سورة هود مكية ، عدد آياتها مائة وثلاث وعشرون آية ، نزلت بعد سورة يونس التي نزلت بعد الإسراء وفي فترة من أحرج الفترات في تاريخ حياة الرسول عليه الصلاة والسلام وأشقها في تاريخ الدعوة بمكة . فقد سبقها موت أبي طالب وخديجة ، وتجرأ المشركون على ما لم يكونوا ليجرأوا عليه قبل ذلك ، وخاصة بعد حادث الإسراء ، واستهزاء المشركين ، وارتداد بعض ضعاف المسلمين . يومئذ عظمت المصيبة على الرسول الكريم ، حتى سمّى ذلك العام " عام الحزن " وقال : ما نالت قريش مني شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب . لأنه لم يكن في عشيرته وأعمامه حاميا له ولا ذابّا عنه أكثر منه .
وقد ابتدأت السورة بالتنويه بالقرآن الكريم ، وعبادة الله وحده ، والإنذار والتبشير ثم بيان قدرة الله وربوبيته ، وذكر أحوال الناس في تلقيهم لنعمه ونقمه ، ثم مقام القرآن ، والتحدي به ، وكفر الكافرين به من غير عذر في كفرهم ، وبيان ثواب المؤمنين .
والسورة كما يظهر من مفتتحها ومختتمها والسياق الذي تجري عليه آياتها تبين غرض القرآن ، وتصف المحصّل من مقاصده على اختلاف آياته وكثرتها . فبالإضافة إلى احتوائها معارف الدين المختلفة من أصول المعارف الإلهية والأخلاق الكريمة الإنسانية ، والأحكام الشرعية الراجعة إلى كليات العبادات والمعاملات والسياسات والولايات ، تصف عامة الخليقة كالعرش والكرسي واللوح والقلم والسماء والأرض والملائكة والجن والشياطين والنبات والحيوان والإنسان ، كما تصف بدء الخليقة وما ستعود إليه من الفناء يوم الرجوع إلى الله سبحانه ، للحشر والحساب .
هذا كما تصف الرابطة التي بين خلقة الإنسان وبين عمله وما يستتبعه هذا من سعادة أو شقاء ، وما يتعلق بذلك من الوعد والوعيد والإنذار بالموعظة الحسنة والحكمة .
فالآيات القرآنية جميعا تعتمد على حقيقة واحدة هي الأصل والأساس الذي بني عليه بنيان الدين ، وهو توحيده تعالى على أنه رب كل شيء
لا رب غيره ، له يسلم المؤمن من كل وجهة فيوفي له حق ربوبيته ، ولا يخضع في عمل إلا له جل شأنه .
إلى هذا الأصل على إجماله ترجع جميع تفاصيل المعاني القرآنية من معارفها وشرائعها بالتحليل .
ولقد قصّ الله تعالى قصص بعض النبيين ، وأشار إلى مجادلة أقوامهم لهم ، وذكر إنزال العذاب الدنيوي بالكافرين ونجاة المؤمنين ، من ذلك قصة نوح التي وردت هنا بتفصيل أكثر منه في سورة يونس . ثم ذكر قصة عاد مع نبي الله هود ، ببيان يوضح عقلية الكفر ، وما نزل بالكافرين مع قوة بأسهم وشدتهم وبهذا سميت السورة " سورة هود " .
ثم ذكر بمثل ذلك من البيان قصة نبي الله صالح مع ثمود ، ثم قصة سيدنا إبراهيم ، ثم قصة نبي الله لوط ، ثم قصة نبي الله شعيب .
وفي الختام ذكر سبحانه وتعالى العبر في هذا القصص الحق ، وختمها بدعوة المؤمنين إلى العمل ، وانتظار الثواب .
وقد ذكر هود في القرآن الكريم سبع مرات ، في سورة الأعراف : الآية 65 ، وفي سورة هود . الآيات 50 و53 و58 و60 و79 ، وفي سورة الشعراء ، الآية 142 ، وذكر ضمنا في سورة المؤمنون : الآية 32 . وفي سورة الأحقاف : الآيتان 21 و22 .
تقدم الكلام على هذه الحروف التي افتتحت بها بعض السور ، وأنها تقرأ بأسمائها : فيقال : «ألف لام را » .
حروف ابتدأت بها السورة للإشارة إلى أن القرآن معجِز ، مع أنه مكون من الحروف التي ينطقون بها ، وللتنبيه إلى الإصغاء عند تلاوة القرآن الكريم إلى أنه كتاب آياته محكمة النظم واضحة المعاني ، قد فصِّلت أحكامها ، وأنزلها ربّ حكيمٌ يقدر حاجة عباده ، وخبير يضع الأمور في مواضعها .
مكية في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر . وقال ابن عباس وقتادة : إلا آية ، وهي قوله تعالى : " وأقم الصلاة طرفي النهار{[1]} " [ هود : 114 ] . وأسند أبو محمد الدارمي في مسنده عن كعب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( اقرؤوا سورة هود يوم الجمعة ) . وروى الترمذي عن ابن عباس قال : قال أبو بكر رضي الله عنه : يا رسول الله قد شبت ! قال : ( شيبتني هود والواقعة والمرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت ) . قال : هذا حديث حسن غريب ، وقد روي شيء من هذا مرسلا . وأخرجه الترمذي الحكيم أبو عبد الله في " نوادر الأصول " : حدثنا سفيان بن وكيع قال حدثنا محمد بن بشر عن علي بن صالح عن أبي إسحاق عن أبي جحيفة قال : قالوا يا رسول الله نراك قد شبت ! قال : ( شيبتني هود وأخواتها ) . قال أبو عبدالله : فالفزع يورث الشيب ؛ وذلك أن الفزع يذهل النفس فينشف رطوبة الجسد ، وتحت كل شعرة منبع ، ومنه يعرق ، فإذا انتشف الفزعُ رطوبته يبست المنابع فيبس الشعر وابيض ، كما ترى الزرع الأخضر بسقائه ، فإذا ذهب سقاؤه يبس فابيض ، وإنما يبيض شعر الشيخ لذهاب رطوبته ويبس جلده ، فالنفس تذهل بوعيد الله ، وأهوال ما جاء به الخبر عن الله ، فتذبل ، ويُنَّشِّفُ ماءها ذلك الوعيد والهول{[2]} الذي جاء به ، فمنه تشيب . وقال الله تعالى : " يوما يجعل الولدان شيبا{[3]} " [ المزمل : 17 ] فإنما شابوا من الفزع . وأما سورة " هود " فلما ذكر الأمم ، وما حل بهم من عاجل بأس الله تعالى ، فأهل اليقين إذا تلوها تراءى على قلوبهم من ملكه وسلطانه ولحظاته البطشُ بأعدائه ، فلو ماتوا من الفزع لحق لهم ، ولكن الله تبارك وتعالى اسمه يلطف{[4]} بهم في تلك الأحايين حتى يقرؤوا كلامه . وأما أخواتها فما أشبهها من السور ، مثل " الحاقة " [ الحاقة : 1 ] و " سأل سائل " [ المعارج : 1 ] و " إذا الشمس كورت " [ التكوير : 1 ] و " القارعة " [ القارعة : 1 ] ، ففي تلاوة هذه السور ما يكشف لقلوب العارفين سلطانه وبطشه فتذهل منه النفوس ، وتشيب منه الرؤوس .
[ قلت{[5]} ] وقد قيل : إن الذي شيب النبي صلى الله عليه وسلم من سورة " هود " قوله : " فاستقم كما أمرت{[6]} " [ هود : 112 ] على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى . وقال يزيد بن أبان : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامي فقرأت عليه سورة " هود " فلما ختمتها قال : ( يا يزيد هذه القراءة فأين البكاء ) . قال علماؤنا : قال أبو جعفر النحاس : يقال هذه هود فاعلم بغير تنوين على أنه اسم للسورة ؛ لأنك لو سميت امرأة بزيد . لم تصرف ، وهذا قول الخليل وسيبويه . وعيسي ابن عمر يقول : هذه هود بالتنوين على أنه اسم للسورة ، وكذا إن سمى امرأة بزيد ؛ لأنه لما سكن وسطه خف فصرف ، فإن أردت الحذف صرفت على قول الجميع ، فقلت : هذه هود وأنت تريد سورة هود ، قال سيبويه : والدليل على هذا أنك تقول هذه الرحمن ، فلولا أنك تريد هذه سورة الرحمن ما قلت هذه .
قوله تعالى : " الر " تقدم القول فيه{[8595]} . " كتاب " بمعنى هذا كتاب . " أحكمت آياته " في موضع رفع نعت لكتاب . وأحسن ما قيل في معنى " أحكمت آياته " قول قتادة ، أي جعلت محكمة كلها لا خلل فيها ولا باطل . والإحكام : منع القول من الفساد ، أي نظمت نظما محكما لا يلحقها تناقض ولا خلل . وقال ابن عباس : أي لم ينسخها كتاب ، بخلاف التوراة والإنجيل . وعلى هذا فالمعنى : أحكم بعض آياته بأن جعل ناسخا غير منسوخ . وقد تقدم القول فيه{[8596]} . وقد يقع اسم الجنس على النوع ، فيقال : أكلت طعام زيد ، أي بعض طعامه . وقال الحسن وأبو العالية : " أحكمت آياته " بالأمر والنهي . " ثم فصلت " بالوعد والوعيد والثواب والعقاب . وقال قتادة : أحكمها الله من الباطل ، ثم فصلها بالحلال والحرام . مجاهد : أحكمت جملة ، ثم بينت بذكر آية آية بجميع ما يحتاج إليه من الدليل على التوحيد والنبوة والبعث وغيرها . وقيل : جمعت في اللوح المحفوظ ، ثم فصلت في التنزيل . وقيل : " فصلت " أنزلت نَجْما نَجْما لتتدبر . وقرأ عكرمة " فصلت " مخففا أي حكمت بالحق . " من لدن " أي من عند . " حكيم " أي محكم للأمور . " خبير " بكل كائن وغير كائن .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.