ويتبع هذا المطلع القوي الصريح الجازم ببيان حد الزنا ؛ وتفظيع هذه الفعلة ، التي تقطع ما بين فاعليها وبين الأمة المسلمة من وشائج وارتباطات :
( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ؛ ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله - إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر - وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين . الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة ، والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك ؛ وحرم ذلك على المؤمنين ) . .
كان حد الزانيين في أول الإسلام ما جاء في سورة النساء : ( واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم . فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا ) . . فكان حد المرأة الحبس في البيت والأذى بالتعبير . وكان حد الرجل الأذى بالتعبير .
ثم أنزل الله حد الزنا في سورة النور . فكان هذا هو( السبيل )الذي أشارت إليه من قبل آية النساء .
والجلد هو حد البكر من الرجال والنساء . وهو الذي لم يحصن بالزواج . ويوقع عليه متى كان مسلما بالغا عاقلا حرا . فأما المحصن وهو من سبق له الوطء في نكاح صحيح وهو مسلم حر بالغ فحده الرجم .
وقد ثبت الرجم بالسنة . وثبت الجلد بالقرآن . ولما كان النص القرآني مجملا وعاما . وكان رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] قد رجم الزانيين المحصنين ، فقد تبين من هذا أن الجلد خاص بغير المحصن .
وهناك خلاف فقهي حول الجمع بين الجلد والرجم للمحصن . والجمهور على أنه لا يجمع بين الجلد والرجم . كما أن هناك خلافا فقهيا حول تغريب الزاني غير المحصن مع جلده . وحول حد الزاني غير الحر . . وهو خلاف طويل لا ندخل في تفصيله هنا ، يطلب في موضعه من كتب الفقه . . إنما نمضي نحن مع حكمة هذا التشريع . فنرى أن عقوبة البكر هي الجلد ، وعقوبة المحصن هي الرجم . ذلك أن الذي سبق له الوطء في نكاح صحيح - وهو مسلم حر بالغ - قد عرف الطريق الصحيح النظيف وجربه ، فعدوله عنه إلى الزنا يشي بفساد فطرته وانحرافها ، فهو جدير بتشديد العقوبة ، بخلاف البكر الغفل الغر ، الذي قد يندفع تحت ضغط الميل وهو غرير . . وهناك فارق آخر في طبيعة الفعل . فالمحصن ذو تجربة فيه تجعله يتذوقه ويستجيب له بدرجة أعمق مما يتذوقه البكر . فهو حري بعقوبة كذلك أشد .
والقرآن يذكر هنا حد البكر وحده - كما سلف - فيشدد في الأخذ به ، دون تسامح ولا هوادة :
( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ، ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله . إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر . وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ) .
فهي الصرامة في إقامة الحد ؛ وعدم الرأفة في أخذ الفاعلين بجرمهما ، وعدم تعطيل الحد أو الترفق في إقامته ، تراخيا في دين الله وحقه . وإقامته في مشهد عام تحضره طائفة من المؤمنين ، فيكون أوجع وأوقع في نفوس الفاعلين ونفوس المشاهدين .
تبين هذه الآية الكريمة حدَّ الزاني غير المتزوج والزانية غير المتزوجة إذا ثبت عليهما ذلك بإقرارهما أو بشهادةِ أربعة شهودٍ رأوا ذلك العملَ بأعينهم وحلفوا عليه ، فلو كانوا ثلاثةَ شهود لا تثبتُ الجريمة ، ولا يقع الحّد . وتنص الآية أن لا ترأفَ عند تنفيذ الحكم . وتطلب أن يكون ذلك بمشهدٍ من الناس ، ليكونَ في العقاب ردع لغيرهما من الناس . ويزاد على عقاب الجلد أن يغرَّب الزاني عاماً عن بلده عند جمهور العلماء ، وعند أبي حنيفة أن التغريب عائدٌ إلى رأي الإمام إن شاء غرَّبَ وإن شاء لم يغرِّب .
أما عقوبة الزاني المتزوج فقد ثبتت بالسنّة الشريفة أنها القتلُ رجماً بالحجارة . وكانت العقوبة في أول الإسلام : للمرأة الحبسُ في البيت والأذى والتعيير ، وللرجل الأذى والتعيير كما تنص الآية على ذلك من سورة النساء : { واللاتي يَأْتِينَ الفاحشة مِن نِّسَآئِكُمْ فاستشهدوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنْكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي البيوت حتى يَتَوَفَّاهُنَّ الموت أَوْ يَجْعَلَ الله لَهُنَّ سَبِيلاً } الآيتان 15 ، 16 . ثم نسخ هذا الحكم بهذه الآية .
فالاسلام جاء ليحافظ على المصالح المعتبرة وهي خمس :
فالقتلُ اعتداءٌ على النفس ، والردّةُ اعتداء على الدين ، وتعاطي الخمر والمخدّرات اعتداء على العقل ، والسرقةُ اعتداء على المال ، والزنا اعتداء على العرض .
قرأ ابن كثير : { رآفة } بفتح الهمزة ومدها ، والباقون : { رأْفة } بإسكان الهمزة .
{ الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة } الزانية والزاني يراد بهما الجنس ، وقدم الزانية لأن الزنا كان حينئذ في النساء أكثر ، فإنه كان منهن إماء وبغايا يجاهرن بذلك ، وإعراب الزاني والزانية كإعراب : السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ، وقد ذكر في المائدة .
وهذه الآية ناسخة بإجماع لما في سورة النساء من الإمساك في البيوت في الآية الواحدة ومن الأذى في الأخرى ، ثم إن لفظ هذه الآية عند مالك ليس على عمومه ، فإن جلد المائدة إنما هو حد الزاني والزانية إذا كانا مسلمين حرين غير محصنين ، فيخرج منها الكفار ، فيردون إلى أهل دينهم ، ويخرج منها العبد والأمة والمحصن والمحصنة ، فأما العبد والأمة : فحدهما خمسون جلدة سواء كانا محصنين أو غير محصنين ، وأما المحصنان الحران فحدهما الرجم هذا على مذهب مالك .
وأما الكلام على الآية بالنظر إلى سائر المذاهب ، فاعلم أن لفظ هذه الآية ظاهره العموم في المسلمين والكافرين ، وفي الأحرار والعبيد والإماء ، وفي المحصن وغير المحصن ، ثم إن العلماء خصصوا من هذا العموم أشياء ، منها باتفاق ، ومنها باختلاف .
فأما الكفار فرأى أبي حنيفة وأهل الظاهر أن حدهم جلد مائة أحصنوا أو لم يحصنوا : أخذا بعموم الآية ، ورأى الشافعي أن حدهم كحد المسلمين الجلد إن لم يحصنوا ، والرجم إن أحصنوا أخذا بالآية ، وبرجم النبي صلى الله عليه وسلم لليهودي واليهودية إذ زنيا ، ورأي مالك أن يردوا إلى أهل دينهم لقوله تعالى في سورة النساء : { واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم } [ النساء :15 ] فخص نساء المسلمين على أنها قد نسختها هذه ، ولكن بقيت في محلها .
وأما العبد والأمة : فرأى أهل الظاهر أن حد الأمة خمسون جلدة لقوله تعالى : { فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب } [ النساء25 ] وأن حد العبد الجلد مائة لعموم الآية ، وقال غيرهم : يجلد العبد خمسين بالقياس على الأمة ، إذ لا فرق بينهما .
وأما المحصن فقال الجمهور : حده الرجم فهو مخصوص في هذه الآية ، وبعضهم يسمي هذا التخصيص نسخا .
ثم اختلفوا في المخصص أو الناسخ ، فقيل : الآية التي ارتفع لفظها وبقي حكمها وهي قوله : " الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم " وقيل : الناسخ لها السنة الثابتة في الرجم ، وقال أهل الظاهر وعلي بن أبي طالب : يجلد المحصن بالآية ، ثم يرجم بالسنة فجمعوا عليه الحدين ، ولم يجعلوا الآية منسوخة ، ولا مخصصة ، وقال الخوارج : لا رجم أصلا فإن الرجم ليس في كتاب الله ، ولا يعتد بقولهم ، وظاهر الآية الجلد دون تغريب ، وبذلك قال أبو حنيفة ، وقال مالك : الجلد والتغريب سنة للحديث ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم : ( البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام ) ولا تغريب على النساء ولا على العبيد عند مالك ، وصفة الجلد عند مالك في الظهر والمجلود جالس ، وقال الشافعي : يفرق على جميع الأعضاء والمجلود قائم ، وتستر المرأة بثوب لا يقيها الضرب ، ويجرد الرجل عند مالك ، وقال قوم : يجلد على قميص .
{ ولا تأخذكم بهما رأفة } قيل : يعني في إسقاط الحد أي : أقيموه ولا بد ، وقيل : في خفيف الضرب ، وقيل : في الوجهين . فعلى القول الأول : يكون الضرب في الزنا كالضرب في القذف غير مبرح ، وهو مذهب مالك والشافعي ، وعلى القول الثاني والثالث : يكون الضرب في الزنا أشد ، واختلف هل يجوز أن يجمع مائة سوط يضرب بها مرة واحدة فمنعه مالك ، وأجازه أبو حنيفة لما ورد في قصة أيوب عليه السلام ، وأجازه الشافعي للمريض لورود ذلك في الحديث .
{ وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين } المراد بذلك توبيخ الزناة والغلظة عليهم ، واختلف في أقل ما يجزئ من الطائفة فقيل أربعة ، اعتبارا بشهادة الزنا وهو قول ابن أبي زيد ، وقيل : عشرة ، وقيل : اثنان ، وهو مشهور مذهب مالك ، وقيل : واحد .