الطاغوت : الطغيان ، وهو مجاوزة الحد المشروع .
قل لهم : ألا أخبرُكم بأعظمِ شرّ في الجزاء عند الله . إنه إذا انصبّ على موقعٍ لعَنَهم الله وسخط عليهم ، وطمس على قلوبهم ، فكانوا كالقِردة والخنازير ، وعبدوا الشيطان أولئك الذين اتّصفوا بما ذُكر من المخازي وشنيع الأمور ، ولا مكانَ لهم في الآخرة إلا النار ، لأنهم أبعدُ الناس عن طريق الحق .
القراءات : قرأ حمزة «عبد الطاغوت » بكسر التاء ، والباقون «عبد الطاغوت » بفتح التاء .
قوله تعالى : " قل هل أنبئكم بشر من ذلك " أي بشر من نقمكم علينا . وقيل : بشر ما تريدون لنا من المكروه ، وهذا جواب قولهم : ما نعرف دينا شرا من دينكم . " مثوبة " نصب على البيان وأصلها مفعولة ، فألقيت حركة الواو على الثاء فسكنت الواو وبعدها واو ساكنة فحذفت إحداهما لذلك ؛ ومثله مقولة ومجوزة ومضوفة على معنى المصدر ، كما قال الشاعر{[5750]} :
وكنت إذا جاري دعا لمَضُوفَةٍ *** أشَمِّرُ حتى يَنْصُفَ السَّاقَ مئزري
وقيل : مَفْعُلة كقولك مكرمة ومعقلة . " من لعنه الله " " من " في موضع رفع ؛ كما قال : " بشر من ذلكم النار{[5751]} " [ الحج : 72 ] والتقدير : هو لعن من لعنه الله ، ويجوز أن يكون في موضع نصب بمعنى : قل هل أنبئكم بشر من ذلك من لعنه الله ، ويجوز أن تكون في موضع خفض على البدل من شر والتقدير : هل أنبئكم بمن لعنه الله ، والمراد اليهود . وقد تقدم القول في الطاغوت{[5752]} ، أي وجعل منهم من عبد الطاغوت ، والموصول محذوف عند الفراء . وقال البصريون : لا يجوز حذف الموصول ، والمعنى من لعنه الله وعبد الطاغوت . وقرأ ابن وثاب النخعي " وأنبئكم " بالتخفيف . وقرأ حمزة : " عبد الطاغوت " بضم الباء وكسر التاء ، جعله اسما على فعل كعضد فهو بناء للمبالغة والكثرة كيقظ وندس{[5753]} وحذر ، وأصله الصفة ؛ ومنه قول النابغة{[5754]} :
من وحش وَجْرَةَ مَوْشِيّ أكارعُه *** طَاوِي المَصِيرِ كَسَيْفِ الصَّيْقل الفَردِ
بضم الراء ونصبه ب " جعل " ؛ أي جعل منم عبدا للطاغوت ، وأضاف عبد إلى الطاغوت فخفضه . وجعل بمعنى خلق ، والمعنى وجعل منهم من يبالغ في عبادة الطاغوت . وقرأ الباقون بفتح الباء والتاء ، وجعلوه فعلا ماضيا ، وعطفوه على فعل ماضي وهو غضب ولعن ، والمعنى عندهم من لعنه الله ومن عبد الطاغوت ، أو منصوبا ب " جعل " ؛ أي جعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت . ووحد الضمير في عبد حملا على لفظ " من " دون معناها . وقرأ أُبي وابن مسعود " وعبدوا الطاغوت " على المعنى . ابن عباس : " وعبد الطاغوت " ، فيجوز أن يكون جمع عبد كما يقال : رهن ورهن ، وسقف وسقف ، ويجوز أن يكون جمع عباد كما يقال : مثال ومثل ، ويجوز أن يكون جمع عبد كرغيف ورعف ، ويجوز أن يكون جمع عادل كبازل وبزل ؛ والمعنى : وخدم الطاغوت . وعند ابن عباس أيضا " وعبد الطاغوت " {[5755]} جعله جمع عابد كما يقال شاهد وشهد وغايب وغيب . وعن أبي واقد : وعباد الطاغوت للمبالغة ، جمع عابد أيضا ، كعامل وعمال ، وضارب وضراب . وذكر محبوب أن البصريين قرؤوا : ( وعباد الطاغوت ) جمع عابد أيضا ، كقائم وقيام ، ويجوز أن يكون جمع عبد . وقرأ أبو جعفر الرؤاسي{[5756]} ( وعبد الطاغوت ) على المفعول ، والتقدير : وعبد الطاغوت فيهم . وقرأ عون العقيلي وابن بريدة{[5757]} : ( وعابد الطاغوت ) على التوحيد ، وهو يؤدي عن جماعة . وقرأ ابن مسعود أيضا ( وعبد{[5758]} الطاغوت ) وعنه أيضا وأبي{[5759]} ( وعبدت الطاغوت ) على تأنيث الجماعة ؛ كما قال تعالى : ( قالت الأعراب ){[5760]} [ الحجرات : 14 ] وقرأ عبيد بن عمير : ( وأعبد الطاغوت ) مثل كلب وأكلب . فهذه اثنا عشر وجها .
قوله تعالى : " أولئك شر مكانا " لأن مكانهم النار ؛ وأما المؤمنون فلا شر في مكانهم . وقال الزجاج : أولئك شر مكانا على قولكم . النحاس : ومن أحسن ما قيل فيه : أولئك الذين لعنهم الله شر مكانا في الآخرة من مكانكم في الدنيا لما لحقكم من الشر . وقيل : أولئك الذين لعنهم الله شر مكانا من الذين نقموا عليكم . وقيل : أولئك الذين نقموا عليكم شر مكانا من الذين لعنهم الله . ولما نزلت هذه الآية قال المسلمون لهم : يا إخوة القردة والخنازير فنكسوا رؤوسهم افتضاحا ، وفيهم يقول الشاعر :
قوله : { قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله } ذلك توبيخ لهؤلاء الضالين المضلين إذ بين الله لهم أن الذي هو حقيق بالطعن والعيب ما هم عليه من دين محرف وما هم عليه من ظلم وافتراء على دين الإسلام بالطعن والتجريح . فالله يبين لرسوله أن في هؤلاء المستهزئين من العيب ما هو قمين أن يسمى هو عيبا وهو ما هم عليه من الكفر الذي استوجب اللعن من الله وغضبه ومسخه لهم . وتأويل الآية هو : هل أنبئكم بشر من نقمكم ( طعنكم ) علينا أو بشر مما تريدون لنا من المكروه ، أو بشر جزاء عند الله يوم القيامة مما تضنونه بنا ، هم أنتم المتصفون بصفات اللعن والغضب والمسخ . وهذا جواب مقولة نفر من يهود كما رواه ابن عباس أنهم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه عمن يؤمن به من الرسل فقال : ( أومن بالله تعالى وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط ومما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون ) فلما ذكر عيسى عليه السلام جحدوا نبوته وقالوا : لا نؤمن بعيسى ولا نؤمن بمن آمن به . ثم قالوا : لا نعلم دينا شرا من دينكم . فأنزل الله تعالى الآية . فالمخاطبون في قوله : { هل أنبئكم } هم أهل الكتاب .
فالله يقول لنبيه : قل يا محمد لهؤلاء الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من أهل الكتاب والمشركين : هل أنبئكم يا معشر أهل الكتاب بشر من ذلك ، أي من ذلك المنقوم ، مثوبة عند الله ، أي جزاء ثابتا عند الله ، هم أنتم ، إذ لعنكم الله وغضب عليكم ومسخكم قردة وخنازير .
قال صاحب الكشاف في ذلك : كان اليهود يزعمون أن المسلمين ضالون مستوجبون للعقاب فقيل لهم : من لعنه الله شر عقوبة في الحقيقة واليقين من أهل الإسلام في زعمكم ودعواكم .
قوله : { من لعنه الله وغضب عليه } من لعنه ، يحتمل ثلاثة أوجه : الأول : الجر ، على البدل من { بشرّ } .
والثاني : الرفع ، على أنه خبر مبتدأ محذوف مع حذف مضاف ، وتقديره : هو لعن من لعنه الله . فحذف المبتدأ والمضاف .
والثالث : مرفوع على الابتداء ، وخبره { أولئك } {[1013]} .
ولعنه الله أي أبعده وأسحقه من رحمته . وغضب عليه ، من الغضب وهو نقيض الرضا .
قوله : { وجعل منهم القردة والخنازير } أي مسخ بعضهم قردة وهم أصحاب السبت ، وبعضهم خنازير وهو كفار مائدة عيسى عليه السلام . وقيل : كان المسخان في أصحاب السبت إذ مسخت شبانهم قردة ، وشيوخهم خنازير . وقد عرضنا لحقيقة المسخ في سورة البقرة بما يغني عن التكرار هنا . على أن المسخ لم يأت على بني إسرائيل جميعا ، وليس كل القردة والخنازير من ذرية بني إسرائيل . بل إن قوما من بني إسرائيل حاق بهم المسخ فصاروا قردة وخنازير . وكذلك ليس كل القردة والخنازير من مماسيخ بني إسرائيل ، بل إنهم خلق من خلق الله وكانوا من قبل أن يحيق المسخ بالقوم . وفي ذلك أخرج مسلم عن ابن مسعود قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القردة والخنازير أهي مما مسخ الله ؟ فقال : " إن الله لم يهلك قوما – أو قال : لم يمسخ قوما – فيجعل لهم نسلا ولا عقبا وأن القردة والخنازير كانت قبل ذلك " .
قوله : { وعبد الطاغوت } ذكر صاحب الكشاف أنواعا من القراءات في ذلك ، منها : وعبدوا الطاغوت . وهي قراءة أبي .
ومنها : ومن عبدوا الطاغوت . وهي قراءة ابن مسعود .
ومنها : ومن عبد الطاغوت . فهو عطف على صلة " من " .
ومنها : وعابد الطاغوت ، عطفا على القردة .
أما الطاغوت ، فالمراد به موضع خلاف . فقيل : العجل الذي عبده اليهود ، وعن ابن عباس والحسن البصري أنه الشيطان . وقيل : معناه الكهنة والأحبار . فإن كل من أطاع أحدا في معصية الله فقد عبده .
قوله : { أولئك شر مكانا } اسم الإشارة في محل رفع مبتدأ . شر خبره . مكانا منصوب على التمييز . أي أولئك الممسوخون المقبوحون الذين حاق بهم اللعن والغضب شر مستقرا ومنصرفا وهو جهنم وبئس المصير . وهذا من باب استعمال أفعل التفضيل فيما ليس في الطرف الآخر مشاركة .
قوله : { وأضل عن سواء السبيل } أي أنتم يا بني إسرائيل أكثر ضلالا وأشد جورا عن سبيل الرشد والقصد وأعظم بعدا عن طريق الحق القويم حيث الحنفية السليمة المستقيمة والتوحيد الكامل الخالص والإخبات والخضوع والإذعان لله وحده دون سواه والاهتداء بهديه ومنهاجه من غير زيغ ولا تحريف{[1014]} .