من الأسباب المباشرة لنزول سورة الأنفال معالجة شئون حدثت بين المسلمين في غزوة بدر ، منها : كراهتهم للخروج إلى حين دعاهم الرسول إلى الخروج وكراهتهم للقتال حين وصلوا إلى بدر وتحتم عليهم أن يقاتلوا .
ومنها : اختلافهم بعد تمام النصر في قسمة الغنائم .
ومنها : اختلاف الرأي في معاملة الأسرى أيقبلون منهم الفداء أن يقتلونهم ؟
وفي جو هذه الشئون عرضت السورة لما يجب أن يكون عليه المسلمون في خاصة أنفسهم من جهة امتثال الأمر والإخلاص والحيطة والحذر من الأعداء ، وتذكر نعم الله عليهم ، والآداب التي يجب مراعتها أثناء القتال ، وفيما يتصل به ، من إعداد العدة ، والمحافظة على العهود ، وعلاقة بعضهم ببعض ؛ حتى يكونوا أهلا لما وعدهم الله من النصر والتأييد ، وحتى يفوزوا بدرجات المغفرة والرضا عند الله .
ولا يفهم من ذلك أن كراهة القتال كانت طابعا عاما ، بل كانت رغبة فريق قليل ونفر محدود كان يفضل الغنيمة والحصول على التجارة عن القتال ، لكن بقية الجيش كان على استعداد للتضحية والفداء ، وكان القرآن يوحد الهدف ويرشد الجميع إلى أن القتال أفضل ؛ لأن فيه انتصافا للمؤمنين وإعلاء لكلمة الله ، ودحرا للطغيان وتحطيما لطواغيث الكفر وردعا للمشركين ، وقد استشار النبي المسلمين قبل بدء المعركة هل يقدم على القتال ؟ أم يعود إلى المدينة ؟
فأدلى أبو بكر وعمر برأيهما ، ثم قام المقدام بن عمرو فقال : يا رسول الله ، امض لما أراك الله فنحن معك والله لا تقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى : اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون ولكن نقول : اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون .
ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم : " أشيروا على أيها الناس " i فقام سعد بن معاذ زعيم الأنصار وقال : يا رسول الله ، آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة ، فامض لما أردت فنحن معك فوالذي بعثك بالحق نبيّا لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك وما تخلف منا رجل واحد ، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غذا ، أنا لصبر في الحرب ، صدق في اللقاء ، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك ، وعندئذ أشرق وجه الرسول بالمسرة ، وقال لأصحابه : " سيروا وأبشروا فإن الله وعدني إحدى الحسنيين العير أو النفير ! " وقد فرت العير فلم يبق إلا النفير فسار المسلمون وكلهم أمل في النصر .
نزلت سورة الأنفال في غزوة بدر ، وهي الموقعة الفاصلة في تاريخ الإسلام والمسلمين ، بل في تاريخ البشرية كلها إلى يوم الدين ، الموقعة التي قدر المسلمون أن تكون غايتها غنيمة أموال المشركين ، وقدر رب المسلمين أن تكون فيصلا بين الحق والباطل ، وأن تكون مفرق الطريق في تاريخ الإسلام ومن ثم تكون مفرق الطريق في خط سير التاريخ الإنساني العام ، والتي ظهرت فيها الآماد البعيدة بين تدبير البشر لأنفسهم فيما يحسبونه الخير ، وتدبير رب الشر لهم ولو كرهوه في أول الأمر .
نزلت سورة الأنفال في غزوة بدر فتضمنت الكثير من دستور السلم والحرب ، ودستور الغنائم والأسرى ، ودستور المعاهدات والمواثيق ، وتضمنت بعد ذلك الكثير من دستور النصر والهزيمة بتضمنها لأسباب النصر والهزيمة ، ولواجبات المجاهدين في الإعداد والاستعداد ، ثم ترك الأمر بعد ذلك لله وما النصر إلا من عند الله . ثم أنها تضمنت بعد ذلك مشاهد من الموقعة ومشاهد من حركات النفوس قبل المعركة وفي ثناياها وبعدها ، مشاهد حية تعيد إلى المشاعر وقع المعركة وصورها وسماتها ؛ كأن القارئ يراها . وإلى جوار المعركة استطراد السياق أحيانا إلى صور من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وحياة أصحابه في مكة ، حين كانوا قليلا مستضعفين في الأرض يخافون أن يتخطفهم الناس ، وصور من حياة المشركين قبل هجرة الرسول – صلى الله عليه وسلم – من بين ظهرانيهم ومن بعدها ، وأمثلة من مصائر الكافرين من قبل – كدأب آل فرعون والذين من قبلهم – والدأب : معناه : الصفة والشأن أي : أن شأن الكافرين واحد في تكذيب الرسل ، واستحقاق العقاب ، وبذلك تقرر السورة سنة الله التي لا تتخلف في نصر المؤمنين وهزيمة المكذبين .
لقد افتتح الله السورة بالحديث عن الأنفال ، وهي الغنائم التي يغنمها المسلمون في جهادهم لإعلاء كلمة الله ، وقد ثار بين أهل بدر جدال حول تقسيمها بعد النصر في المعركة فردهم الله إلى كلمته وحكمه فيها ، ردهم إلى تقواه وطاعته وطاعة رسوله واستجاش فيهم وجدان التقوى والإيمان ، ثم أخذ يذكرهم بما أرادوا هم لأنفسهم من الغنيمة وما أراده الله لهم من النصر ، وكيف سارت المعركة وهم قلة لا عدد لهم ولا عدة وأعداؤهم كثرة في الرجال والعتاد ، وكيف ثبتهم الله بمدد من الملائكة ، وبالمطر يستقون منه ويثبت الأرض تحت أقدامهم فلا تسوخ في الرمال ؛ وبالنعاس يغشاهم ؛ فيسكب عليهم السكينة والاطمئنان ويلقى الرعب في قلوب أعدائهم وينزل بهم شديد العقاب . قال تعالى :
{ إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام } . ( الأنفال : 11 ) .
تضمنت سورة الأنفال دراسة كاشفة وتصويرا ملموسا للمواقف الناجحة والحروب الهادفة ، كما رسمت السورة – مع سور أخرى في القرآن الكريم – أسباب النصر في الميدان ، ومن هذه الأسباب ما يأتي :
1 – إخلاص النية والرغبة في الشهادة وإيثار الآخرة على الدنيا وتحمل تبعات الحرب وآلام القتال .
2 – الثبات في اللقاء وتذكر الله في العسر واليسر وعدم الفرار من الميدان وبذل النفس والنفيس في سبيل الله .
3 – إعداد العدة وتجهيز أدوات القتال والتدريب عليها مع وحدة الصف وتماسك القوى وترابط المقاتلين .
4 – التوكل على الله والالتجاء إليه بعد الأخذ في الأسباب وطاعة القائد وتنفيذ الأوامر والمحافظة على النظام وأخذ الحذر .
5 – البعد عن التنازع والاختلاف في حال القتال وما يتعلق به ؛ فإن النزاع والخلاف من أكبر الأسباب في إذهاب القوة وتمكين الأعداء .
ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم .
أي : لا تختلفوا ؛ فإن الخلاف يؤدي إلى الضعف والهزيمة وضياع القوة والدولة .
6 – عدم تصديق الإشاعات والأراجيف ومصاولة اليأس والقنوط والقضاء على أساليب العدو وعلى الحرب النفسية التي يشنها رغبة منه في تثبيط الهمم والتيئيس من النصر .
ومن ثم يأمر الله المؤمنين في سورة الأنفال أن يثبتوا في كل قتال مهما خيّل إليهم في أول الأمر من قوة أعدائهم ؛ فإن الله هو الذي يقتل وهو الذي يرمي وهو الذي يدبّر ، وما هم إلا أسباب ظاهرة لتنفيذ إرادة الله . ويسخر القرآن من المشركين الذين كانوا قبل الموقعة يستفتحون ، فيطلبون أن تدور الدائرة على أضل الفريقين وأقطعهما للرحم فيقول :
{ إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح } .
ويحذر المسلمين أن يتشبهوا بالكفار والمنافقين الذين يسمعون بآذانهم ولكنهم لا يسمعون بقلوبهم لأنهم لا يستجيبون ولا يهتدون .
ثم تدعو السورة المسلمين إلى الاستجابة لله وللرسول إذا دعاهم لما يحييهم ولو خيل إليهم أن فيه القتل والموت ، وتذكرهم كيف كانوا قليلا مستضعفين يخافون أن يتخطفهم الناس فأعزهم الله ونصرهم ، وأنهم إذا اتقوا الله ؛ جعل لهم فرقانا من النصر الكامل ذلك فوق تكفر السيئات وغفران الذنوب وما ينتظرهم من فضل الله الذي تتضاءل دونه المغانم والأموال .
وكما وضعت سورة الأنفال صفحة في كتاب الإسلام عن الجهاد ، فإنها قابلتها بصفحة أخرى عن السلم لمن يجنح إليه ويختار الهدنة ، ويتضح لنا من السورة أن السلم هو القاعدة في الإسلام ، أما الحرب فطارئة لدفع الباطل وإقرار الحق ، ومن ثم يدعو الإسلام إلى السلم دعوته إلى الجهاد ، ويحافظ على العهد ؛ ما وفى به المعاهدون ويؤمّن المخالفين للإسلام في العقيدة من كل اعتداء غادر ، ويحصر الحروب في أضيق نطاق تقضي به ضرورة تأمين السلم والحق والعدل ، ويعدّ الناقضين للعهود من عالم الحيوان لا من عالم الإنسان .
{ وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم } . ( الأنفال : 61 ) .
والتعبير عن الميل إلى السلم بالجنوح تعبير لطيف يلقى ظل الدعة الرقيق فهي حركة جناح يميل إلى السلم ويرخي ريشه في وداعة واطمئنان ؛ فإذا الجو من حوله طمأنينة وسلام .
وهناك حالة استثنائية واحدة هي حالة جزيرة العرب التي سيجيء في سورة براءة نبذ عهود المشركين فيها جميعا وتخليصها من الشرك كافة ؛ لتكون موطنا خالصا للإسلام .
تعرضت سورة الأنفال لبيان صفات المؤمنين كما ورد تحديد هذه الصفات في أول سورة البقرة وأول سورة المؤمنون ، وفي سورة الفرقان ، وفي كثير من السور .
وإذا استوعبنا هذه الآيات وجدناها تدور حول تحديد المؤمن – الذي يريده الله – بمن يجمع بين سلامة العقيدة وسلامة الخلق ، وصلاح العمل ، وبمن يكون في ذلك كله مثالا صادقا وصورة صحيحة لأوامر الله وإرشاداته .
وقد وصف الله المؤمنين في سورة الأنفال بخمس صفات هي : وجل القلوب عند ذكر الله ، وزيادة الإيمان عند تلاوة آياته ، والتوكل على الله وحده ، وإقامة الصلاة ، والإنفاق مما رزق الله . ثم بين أنهم بهذه الصفات يكونون أهل الإيمان حقا وأن لهم عند الله درجات عالية في الجنة .
فالمؤمن حقا يراقب مولاه ، ويرجو رحمته ، ويخشى عقابه ، ويخشع عند تذكر آياته ، وهو في خشوعه وخضوعه وعبادته مخلص القلب ، ثابت اليقين .
ومن صفة المؤمن زيادة إيمانه ورسوخ عقيدته عند تلاوة القرآن وتدبر آياته ، ومعرفة أحكامه وأسراره ، كما أن إقامته للصلاة وأداءه للزكاة ، وعمه بمقتضى هذه الإيمان سلوكا وتطبيقا ، مما يزين الإيمان في القلب ويزيده ثقة ويقينا .
فالصلاة في حقيقتها مناجاة ومناداة وخشوع وخضوع وقراءة ودعاء . ومن ثمرتها : طهارة المؤمن من الفحشاء والمنكر وتهذيب الغرائز وتقويم السلوك وتربية الضمير . والزكاة فيها تكافل المجتمع وترابط الأغنياء والفقراء .
وفي سورة الأنفال حث على الإنفاق من كل ما رزق الله وهو يشمل – كما فصّل الفقهاء – زكاة الأموال وزكاة الزروع والثمار وزكاة الماشية الركاز وكل ما يستخرج من باطن الأرض ، وزكاة التجارة ، ولا نكاد نجد آية عرضت للصلاة إلا وتذكر الإنفاق في سبيل الله ، كما أنا لا نكاد نجد آية تعرضت لأوصاف المؤمنين وتهملهما أو تهمل أحدهما .
فقد جعل الله إقامة الصلاة مثالا لبذل النفس في سبيله وجعل الإنفاق مثالا لبذل المال في سبيله .
وبذلك يتسم الإيمان بطابع تهذيب النفس وطهارة القلب ، كما يتسم بأنه دافع عملي إلى السلوك النافع والعمل الصالح الذي يؤدى إلى إصلاح المجتمع وتماسك الأمة وتقوية روابط المودة والرحمة والألفة بين الناس .
أخذت سورة الأنفال تنادي المؤمنين ست مرات بوصف الإيمان ، في النداء الأول : تأمرهم بالثبات في الميدان والشجاعة في القتال ، وتنهاهم عن الفرار من المعركة وتتوعد الفارّ من ميدان القتال بعذاب السعير وغضب الله العلي القدير ، والنداء الثاني : يشتمل على الأمر بطاعة الله ورسوله ، وقد امتثل المسلمون لذلك الأمر فانقادوا لأحكام الله وبذلوا أنفسهم وأموالهم في سبيل الله ، وهذا الطريق هو طريق النصر للسابقين واللاحقين :
{ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله } . ( الأنفال : 20 ) .
والنداء الثالث : الاستجابة لله وللرسول وتغليب أمرهما على كل ما سواهما من أوامر وفي الحديث الشريف : " ثلاث من كن فيه ؛ وجد حلاوة الإيمان : أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وأن يحب المر لا يحبه إلا لله ، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار " ii .
النداء الرابع : دعوة إلى ترك الخيانة والبعد عن إفشاء أسرار الأمة :
{ يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون } . ( الأنفال : 27 ) .
النداء الخامس : دعوة إلى تقوى الله في أحكامه وسننه وبيان أن التقوى شجرة مثمرة ، وأعظم ثمارها النور الذي يبصر صاحبه بالحق والعدل وطريق الصلاح والهدى .
النداء السادس : يأمر بذكر الله وتلاوة كتابه وينهى عن الفرقة والتنازع والاختلاف ويحث على الصبر والتمسك بالوحدة والجماعة ، حيث يقول سبحانه وتعالى :
{ يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون } . ( الأنفال : 45 ) .
{ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنفَالِ قُلِ الأنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ( 1 ) إنمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياته زَادَتْهُمْ إيمانا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ( 2 ) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ( 3 ) أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ( 4 ) }
الأنفال : هي الغنائم واحدها : نفل بتحريك الفاء ، وقد تطلق على ما يعطى زيادة على السهم من المغنم .
فاتقوا الله : فاجعلوا لأنفسكم وقاية من عقوبة الله تعالى بالإيمان والعمل الصالح .
وأصلحوا ذات بينكم : وأصلحوا الأحوال التي بينكم بالمساواة والمساعدة ، وقال الزجاج : معنى ذات بينكم حقيقة وصلكم ، والدين : الوصل أي : فاتقوا الله وكونوا مجمعين على ما أمر الله ورسوله .
1 – { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنفَالِ قُلِ الأنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُول . . . . } الآية .
روى الإمام أحمد عن عبادة بن الصامت قال :
خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهدت بدرا فالتقى الناس فهزم الله تعالى العدو ، فانطلقت طائفة في آثارهم يهزمون ويقتلون ، وأقبلت طائفة على العسكر يحوزونه ويجمعونه ، وأحدقت طائفة برسول الله صلى الله عليه وسلم لكي لا يصيب العدو منه غرّة ، حتى إذا كان الليل وفاء الناس بعضهم إلى بعض ، قال الذين جمعوا الغنائم :
نحن حويناها وجمعناها ، فليس لأحد فيها نصيب ، وقال الذين خرجوا في طلب العدو : لستم بأحق منا نحن نفينا عنها العدو وهزمناهم ، وقال الذين أحدقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم : لستم بأحق بها منا نحن أحدقنا برسول الله صلى الله عليه وسلم مخافة أن يصيب العدو منه غرة فاشتغلنا به ؛ فنزلت : { يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول . . . } فقسمها رسول الله –صلى الله عليه وسلم – بين المسلمينiii .
وهناك روايات أخرى تفيد أن نزاعا ما ، قد ظهر بين المسلمين حول توزيع الغنائم فأنزل الله هذه الآيات لبيان حكمه فيها .
والأنفال : جمع نفل وهو الزيادة ، ولذا قيل للتطوع : نافلة ؛ لأنه زيادة على الأصل ، وقيل لولد الولد : نافلة ، لأنه زيادة على الولد . قال تعالى : { ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة } . ( الأنبياء : 72 ) .
وإطلاق الأنفال على الغنائم باعتبار أنها زيادة على ما شرع الجهاد له ، وهو إعلاء كلمة الله ، أو باعتبار أنها زيادة خص الله بها هذه الأمة .
روى البخاري في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أعطيت خمسا لم يعطهن نبي قبلي : نصرت بالرعب مسيرة شهر ، وأحلت لي الغنائم ، ولم تحل لنبي قبلي ، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، وأعطيت الشفاعة ، وأرسل كل نبي إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة " iv .
وجمهور العلماء على أن المقصود من سؤال بعض الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم – أي : الغنائم – إنما هو عن حكمها وعن المستحق لها .
فيكون المعنى : يسألك بعض أصحابك يا محمد عن غنائم بدر كيف تقسم ومن المستحق لها ؟ قل لهم : الأنفال لله يحكم فيها بحكمه ، ولرسوله يقسها بحسب حكم الله فيها ، فهو سبحانه العليم بمصالح عباده ، الحكيم في جميع أقواله وأفعاله .
وبعض العلماء يرى أن السؤال للاستعطاء ، وأن حرف " عن " زائد ، أو هو بمعنى من ، فيكون المعنى : يسألك بعض أصحابك يا محمد إعطاءهم الأنفال ، ويطلبون منك توزيع الغنائم عليهم .
وقد رجح جمهور العلماء أن السؤال هنا للاستفهام عن حكم الأنفال وعن طريقة توزيعها ، وذكر الآلوسي في تفسيره طائفة من الأمور ترجح رأى جمهور العلماء .
وقد ورد في أسباب النزول روايات تفيد أن الشباب سارعوا إلى قتال الكفار ، وأن الشيوخ وكبار السن وقفوا تحت الرايات ردءا وعونا أشبه بالخط الثاني للمقاتلين .
وأن الشباب كانوا يرون أنهم أولى بالغنائم ؛ لأنهم باشروا القتال ، والشيوخ يرون أن لهم حقا يماثل حق الشباب ؛ لأن الشباب لو انهزموا لانحازوا للشيوخ وصار الشيوخ حماية وعونا للشباب ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد قال : " من قتل قتيلا فله سبله " أي : أن الشاب المقاتل يستحق أن يغنم غنيمته من الكافر الذي قتله ، فظن الشباب أن هذا يجعلهم يستولون على الغنائم وحدهم .
ثم بين الله تعالى حكمة توزيع الغنائم على جميع جيش المسلمين سواء الشباب الذين باشروا القتال ، أو الشيوخ الذين كانوا عونا وردءا ، أو المجموعة التي تجصنت لحماية الرسول صلى الله عليه وسلم والدفاع عنه ، فكل فئة كان لها ضلع في نجاح المعركة .
قال الزمخشري في تفسير الكشاف :
فإن قلت : ما معنى الجمع بين ذكر الله والرسول في قوله : { قل الأنفال لله والرسول } .
قلت : معناه : أن حكمها مختص بالله ورسوله ، يأمر بقسمتها على ما تقتضيه حكمته ، ويمتثل الرسول أمر الله فيها ، وليس الأمر في قسمتها فوضا إلى رأى أحد ، والمراد : أن الذي اقتضته حكمة الله وأمر به رسوله ، أو يواسي المقاتلة المشروط لهم التنفيل الشيوخ الذين كانوا عند الرايات ، فيقاسموهم على السوية ولا يستأثروا بما شرط لهم ، فإنهم إن فعلوا لم يؤمن أن يقدح ذلك فيما بين المسلمين من التحاب والتصافي . . .
{ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } .
أي : إذا كان أمر الغنائم لله تعالى ورسوله ، فاتقوه تعالى واجتنبوا ما كنتم فيه من المشاجرة فيها والاختلاف الموجب لسخط الله تعالى ، أو فاتقوه تعالى في كل ما تأتون وتذرون من النيات والعقائد والأعمال .
{ وأصلحوا ذات بينكم } . أي : وأصلحوا ما بينكم من الأحوال والصلات التي تربط بعضكم ببعض وإصلاحها بالوفاق والتعاون والمساواة وترك الأثرة ؛ لأن إصلاح ذات البين واجب ، يتوقف عليه قوة الأمة وعزتها ومنعتها ، وتحفظ به وحدتها .
{ وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين } . أي : الزموا طاعة الله ورسوله طاعة مطلقة وتسليما مطلقا فذلك هو شأن المؤمنين ؛ إذ لا إيمان بغير طاعة وتسليم .
وفي التعبير بقوله : { إن كنتم مؤمنين } . تنشيط للمخاطبين وحث لهم على المسارعة إلى الامتثال .
عن أبي أمامة الباهلي قال : سألت عبادة بن الصامت عن الأنفال فقال : " فينا معشر أصحاب بدر ، نزلت حين اختلفنا في النفل ، وساءت فيه أخلاقنا فنزعه الله من أيدينا وجعله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقسمه عن بواء – يقول على السواء " v .
وعن عطاء : كان الإصلاح بينهم أن دعاهم وقال : اقسموا غنائمكم بالعدل .
ولا يفهم من ذلك أن الاختلاف على الغنائم كان أمرا عاما شمل جميع المسلمين ، بل كان بين فئات منهم ، وكانت هذه أول غزوة ولم يكن قد نزل حكم بشأن الغنائم ، فأنزل الله كتابة الكريم ليبين لهم أن الغنائم لله سبحانه يحكم فيها بما يشاء ، ورسوله مبلغ عن الله ، وعلى المسلمين أن يراقبوا ربهم وأن يعودوا إلى طريق المودة والمحبة والصلح ؛ فإن كمال الإيمان يدور على امتثال هذه الأوامر .
وقد عاد المسلمون فعلا إلى الإيمان والتسليم ، ووزع رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنائم بين جميع من شهد بدرا من الشباب والشيوخ ، ومن جمع الغنائم ومن انشغل بأي أمر آخر ، فالكل كان يؤدي اجبه بطريقة ما ، ولا غنى لأحد فيهم عن الآخر .
وقد أتم الله التشريع في شأن الغنائم ، بالآية 41 من سورة الأنفال ، وفيها بين الله تعالى أن الغنائم تقسم إلى خمسة أخماس ، خمس لليتامى والمساكين وابن السبيل ، والأربعة أخماس الباقية من الغنيمة تقسم على الغانمين الذين حضروا المعركة .
قال تعالى : { واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير } .
قال الشافعي : إن الخمس يقسم على خمسة ، وإن وسهم الله وسهم رسوله واحد يصرف في مصالح المؤمنين ، والأربعة الأخماس على الأربعة الأصناف المذكورة في الآية .
وقال أبو حنيفة : إنه يقسم الخمس على ثلاثة : لليتامى والمساكين وابن السبيل ، وقد ارتفع حكم قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بموته كما ارتفع حكم سهمه .
[ مدنية كما روي عن زيد بن ثابت وعبدالله بن الزبير وجاء ذلك في رواية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير أنه سئل الحبر عنها فقال : تلك سورة بدر وفي رواية أخرى أنه قال : نزلت في بدر وقيل : هي مدنية إلا قوله سبحانه وتعالى : ( وإذ يمكر بك الذين كفروا ) الآية فإنها نزلت بمكة على ما قاله مقاتل ورد بأنه صح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن هذه الآية بعينها نزلت بالمدينة وجمع بعضهم بين القولين بما لا يخلو عن نظر واستثنى آخرون قوله تعالى ( يا أيها النبي حسبك الله ) الآية وصححه ابن العربي وغيره ويؤيده ما أخرجه البزار عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها نزلت لما أسلم عمر رضي الله تعالى عنه وهي في الشامي سبع وسبعون آية وفي البصري والحجازي ست وسبعون وفي الكوفي خمس وسبعون ووجه مناسبتها لسورة الأعراف أن فيها ( وأمر بالعرف ) وفي هذه كثير من أفراد المأمور به وفي تلك ذكر قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مع أقوامهم وفي هذه ذكر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وذكر ما جرى بينه وبين قومه وقد فصل سبحانه وتعالى في تلك قصص آل فرعون وأضرابهم وما حل بهم وأجمل في هذه ذلك فقال سبحانه وتعالى : ( كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كفروا بآيات الله فأخذهم الله بذنوبهم إن الله قوي شديد العقاب ) وأشار هناك إلى سوء زعم الكفرة في القرآن بقوله تعالى : ( وإذ لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها ) وصرح سبحانه وتعالى بذلك هنا بقوله جل وعلا : ( وإذ تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين ) وبين جل شأنه فيما تقدم إن القرآن هدى ورحمة لقوم يؤمنون وأردف سبحانه وتعالى ذلك بالأمر بالاستماع له والأمر بذكره تعالى وهنا بين جل وعلا حال المؤمنين عند تلاوته وحالهم إذا ذكر الله تبارك اسمه بقوله عز من قائل : ( إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون ) إلى غير ذلك من المناسبات والظاهر أن وضعها هنا توقيفي وكذا وضع براءة بعدها وهما من هذه الحيثية كسائر السور وإلى ذلك ذهب غير واحد كما مر في المقدمات .
وذكر الجلال السيوطي أن ذكر هذه السورة هنا ليس بتوقيف من الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم للصحابة رضي الله تعالى عنهم كما هو المرجح في سائر السور بل باجتهاد من عثمان رضي الله تعالى عنه وقد كان يظهر في باديء الرأي أن المناسب إيلاء الأعراف بيونس وهود لاشتراك كل في اشتمالها على قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأنها مكية النزول خصوصا أن الحديث ورد في فضل السبع الطول وعدوا السابعة يونس وكانت تسمى بذلك كما أخرجه البيهقي في الدلائل ففي فصلها من الأعراف بسورتين فصل للنظير من سائر نظائره هذا مع قصر سورة الأنفال بالنسبة إلى الأعراف وبراءة وقد استشكل ذلك قديما حبر الأمة رضي الله تعالى عنه فقال لعثمان رضي الله تعالى عنه : ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني وإلى براءة وهي من المئين فقرنتم بينهما ولم تكتبوا البسملة بينهما ووضعتموهما في السبع الطول ثم ذكر جواب عثمان رضي الله تعالى عنه وقد أسلفنا الخبر بطوله سؤالا وجوابا ثم قال : وأقول : يتم مقصد عثمان رضي الله تعالى عنه في ذلك بأمور فتح الله تعالى بها الأول أنه جعل الأنفال قبل براءة مع قصرها لكونها مشتملة على البسملة فقدمها لتكون كقطعة منها ومفتتحها وتكون براءة لخلوها من البسملة كتتمتها وبقيتها ولهذا قال جماعة من السلف : أنهما سورة واحدة والثاني أنه وضع براءة هنا لمناسبة الطول فإنه ليس بعد الست السابقة سورة أطول منها وذلك كاف في المناسبة الثالث أنه خلل بالسورتين أثناء السبع الطول المعلوم ترتيبها في العصر الأول للإشارة إلى أن ذلك أمر صادر لا عن توقيف وإلى أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قبض قبل أن يبين كلتيهما فوضعا هنا كالوضع المستعار بخلاف ما لو وضعا بعد السبع الطول فإنه كان يوهم أن ذلك محلهما بتوقيف ولا يتوهم هذا على هذا الوضع للعلم بترتب السبع .
فانظر إلى هذه الدقيقة التي فتح الله تعالى بها ولا يغوص عليها إلا غواص الرابع أنه لو أخرهما وقدم يونس وأتى بعد براءة بهود كما في مصحف أبي لمراعاة مناسبة السبع وإيلاء بعضها لفات مع ما أشرنا إليه أمر آخر آكد في المناسبة فإن الأولى بسورة يونس أن يؤتى بالسور الخمس التي بعدها لما اشتركت فيه من المناسبات من القصص والافتتاح ( بالر ) وبذكر الكتاب ومن كونها مكيات ومن تناسب ما عدا الحجر في المقدار ومن التسمية باسم نبي والرعد اسم ملك وهو مناسب لأسماء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فهذه عدة مناسبات للاتصال بين يونس وما بعدها وهي آكد من هذا الوجه الواحد في تقديم يونس بعد الأعراف ولبعض هذه الأمور قدمت سمرة الحجر على النحل مع كونها أقصر منها ولو أخرت براءة عن هذه السور الست لبعدت المناسبة جدا لطولها بعد عدة سور أقصر منها بخلاف وضع سورة النحل بعد الحجر فإنها ليست كبراءة في الطول ، ويشهد لمراعاة الفواتح في مناسبة الوضع ما ذكرناه من تقديم الحجر على النحل لمناسبة ( الر ) قبلها وما تقدم من تقديم آل عمران على النساء وإن أقصر منها لمناسبتها البقرة في الافتتاح ( بالم ) وتوالي الطواسين والحواميم وتوالي العنكبوت والروم ولقمان والسجدة لافتتاح كل ( بالم ) ولهذا قدمت السجدة على الأحزاب التي هي أطول منها هذا ما فتح الله تعالى به على ثم ذكر أن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قدم في مصحفه البقرة والنساء وآل عمران والأعراف والأنعام والمائدة ويونس راعى السبع الطول فقدم الأطول منها فالأطول ثم ثنى بالمئين فقدم براءة ثم النحل ثم هود ثم يوسف ثم الكهف وهكذا الأطول فالأطول وجعل الأنفال بعد النور ، ووجه المناسبة أن كلا مدنية ومشتملة على أحكام وأن في النور ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض ) الآية وفي الأنفال ( واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض ) الخ ولا يخفى ما بين الآيتين من المناسبة فإن الأولى مشتملة على الوعد بما حصل وذكر به في الثانية فتأمل اه . وأقول : قد من الله تعالى على هذا العبد الحقير بما لم يمن به على هذا الجليل والحمد لله تعالى على ذلك حيث أوقفني سبحانه وتعالى على وجه مناسبة هذه السورة لما قبلها وهو لم يبين ذلك ثم ما ذكره من عدم التوقيف في هذا الوضع في غاية البعد كما يفهم مما قدمناه في المقدمات وسؤال الحبر وجواب عثمان رضي الله تعالى عنهما ليسا نصا في ذلك وما ذكره عليه الرحمة في أول الأمور التي فتح الله تعالى بها عليه غير ملائم بظاهره ظاهر سؤال الحبر رضي الله تعالى عنه حيث أفاد أن إسقاط البسملة من براءة اجتهادي أيضا ويستفاد مما ذكره خلافه وما ادعاه أن يونس سابعة السبع الطول ليس أمرا مجمعا عليه بل هو قول مجاهد وابن جبير ورواية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وفي رواية عند الحاكم أنها الكهف وذهب جماعة كما قال في إتقانه : إلى أن السبع الطول أولها البقرة وآخرها براءة واقتصر ابن الأثير في النهاية على هذا وعن بعضهم أن السابعة الأنفال وبراءة بناء على القول بأنهما سورة واحدة وقد ذكر ذلك الفيروزآبادي في قاموسه وما ذكره في الأمر الثاني يغني عنه ما علل به عثمان رضي الله تعالى عنه فقد أخرج النحاس في ناسخه عنه أنه قال : كانت الأنفال وبراءة يدعيان في زمن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم القرينتين فلذلك جعلتهما في السبع الطول وما ذكره من مراعاة الفواتح في المناسبة غير مطرد فإن الجن والكافرون والإخلاص مفتتحات بقل مع الفصل بعدة سور بين الأولى والثانية والفصل بسورتين بين الثانية والثالثة وبعد هذا كله لا يخلو ما ذكره عن نظر كما لا يخفى على المتأمل فتأمل .
{ بِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرحيم * يسألونك عَنِ *الأنفال } جمع نفل بالفتح وهو الزيادة ولذا قيل للتطوع نافلة وكذا لولد الولد ، ثم صار حقيقة في العطية ومنه قول لبيد :
إن تقوى ربنا خير نفل *** وبإذن الله ريثي وعجل
لأنها لكونها تبرعاً غير لازم كأنها زيادة ويسمى به الغنيمة أيضاً وما يشترطه الإمام للغازي زيادة على سهمه لرأي يراه سواء كان لشخص معين أو لغير معين كمن قتل قتيلا فله سلبه ، وجعلوا من ذلك ما يزيده الإمام لمن صدر منه أثر محمود في الحرب كبراز وحسن إقدام وغيرهما ، واطلاقه على الغنيمة باعتبار أنها منحة من الله تعالى من غير وجوب ، وقال الإمام عليه الرحمة . لأن المسلمين فضلوا بها على سائر الأمم التي لم تحل لهم ، ووجه التسمية لا يلزم اطراده ، وفي الخبر أن المغانم كانت محرمة على الأمم فتفلها الله تعالى هذه الأمة ، وقيل : لأنها زيادة على ما شرع الجهاد له وهو إعلاء كلمة الله تعالى وحماية حوزة الإسلام فإن اعتبر كون ذلك مظفوراً به سمي غنيمة ، ومن الناس من فرق بين الغنيمة والنفل بالعموم والخصوص ، فقيل : الغنيمة ما حصل مستغنماً سواء كان ببعث أولا باستحقاق أولا قبل الظفر أو بعده ، والنفل ما قبل الظفر أو ما كان بغير قتال وهو الفيء ؛ وقيل : ما يفضل عن القسمة ثم إن السؤال كما قال الطيبي ونقل عن الفارسي إما لاستدعاء معرفة أو يؤدي إليها وإما لاستدعاء جدا أو ما يؤدي إليه ، وجواب الأول باللسان وينوب عنه اليد بالكتابة أو الإشارة ويتعدى بنفسه وبعن والباء ، وجواب الثاني باليد وينوب عنها اللسان موعدا وردا ويتعدى بنفسه أو بمن وقد يتعدى لمفعولين كأعطى واختار ، وقد يكون الثاني جملة استفهامية نحو { سَلْ بَنِى إسراءيل * كَمَا * ءاتيناهم } [ البقرة : 211 ] والمراد بالأنفال هنا الغنائم كما روي عن ابن عباس . ومجاهد . وقتادة والضحاك . وابن زيد . وطائفة من الصحابة وغيرهم ، وبالسؤال السؤال لاستدعاء المعرفة كما اختاره جمع من المفسرين لتعديه بعن والأصل عدم ارتكاب التأويل ، ويؤيد ذلك ما أخرجه أحمد . وابن حبان . والحاكم من حديث عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه وهو سبب النزول أن المسلمين اختلفوا في غنائم بدر وفي قسمتها فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف تقسم ولمن الحكم فيها أهو للمهاجرين أم للأنصار أم لهم جميعا ؟ فنزلت هذه الآية .
وقال بعضهم : إن السؤال استعطاء . والمراد بالنفل ما شرط للغازي زائداً على سهمه ، وسبب النزول غير ما ذكر . فقد أخرج عبد الرزاق في المصنف . وعبد بن حميد . وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : لما كان يوم بدر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من قتل قتيلاً فله كذا ومن جاء بأسير فله كذا فجاء أبو اليسر بن عمر والأنصاري بأسيرين فقال : يا رسول الله إنك قد وعدتنا .
فقام سعد بن عبادة فقال : يا رسول الله إنك إن أعطيت هؤلاء لم يبق لأصحابك شيء وإنه لم يمنعنا من هذه زهادة في الأجر ولا جبن عن العدو وإنما قمنا هذا المقام محافظة عليك أن يأتوك من ورائك فتشاجروا فنزل القرآن ، وادعوا زيادة { عَنْ } واستدلوا لذلك بقراءة ابن مسعود ، وسعد بن أبي وقاص . وعلي بن الحسين . وزيد . ومحمد الباقر . وجعفر الصادق . وطلحة بن مصرف { يَسْأَلُونَكَ الانفال } وتعقب بأن هذه القراءة من باب الحذف والإيصال وليست دعوى زيادة { عَنْ } في القراءة المتواترة لسقوطها في القراءة الأخرى أولى من دعوى تقديرها في تلك القراءة لثبوتها في القراءة المتواترة بل قد ادعى بعض أنه ينبغي حمل قراءة اسقاط { عَنْ } على ارادتها لأن حذف الحرف وهو مراد معنى أسهل من زيادته للتأكيد ، على أنه يبعد القول بالزيادة هنا الجواب بقوله تعالى : { قُلِ الانفال لِلَّهِ والرسول } فإنه المراد به اختصاص أمرها وحكمها بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فيقسمها النبي عليه الصلاة والسلام كما يأمره الله تعالى من غير أن يدخل فيه رأي أحد ، فإن مبنى ذلك القول القول بأن السؤال استعطاء ولو كان كذلك لما كان هذا جواباً له فإن اختصاص حكم ما شرط لهم بالله تعالى والرسول صلى الله عليه وسلم لا ينافي إعطاءه إياهم بل يحققه لأنهم إنما يسألونه بموجب شرط الرسول عليه الصلاة والسلام الصادر عنه باذن الله تعالى لا بحكم سبق أيديهم إليه أو نحو ذلك مما يخل بالاختصاص المذكور .
وحمل الجواب على معنى أن الأنفال بذلك المعنى مختصة برسول الله صلى الله عليه وسلم لا حق فيها للمنفل كائناً من كان لا سبيل إليه قطعاً ضرورة ثبوت الاستحقاق بالتنفيل ، وإدعاء أن ثبوته بدليل متأمر التزم لتكرر النسخ من غير علم بالناسخ الأخير ، ولا مساغ للمصير إلى ما ذهب إليه مجاهد . وعكرمة . والسدى من أن الأنفال كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة ليس لأحد فيها شيء بهذه الآية فنسخت بقوله تعالى : { فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ } [ الأنفال : 41 ] لما أن المراد بالأنفال فيما قالوا هو المعنى الأول حسبما نطق به قوله تعالى : { واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُم مّن شَىْء } [ الأنفال : 41 ] الآي ، على أن الحق أنه لا نسخ حينئذ حسبما قاله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، بل بين هنا إجمالاً أن الأمر مفوض لرسول الله صلى الله عليه وسلم وشرح فيما بعد مصارفها وكيفية قسمتها ، وإدعاء اقتصار الاختصاص بالرسول صلى الله عليه وسلم على الأنفال المشروطة يوم بدر بجعل اللام للعهد مع بقاء استحقاق المنفل في سائر الأنفال المشروطة يأباه مقام بيان الأحكام كما ينبىء عنه إظهار الأنفال في مقام الاضمار ، على أن الجواب عن سؤال الموعود ببيان كونه له عليه الصلاة والسلام خاصة مما يليق بشأنه الكريم أصلاً .
وقد روي عن سعد بن أبي وقاص أنه قال : قتل أخي عمير يوم بدر فقتلت به سعيد بن العاص وأخذت سيفه فاعجبني فجئت به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : إن الله قد شفى صدري من المشركين فهب لي هذا السيف فقال عليه الصلاة والسلام : ليس هذا لي ولا لك اطرحه في القبض فطرحته وبي ما لا يعلمه إلا الله من قتل أخي وأخذ سلبي فما جاوزت إلا قليلاً حتى نزلت سورة الأنفال فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا سعد إنك سألتني السيف وليس لي وقد صار لي فاذهب فخذه ، وهذا كما ترى يقتضي عدم وقوع التنفيل يومئذ وإلا لكان سؤال السيف من سعد بموجب شرطه عليه الصلاة والسلام ووعده لا بطريق الهبة المبتدأة وحمل ذلك من سعد على مراعاة الأدب مع كون سؤاله بموجب الشرط يرده رده صلى الله عليه وسلم قبل النزول وتعليله بقوله : ليس هذا لي لاستحالة أن يعد صلى الله عليه وسلم بما لا يقدر على إنجازه واعطائه عليه الصلاة والسلام بعد النزول وترتيبه على قوله وقد صار لي ضرورة إن مناط صيرورته له صلى الله عليه وسلم قوله تعالى : { الانفال لِلَّهِ والرسول } والفرض إنه المانع من اعطاء المسؤول ، ومما هو نص في الباب قوله تعالى : { فاتقوا الله } فإنه لو كان السؤال طلبا للمشروط لما كان فيه محذور يجب اتقاؤه قاله شيخ الإسلام عليه الرحمة ، وحاصله إنكار وقوع التنفيل حينئذ ، وعدم صحة حمل السؤال على الاستعطاء والأنفال على المعنى الثاني من معنييها ، وأنا أقول : قد جاء خبر التنفيل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من الطريق الذي ذكرناه ومن طريق آخر أيضاً ، فقد أخرج ابن أبي شيبة . وأبو داود . والنسائي . وابن جرير . وابن المنذر . وابن حبان . وأبو الشيخ . والبيهقي في الدلائل . والحاكم وصححه عنه رضي الله تعالى عنه قال : «لما كان يوم بدر قال النبي صلى الله عليه وسلم : من قتل قتيلاً فله كذا وكذا ومن أسر أسيراً فله كذا وكذا فاما المشيخة فثبتوا تحت الرايات وأما الشبان فتسارعوا إلى القتل والغنائم فقالت المشيخة للشبان : أشركونا معكم فانا كنا لكم ردءاً ولو كان منكم شيء للجأتم إلينا فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت : { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الانفال } الآية فقسم الغنائم بينهم بالسوية » ويشير إلى وقوعه أيضاً ما أخرجه أحمد .
وعبد بن حميد . وابن جرير . وأبو الشيخ . وابن مردويه . والحاكم . والبيهقي في السنن عن أبي إمامة قال : سألت عبادة بن الصامت عن الأنفال فقال : فينا أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل فساءت فيه أخلاقنا فانتزعه الله تعالى من أيدينا وجعله إلى رسوله صلى الله عليه وسلم فقسمه عليه الصلاة والسلام بين المسلمين عن بواء ، ولعل في الباب غير هذه الروايات فكان على الشيخ حيث أنكر وقوع التنفيل أن يطعن فيها بضعف ونحوه ليتم له الغرض .
وما ذكره من حديث سعد بن أبي وقاص فقد أخرجه أحمد . وابن أبي شيبة عنه وهو مع انه وقع فيه سعيد بن العاصي والمحفوظ كما قال : أبو عبيد العاصي بن سعيد مضطرب المتن ، فقد أخرج عبد بن حميد . والنحاس . وأبو الشيخ . وابن مردويه عن سعد انه قال : «أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم غنيمة عظيمة فإذا فيها سيف فأخذته فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : نفلني هذا السيف فأنا من علمت فقال : رده من حيت أخذته فرجعت به حتى إذا أردت أن ألقيه في القبض لامتني نفسي فرجعت إليه عليه الصلاة والسلام فقلت : أعطنيه فشد لي صوته وقال رده من حيث أخذته فانزل الله تعالى : { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الانفال } » .
فإن هذه الرواية ظاهرة في أن السيف لم يكن سلبا كما هو ظاهر الرواية الأولى بل أن سعدا رضي الله تعالى عنه وجده في الغنيمة وطلبه نفلا على سهمه الشائع فيها . وأخرج النحاس في ناسخه عن سعيد بن جبير أن سعدا ورجلاً من الأنصار خرجا يتنفلان فوجدا سيفا ملقى فخراً عليه جميعا فقال سعد : هو لي وقال الأنصاري : هو لي لا أسلمه حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتياه فقصا عليه القصة فقال عليه الصلاة والسلام : ليس لك يا سعد ولا للأنصاري ولكنه لي فنزلت { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الانفال } الآية ، ومخالفة هذه الرواية للروايتين السابقتين المختلفتين كما علمت في غاية الظهور فلا يكاد يعول على إحداهما إلا بإثبات أنها الأصح ، ولم نقف على أنهم نصوا على تصحيح الرواية التي ذكرها الشيخ فضلاً عن النص على الأصحية .
نعم أخرج أحمد . وأبو داود . والترمذي . وصححه والنسائي وابن جرير . وابن المنذر . وابن أبي حاتم . وابن مردويه . والحاكم وصححه . والبيهقي في السنن عن سعد المذكور رضي الله تعالى عنه قال : " قلت يا رسول قد شفاني الله تعالى اليوم من المشركين فهب لي هذا السيف قال : إن هذا السيف لا لك ولا لي ضعه فوضعته ثم رجعت فقلت : عسى يعطي هذا السيف اليوم من لا يبلي بلائي إذا رجل يدعوني من ورائي فقلت : قد أنزل في شيء قال عليه الصلاة والسلام : كنت سألتني هذا السيف وليس هو لي وإني قد وهب لي فهو لك وأنزل الله تعالى هذه الآية : { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الانفال } "
الخ ، فهذه الرواية وإن نص فيها على التصحيح إلا أنه ليست طاهرة في أن السيف كان سلباً له من عمير كما هو نص الرواية الأولى ، وإن قلنا : إن هذه الرواية وإن لم تكن موافقة للأولى حذو القذة بالقذة لكنها ليست مخالفة لها ، وزيادة الثقة مقبولة سواء كانت في الأول أم في الآخر أم في الوسط ، فلا بد من القول بالنسخ كما هو إحدى الروايات عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لما أنها ظاهرة في كون الأنفال صارت ملكاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليس لأحد فيها حق أصلاً إلا أن يجود عليه عليه الصلاة والسلام كما يجوز من سائر أمواله ، والمولى المذكور ذهب إلى القول بعدم النسخ ولم يعلم أن هذا الخبر الذي استند إليه في إنكار وقوع التنفيل يعكر عليه ، وإدعاء أن معنى قوله صلى الله عليه وسلم : فيه «وقد صار لي » أنه صار حكمه لي لكن عبر بذلك مشاكلة لما في الآية يرده ما في الرواية الأخرى المنصوص على حصتها من الترمذي . والحاكم «وإني قد وهب لي » ، وحمل ذلك أيضاً على مثل ما حمل عليه الأول مما لا يكاد يقدم عليه عارف بكلام العرب لا سيما كلام أفصح من نطق بالضاد صلى الله عليه وسلم ، وما ذكره قدس سره من أن قوله تعالى : { قُلِ الانفال } الخ لا يكون جواباً لسؤال الاستعطاء فإن اختصاص حكم ما شرط لهم بالرسول عليه الصلاة والسلام لا ينافي الإعطاء بل يحققه ، وقد يجاب عنه بالتزام الحمل الذي ادعى أن لا سبيل إليه قطعاً ويقال بالنسخ ، وهو من نسخ السنة قبل تقررها بالكتاب ، وأن المنسوخ إنما هو ذلك التنفيل ، والتنفيل الذي يقول به العلماء اليوم هو أن يقول الإمام من قتل قتيلاً فله سلبه أو يقول للسرية جعلت لكم الربع بعد الخمس أي بعدما يرفع الخمس اللفقراء ، وقد يكون بغير ذلك كالدراهم والدنانير . وذكر في «السير الكبير » أنه لو قال : ما أصبتم فهو لكم ولم يقل بعد الخمس لم يجز لأن فيه إبطال الخمس الثابت بالنص ، وبعين ذلك يبطل ما لو قال : من أصاب شيئاً فهو له لاتحاد اللازم فيهما بل هو أولى بالبطلان ، وبه أيضاً ينتفي ما قالوا : لو نفل بجميع المأخوذ جاز إذا رأى مصلحة ، وفيه زيادة إيحاش الباقين وإيقاع الفتنة . وذكر السادة الشافعية أن الأصح أن النفل يكون من خمس الخمس المرصد للمصالح أن نفل مما سيغنم في هذا القتال لأنه المأثور عندهم كما جاء عن ابن المسيب .
ويحتمل أن التنفيل المنسوخ الواقع يوم بدر عن القائل به لم يكن كهذا الذي ذكرناه عن أئمتنا وكذا عن الشافعية الثابت عندهم بالأدلة المذكورة في كتب الفريقين ، والأخبار التي وقفنا عليها في ذلك التنفيل غير ظاهرة في اتحاده مع هذا التنفيل .
وحينئذ فما نسخ لم يثبت وإنما ثبت غيره ، وربما يقال : على فرض تسليم أن ما ثبت هو ما نسخ أن دليل ثبوته هو قوله تعالى : { ياأيها النبى حَرّضِ المؤمنين عَلَى القتال } [ الأنفال : 65 ] فإن في ذلك من التحريض ما لا يخفى ، ودعوى أن حمل أل في الأنفال على العهد يأباه المقام في حيز المنع ، ومما يستأنس به للعهد أنه يقال لسورة الأنفال سورة بدر فلا بدع أن يراد من الأنفال أنفال بدر ، وإنباء الإظهار في مقام الاضمار على ما ادعاه في غاية الخفاء ، وكون الجواب عن سؤال الموعود ببيان اختصاصه به عليه الصلاة والسلام مما لا يليق بشأنه الكريم أصلاً مما لا يكاد يسلم ، كيف والحكم إلهي والنبي صلى الله عليه وسلم مأمور بالإبلاغ ، وقد يقال : حاصل الجواب يا قوم إن ما وعدتكم به بإذن الله تعالى قد ملكنيه سبحانه وتعالى دونكم وهو أعلم بالحكم فيما فعل أولاً وآخراً فاتقوا الله من سوء الظن أو عدم الرضا بذلك . ومن هنا يعلم حسن الأمر بالتقوى بعد ذلك الجواب وبطلان ما ادعاه المولى المدقق من أن هذا الأمر نص في الباب ، وقد يقال أيضاً : لا مانع من أن يحمل السؤال على الاستعلام ، والاختصاص على اختصاص الحكم مع كون المراد بالأنفال المعنى الثاني ، والمعنى يسألونك عن حال ما وعدتهم إياه هل يستحقونه وإن حرم غيرهم ممن كان ردأ وملجأ حيث إنك وعدتهم وأطلقت لهم الأمر قل إن ذلك الموعود قد نسخ استحقاقكم له بالوعد المأذون فيه من قبل وفوض أمره إلى ولم يحجر علي بإعطائه لكم دون غيركم بل رخصت أن أساوي أصحابكم الذين كانوا ردأ لكم معكم لئلا يرجع أحد من أهل بدر فخفى حنين ويستوحشوا من ذلك وتفسد ذات البين ، فاتقوا الله تعالى من الاستقلال بما أخذتموه أو إخفاء شيء منه بناء على أنكم كنتم موعدين به { وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ } بالرد والمواساة فيما حل بأيديكم { وَأَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ } في كل ما يأمر به وينهى عنه في ذلك مصالح لا تعلمونها وإنما يعلمها الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ، وتقرير السؤال والجواب على هذا الأسلوب وإن لم يكن ظاهراً إلا أنه ليس بالبعيد جداً ، ثم ما ذكره قدس سره من أن حديث النسخ الواقع في كلام مجاهد ، وعكرمة . والسدي إنما هو للأنفال بالمعنى الأول لدلالة الناسخ على ذلك مسلم ، لكن جاء في آخر رواية النحاس عن ابن جبير السابقة في قصة سعد وصاحبه الأنصاري رضي الله تعالى عنهما ما يوهم كون النسخ للآية مع حمل الأنفال على غير ذلك المعنى وليس كذلك ، هذا ثم إني أعود فأقول : إن هذا التكلف الذي تكلفناه إنما هو لصيانة الروايات الناطقة بكون سبب النزول ما استند إليه القائل بأن الأنفال بالمعنى الثاني عن الإلغاء قبل الوقوف على ضعفها ، ومجرد ما ذكره المولى قدس سره لا يدل على ذلك ، ألا تراهم كيف يعدلون عن ظواهر الآيات إذا صح حديث يقتضي ذلك ، وإلا فأنا لا أنكر أن كون حمل الأنفال على المعنى الأول والذهاب إلى أن الآية غير منسوخة والسؤال للاستعلام أقل مؤنة من غيره فتأمل ذاك والله سبحانه وتعالى يتولى هداك ، والمراد بقوله تعالى : { فاتقوا الله } الخ على هذا أنه إذا كان أمر الغنائم لله ورسوله صلى الله عليه وسلم فاتقوه سبحانه وتعالى واجتنبوا ما أنتم فيه من المشاجرة فيها والاختلاف الموجب لشق العصا وسخطه تعالى ، أو فاتقوه في كل ما تأتون وتذرون فيدخل ما هم فيه دخولاً أولياً ، وأصلحوا ما بينكم من الأحوال بترك الغلول ونحوه ، وعن السدي بعدم التساب .
وعن عطاء كان الإصلاح بينهم «أن دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : اقسموا غنائمكم بالعدل : فقالوا : قد أكلنا وأنفقنا . فقال عليه الصلاة والسلام : ليرد بعضكم على بعض » و { ذَاتُ } كماقيل بمعنى صاحبة صفة لمفعول محذوف . و { بَيْنَ } أما بمعنى الفراق أو الوصل أو ظفر أي أحوالاً ذات افتراقكم أو ذات وصلكم أو ذات الكمال المتصل بكم . وقال الزجاج وغيره : إن { ذَاتُ } هنا بمنزلة حقيقة الشيء ونفسه كما بنه ابن عطية وعليه استعمال المتكلمين ، ولما كانت الأحوال ملابسة للبين أضيفت إليه كما تقول : اسقني ذا إنائك أي ما فيه جعل كؤنه صاحبه ، وذكر الاسم الجليل في الأمرين لتربية المهابة وتعليل الحكم .
وذكر الرسول صلى الله عليه وسلم مع الله تعالى أولاً وآخراً لتعظيم شأنه وإظهار شرفه والإيذان بأن طاعته عليه الصلاة والسلام طاعة الله تعالى ، وقال غير واحد : إن الجمع بين الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم أولاً لأن اختصاص الله تعالى بالأمر والرسول صلى الله عليه وسلم بالامتثال ، وتوسيط الأمر بإطلاح ذات البين بين الأمر بالتقوى والأمر بالطاعة لإظهار كمال العناية بالإصلاح بحسب المقام وليندرج الأمر به بعينه تحت الأمر بالطاعة .
وقرأ ابن محيصن { يَسْأَلُونَكَ } بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على اللام وإدغام نون عن فيها ولا اعتداد بالحركة العارضة { إِن كُنتُمْ } متعلق بالأوامر الثلاثة ، والجواب محذوف ثقة بدلالة المذكورة عليه أو هو الجواب على الخلاف المشهور ، وأياً ما كان فالمراد بيان ترتب ما ذكر عليه لا التشكيك في إيمانهم ، وهو يكفي في التعليق بالشرط ، والمراد بالايمان التصديق ، ولا خفاء في اقتضائه ما ذكر على معنى أنه من شأنه ذلك لا أنه لازم له حقيقة . وقد يراد بالايمان الايمان الكامل والأعمال شرط فيه أو شطر ؛ فالمعنى إن كنتم كاملي الايمان فإن كمال الايمان يدور على تلك الخصال الثلاثة الاتقاء والإصلاح وإطاعة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم .
( هذا ومن باب الإشارة ) : في الآيات : { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنفال } إذ لم يرتفع عنهم إذ ذاك حجاب الأفعال { قُلِ الأنفال لِلَّهِ والرسول } أي حكمها مختص بالله تعالى حقيقة وبالرسول مظهرية { فاتقوا الله } بالاجتناب عن رؤية الأفعال برؤية فعل الله تعالى { وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ } بمحو صفات نفوسكم التي هي منشأ صدوركم ما يوجب التنازع والتخالف { وَأَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ } بفنائها ليتيسر لكم قبول الأمر بالإرادة القلبية الصادقة { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } [ الأنفال : 1 ] الإيمان الحقيقي