لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةٗ وَسَطٗا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيۡكُمۡ شَهِيدٗاۗ وَمَا جَعَلۡنَا ٱلۡقِبۡلَةَ ٱلَّتِي كُنتَ عَلَيۡهَآ إِلَّا لِنَعۡلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِۚ وَإِن كَانَتۡ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَٰنَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ} (143)

الوسط الخيار ، فجعل هذه الأمة خيار الأمم ، وجعل هذه الطائفة خيار هذه الأمة فهم خيار الخيار . فكما أن هذه الأمة شهداء على الأمم في القيامة فهذه الطائفة هم الأصول ، وعليهم المدار ، وهم القطب ، وبهم يحفظ الله جميع الأمة ، وكلُّ من قَبِلَتْهُ قلوبهم فهو المقبول ، ومن رَدَّتْه قبولهم فهو المردود . فالحكم الصادق لفراستهم ، والصحيح حكمهم ، والصائب نظرهم عصم جميع الأمة ( عن ) الاجتماع عن الخطأ ، وعصم هذه الطائفة عن الخطأ في النظر والحكم ، والقبول والرد ، ثم إن بناءَ أمرهم مُسْتَنِدٌ إلى سُنَّة الرسول صلى الله عليه وسلم . وكل ما لا يكون فيه اقتداءٌ بالرسول عليه السلام فهو عليه ردٌّ ، وصاحبه على لا شيء .

قوله جلّ ذكره : : { وَمَا جَعَلْنَا القِبْلَةَ التي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانِت لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَءوفٌ رَّحِيمٌ } .

بيَّن أن الحكم في تقرير أمر القبلة إلى وقت التحويل ، وتحويلها من وقت التبديل كان اختباراً لهم من الحق ليتميز الصادق من المارق ، ومَنْ نَظر إلى الأم بعين التفرقة لكبُر عليه أمر التحويل ، ومن نظر بعين الحقيقة ظهرت لبصيرته وجوه الصواب . ثم قال : { وما كان الله ليضيع إيمانكم } أي من كان مع الله في جميع الأحوال على قلبٍ واحد فالمختلفات من الأحوال له واحدة ، فسواءٌ غيَّر أو قرَّر ، وأثبت أو بدَّل ، وحقَّق أو حوَّلَ فَهُمْ بِهِ لَهُ في جميع الأحوال ، قال قائلهم :

كيفما دارت الزجاجة دُرْنا *** يحسب الجاهلون أنَّا جُنِنَّا

فإنْ قابلوا شرقاً أو واجهوا غَرْباً ، وإنْ استقبلوا حجراً أو قارباً مدراً ، فمقصودُ قلوبهم واحدٌ ، وما كان للواحد فحُكْمُ الجميع فيه واحد .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةٗ وَسَطٗا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيۡكُمۡ شَهِيدٗاۗ وَمَا جَعَلۡنَا ٱلۡقِبۡلَةَ ٱلَّتِي كُنتَ عَلَيۡهَآ إِلَّا لِنَعۡلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِۚ وَإِن كَانَتۡ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَٰنَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ} (143)

الوسط : العدل والخيار .

من ينقلب على عقبيه : يترك ما كان عليه من التقوى والاستقامة .

وكذلك جعلناكم أمة وسطاً خياراً عُدولا ، جَمَعَ دينُها بين المادة والروح ، فجاء وسطاً جامعاً بين حق الروح وحق الجسم . وخير الأمور الوسط . وذلك لتشهدوا يوم القيامة على جميع الناس الماديين الذي فرطوا في جنب الله ، وأخلدوا إلى الملذات وعبادة المادة ، وقالوا إِنْ هي الا حياتنا نموت ونحيا ، وما يهلكنا إلا الدهر . . وكذلك الذين غلَوا في الدين وتخلّوا عن جميع اللذات الجثمانية وتعلقوا بالروحانيات فقط . لقد جعلناكم كذلك لتكونوا أمة وسطا بين هؤلاء وهؤلاء ، وبكل معاني الوسط ، سواء في الوساطة بمعنى الحسن والفضل ، أو الاعتدال والقصد ، أو التفكير والشعور .

{ وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيداً } إذ هو المرتبة العليا لمرتبة الوسط .

{ وَمَا جَعَلْنَا القبلة التي كُنتَ عَلَيْهَآ . . . } أما القبلة إلى بيت المقدس والتي شرعناها لك حيناً من الدهر ، ثم أمرناك أن تتحول عنها ، فإنما جعلناها امتحانا للمسلمين ، ليتبين منهم من يطيع أوامر الله ويتبع الرسول الكريم ، ومن يغلب عليه هواه فيضلّ عن سواء السبيل .

ولقد كان الأمر بالتوجه إلى بيت المقدس ثم التحول إلى الكعبة شاقاً الا على الذي وفقهم الله إلى الإيمان . والله رؤوف بعباده ، لأنه ذو رحمة واسعة ، فلا يُضيع عمل عامل من عباده .

القراءات :

قرأ الحرميان ، وابن عامر وحفص «لرؤوف » بالمد على وزن فعول . والباقون «رَؤُف » فَعُل .