقال آخرون: إنما قيل: "إلاّ لِنَعْلَمَ" وهو بذلك عالم قبل كونه وفي كل حال، على وجه الترفّق بعباده، واستمالتهم إلى طاعته، كما قال جل ثناؤه: (وإنّا أو إيّاكُمْ لَعَلَىَ هُدًى أوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) وقد علم أنه على هدى وأنهم على ضلال مبين، ولكنه رفق بهم في الخطاب، فلم يقل: أنا على هدى، وأنتم على ضلال. فكذلك قوله: "إلاّ لِنَعْلَمَ" معناه عندهم: إلا لتعلموا أنتم إذ كنتم جهالاً به قبل أن يكون فأضاف العلم إلى نفسه رفقا بخطابهم. وقد بينا القول الذي هو أولى في ذلك بالحقّ.

"مَنْ يَتّبِعُ الرّسُولَ": الذي يتبع محمدا صلى الله عليه وسلم فيما يأمره الله به، فيوجه نحو الوجه الذي يتوجه نحوه محمد صلى الله عليه وسلم.

"مِمّنْ يَنْقَلِبُ عَلَىَ عَقِبَيْهِ": من الذي يرتدّ عن دينه، فينافق، أو يكفر، أو يخالف محمدا صلى الله عليه وسلم في ذلك ممن يظهر اتباعه...

وأصل المرتدّ على عقبيه: هو المنقلب على عقبيه الراجع مستدبرا في الطريق الذي قد كان قطعه منصرفا عنه، فقيل ذلك لكل راجع عن أمر كان فيه من دين أو خير، ومن ذلك قوله: فارْتَدّا على آثارِهِما قَصصا بمعنى رجعا في الطريق الذي كانا سلكاه.

وإنما قيل للمرتدّ مرتدّ، لرجوعه عن دينه وملّته التي كان عليها. وإنما قيل رجع على عقبيه لرجوعه دبرا على عقبه إلى الوجه الذي كان فيه بدء سيره قبل رجعه عنه، فيجعل ذلك مثلاً لكل تارك أمرا وآخذ آخر غيره إذا انصرف عما كان فيه إلى الذي كان له تاركا فأخذه، فقيل ارتدّ فلان على عقبه، وانقلب على عقبيه.

"وَإنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إلاّ عَلَى الّذِينَ هَدَىَ اللّهُ":

اختلف أهل التأويل في التي وصفها الله جلّ وعزّ بأنها كانت كبيرة إلا على الذين هدى الله؛

فقال بعضهم: عنى جل ثناؤه بالكبيرة: التولية من بيت المقدس شطر المسجد الحرام والتحويل، وإنما أنّث الكبيرة لتأنيث التولية...

وقال آخرون: بل الكبيرة هي القبلة بعينها التي كان صلى الله عليه وسلم يتوجه إليها من بيت المقدس قبل التحويل... أي قبلة بيت المقدس.

وقال بعضهم: بل الكبيرة: هي الصلاة التي كانوا يصلّونها إلى القبلة الأولى. وقال بعض نحويي البصرة: أنثت الكبيرة لتأنيث القبلة، وإياها عنى جل ثناؤه بقوله: وَإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً. وقال بعض نحويي الكوفة: بل أنثت الكبيرة لتأنيث التولية والتحويلة.

فتأويل الكلام على ما تأوله قائلو هذه المقالة: وما جعلنا تحويلتنا إياك عن القبلة التي كنت عليها وتوليتناك عنها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه، وإن كانت تحويلتنا إياك عنها وتوليتناك لكبيرة إلا على الذين هدى الله.

وهذا التأويل أولى التأويلات عندي بالصواب، لأن القوم إنما كبر عليهم تحويل النبيّ صلى الله عليه وسلم وجهه عن القبلة الأولى إلى الأخرى لا عين القبلة ولا الصلاة، لأن القبلة الأولى والصلاة قد كانت وهي غير كبيرة عليهم إلا أن يوجه موجّه تأنيث الكبيرة إلى القبلة، ويقول: اجتزئ بذكر القبلة من ذكر التولية والتحويلة لدلالة الكلام على معنى ذلك، كما قد وصفنا لك في نظائره، فيكون ذلك وجها صحيحا ومذهبا مفهوما. ومعنى قوله: "كَبِيرَةً": عظيمة...

"إلاّ عَلَىَ الّذِينَ هَدَىَ اللّهُ": وإن كان تقليبَتُناك عن القبلة التي كنت عليها لعظيمة إلا على من وفّقه الله جل ثناؤه فهداه لتصديقك، والإيمان بك وبذلك، واتباعك فيه وفيما أنزل الله تعالى ذكره عليك... عن ابن عباس: "وَإنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إلاّ عَلَى الّذِينَ هَدَى اللّهُ": إلا على الخاشعين، يعني المصدّقين بما أنزل الله تبارك وتعالى.

" وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إيمَانَكُم" قيل: عنى بالإيمان في هذا الموضع الصلاة... صلاتكم نحو بيت المقدس.

قد دللنا فيما مضى على أن الإيمان التصديق، وأن التصديق قد يكون بالقول وحده وبالفعل وحده وبهما جميعا، فمعنى قوله: "وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إيمَانَكُمْ" على ما تظاهرت به الرواية من أنه الصلاة: وما كان الله ليضيع تصديق رسوله عليه الصلاة والسلام بصلاتكم التي صليتموها نحو بيت المقدس عن أمره لأن ذلك كان منكم تصديقا لرسولي، واتباعا لأمري، وطاعة منكم لي. قال: وإضاعته إياه جل ثناؤه لو أضاعه ترك إثابة أصحابه وعامليه عليه، فيذهب ضياعا ويصير باطلاً، كهيئة إضاعة الرجل ماله، وذلك إهلاكه إياه فيما لا يعتاض منه عوضا في عاجل ولا آجل. فأخبر الله جل ثناؤه أنه لم يكن يبطل عمل عامل عمل له عملاً وهو له طاعة فلا يثيبه عليه، وإن نسخ ذلك الفرض بعد عمل العامل إياه على ما كلفه من عمله.

فإن قال قائل: وكيف قال الله جل ثناؤه: "وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إيمَانَكُمْ" فأضاف الإيمان إلى الأحياء المخاطبين، والقوم المخاطبون بذلك إنما كانوا أشفقوا على إخوانهم الذين كانوا ماتوا وهم يصلون نحو بيت المقدس، وفي ذلك من أمرهم أنزلت هذه الآية؟ قيل: إن القوم وإن كانوا أشفقوا من ذلك، فإنهم أيضا قد كانوا مشفقين من حبوط ثواب صلاتهم التي صلوها إلى بيت المقدس قبل التحويل إلى الكعبة، وظنوا أن عملهم ذلك قد بطل وذهب ضياعا، فأنزل الله جل ثناؤه هذه الآية حينئذ، فوجه الخطاب بها إلى الأحياء، ودخل فيهم الموتى منهم لأن من شأن العرب إذا اجتمع في الخبر المخاطب والغائب أن يغلبوا المخاطب، فيدخل الغائب في الخطاب، فيقولوا لرجل خاطبوه على وجه الخبر عنه وعن آخر غائب غير حاضر: فعلنا بكما وصنعنا بكما، كهيئة خطابهم لهما وهما حاضران، ولا يستجيزون أن يقولوا فعلنا بهما وهم يخاطبون أحدهما فيردّوا المخاطب إلى عداد الغَيَبِ.

"إن اللّهَ بالنّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ": إن الله بجميع عباده ذو رأفة. والرأفة أعْلى معاني الرحمة، وهي عامة لجميع الخلق في الدنيا ولبعضهم في الاَخرة. وأما الرحيم، فإنه ذو الرحمة للمؤمنين في الدنيا والاَخرة على ما قد بينا فيما مضى قبل.

وإنما أراد جل ثناؤه بذلك أن الله عزّ وجلّ أرحم بعباده من أن يضيع لهم طاعة أطاعوه بها فلا يثيبهم عليها، وأرأف بهم من أن يؤاخذهم بترك ما لم يفرضه عليهم. أي ولا تأسوا على موتاكم الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس، فإني لهم على طاعتهم إياي بصلاتهم التي صلوها كذلك مثيب، لأني أرحم بهم من أن أضيع لهم عملاً عملوه لي. ولا تحزنوا عليهم، فإني غير مؤاخذهم بتركهم الصلاة إلى الكعبة، لأني لم أكن فرضت ذلك عليهم، وأنا أرأف بخلقي من أن أعاقبهم على تركهم ما لم آمرهم بعمله.

جهود ابن عبد البر في التفسير 463 هـ :

من الدلائل على أن الإيمان قول وعمل –كما قالت الجماعة والجمهور، قول الله -عز وجل-: {وما كان الله ليضيع إيمانكم}، لم يختلف المفسرون أنه أراد صلاتكم إلى بيت المقدس، فسمى الصلاة إيمانا، ومثل هذا قوله: {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من –آمن بالله واليوم الآخر} -الآية، إلى قوله: {أولئك هم المتقون}. (ت: 9/245).

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

سمى الصلاة إيماناً لما كانت صادرة عن الإيمان والتصديق في وقت بيت المقدس وفي وقت التحويل، ولما كان الإيمان قطباً عليه تدور الأعمال وكان ثابتاً في حال التوجه هنا وهنا ذكره، إذ هو الأصل الذي به يرجع في الصلاة وغيرها إلى الأمر والنهي. ولئلا تندرج في اسم الصلاة صلاة المنافقين إلى بيت المقدس فذكر المعنى الذي هو ملاك الأمر، وأيضاً فسميت إيماناً إذ هي من شعب الإيمان.

الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 671 هـ :

ثبت في صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يدعى نوح عليه السلام يوم القيامة فيقول: لبيك وسعديك يا رب فيقول: هل بلغت؟ فيقول: نعم فيقال لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون ما أتانا من نذير. فيقول: من يشهد لك؟ فيقول محمد وأمته، فيشهدون أنه قد بلغ ويكون الرسول عليكم شهيدا، فذلك قوله عز وجل وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا...). وذكر هذا الحديث مطولا ابن المبارك بمعناه، وفيه: (فتقول تلك الأمم كيف يشهد علينا من لم يدركنا، فيقول لهم الرب سبحانه كيف تشهدون على من لم تدركوا؟ فيقولون: ربنا بعثت إلينا رسولا وأنزلت إلينا عهدك وكتابك وقصصت علينا أنهم قد بلغوا فشهدنا بما عهدت إلينا فيقول الرب: صدقوا. فذلك قوله عز وجل وكذلك جعلناكم أمة وسطا – و الوسط العدل.

قال ابن أنعم: فبلغني أنه يشهد يومئذ أمة محمد عليه السلام، إلا من كان في قلبه حنة على أخيه.

وقالت طائفة: معنى الآية يشهد بعضكم على بعض بعد الموت، كما ثبت في صحيح مسلم عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال حين مرت به جنازة فأثني عليها خير فقال: (وجبت وجبت وجبت). ثم مر عليه بأخرى فأثني عليها شر فقال: (وجبت وجبت وجبت). فقال عمر: فدى لك أبي وأمي، مر بجنازة فأثني عليها خير فقلت: (وجبت وجبت وجبت) ومر بجنازة فأثني عليها شر فقلت: (وجبت وجبت وجبت)؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أثنيتم عليه خيرا وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شرا وجبت له النار أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض أنتم شهداء الله في الأرض). أخرجه البخاري بمعناه...

و...عن عبادة بن الصامت قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (أعطيت أمتي ثلاثا لم تعط إلا الأنبياء: كان الله إذا بعث نبيا قال له ادعني استجب لك وقال لهذه الأمة "ادعوني استجب لكم".وكان الله إذا بعث النبي قال له: ما جعل عليك في الدين من حرج، وقال لهذه الأمة: "وما جعل عليكم في الدين من حرج". وكان الله إذا بعث النبي جعله شهيدا على قومه، وجعل هذه الأمة شهداء على الناس). خرجه الترمذي الحكيم أبو عبد الله في "نوادر الأصول".

قال علماؤنا: أنبأنا ربنا تبارك وتعالى في كتابه بما أنعم علينا من تفضيله لنا باسم العدالة وتولية خطير الشهادة على جميع خلقه، فجعلنا أولا مكانا وإن كنا آخرا زمانا، كما قال عليه السلام: (نحن الآخرون الأولون). وهذا دليل على أنه لا يشهد إلا العدول، ولا ينفذ قول الغير على الغير إلا أن يكون عدلا.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ولما أعلم بما {سيقول السفهاء} [البقرة: 142] وعلم جوابهم وبين سر التحويل بين علة التوجيه إلى قبلتين بقوله: {وما جعلنا} أي بعظمتنا التي لا يقاويها أحد {القبلة}

قال الحرالي: في جملته إنباء بأن القبلة مجعولة أي مصيرة عن حقيقة وراءها ابتلاء بتقليب الأحكام ليكون تعلق القلب بالله الحكيم لا بالعمل المحكم، فالوجهة الظاهرة ليكون ذلك علماً على المتبع عن صدق فيثبت عند تقلب الأحكام بما في قلبه من صدق التعلق بالله والتوجه له أيان ما وجهه، وعلى المجيب عن غرض ظاهر ليس يسنده صدق باطن فيتعلق من الظاهر بما لا يثبت عند تغيره -انتهى.

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

{ويكون الرسول عليكم شهيدا} أي إن الرسول عليه الصلاة والسلام هو المثل الأكمل لمرتبة الوسط، وإنما تكون هذه لأمة وسطا باتباعها له في سيرته وشريعته، وهو القاضي بين الناس فيمن اتبع سنته ومن ابتدع لنفسه تقاليد أخرى أو حذا حذو المبتدعين، فكما تشهد هذه الأمة على الناس بسيرتهم وارتقائهم الجسدي والروحي بأنهم قد ضلوا عن القصد، يشهد لها الرسول بما وافقت فيه سنته وما كان لها من الأسوة الحسنة فيه، بأنها استقامت على صراط الهداية المستقيم، فكأنه قال: إنما يتحقق لكم وصف الوسط إذا حافظتم على العمل بهدي الرسول واستقمتم على سنته، وأما إذا انحرفتم عن هذه الجادة فالرسول بنفسه ودينه وسيرته حجة عليكم بأنكم لستم من أمته التي وصفها الله في كتابه بهذه الآية وبقوله {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر} (آل عمران: 110) الخ. بل تخرجون بالابتداع من الوسط وتكونون في أحد الطرفين.

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} أي: عدلا خيارا، وما عدا الوسط، فأطراف داخلة تحت الخطر، فجعل الله هذه الأمة، وسطا في كل أمور الدين، وسطا في الأنبياء، بين من غلا فيهم، كالنصارى، وبين من جفاهم، كاليهود، بأن آمنوا بهم كلهم على الوجه اللائق بذلك، ووسطا في الشريعة، لا تشديدات اليهود وآصارهم، ولا تهاون النصارى.

وفي باب الطهارة والمطاعم، لا كاليهود الذين لا تصح لهم صلاة إلا في بيعهم وكنائسهم، ولا يطهرهم الماء من النجاسات، وقد حرمت عليهم الطيبات، عقوبة لهم، ولا كالنصارى الذين لا ينجسون شيئا، ولا يحرمون شيئا، بل أباحوا ما دب ودرج.

بل طهارتهم أكمل طهارة وأتمها، وأباح الله لهم الطيبات من المطاعم والمشارب والملابس والمناكح، وحرم عليهم الخبائث من ذلك، فلهذه الأمة من الدين أكمله، ومن الأخلاق أجلها، ومن الأعمال أفضلها.

ووهبهم الله من العلم والحلم، والعدل والإحسان، ما لم يهبه لأمة سواهم، فلذلك كانوا {أُمَّةً وَسَطًا} [كاملين] ليكونوا {شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} بسبب عدالتهم وحكمهم بالقسط، يحكمون على الناس من سائر أهل الأديان، ولا يحكم عليهم غيرهم، فما شهدت له هذه الأمة بالقبول، فهو مقبول، وما شهدت له بالرد، فهو مردود. فإن قيل: كيف يقبل حكمهم على غيرهم، والحال أن كل مختصمين غير مقبول قول بعضهم على بعض؟ قيل: إنما لم يقبل قول أحد المتخاصمين، لوجود التهمة فأما إذا انتفت التهمة، وحصلت العدالة التامة، كما في هذه الأمة، فإنما المقصود، الحكم بالعدل والحق، وشرط ذلك، العلم والعدل، وهما موجودان في هذه الأمة، فقبل قولها.

فإن شك شاك في فضلها، وطلب مزكيا لها، فهو أكمل الخلق، نبيهم صلى الله عليه وسلم، فلهذا قال تعالى: {وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}

ومن شهادة هذه الأمة على غيرهم، أنه إذا كان يوم القيامة، وسأل الله المرسلين عن تبليغهم، والأمم المكذبة عن ذلك، وأنكروا أن الأنبياء بلغتهم، استشهدت الأنبياء بهذه الأمة، وزكاها نبيها.

وفي الآية دليل على أن إجماع هذه الأمة، حجة قاطعة، وأنهم معصومون عن الخطأ، لإطلاق قوله: {وَسَطًا} فلو قدر اتفاقهم على الخطأ، لم يكونوا وسطا، إلا في بعض الأمور، ولقوله: {ولتكونوا شهداء على الناس} يقتضي أنهم إذا شهدوا على حكم أن الله أحله أو حرمه أو أوجبه، فإنها معصومة في ذلك. وفيها اشتراط العدالة في الحكم، والشهادة، والفتيا، ونحو ذلك.

يقول تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا} وهي استقبال بيت المقدس أولا {إِلَّا لِنَعْلَمَ} أي: علما يتعلق به الثواب والعقاب، وإلا فهو تعالى عالم بكل الأمور قبل وجودها.

ولكن هذا العلم، لا يعلق عليه ثوابا ولا عقابا، لتمام عدله، وإقامة الحجة على عباده، بل إذا وجدت أعمالهم، ترتب عليها الثواب والعقاب، أي: شرعنا تلك القبلة لنعلم ونمتحن {مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ} ويؤمن به، فيتبعه على كل حال، لأنه عبد مأمور مدبر، ولأنه قد أخبرت الكتب المتقدمة، أنه يستقبل الكعبة، فالمنصف الذي مقصوده الحق، مما يزيده ذلك إيمانا، وطاعة للرسول.

وأما من انقلب على عقبيه، وأعرض عن الحق، واتبع هواه، فإنه يزداد كفرا إلى كفره، وحيرة إلى حيرته، ويدلي بالحجة الباطلة، المبنية على شبهة لا حقيقة لها.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

(أمة وسطا).. في التصور والاعتقاد.. لا تغلو في التجرد الروحي ولا في الارتكاس المادي. إنما تتبع الفطرة الممثلة في روح متلبس بجسد، أو جسد تتلبس به روح. وتعطي لهذا الكيان المزدوج الطاقات حقه المتكامل من كل زاد، وتعمل لترقية الحياة ورفعها في الوقت الذي تعمل فيه على حفظ الحياة وامتدادها، وتطلق كل نشاط في عالم الأشواق وعالم النوازع، بلا تفريط ولا إفراط، في قصد وتناسق واعتدال.

(أمة وسطا).. في التفكير والشعور.. لا تجمد على ما علمت وتغلق منافذ التجربة والمعرفة... ولا تتبع كذلك كل ناعق، وتقلد تقليد القردة المضحك.. إنما تستمسك بما لديها من تصورات ومناهج وأصول ثم تنظر في كل نتاج للفكر والتجريب؛ وشعارها الدائم: الحقيقة ضالة المؤمن أنى وجدها أخذها، في تثبت ويقين.

(أمة وسطا).. في التنظيم والتنسيق.. لا تدع الحياة كلها للمشاعر، والضمائر، ولا تدعها كذلك للتشريع والتأديب. إنما ترفع ضمائر البشر بالتوجيه والتهذيب، وتكفل نظام المجتمع بالتشريع والتأديب؛ وتزاوج بين هذه وتلك، فلا تكل الناس إلى سوط السلطان، ولا تكلهم كذلك إلى وحي الوجدان.. ولكن مزاج من هذا وذاك.

(أمة وسطا).. في الارتباطات والعلاقات.. لا تلغي شخصية الفرد ومقوماته، ولا تلاشي شخصيته في شخصية الجماعة أو الدولة؛ ولا تطلقه كذلك فردا أثرا جشعا لا هم له إلا ذاته.. إنما تطلق من الدوافع والطاقات ما يؤدي إلى الحركة والنماء؛ وتطلق من النوازع والخصائص ما يحقق شخصية الفرد وكيانه. ثم تضع من الكوابح ما يقف دون الغلو، ومن المنشطات ما يثير رغبة الفرد في خدمة الجماعة؛ وتقرر من التكاليف والواجبات ما يجعل الفرد خادما للجماعة، والجماعة كافلة للفرد في كافلة للفرد في تناسق واتساق.

(أمة وسطا).. في المكان.. في سرة الأرض، وفي أوسط بقاعها. وما تزال هذه الأمة التي غمر أرضها الإسلام إلى هذه اللحظة هي الأمة التي تتوسط أقطار الأرض بين شرق وغرب، وجنوب وشمال، وما تزال بموقعها هذا تشهد الناس جميعا، وتشهد على الناس جميعا؛ وتعطي ما عندها لأهل الأرض قاطبة؛ وعن طريقها تعبر ثمار الطبيعة وثمار الروح والفكر من هنا إلى هناك؛ وتتحكم في هذه الحركة ماديها ومعنويها على السواء.

(أمة وسطا).. في الزمان.. تنهي عهد طفولة البشرية من قبلها؛ وتحرس عهد الرشد العقلي من بعدها. وتقف في الوسط تنفض عن البشرية ما علق بها من أوهام وخرافات من عهد طفولتها؛ وتصدها عن الفتنة بالعقل والهوى؛ وتزواج بين تراثها الروحي من عهود الرسالات، ورصيدها العقلي المستمر في النماء؛ وتسير بها على الصراط السوي بين هذا وذاك.

وما يعوق هذه الأمة اليوم عن أن تأخذ مكانها هذا الذي وهبه الله لها، إلا أنها تخلت عن منهج الله الذي اختاره لها، واتخذت لها مناهج مختلفة ليست هي التي اختارها الله لها، واصطبغت بصبغات شتى ليست صبغة الله واحدة منها! والله يريد لها أن تصطبغ بصبغته وحدها. وأمة تلك وظيفتها، وذلك دورها، خليقة بأن تحتمل التبعة وتبذل التضحية، فللقيادة تكاليفها، وللقوامة تبعاتها، ولا بد أن تفتن قبل ذلك وتبتلى، ليتأكد خلوصها لله وتجردها، واستعدادها للطاعة المطلقة للقيادة الراشدة.

وإذن يكشف لهم عن حكمة اختيار القبلة التي كانوا عليها، بمناسبة تحويلهم الآن عنها: (وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه) ومن هذا النص تتضح خطة التربية الربانية التي يأخذ الله بها هذه الجماعة الناشئة، التي يريد لها أن تكون الوارثة للعقيدة، المستخلفة في الأرض تحت راية العقيدة. إنه يريد لها أن تخلص له؛ وأن تتخلص من كل رواسب الجاهلية ووشائجها؛ وأن تتجرد من كل سماتها القديمة ومن كل رغابها الدفينة؛ وأن تتعرى من كل رداء لبسته في الجاهلية، ومن كل شعار اتخذته، وأن ينفرد في حسها شعار الإسلام وحده لا يتلبس به شعار آخر، وأن يتوحد المصدر الذي تتلقى منه لا يشاركه مصدر آخر.

ولما كان الاتجاه إلى البيت الحرام قد تلبست به في نفوس العرب فكرة أخرى غير فكرة العقيدة؛ وشابت عقيدة جدهم إبراهيم شوائب من الشرك، ومن عصبية الجنس، إذ كان البيت يعتبر في ذلك الحين بيت العرب المقدس.. والله يريده أن يكون بيت الله المقدس، لا يضاف إليه شعار آخر غير شعاره، ولا يتلبس بسمة أخرى غير سمته. لما كان الاتجاه إلى البيت الحرام قد تلبست به هذه السمة الأخرى، فقد صرف الله المسلمين عنه فترة، ووجههم إلى بيت المقدس، ليخلص مشاعرهم من ذلك التلبس القديم أولا؛ ثم ليختبر طاعتهم وتسليمهم للرسول صلى الله عليه وسلم ثانيا، ويفرز الذين يتبعونه لأنه رسول الله، والذين يتبعونه لأنه أبقى على البيت الحرام قبلة، فاستراحت نفوسهم إلى هذا الإبقاء تحت تأثير شعورهم بجنسهم وقومهم ومقدساتهم القديمة.

إنها لفتة دقيقة شديدة الدقة.. إن العقيدة الإسلامية لا تطيق لها في القلب شريكا؛ ولا تقبل شعارا غير شعارها المفرد الصريح؛ إنها لا تقبل راسبا من رواسب الجاهلية في أية صورة من الصور. جل أم صغر. وهذا هو إيحاء ذلك النص القرآني: (وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه).. والله -سبحانه- يعلم كل ما يكون قبل أن يكون. ولكنه يريد أن يظهر المكنون من الناس، حتى يحاسبهم عليه، ويأخذهم به. فهو -لرحمته بهم- لا يحاسبهم على ما يعلمه من أمرهم، بل على ما يصدر عنهم ويقع بالفعل منهم. ولقد علم الله أن الانسلاخ من الرواسب الشعورية، والتجرد من كل سمة وكل شعار له بالنفس علقة.. أمر شاق، ومحاولة عسيرة.. إلا أن يبلغ الإيمان من القلب مبلغ الاستيلاء المطلق، وإلا أن يعين الله هذا القلب في محاولته فيصله به ويهديه إليه: (وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله).. فإذا كان الهدى فلا مشقة ولا عسر في أن تخلع النفس عنها تلك الشعارات، وأن تنفض عنها تلك الرواسب؛ وأن تتجرد لله تسمع منه وتطيع، حيثما وجهها الله تتجه، وحيثما قادها رسول الله تقاد. ثم يطمئن المسلمين على إيمانهم وعلى صلاتهم.

إنهم ليسوا على ضلال، وإن صلاتهم لم تضع، فالله سبحانه لا يعنت العباد، ولا يضيع عليهم عبادتهم التي توجهوا بها إليه؛ ولا يشق عليهم في تكليف يجاوز طاقتهم التي يضاعفها الإيمان ويقويها: (وما كان الله ليضيع إيمانكم، إن الله بالناس لرؤوف رحيم).. إنه يعرف طاقتهم المحدودة، فلا يكلفهم فوق طاقتهم؛ وإنه يهدي المؤمنين، ويمدهم بالعون من عنده لاجتياز الامتحان، حين تصدق منهم النية، وتصح العزيمة. وإذا كان البلاء مظهرا لحكمته، فاجتياز البلاء فضل رحمته (إن الله بالناس لرؤوف رحيم).. بهذا يسكب في قلوب المسلمين الطمأنينة، ويذهب عنها القلق، ويفيض عليها الرضى والثقة واليقين...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

من مكملات معنى الشهادة على الناس في الدنيا وجوب دَعوتنا الأممَ للإِسلام، ليقوم ذلك مقامَ دعوة الرسول إياهم حتى تتم الشهادة للمؤمنين منهم على المعرضين... وقد دلت هذه الآية على التنويه بالشهادة وتشريفها حتى أظهر العليم بكل شيء أنه لا يقضي إلاّ بعد حصولها. ويؤخذ من الآية أن الشاهد شهيد بما حصل له من العلم وإن لم يشهده المشهود عليه وأنه يشهد على العلم بالسماع والأدلة القاطعة وإن لم ير بعينه أو يسمع بأذنيه، وأن التزكية أصل عظيم في الشهادة، وأن المزكي يجب أن يكون أفضل وأعدل من المزكَّى، وأن المزكي لا يحتاج للتزكية، وأن الأمَّة لا تشهد على النبي صلى الله عليه وسلم ولهذا كان يقول في حجة الوداع:"أَلاَ هل بَلغْتُ فيقولون نعم فيقول اللهم اشْهَد" فجعل الله هو الشاهد على تبليغه وهذا من أدق النكت...

وأياً ما كان معنى الرأفة فالجمع بين رءوف ورحيم في الآية يفيد توكيد مدلول أحدهما بمدلول الآخر بالمساواة أو بالزيادة. وأما على اعتبار تفسير المحققين لِمعنى الرأفة والرحمة فالجمع بين الوصفين لإفادة أنه تَعَالى يرحم الرحمة القوية لمُستحقها ويرحم مطلق الرحمة مَنْ دونَ ذلك...

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

«شهادة» الأمة المسلمة على النّاس، و«شهادة» النّبي على المسلمين، قد تكون إشارة إلى الأُسوة والقُدْوَةِ، لأن الشاهد يُنتخب من بين أزكى النّاس وأمثلهم. فيكون معنى هذا التعبير القرآني أن الأمة المسلمة نموذجيّة بما عندها من عقيدة ومنهج، كما أن النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فرد نموذجيّ بين أبناء الأمة.

الأمة المسلمة بعملها وبتطبيقها المنهج الإسلامي تشهد أن الإنسان بمقدوره أن يكون رجل دين ورجل دنيا... أن يكون إنساناً يعيش في خضم الأحداث الاجتماعية وفق معايير روحية ومعنوية.

الأمة المسلمة بمعتقداتها ومناهجها تشهد بعدم وجود أي تناقض بين الدين والعلم، بل إن كلا منهما يخدم الآخر.

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةٗ وَسَطٗا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيۡكُمۡ شَهِيدٗاۗ وَمَا جَعَلۡنَا ٱلۡقِبۡلَةَ ٱلَّتِي كُنتَ عَلَيۡهَآ إِلَّا لِنَعۡلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِۚ وَإِن كَانَتۡ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَٰنَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ} (143)

{ وكذلك } بعد ما هديناكم .

{ جعلناكم أمة وسطا } أي : خيارا .

{ شهداء على الناس } أي : تشهدون يوم القيامة بإبلاغ الرسل إلى قومهم . { عليكم شهيدا } أي : بأعمالكم ، قال عليه الصلاة والسلام : أقول كما قال أخي عيسى :{ وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم }[ المائدة :117 ] الآية .

فإن قيل : لم قدم المجرور في قوله :{ عليكم شهيدا } وآخره في قوله :{ شهداء على الناس } ؟ فالجواب : أن تقديم المعمولات يفيد الحصر ، فقدم المجرور في قوله :{ عليكم شهيدا } ؛ لاختصاص شهادة النبي صلى الله عليه وسلم بأمته ولم يقدمه في قوله :{ شهداء على الناس } لأنه لم يقصد الحصر .

{ القبلة التي كنت عليها } فيها قولان :

أحدهما : أنها الكعبة ، وهو قول ابن عباس .

والآخر : هو بيت المقدس ، وهو قول قتادة وعطاء والسدي ، وهذا مع ظاهر قوله :{ كنت عليها } لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي إلى بيت المقدس ، ثم انصرف عنه إلى الكعبة ، وأما قول ابن عباس : فتأويله بوجهين : الأول : أن كنت بمعنى أنت .

والثاني : قيل : إن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى الكعبة قبل بيت المقدس ، وإعراب { التي كنت عليها } مفعول ب{ جعلنا } ، أو صفة ل{ لقبلة } ، ومعنى الآية على القولين : اختبار وفتنة للناس بأمر القبلة ، وأما على قول قتادة فإن الصلاة إلى بيت المقدس فتنة للعرب لأنهم كانوا يعظمون الكعبة ، أو فتنة لمن أنكر تحويلها ، وتقديره على هذا : ما جعلنا صرف القبلة ، أما على قول ابن عباس ، فإن الصلاة إلى الكعبة فتنة لليهود لأنهم يعظمون بيت المقدس ، وهم مع ذلك ينكرون النسخ فأنكروا صرف القبلة أو فتنة لضعفاء المسلمين حتى رجع بعضهم عن الإسلام حين صرفت القبلة .

{ لنعلم } أي : العلم الذي تقوم به الحجة على العبد وهو إذا ظهر في الوجود ما علمه الله .

{ ينقلب على عقبيه } عبارة عن الارتداد عن الإسلام ، وهو تشبيه بمن رجع يمشي إلى وراء .

{ وإن كانت } إن مخففة من الثقيلة واسم كان ضمير الفعلة وهي التحول عن القبلة .

{ إيمانكم } قيل : صلاتكم إلى بيت المقدس واستدل به من قال إن الأعمال من الإيمان ، وقيل : معناه ثبوتكم على الإيمان حين انقلب غيركم بسبب تحويل القبلة .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةٗ وَسَطٗا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيۡكُمۡ شَهِيدٗاۗ وَمَا جَعَلۡنَا ٱلۡقِبۡلَةَ ٱلَّتِي كُنتَ عَلَيۡهَآ إِلَّا لِنَعۡلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِۚ وَإِن كَانَتۡ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَٰنَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ} (143)

ولما بين استقامة القبلة التي وجههم إليها عرف أنها وسط لا جور فيها فاتبع ذلك قوله : { وكذلك } أي ومثل ما جعلنا قبلتكم وسطاً لأنها إلى البيت العتيق الذي هو وسط الأرض وهو بناء إبراهيم عليه السلام الذي هو أوسط الأنبياء وهو مع ذلك خيار البيوت فهو وسط بكل معنى { جعلناكم } بالهداية إليه في الاستقبال وإلى غيره مما نأمركم به { أمة } . قال الحرالي : من الأم وهو تتبع الجملة والعدد بعضها لبعض إلى أن ينتهي{[5336]} لإمام أول{[5337]} ، فالإمام والأمة كالمتقابلين ، الإمام قاصد أمماً ، والأمة قاصدة إمامها الذي هو أممها ، والإمام ما بين اليدين بمشهد الحس وسبيل القصد - انتهى{[5338]} . { وسطاً } أي شريفة{[5339]} خياراً{[5340]} ، لأن الوسط العدل الذي نسبة الجوانب كلها إليه سواء ، فهو خيار الشيء . قال {[5341]}أبو تمام{[5342]} الطائي .

كانت هي الوسط {[5343]}المحمي فاكتنفت{[5344]} *** {[5345]}بها الحوادث{[5346]} حتى أصبحت طرفا{[5347]}

وسالك{[5348]} الوسط من الطريق محفوظ من الغلط ، ومتى زاغ عن الوسط حصل الجور الموقع في الضلال عن القصد ؛ ففي هذا أنهم لما ادعوا الخصوصية كذبوا وردت حججهم{[5349]} ثم أثبتت الخصوصية لهذه الأمة{[5350]} ؛ والوسط بالتحريك اسم لعين ما بين طرفي الشيء كمركز الدائرة ، وبالسكون اسم مبهم لداخل الدائرة مثلاً ، وكذا{[5351]} كان ظرفاً ، فالأول يجعل مبتدأ وفاعلاً ومفعولاً به ، ولا يصح شيء من هذا في الساكن - قاله الأصبهاني .

ومادة وسط مهموزة وغير مهموزة واوية ويائية بتراكيبها الأحد عشر : وسط ، وطس ، سوط ، سطو ، طوس{[5352]} ، طسو ، طيس{[5353]} ، طسى ، سيط{[5354]} سطأ طسأ ، تدور على العدل السواء الذي نسبته إلى كل جانب على التساوي ، ويلزم أن يكون أعلى من غيره ، لأن أكثر{[5355]} المخلوقات كُريّ ؛ وكل ما كان في وسط الكرة كان أعلى ، ولأن كل جزء بعد الوسط إذا نسبته إلى الطرف الذي يليه كان ما بينه وبينه أقل مما{[5356]} بينه وبين الوسط ؛ ويلزم العدل الجودة ويلزم{[5357]} العلو الغلبة والسطوة والكثرة والشدة ، وقد يلزم العلو الاضطراب فيأتي الاختلاط والاقتطاع والضعف ؛ فمن الأصل الوسط من كل شيء أعدله ، ووسط الشيء ما بين طرفيه ، فإذا سكنت السين كان ظرفاً أو هو فيما هو مصمت فإذا كانت أجزاؤه متخلصة متباينة فبالإسكان ؛ ووسطه قطّعه نصفين ، وتوسط بينهم عمل الوساطة{[5358]} وأخذ الوسط بين الرديء والجيد ، ووسط القوم و{[5359]}توسطهم هو وسط فيهم أوسطهم نسباً وأرفعهم محلاً وهو المتوسط بين القوم ، وواسطة الرحل ما بين قادمته وآخرته ، وأوطاس{[5360]} واد بديار هوازن{[5361]} لما وصفه به دريد بن الصمة من أنه لا حزن ضرس ولا سهل دهس{[5362]} ، أي يثقل المشي فيه بكونه شبه الرمل وما هو برمل ولا تراب . ومن الجودة وهي{[5363]} ملزومة لحسن الوسط الباب ، والصلاة الوسطى أفضل الصلوات ، والطاووس طائر حسن ، والجميل من الرجال والفضة ، والأرض المخضرة فيها كل ضرب من النبت ، والمطوس كمعظم الشيء الحسن ، والطوس بالفتح القمر وحسن الوجه ونضارته بعد علة ، وتطوست المرأة تزينت ، وطواس كسحاب ليلة من ليالي المحاق كأنه من باب الإزالة أو بالنظر إلى أن النجوم في شدة الظلام أحسن . ومن العلو : سطا الفرس أبعد الخطو{[5364]} ، والساطىء الفرس البعيد الخطوة والذي يرفع ذنبه في حضره ، والطويل وواسط الكور مقدمه{[5365]} ، ومن الشدة والغلبة : صار الماء وسيطه{[5366]} غلب على الطين ، وسطا عليه وبه صال أو قهر بالبطش{[5367]} ، والراعي على الناقة أدخل يده في رحمها ليخرج ما فيها من ماء الفحل{[5368]} ، والفرس ركب رأسه ، وساطاه شدد عليه ؛ والساطي الفحل المغتلم يخرج من إبل إلى إبل ، وسطأها مهموزاً كمنع جامعها ؛ والوطس كالوعد الضرب الشديد والكسر ، والوطيس التنور وحرّ الحرب ، والوطيس شدة الأمر ، وككَتّاب{[5369]} الراعي ، وتواطسوا عليّ أي تواطحوا أي تداولوا الشر{[5370]} بينهم ، والموج تلاطم ، وأوطاس واد بديار هوازن{[5371]} لأنه أشد مما هو رمل صرف ، والسوط{[5372]} الذي يضرب به والشدة والضرب ، والمسواط فرس لا يعطى حضره{[5373]} إلا بالسوط ، والسياط قضبان الكراب الذي عليه دماليقه أي عراجينه والكراب أصول السعف الغلاظ العراض ، وسوَّط أخرج ذلك ، والطوس بالفتح الوطء وبالضم دوام الشيء ودواء يشرب للحفظ ، وطواس كسحاب ليلة من ليالي المحاق ، وما أدري أين طوّس به أي ذهب به{[5374]} وطسى كرضى طسا غلب الدسم{[5375]} على قلبه فاتخم كطسا أي واوياً{[5376]} ؛ وطسيء مهموزاً أيضاً كفرح وجمع طَسأ وطساء فهو طسيء اتخم أو تغير من أكل الدسم{[5377]} ، وأطسأه الشبع ونفسي{[5378]} طاسئة ويدخل هذا في الاضطراب والاختلاط والضعف .

ومن الكثرة الوسط وهي الناقة تملأ الإناء ويدخل في الجيد ، الطيس العدد الكثير ، وكل ما في وجه الأرض من تراب وقِمام أو خلق كثير النسل كالذباب والنمل والهوام أو دقاق التراب كالطيسل {[5379]}في الكل{[5380]} وكثرة كل شيء من الرمل والماء وغيرهما ؛ وسطا{[5381]} الماء كثر{[5382]} ؛ والسويطاء مرقة كثيرة الماء ، ومن الاختلاط سياط ككتاب مغن مشهور ؛ و{[5383]}سطا الطعام ذاقه ؛ والساطىء{[5384]} الفحل المغتلم يخرج من إبل إلى إبل ، وسطا الراعي على الناقة أدخل يده في رحمها ليخرج ما فيها{[5385]} من ماء الفحل ؛ والسوط{[5386]} الذي يضرب به والخلط والضرب ، والسياط قضبان الكراب الذي عليه دماليقه ، وسوط باطل ضوء يخرج{[5387]} من الكوّة ، وسطت الشيء بالسوط ضربته به ، والسوط أيضاً ما يخلط به كالمسواط وولد لإبليس ، والمسواط فرس لا يعطى حُضره إلا بالسوط ، واستوط أمره اضطرب{[5388]} واختلط ، وأموالهم سويطة{[5389]} بينهم مختلطة{[5390]} ، والطوس بالضم دواء يشرب للحفظ ، والطاووس طائر والأرض المخضرة فيها كل ضرب من النبت ، ومن الاقتطاع الطاس أي الإناء يشرب فيه ، والسوط النصيب والفضلة من الغدير . ومن الضعف الوسط من بيوت الشعراء وهو أصغرها ، وطسأ كمنع مهموزاً استحيى{[5391]} .

ولما أثبت لهم الوسط الذي{[5392]} من حله كان جديراً بأن لا يخفى عليه شيء{[5393]} من الجوانب واستلزم ذلك كونه خياراً قال : { لتكونوا } أي أنتم لا غيركم { شهداء }{[5394]} {[5395]}كما أفاده التعبير{[5396]} بهذا{[5397]} دون أن يقال : لتشهدوا ، وقال : { على الناس } أي كافة . ولما كان الرسول صلى الله عليه وسلم أوسطهم قال : { ويكون الرسول } أي{[5398]} لا غيره بما اقتضاه اختصاصه بكونه وسط الوسط { عليكم } خاصة{[5399]} { شهيداً } بأنكم تابعتموه وصدقتموه فكنتم خير أمة أخرجت للناس ، وبأنه قد بلغكم مدة حياته ، فلما مات خلف فيكم كتاباً معجزاً متواتراً لا يغسله الماء ولا تحرقه النار ، لأنه محفوظ في الصدور متلو بالألسن إلى أن يأتي أمر الله ، ولذلك عبر بأداة الاستعلاء{[5400]} فافهم صوغ الكلام هكذا : إنهم{[5401]} حازوا شرفين أنه لا يشهد عليهم{[5402]} إلا الرسول ، وأنه لا يحتاج في الشهادة على سائر الأمم إلى غير شهادتهم دفعاً لتوهم أن غيرهم يشهد عليهم كما شهدوا عليهم ، ولتوهم أن غيرهم لا يكتفى{[5403]} في الشهادة عليه إلا بشهادة الرسول كما لم يكتف فيهم إلا بذلك .

ولما أعلم بما { سيقول السفهاء } [ البقرة : 142 ] وعلم جوابهم وبين سر التحويل بين علة التوجيه{[5404]} إلى قبلتين بقوله : { وما جعلنا } {[5405]}أي بعظمتنا التي لا يقاويها أحد{[5406]} { القبلة } قال الحرالي : في جملته إنباء بأن القبلة مجعولة أي مصيرة عن حقيقة وراءها{[5407]} ابتلاء بتقليب{[5408]} الأحكام ليكون تعلق القلب بالله الحكيم لا بالعمل المحكم ، فالوجهة{[5409]} الظاهرة ليكون ذلك علماً على المتبع عن صدق فيثبت عند تقلب{[5410]} الأحكام بما في قلبه{[5411]} من صدق التعلق بالله والتوجه له أيان ما وجهه ، وعلى المجيب عن غرض ظاهر ليس يسنده صدق باطن فيتعلق من الظاهر بما لا يثبت عند تغيره - انتهى{[5412]} .

وبين أنها الأولى بقوله : { التي كنت عليها } وبين أن العلة التمييز بين الناس بقوله : { إلا لنعلم } أي بما لنا من العظمة بالجنود والرسل وغيرهم حين وجود الأمر بالتحول عنها { من يتبع الرسول } في كل ما يأمر به اتباعاً دالاً على تمكن إيمانه { ممن ينقلب } أي يرتد{[5413]} فيدبر{[5414]} بعد إقباله متنكساً { على عقبيه } علماً متعلقاً بموجود تقوم به الحجة في مجاري عاداتكم ، والعقب مؤخر القدم . وقال الحرالي : لنجعل علماً ظاهراً على الصادق وغيره يشتمل العلم به من علم الغيب قبل كونه وبعد كونه ، ومن لم يعلم الغيب إلا عن علم بما ينبئ عنه نون الاستتباع فهذا وجهه{[5415]} ووجه ما يرد من نحوه في القرآن والسنة - انتهى .

ثم بين{[5416]} شدتها على من أخلد إلى العادة{[5417]} لغلبة القوة الحيوانية البهيمية ولم يتمرن في{[5418]} الانقياد للأوامر الإلهية على خلع الإلف وذل النفس فقال : { وإن كانت } أي الجعلة { لكبيرة } {[5419]}أي ثقيلة شاقة جداً{[5420]} لأن مفارقة الألف بعد طمأنينة النفس إليه أمر شاق جداً ، ثم استثنى من أيده سبحانه بروح منه وسكينة فقال : { إلا على الذين هدى الله } أي خلق {[5421]}الذي له الأمر كله{[5422]} الهداية في قلوبهم فانقادوا لما هداهم إليه بنصيب الأدلة .

ولما كان قبولهم لهذا الأمر وثباتهم{[5423]} عند تغير الأحكام إنما كان عن إيمان وعلم محيط جعل الله عز وجل أعمالهم وتوجههم للقبلة الأولى من الإيمان فقال : { وما كان الله } {[5424]}الذي له الكمال المطلق{[5425]} { ليضيع{[5426]} } قال الحرالي : مما منه الضياع والضيعة وهو التفريط فيما له غناء وثمرة إلى أن لا يكون له غناء ولا ثمرة { إيمانكم } أي المصرح به في قولكم :{ آمنا بالله }[ البقرة : 8 ] المشار إلى صدق الدعوى فيه بقولكم :

{ ونحن له مخلصون }[ البقرة : 139 ] في شيء من الأشياء لا في صلاتكم إلى القبلة الأولى ، ولا في تمييز الصادق منكم من المنافق بالامتحان بتغيير الأحكام من القبلة وغيرها ولا في اختصاصكم به سبحانه دون أهل الكتاب الجاحدين لآياته الناكبين عن مرضاته الناكثين لعهوده .

ولما نزه نفسه المقدسة عن جميع{[5427]} هذه الإضاعة علل ذلك بما هو أعم فقال{[5428]} : { إن الله }{[5429]} أي المحيط بجميع صفات الكمال{[5430]} { بالناس } أي الذين هم أعم من المؤمنين وغيرهم ممن ينوسون بين حال الهدى والفتنة { لرءوف } أي فيرحم من يشاء ممن توصل إليه بعمل صالح رأفة منه به ، فإن الرأفة كما قال الحرالي في التفسير عطف العاطف على من لم{[5431]} يجد عنده منه وصلة ، فهي رحمة ذي الصلة بالراحم ، قال : والرحمة تعم من لا صلة له بالراحم ، وقال في شرح الأسماء : إن المرؤوف به تقيمه عناية الرأفة حتى تحفظ{[5432]} بمسراها{[5433]} في سره ظهور ما يُستدعى العفو لأجله على{[5434]} علنه - انتهى .

وذلك مقتضى لكونها أشد الرحمة وأبلغها وألطفها كما قالوه{[5435]} { رحيم } {[5436]}لمن يشاء{[5437]} ولو لم يكن منه سعي في الوصلة فتقتلعه من ذنوبه اقتلاعاً أشد ما كان بها اعتلاقاً فتقيمه فيما ترضاه الإلهية وذلك مع موافقته لما قاله العلماء ترق من العالي إلى الأعلى ، فإن رحمة من لا سبب منه تقتضي العطف عليه أبلغ في نوعها من حيث كونها ابتداء والأولى أبلغ في نفسها لما اقتضاها من السبب ، فإن كان المراد بالناس العرب فهو بشارة له صلى الله عليه وسلم بأنه يقر عينه بجعلهم من حزبه بالتثبيت لمن كان إذ ذاك مقبلاً والإقبال لمن كان مدبراً . وإن كان المراد أعم منهم فهو بشارة باتباع أكثر الخلائق له صلى الله عليه وسلم ، فإذا نزل عيسى عليه السلام وقع العموم الحقيقي في الطريق المحمدي باتباع الكل له صلى الله عليه وسلم والله أعلم ؛ ويجوز أن يكون تعليلاً للكلام من أوله فيكون المعنى أن صفتي رأفته ورحمته مقتضيتان للتمييز بين المؤمنين وغيرهم للعدل بين الناس ، لأن تسوية المصلح بالمفسد يؤلم المصلح وسيأتي إن شاء الله تعالى في آخر براءة ما ينفع استحضاره هنا .


[5336]:في م: تنتهي
[5337]:ليس في م
[5338]:زيد في م ومد: والأمم القرب والسير والبين من الأمر والقصد والوسط
[5339]:من م ومد و ظ، وفي الأصل: سريفه - كذا
[5340]:في م فقط: خيار. وفي البحر المحيط 1/ 418: الوسط لما بين الطرفين وصف به فأطلق على الخيار من الشيء لأن الأطراف يتسارع إليها الخلل ولكونه اسما كان للواحد والجمع والمذكر والمؤنث بلفظ واحد... ووسط الوادي خير موضع فيه وأكثره كلاء وماء، ويقال: فلان من أوسط قومه وإنه واسطة قومه ووسط قومه، أي من خيارهم وأهل الحسب فيهم؛ وقال زهير: وهم وسط يرضى الأنام بحكمهم إذا نزلت إحدى الليالي مبعظم وقد وسط وسطة ووساطة
[5341]:ليست في ظ
[5342]:ليست في ظ
[5343]:كذا في الأصول، وفي ديوان أبي تمام ص 204: الممنوع فاستلبت
[5344]:كذا في الأصول، وفي ديوان أبي تمام ص 204: الممنوع فاستلبت
[5345]:كذا، وفي الديوان: ما حولها الخيل
[5346]:كذا، وفي الديوان: ما حولها الخيل
[5347]:من م ومد و ظ، وفي الأصل: طرفان –كذا.
[5348]:وقع في ظ: مالك - مصحفا
[5349]:في م: حجتهم
[5350]:العبارة من هنا إلى "الأصبهاني" ليست في ظ
[5351]:في م: ومد: لذا
[5352]:ليس في ظ
[5353]:ليس في ظ
[5354]:زيد من م ومد، وقد سقط من بقية الأصول
[5355]:ليس في ظ
[5356]:في مد: ما
[5357]:زيد من م و ظ ومد
[5358]:في مد: الوسائط
[5359]:ليس في ظ
[5360]:في م: أوساط - كذا
[5361]:في م: موازن- كذا
[5362]:من مد و ظ، وفي الأصل و م: دهش – كذا بالمعجمة.
[5363]:في ظ: هو
[5364]:في م و ظ: الخطوة.
[5365]:من م ومد و ظ، وفي الأصل: مقدمة
[5366]:وقع في الأصل: وشيطة، والتصحيح من بقية الأصول
[5367]:وقع في الأصل: بالطش، والتصحيح من بقية الأصول
[5368]:في م: العجل
[5369]:أي الوطاس، وفي مد: لكتاب –كذا.
[5370]:في مد: السر
[5371]:زيد في ظ "و"
[5372]:في ظ: الصوط
[5373]:في م و ظ ومد: خضره
[5374]:ليس في ظ.
[5375]:ليس في ظ
[5376]:في الأصل: روايا –كذا، والتصحيح من بقية الأصول.
[5377]:ليس في ظ
[5378]:في م: نفى -كذا
[5379]:ليس في ظ
[5380]:ليس في ظ
[5381]:في ظ: وسط
[5382]:في مد: أكثر
[5383]:زيد من م ومد
[5384]:في الأصل: الشاطي، والتصحيح من بقية الأصول
[5385]:في م: فيه
[5386]:في الأصل: الشوط – كذا بالشين المعجمة، والتصحيح من بقية الأصول
[5387]:في م ومد: يدخل
[5388]:في ظ: الظرب
[5389]:في الأصل: شويطة، والتصحيح من بقية الأصول.من مد، وفي م و ظ: مختلطه، وفي الأصل: مخلطه
[5390]:من مد، وفي م و ظ: مختلطه، وفي الأصل: مخلطه
[5391]:في الأصل: استجيء والتصحيح من بقية الأصول، وزيدت بعده في ظ ومد: وسيأتي إن شاء الله تعالى في قول لقمان عليه السلام {يا بني أقم الصلاة}
[5392]:ليس في ظ
[5393]:ليس في م
[5394]:زيد في م و ظ ومد: أي بالفعل بما أهلكم له (وحققكم –زيد من م ومد) به بما أنالكم من التمكن (في ظ فقط: الشكر) في رتبة الوسط الجامعة للعلو (والخير –زيد من ظ) المقتضين (للقبول –زيد من مد فقط) والعلم والثقة
[5395]:ليست في م
[5396]:ليست في م
[5397]:ليس في م
[5398]:ليس في م
[5399]:ليس في م
[5400]:وفي البحر المحيط 1/ 422: ولما كان الشهيد كالرقيب على المشهود له جئ بكلمة "على" وتأخر حرف الجر في قوله: {على الناس} عما يتعلق به جاء ذلك على الأصل إذ العامل أصله أن يتقدم على المعمول، وأما في قوله: {عليكم شهيدا} فتقدمه من باب الاتساع في الكلام للفصاحة، ولأن "شهيدا" أشبه بالفواصل والمقاطع مع قوله: "عليكم" فكان قوله "شهيدا" تمام الجملة ومقطعها دون وعليكم
[5401]:في م فقط: كأنهم
[5402]:في مد: عليكم
[5403]:من م و ظ ومد، وفي الأصل: يكفي
[5404]:في الأصل: الترخية، والتصحيح من بقية الأصول.
[5405]:ليست في ظ
[5406]:ليست في ظ
[5407]:زيد في الأصل و م: "و"، ولم تكن الزيادة في مد و ظ فحذفناها
[5408]:وقع في الأصل: بتقليب –كذا مصحفا، والتصحيح من بقية الأصول
[5409]:في م و ظ ومد: والوجهة
[5410]:من م و مد و ظ، وفي الأصل: يقلب - كذا
[5411]:ليس في ظ
[5412]:ليس في مد
[5413]:من م ومد و ظ، وفي الأصل: يريد
[5414]:زيد من م و ظ
[5415]:من م ومد و ظ، وفي الأصل: وجه.
[5416]:ليس في م
[5417]:في مد: العبادة -كذا
[5418]:ليس في م
[5419]:ليست في ظ. وقال المهائمي: أي وإن تلك القبلة كانت ثقيلة على أرباب النظر لما فيها من الانتقال من الأعلى إلى الأسفل {إلا على الذين هدى الله} للحكمة الإلهية في تأليف اليهود فإن هداهم يجبر نقصها
[5420]:ليست في ظ. وقال المهائمي: أي وإن تلك القبلة كانت ثقيلة على أرباب النظر لما فيها من الانتقال من الأعلى إلى الأسفل {إلا على الذين هدى الله} للحكمة الإلهية في تأليف اليهود فإن هداهم يجبر نقصها
[5421]:ليست في ظ
[5422]:ليست في ظ
[5423]:من م و ظ ومد، وفي الأصل: تباعدهم
[5424]:ليست في ظ
[5425]:ليس في ظ
[5426]:أضاع الرجل الشيء أهمله ولم يحفظه، والهمزة فيه للنقل من ضياع يضيع ضياعا، وضاع المسك يضوع: فاح –البحر المحيط 1/ 418.
[5427]:ليس في م و ظ ومد
[5428]:ختم هذه الآية بهذه الجملة ظاهر وهي جارية مجرى التعليل لما قبلها أي للطف رأفته وسعة رحمته نقلكم من شرع إلى شرع أصلح لكم وأنفع في الدين، أو لم يجعل لها مشقة على الذين هداهم، أو لا يضيع إيمان من أمن؛ وهذا الأخير أظهر – البحر المحيط 1/ 427
[5429]:ليس في ظ
[5430]:ليس في ظ
[5431]:زيد من م
[5432]:في ظ: يحفظ
[5433]:من م ومد و ظ، وفي الأصل: لمسراها.
[5434]:ليس في م و ظ ومد.
[5435]:في البحر المحيط 1/ 427 وقال القشيري: من نظر الأمر بعين التفرقة كبر عليه أم التحويل، ومن نظر بعين الحقيقة ظهر لبصريته وجه الصواب {وما كان الله ليضيع إيمانكم} أي من كان مع الله في جميع الأحوال على قلب واحد فالمختلفات من الأحوال له واحدة فسواء عبر أو قرر أو أثبت أو بدل أو حقق أو حوّل فهم به له جميع الأحوال – قال قائلهم. حيثما دارت الزجاجة درنا يحسب الجاهلون أن جننا
[5436]:ليست في م
[5437]:ليست في م