وفي مجال التربية للجماعة المسلمة يكشف لها عن البواعث الفطرية الخفية التي من عندها يبدأ الانحراف ؛ إذا لم تضبط باليقظة الدائمة ؛ وإذا لم تتطلع النفس إلى آفاق أعلى ؛ وإذا لم تتعلق بما عند الله وهو خير وأزكى .
إن الاستغراق في شهوات الدنيا ، ورغائب النفوس ، ودوافع الميول الفطرية هو الذي يشغل القلب عن التبصر والاعتبار ؛ ويدفع بالناس إلى الغرق في لجة اللذائذ القريبة المحسوسة ؛ ويحجب عنهم ما هو أرفع وأعلى ؛ ويغلظ الحس فيحرمه متعة التطلع إلى ما وراء اللذة القريبة ؛ ومتعة الاهتمامات الكبيرة اللائقة بدور الإنسان العظيم في هذه الأرض ؛ واللائقة كذلك بمخلوق يستخلفه الله في هذا الملك العريض .
ولما كانت هذه الرغائب والدوافع - مع هذا - طبيعية وفطرية ، ومكلفة من قبل الباريء - جل وعلا - أن تؤدي للبشرية دورا أساسيا في حفظ الحياة وامتدادها ، فإن الإسلام لا يشير بكبتها وقتلها ، ولكن إلى ضبطها وتنظيمها ، وتخفيف حدتها واندفاعها ؛ وإلى أن يكون الإنسان مالكا لها متصرفا فيها ، لا أن تكون مالكة له متصرفة فيه ؛ وإلى تقوية روح التسامي فيه والتطلع إلى ما هو أعلى .
ومن ثم يعرض النص القرآني الذي يتولى هذا التوجيه التربوي . . هذه الرغائب والدافع ، ويعرض إلى جوارها على امتداد البصر الوانا من لذائذ الحس والنفس في العالم الآخر ، ينالها من يضبطون أنفسهم في هذه الحياة الدنيا عن الاستغراق في لذائذها المحببة ، ويحتفظون بإنسانيتهم الرفيعة .
وفي آية واحدة يجمع السياق القرآني أحب شهوات الأرض إلى نفس الإنسان : النساء والبنين والأموال المكدسة والخيل والأرض المخصبة والأنعام . . وهي خلاصة للرغائب الأرضية . إما بذاتها ، وإما بما تستطيع أن توفره لأصحابها من لذائذ أخرى . . وفي الآية التالية يعرض لذائذ أخرى في العالم الآخر : جنات تجري من تحتها الأنهار . وأزواج مطهرة . وفوقها رضوان من الله . . وذلك كله لمن يمد ببصره إلى أبعد من لذائذ الأرض ، ويصل قلبه بالله ، على النحو الذي تعرضه آيتان تاليتان :
( زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين ، والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة ، والخيل المسومة ، والأنعام ، والحرث . . ذلك متاع الحياة الدنيا ، والله عنده حسن المآب . قل : أؤنبئكم بخير من ذلكم ؟ للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار - خالدين فيها - وأزواج مطهرة ، ورضوان من الله . والله بصير بالعباد . الذين يقولون : ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار . الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار . . )
( زين للناس ) . وصياغة الفعل للمجهول هنا تشير إلى أن تركيبهم الفطري قد تضمن هذا الميل ؛ فهو محبب ومزين . . وهذا تقرير للواقع من أحد جانبيه . ففي الإنسان هذا الميل إلى هذه " الشهوات " ، وهو جزء من تكوينه الأصيل ، لا حاجة إلى إنكاره ، ولا إلى استنكاره في ذاته . فهو ضروري للحياة البشرية كي تتأصل وتنمو وتطرد - كما أسلفنا - ولكن الواقع يشهد كذلك بأن في فطرة الإنسان جانبا آخر يوازن ذلك الميل ، ويحرس الإنسان أن يستغرق في ذلك الجانب وحده ؛ وأن يفقد قوة النفخة العلوية أو مدلولها وإيحاءها . هذا الجانب الآخر هو جانب الاستعداد للتسامي ، والاستعداد لضبط النفس ووقفها عند الحد السليم من مزاولة هذه " الشهوات " . الحد الباني للنفس وللحياة ؛ مع التطلع المستمر إلى ترقية الحياة ورفعها إلى الأفق الذيتهتف إليه النفحة العلوية ، وربط القلب البشري بالملإ الأعلى والدار الآخرة ورضوان الله . . هذا الاستعداد الثاني يهذب الاستعداد الأول ، وينقيه من الشوائب ، ويجعله في الحدود المأمونة التي لا يطغى فيها جانب اللذة الحسية ونزعاتها القريبة ، على الروح الإنسانية وأشواقها البعيدة . . والاتجاه إلى الله ، وتقواه ، هو خيط الصعود والتسامي إلى تلك الأشواق البعيدة .
( زين للناس حب الشهوات ) . . فهي شهوات مستحبة مستلذة ؛ وليست مستقذرة ولا كريهة . والتعبير لا يدعو إلى استقذارها وكراهيتها ؛ إنما يدعو فقط إلى معرفة طبيعتها وبواعثها ، ووضعها في مكانها لا تتعداه ، ولا تطغى على ما هو أكرم في الحياة وأعلى . والتطلع إلى آفاق أخرى بعد أخذ الضروري من تلك " الشهوات " في غير استغراق ولا إغراق !
وهنا يمتاز الإسلام بمراعاته للفطرة البشرية وقبولها بواقعها ، ومحاولة تهذيبها ورفعها ، لا كبتها وقمعها . . والذين يتحدثون في هذه الأيام عن " الكبت " واضراره ، وعن " العقد النفسية " التي ينشئها الكبت والقمع ، يقررون أن السبب الرئيسي للعقد هو " الكبت " وليس هو " الضبط " . . وهو استقذار دوافع الفطرة واستنكارها من الأساس ، مما يوقع الفرد تحت ضغطين متعارضين : ضغط من شعوره - الذي كونه الإيحاء أو كونه الدين أو كونه العرف - بأن دوافع الفطرة دوافع قذرة لا يجوز وجودها أصلا ، فهي خطيئة ودافع شيطاني ! وضغط هذه الدوافع التي لا تغلب لأنها عميقة في الفطرة ، ولأنها ذات وظيفة أصيلة في كيان الحياة البشرية ، لا تتم إلا بها ، ولم يخلقها الله في الفطرة عبثا . . وعندئذ وفي ظل هذا الصراع تتكون " العقد النفسية " . . فحتى إذا سلمنا جدلا بصحة هذه النظريات النفسية ، فإننا نرى الإسلام قد ضمن سلامة الكائن الإنساني من هذا الصراع بين شطري النفس البشرية . بين نوازع الشهوة واللذة ، وأشواق الارتفاع والتسامي . . وحقق لهذه وتلك نشاطها المستمر في حدود التوسط والاعتدال .
( زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث . . . ) . .
والنساء والبنون شهوة من شهوات النفس الإنسانية قوية . . وقد قرن اليهما ( القناطير المقنطرة من الذهب والفضة ) . . ونهم المال هو الذي ترسمه ( القناطير المقنطرة ) ولو كان يريد مجرد الميل إلى المال لقال : والأموال . أو والذهب والفضة . ولكن القناطير المقنطرة تلقي ظلا خاصا هو المقصود . ظل النهم الشديد لتكديس الذهب والفضة . ذلك أن التكديس ذاته شهوة . بغض النظر عما يستطيع المال توفيره لصاحبه من الشهوات الأخرى !
ثم قرن إلى النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة . . الخيل المسومة . والخيل كانت - وما تزال حتى في عصر الآلة المادي اليوم - زينة محببة مشتهاة . ففي الخيل جمال وفتوة وانطلاق وقوة . وفيها ذكاء وألفة ومودة . وحتى الذين لا يركبونها فروسية ، يعجبهم مشهدها ، ما دام في كيانهم حيوية تجيش لمشهد الخيل الفتية !
وقرن إلى تلك الشهوات الأنعام والحرث . وهما يقترنان عادة في الذهن وفي الواقع . . الأنعام والحقول المخصبة . . والحرث شهوة بما فيه من مشهد الإنبات والنماء . وإن تفتح الحياة في ذاته لمشهد حبيب فإذا أضيفتإليه شهوة الملك ، كان الحرث والأنعام شهوة .
وهذه الشهوات التي ذكرت هنا هي نموذج لشهوات النفوس ، يمثل شهوات البيئة التي كانت مخاطبة بهذا القرآن ؛ ومنها ما هو شهوة كل نفس على مدار الزمان . والقرآن يعرضها ثم يقرر قيمتها الحقيقية ، لتبقى في مكانها هذا لا تتعداه ، ولا تطغى على ما سواه :
( ذلك متاع الحياة الدنيا ) . .
ذلك كله الذي عرضه من اللذائذ المحببة - وسائر ما يماثله من اللذائذ والشهوات - متاع الحياة الدنيا . لا الحياة الرفيعة ، ولا الآفاق البعيدة . . متاع هذه الأرض القريب . .
الأولى : قوله تعالى : " زين للناس " زين من التزيين واختلف الناس من المزين ، فقالت فرقة : الله زين ذلك ، وهو ظاهر قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، ذكره البخاري . وفي التنزيل : " إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها " {[2901]} [ الكهف : 7 ] ؛ ولما قال عمر : الآن يا رب حين زينتها لنا ! نزلت : " قل أأنبئكم بخير من ذلكم " [ آل عمران : 15 ] وقالت فرقة : المزين هو الشيطان ، وهو ظاهر قول الحسن ، فإنه قال : من زينها ؟ ما أحد أشد لها ذما من خالقها . فتزيين الله تعالى إنما هو بالإيجاد والتهيئة للانتفاع وإنشاء الجبلة على الميل إلى هذه الأشياء . وتزيين الشيطان إنما هو بالوسوسة والخديعة وتحسين أخذها من غير وجوهها . والآية على كلا الوجهين ابتداء وعظ لجميع الناس ، وفي ضمن ذلك توبيخ لمعاصري محمد صلى الله عليه وسلم من اليهود وغيرهم . وقرأ الجمهور " زُيِّن " على بناء الفعل للمفعول ، ورفع " حُبُّ " . وقرأ الضحاك ومجاهد " زَيَّن " على بناء الفعل للفاعل ، ونصب " حُبَّ " وحركت الهاء من " الشهوات " فرقا بين الاسم والنعت . والشهوات جمع شهوة وهي معروفة . ورجل شهوان{[2902]} للشيء ، وشيء شهي أي مشتهى واتباع الشهوات مرد وطاعتها مهلكة . وفي صحيح مسلم : ( حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات ) رواه أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم . وفائدة هذا التمثيل أن الجنة لا تنال إلا بقطع مفاوز المكاره وبالصبر عليها . وأن النار لا ينجى منها إلا بترك الشهوات وفطام النفس عنها . وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( طريق الجنة حزن{[2903]} بربوة وطريق النار سهل بسهوة . . . ) ، وهو معنى قوله ( حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات ) . أي طريق الجنة صعبة المسلك فيه أعلى ما يكون من الروابي ، وطريق النار سهل لا غلظ فيه ولا وعورة ، وهو معنى قوله ( سهل بسهوة ) وهو بالسين المهملة .
الثانية : قوله تعالى : " من النساء " بدأ بهن لكثرة تشوف النفوس إليهن ؛ لأنهن حبائل الشيطان وفتنة الرجال . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما تركت بعدي فتنة أشد على الرجال من النساء ) أخرجه البخاري ومسلم . ففتنة النساء أشد من جميع الأشياء . ويقال : في النساء فتنتان ، وفي الأولاد فتنة واحدة . فأما اللتان في النساء فإحداهما أن تؤدي إلى قطع الرحم ؛ لأن المرأة تأمر زوجها بقطعه عن الأمهات والأخوات . والثانية يبتلى بجمع المال من الحلال والحرام . وأما البنون فإن الفتنة فيهم واحدة وهو ما ابتلي بجمع المال لأجلهم . وروى عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تسكنوا نساءكم الغرف ولا تعلموهن الكتاب ) . حذرهم رسول الله{[2904]} صلى الله عليه وسلم ؛ لأن في إسكانهن الغرف تطلعا إلى الرجال ، وليس في ذلك تحصين لهن ولا ستر ؛ لأنهن قد يشرفن على الرجال فتحدث الفتنة والبلاء ، ولأنهن قد خلقن من الرجل ، فهمتها في الرجل والرجل خلق فيه الشهوة وجعلت سكنا له ، فغير مأمون كل واحد منهما على صاحبه . وفي تعلمهن الكتاب هذا المعنى من الفتنة وأشد . وفي كتاب الشهاب عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( أعْرُوا النساء يلزمن الحجال ) . فعلى الإنسان إذا لم يصبر في هذه الأزمان أن يبحث عن ذات الدين ليسلم له الدين ، قال صلى الله عليه وسلم : ( عليك بذات الدين تربت{[2905]} يداك ) أخرجه مسلم عن أبي هريرة . وفي سنن ابن ماجه عن عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تزوجوا النساء لحسنهن فعسى حسنهن أن يرديهن ولا تزوجوهن لأموالهن فعسى أموالهن أن تطغيهن ولكن تزوجوهن على الدين ولأمة سوداء خَرْمَاء{[2906]} ذات دين أفضل ) .
الثالثة : قوله تعالى : " والبنين " عطف على ما قبله . وواحد من البنين ابن . قال الله تعالى مخبرا عن نوح : ( إن ابني من أهلي ){[2907]} . وتقول في التصغير " بني " كما قال لقمان . وفي الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأشعث بن قيس : ( هل لك من ابنة حمزة من ولد ) ؟ قال : نعم ، لي منها غلام ولوددت أن لي به جفنة من طعام أطعمها من بقي من بني جبلة . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لئن قلت بذلك إنهم لثمرة القلوب وقرة الأعين وإنهم مع ذلك لمَجْبَنَة{[2908]} مبخلة محزنة ) .
الرابعة : قوله تعالى : " والقناطير " القناطير جمع قنطار ، كما قال تعالى : " وآتيتم إحداهن قنطارا " {[2909]} [ النساء : 20 ] وهو العقدة الكبيرة من المال ، وقيل : هو اسم للمعيار الذي يوزن به ، كما هو الرطل والربع . ويقال لما بلغ ذلك الوزن : هذا قنطار ، أي يعدل القنطار . والعرب تقول : قنطر الرجل إذا بلغ ماله أن يوزن بالقنطار . وقال الزجاج : القنطار مأخوذ من عقد الشيء وإحكامه ، تقول العرب : قنطرت الشيء إذا أحكمته ، ومنه سميت القنطرة لإحكامها . قال طرفة :
كقنطرةِ الرومي أقسم ربها *** لتُكْتَنَفَنْ حتى تُشَادَ بِقَرْمَدِ{[2910]}
والقنطرة المعقودة ، فكأن القنطار عقد مال . واختلف العلماء في تحرير حده كم هو على أقوال عديدة ، فروى أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( القنطار ألف أوقية ومائتا أوقية ) ، وقال بذلك معاذ بن جبل وعبدالله بن عمر وأبو هريرة وجماعة من العلماء . قال ابن عطية : وهو أصح الأقوال ، لكن القنطار على هذا يختلف باختلاف البلاد في قدر الأوقية . وقيل : اثنا عشر ألف أوقية ، أسنده البستي في مسنده الصحيح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " القنطار اثنا عشر ألف أوقية الأوقية خير مما بين السماء والأرض " . وقال بهذا القول أبو هريرة أيضا . وفي مسند أبي محمد الدارمي عن أبي سعيد الخدري قال : " من قرأ في ليلة عشر آيات كتب من الذاكرين ، ومن قرأ بمائة آية كتب من القانتين ، ومن قرأ بخمسمائة آية إلى الألف أصبح وله قنطار من الأجر " قيل : وما القنطار ؟ قال : " ملء مسك ثور ذهبا " . موقوف ، وقال به أبو نضرة العبدي . وذكر ابن سيده أنه هكذا بالسريانية . وقال النقاش عن ابن الكلبي أنه هكذا بلغة الروم . وقال ابن عباس والضحاك والحسن : ألف ومائتا مثقال من الفضة ، ورفعه الحسن . وعن ابن عباس : اثنا عشر ألف درهم من الفضة ، ومن الذهب ألف دينار دية الرجل المسلم ، وروى عن الحسن والضحاك . وقال سعيد بن المسيب : ثمانون ألفا . قتادة : مائة رطل من الذهب أو ثمانون ألف درهم من الفضة . وقال أبو حمزة الثمالي{[2911]} : القنطار بإفريقية والأندلس ثمانية آلاف مثقال من ذهب أو فضة . السدي : أربعة آلاف مثقال . مجاهد : سبعون ألف مثقال ؛ وروي عن ابن عمر . وحكى مكي قولا : أن القنطار أربعون أوقية من ذهب أو فضة ، وقاله ابن سيده في المحكم ، وقال : القنطار بلغة بَرْبَرْ ألف مثقال . وقال الربيع بن أنس : القنطار المال الكثير بعضه على بعض ، وهذا هو المعروف عند العرب ، ومنه قوله : " وآتيتم إحداهن قنطارا " أي مالا كثيرا . ومنه الحديث : ( إن صفوان بن أمية قنطر في الجاهلية وقنطر أبوه ) أي صار له قنطار من المال . وعن الحكم هو ما بين السماء والأرض . واختلفوا في معنى " المقنطرة " فقال الطبري وغيره : معناه المضعفة ، وكأن القناطير ثلاثة والمقنطرة تسع . وروى عن الفراء أنه قال : القناطير جمع القنطار ، والمقنطرة جمع الجمع ، فيكون تسع قناطير . السدي : المقنطرة المضروبة حتى صارت دنانير أو دراهم . مكي : المقنطرة المكملة ، وحكاه الهروي ، كما يقال : بِدَرٌ مُبَدَّرَةٌ ، وآلاف مؤلفة . وقال بعضهم . ولهذا سمي البناء القنطرة لتكاثف البناء بعضه على بعض . ابن كيسان والفراء : لا تكون المقنطرة أقل من تسع قناطير . وقيل : المقنطرة إشارة إلى حضور المال وكونه عتيدا . وفي صحيح البستي عن عبدالله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين ومن قام بمائة آية كتب من القانتين ومن قام بألف آية كتب من المقنطِرين ) .
الخامسة : قوله تعالى : " من الذهب والفضة " الذهب مؤنثة{[2912]} ، يقال : هي الذهب الحسنة جمعها ذهاب{[2913]} وذُهوب . ويجوز أن يكون جمع ذَهْبَة ، ويجمع على الأذهاب . وذهب فلان مذهبا حسنا . والذهب : مكيال لأهل اليمن . ورجل ذَهِب إذا رأى معدن الذهب فدهش . والفضة معروفة ، وجمعها فضض . فالذهب مأخوذة من الذهاب ، والفضة مأخوذة من انفض الشيء تفرق ، ومنه فَضَضْت القوم فانفضوا ، أي فرقتهم فتفرقوا . وهذا الاشتقاق يشعر بزوالهما وعدم ثبوتهما كما هو مشاهد في الوجود . ومن أحسن ما قيل في هذا المعنى قول بعضهم :
النار آخر دينار نطقتَ به *** والهَمُّ آخر هذا الدرهم الجاري
والمرء بينهما إن كان ذا ورع *** مُعَذَّبَ القلب بين الهم والنار
السادسة : قوله تعالى : " والخيل " الخيل مؤنثة . قال ابن كيسان : حدثت عن أبي عبيدة أنه قال : واحد الخيل خائل ، مثل طائر وطير ، وضائن وضين ، وسمي الفرس بذلك ؛ لأنه يختال في مشيه . وقال غيره : هو اسم جمع لا واحد له من لفظه ، واحد فرس ، كالقوم والرهط والنساء والإبل ونحوها . وفي الخبر من حديث علي عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن الله خلق الفرس من الريح ولذلك جعلها تطير بلا جناح ) . وهب بن منبه : خلقها من ريح الجنوب . قال وهب : فليس تسبيحة ولا تكبيرة ولا تهليلة يكبرها صاحبها إلا وهو يسمعها فيجيبه بمثلها . وسيأتي لذكر الخيل ووصفها في سورة " الأنفال " {[2914]} ما فيه كفاية إن شاء الله تعالى . وفي الخبر : ( إن الله عرض على آدم جميع الدواب ، فقيل له : اختر منها واحدا فاختار الفرس ، فقيل له : اخترت عزك ) ، فصار اسمه الخير من هذا الوجه . وسميت خيلا ؛ لأنها موسومة بالعز فمن ركبه اعتز بنحلة الله له ويختال به على أعداء الله تعالى . وسمي فرسا ؛ لأنه يفترس مسافات الجو افتراس الأسد وُثْبَانا ، ويقطعها كالالتهام بيديه على شيء خبطا وتناولا ، وسمي عربيا ؛ لأنه جيء به من بعد آدم لإسماعيل جزاء عن رفع قواعد البيت ، وإسماعيل عربي ، فصار له نحلة من الله تعالى فسمي عربيا . وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا يدخل الشيطان دارا فيها فرس عتيق ) . وإنما سمي عتيقا ؛ لأنه قد تخلص من الهجانة{[2915]} . وقد قال صلى الله عليه وسلم : ( خير الخيل الأدهم الأقرح{[2916]} الأرثم ثم الأقرح{[2917]} المحجل طلق اليمين فإن لم يكن أدهم فكميت على هذه الشِّيَةِ ) . أخرجه الترمذي عن أبي قتادة . وفي مسند الدارمي عنه أن رجلا قال : يا رسول الله ، إني أريد أن أشتري فرسا [ فأيها أشتري ]{[2918]} ؟ قال : ( اشتر أدهم أرثم محجلا{[2919]} طلق اليمين أو من الكميت على هذه الشية تغنم وتسلم ) . وروى النسائي عن أنس قال : لم يكن أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد النساء من الخيل . وروى الأئمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( الخيل ثلاثة لرجل أجر ولرجل ستر ولرجل وزر . . . ) الحديث بطوله ، شهرته أغنت عن ذكره . وسيأتي ذكر أحكام الخيل في " الأنفال " {[2920]} و " النحل " بما فيه كفاية إن شاء الله تعالى .
السابعة : قوله تعالى : " المسومة " يعني الراعية في المروج والمسارح ، قاله سعيد بن جبير . يقال : سامت الدابة والشاة إذا سرحت تسوم سوما فهي سائمة . وأسمتها أنا إذا تركتها لذلك فهي مسامة . وسومتها تسويما فهي مسومة . وفي سنن ابن ماجه عن علي قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السوم{[2921]} قبل طلوع الشمس ، وعن ذبح ذوات الدر . السوم هنا في معنى الرعي . وقال الله عز وجل : " فيه تسيمون " {[2922]} [ النحل :10 ] قال الأخطل :
مثل ابن بَزْعَةَ{[2923]} أو كآخر مثله *** أولى لك{[2924]} ابن مسِيمَةِ الأجمال
أراد ابن راعية الإبل . والسوام : كل بهيمة ترعى ، وقيل : المعدة للجهاد . قاله ابن زيد . مجاهد : المسومة المطهمة الحسان . وقال عكرمة : سومها الحسن ، واختاره النحاس ، من قولهم : رجل وسيم . وروي عن ابن عباس أنه قال : المسومة المعلمة بشيات الخيل في وجوهها ، من السيما وهي العلامة . وهذا مذهب الكسائي وأبي عبيدة .
قلت : كل ما ذكر يحتمله اللفظ ، فتكون راعية معدة حسانا معلمة لتعرف من غيرها . قال أبو زيد : أصل ذلك أن تجعل عليها صوفة أو علامة تخالف سائر جسدها لتبين من غيرها في المرعى . وحكى ابن فارس اللغوي في مجمله : المسومة المرسلة وعليها ركبانها . وقال المؤرج{[2925]} : المسومة المكوية ، المبرد : المعروفة في البلدان . ابن كيسان : البلق . وكلها متقارب من السيما . قال النابغة :
وضُمْرٍ كالقداح مسومات *** عليها مَعْشَرٌ أشباه جِنِّ
الثامنة : قوله تعالى : " والأنعام " قال ابن كيسان : إذا قلت نعم لم تكن إلا للإبل ، فإذا قلت أنعام وقعت للإبل وكل ما يرعى . قال الفراء : هو مذكر ولا يؤنث ، يقولون : هذا نعم وارد ، ويجمع أنعاما . قال الهروي : والنعم يذكر ويؤنث ، والأنعام المواشي من الإبل والبقر والغنم ، إذا قيل : النعم فهو الإبل خاصة . وقال حسان :
وكانت لا يزال بها أنيس *** خلال مُرُوجِهَا نَعَمٌ وشَاءُ
وفي سنن ابن ماجه عن عروة البارقي يرفعه قال : ( الإبل عز لأهلها والغنم بركة والخير معقود في نواصي الخيل إلى يوم القيامة ) . وفيه عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الشاة من دواب الجنة ) . وفيه عن أبي هريرة قال : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الأغنياء باتخاذ الغنم ، والفقراء باتخاذ الدجاج . وقال : عند اتخاذ الأغنياء الدجاج يأذن الله تعالى بهلاك القرى . وفيه عن أم هانئ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها : ( اتخذي غنما فإن فيها بركة ) . أخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن وكيع عن هشام بن عروة عن أبيه عن أم هانئ ، إسناد صحيح .
التاسعة : قوله تعالى : " والحرث " الحرث هنا اسم لكل ما يحرث ، وهو مصدر سمي به ، تقول : حرث الرجل حرثا إذا أثار الأرض لمعنى الفلاحة ، فيقع اسم الحراثة على زرع الحبوب وعلى الجنات وعلى غير ذلك من نوع الفلاحة . وفي الحديث : ( احرث لدنياك كأنك تعيش أبدا ) . يقال حرثت واحترثت . وفي حديث عبدالله ( احرثوا هذا القرآن ) أي فتشوه . قال ابن الأعرابي : الحرث التفتيش ، وفي الحديث : ( أصدق الأسماء الحارث ) لأن الحارث هو الكاسب ، واحتراث المال كسبه ، والمحراث مسعر النار والحراث مجرى الوتر في القوس ، والجمع أحرثة ، وأحرث الرجل ناقته أهزلها . وفي حديث معاوية : ما فعلت نواضحكم{[2926]} ؟ قالوا : حرثناها يوم بدر . قال أبو عبيد : يعنون هزلناها ، يقال : حرثت الدابة وأحرثتها ، لغتان . وفي صحيح البخاري عن أبي أمامة الباهلي قال وقد رأى سكة{[2927]} وشيئا من آلة الحرث فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( لا يدخل هذا بيت قوم إلا دخله الذل ) . قيل : إن الذل هنا ما يلزم أهل الشغل بالحرث من حقوق الأرض التي يطالبهم بها الأئمة والسلاطين . وقال المهلب : معنى قوله في هذا الحديث والله أعلم ، الحض على معالي الأحوال وطلب الرزق من أشرف الصناعات ؛ وذلك لما خشي النبي صلى الله عليه وسلم على أمته من الاشتغال بالحرث وتضييع ركوب الخيل والجهاد في سبيل الله ؛ لأنهم إن اشتغلوا بالحرث غلبتهم الأمم الراكبة للخيل المتعيشة من مكاسبها ، فحضهم على التعيش من الجهاد لا من الخلود{[2928]} إلى عمارة الأرض ولزوم المهنة . ألا ترى أن عمر قال : تمعددوا{[2929]} واخشوشنوا واقطعوا{[2930]} الركب وثبوا على الخيل وثبا لا تغلبنكم عليها رعاة الإبل . فأمرهم بملازمة الخيل ، ورياضة أبدانهم بالوثوب عليها . وفي الصحيحين عن أنس بن مالك قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ما من مسلم غرس غرسا أو زرع زرعا فيأمل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة ) . قال العلماء : ذكر الله تعالى أربعة أصناف من المال ، كل نوع من المال يتمول به صنف من الناس ؛ أما الذهب والفضة فيتمول بها التجار ، وأما الخيل المسومة فيتمول بها الملوك ، وأما الأنعام فيتمول بها أهل البوادي ، وأما الحرث فيتمول بها أهل الرساتيق{[2931]} . فتكون فتنة كل صنف في النوع الذي يتمول ، فأما النساء والبنون ففتنة للجميع .
العاشرة : قوله تعالى : " ذلك متاع الحياة الدنيا " أي ما يتمتع به فيها ثم يذهب ولا يبقى . وهذا منه تزهيد في الدنيا وترغيب في الآخرة . روى ابن ماجه وغيره عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إنما الدنيا متاع وليس من متاع الدنيا شيء أفضل من المرأة الصالحة ) . وفي الحديث : ( ازهد في الدنيا يحبك الله ) أي في متاعها من الجاه والمال الزائد على الضروري . قال صلى الله عليه وسلم : ( ليس لابن آدم حق في سوى هذه الخصال بيت يسكنه وثوب يواري عورته وجِلْفُ{[2932]} الخبز والماء ) أخرجه الترمذي من حديث المقدام بن معد يكرب . وسئل سهل بن عبد الله : بم يسهل على العبد ترك الدنيا وكل الشهوات ؟ قال : بتشاغله بما أمر به .
الحادية عشرة : قوله تعالى : " والله عنده حسن المآب " ابتداء وخبر . والمآب المرجع ، آب يؤوب إيابا إذا رجع ، قال يؤوب إيابا إذا رجع ، قال امرؤ القيس :
وقد طَوَّفْتُ في الآفاق حتى *** رضيت من الغنيمةِ بالإياب
وكل ذي غيبة يؤوب *** وغائب الموت لا يؤوب
وأصل مآب مأوب ، قلبت حركة الواو إلى الهمزة وأبدل من الواو ألف ، مثل : مقال . ومعنى الآية تقليل الدنيا وتحقيرها والترغيب في حسن المرجع إلى الله تعالى في الآخرة .
{ زين للناس } قيل : المزين هو الله وقيل : الشيطان . ولا تعارض بينهما فتزيين الله بالإيجاد والتهيئة للانتفاع ، وإنشاء الجبلة على الميل إلى الدنيا . وتزيين الشيطان بالوسوسة والخديعة .
{ والقناطير } جمع قنطار ، وهو ألف ومائتا أوقية ، وقيل : ألف ومائتا مثقال ، وكلاهما مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم .
{ المقنطرة } مبنية من لفظ القناطير وللتأكيد كقولهم ألوف مؤلفة ، وقيل : المضروبة دنانير أو دراهم .
{ المسومة } الراعية من قولهم : سام الفرس وغيره ، إذا جال في المسارح ، وقيل : المعلمة في وجوهها شيئان : فهي من السمات بمعنى العلامات قيل : المعدة للجهاد .