2 - الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ .
1 . في هذه الآية بيان لحد الزاني البكر ، وفي السنة الصحيحة بيان لحد الزاني المتزوج وهو الرجم ، وقد بينت الآية وجوب الصرامة في إقامة الحد ، وعدم الرأفة في أخذ الفاعلين بجرمهما ، وعدم تعطيل الحد أو الترفق في إقامته ، تراخيا في دين الله وحقه ، وإقامته في مشهد عام تحضره طائفة من المؤمنين ، فيكون أوجع وأوقع في نفوس الفاعلين ونفوس المشاهدين .
2 . في بيان حكم السرقة بدأ الله تعالى بالرجل فقال سبحانه : وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ . ( المائدة : 38 ) .
وفي بيان حكم الزنا بدأ الله تعالى بالمرأة ؛ لأن السرقة يغلب وقوعها من الرجال وهم عليها أجرا من النساء وأجلد وأخطر فقدموا عليهن لذلك . أما الزنا من المرأة فهو أشد خطرا لما يترتب عليه من فساد الأنساب وتلطيخ فراش الرجل ، وهو عار على عشيرة المرأة وأشد وألزم ، والفضيحة بالحمل منه أظهر وأدوم ؛ فلهذا كان تقديمها على الرجل أهم .
قال القرطبي : قدمت الزانية في هذه الآية حيث كان زنا النساء فاشيا في ذلك الزمان ، وكان لإماء العرب وبغايا الوقت رايات ، كن مجاهرات بذلك ، وقيل : لأن الزنا في النساء أعر وهو لأجل الحبل أضر ، وقيل : لأن الشهوة في المرأة أكثر وعليها أغلب ؛ فصدرها تغليظا لتردع شهوتها ، وإن كان قد ركب فيها حياء ، لكنها إذا زنت ذهب الحياء كله ، وأيضا : فإن العار بالنساء ألحق ، إذ موضعهن الحجاب والصيانة ، فقدم ذكرهن تغليظا واهتماما2 .
3 . بدأت دعوة الإسلام ببيان حكم العقيدة والدعوة إلى الإيمان بالله ، ولو بدأت بتحريم الزنا لقال الناس : لا نترك الزنا أبدا ، ولو بدأت بتحريم الخمر لقال الناس : لا نترك الخمر أبدا كما قالت عائشة – رضي الله عنها - : فلما استقر الإيمان في القلوب ؛ بين الله بالتدريج أحكام الحلال والحرام .
وفي الآية الخامسة عشر من سورة النساء ذكر القرآن أن الزنا جريمة اجتماعية أو عائلية .
ثم بين القرآن في سورة النور ، أن الزنا جريمة جنائية ، يجلد الزاني مائة جلدة إذا كان بكرا ، وهناك مواصفات لطريقة الجلد منها : أن يضرب بسوط لا ثمرة فيه ، وأن يكون السوط وسطا ، وأن يوزع الجلد على جسمه لينال الألم كل عضو تمتع باللذة الحرام ، ولا يضرب على وجهه لأنه مجمع المحاسن ، ولا يضرب في فرجه لأنه مقتل .
4 . لقد حرم الزنا في جميع الشرائع ، وبذلت المجتمعات الإنسانية سعيها لسد باب الزنا ، فهو رذيلة من ناحية الأخلاق ، وإثم من ناحية الدين ، وعيب وعار من ناحية الاجتماع ، وهذا أمر مازالت المجتمعات البشرية مجمعة عليه منذ أقدم عصور التاريخ إلى يومنا الحاضر ، ولم يخالفها فيه حتى اليوم إلا شرذمة قليلة من الذين جعلوا عقولهم تابعة لأهوائهم وشهواتهم البهيمية ، ويظنون كل مخالفة للنظام والعرف الجاري اختراعا لفلسفة جديدة .
والعلة في هذا الإجماع العالمي ، أن الفطرة الإنسانية بنفسها تقتضي حرمة الزنا ، لأن التمدن الإنساني لم يتكون إلا بمعاشرة الرجل والمرأة معا ، وإنشائهما أسرة ثم امتداد وشائج النسب والطهر بين تلك الأسرة ، ( فالأسرة هي المحضن الصالح للتربية ، وهي الجو الملائم لتربية الأطفال ، ورعايتهم وتهذيب غرائزهم ، ورعاية نموهم النفسي والبدني والاجتماعي )3 .
وإذا رجعنا إلى تاريخ البشرية الطويل ، رأينا أنه ما من أمة من الأمم فشت فيها الفاحشة ؛ إلا صارت إلى انحلال وهزيمة .
رغم اتفاق الشرائع على أن الزنا رذيلة ، إلا أن بعضها فرق بين الزنا المحض والزنا بزوجة الغير ، فاعتبر الأول خطيئة أو زلة يسيرة ، واعتبر الثاني جريمة مستلزمة للعقوبة .
والزنا المحض عندهم أن يجامع رجل – بكرا كان أو متزوجا – امرأة ليست بزوجة أحد . فالعبرة هنا بحال المرأة ، فإذا كانت غير متزوجة فعقوبة هذه الخطيئة هين جدا في قوانين مصر القديمة وبابل وآشور والهند ، وهذه القاعدة هي التي أخذت بها اليونان والرم ، وبها تأثر اليهود أخيرا ، فهي لم تذكر في الكتاب المقدس لليهود ، إلا كخطيئة يلزم الرجل عليها غرامة مالية لا غير .
فقد جاء في كتاب الخروج : ( وإذا راود رجل عذراء لم تخطب فاضطجع معها يمهرها لنفسه زوجة ، إن أبى أبوها أن يعطيه إياها يزن له فضة كمهر العذارى )4 .
وجاء هذا الحكم بعينه في كتاب الاستثناء بشيء من الاختلاف في ألفاظه ، وبعده التصريح بأنه : ( إذا وجد رجل فتاة عذراء غير مخطوبة ، فأمسكها واضطجع معها فوجدا ، يعطي الرجل الذي اضطجع معها لأبي الفتاة خمسين مثقالا من الفضة ، وتكون هي له زوجة من أجل أنه قد أذلها )5 . غير أنه إذا زنى أحد ببنت القسيس عوقب بالشنق بموجب القانون اليهودي ، وعوقبت البنت بالإحراق .
6 . إن القوانين الغربية – وهي التي يتبعها معظم بلاد المسلمين في هذا الزمان – إنما تقوم على هذه التصورات المختلفة ، فالزنا في نظرها وإن كان عيبا أو رذيلة خلقية أو ذنبا ، ولكنه ليس بجريمة على كل حال . وإن الشيء الوحيد الذي يحوله إلى جريمة ، هو الجبر والإكراه ، أي : أن يجامع الرجل المرأة بدون رضاها ، أما الرجل المتزوج فإن كان ارتكابه لفعلة الزنا سببا للنزاع والشكوى ، فإنما هو كذلك لزوجته وحدها ، فلها – إن شاءت – أن تطلب من المحكمة تخليصها منه . وأما إذا كانت المرتكبة للزنا امرأة متزوجة ، فإن لزوجها أن يشكوها إلى المحكمة ويطلقها ، بل له أن يشكو إلى المحكمة ذلك الرجل الذي ارتكب الزنا بزوجته وينال منه غرامة مالية .
يقرر الإسلام أن الزنا جريمة مستلزمة للمؤاخذة والعقوبة ، وقد عرف الفقهاء الزنا بأنه : وطء الرجل المرأة في القبل حراما ، كالميل في المكحلة ، أو القلم في الدواة .
وجاء في كتاب الاختيار في الفقه الحنفي ما يأتي : يثبت الزنا بالبينة والإقرار ، والبينة أن يشهد أربعة على رجل أو امرأة بالزنا ، فإذا شهدوا يسألهم القاضي عن ماهيته ، ومكانه وزمانه ، والمزنى بها ، فإذا بينوا ذلك ، وذكروا أنها محرمة عليه من كل وجه ، وشهدوا به كالميل في المكحلة ، والقلم في الدواة ، وعدلوا في السر والعلانية ؛ حكم القاضي عليه بالحد ، وحد الزاني إذا كان محصنا6 الرجم بالحجارة حتى يموت ، يخرج إلى أرض فضاء ، فإن كان ثبت بالبينة يبتدأ بالشهود ثم الإمام ثم الناس ، فإذا امتنع الشهود أو بعضهم لا يرجم ، وإذا ثبت بالإقرار ابتدأ الإمام ثم الناس . وإن لم يكن محصنا فحده الجلد مائة جلدة يضرب بسوط لا ثمرة له ، ضربا متوسطا7 ، يفرقه على أعضائه إلا رأسه ووجهه وفرجه ، ويجرد من ثيابه إلا الإزار ، ولا تجرد المرأة عن الفرو والحشو8 .
نبه القرآن المكي إلى ضرر الزنا وحذر المؤمنين من آثامه ، ومثال ذلك ما نجده في سورة الفرقان : وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا . ( الفرقان : 68 ) .
ومن سورة الإسراء المكية يقول سبحانه : وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً . ( الإسراء : 32 ) .
وفي السنة الثالثة بعد الهجرة النبوية ، قرر القرآن أن الزنا جريمة مستلزمة للعقوبة ، ولكنه ما كان إذ ذاك جريمة قانونية ، حيث يكون لشرطة الدولة وحكمتها أن تؤاخذ عليها الناس ، وإنما كان بمثابة جريمة اجتماعية أو عائلية لأهل الأسرة أن يعاقبوا من يأتيها منهم بأنفسهم ، وهذا الحكم قد جاء في الآيات : 15 ، 16 ، 17 من سورة النساء . قال تعالى : وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً * وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا * إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً . ( النساء : 15 – 17 ) .
وفي الآية الأولى إشارة واضحة إلى أن هذا الحكم مؤقت ، وسيأتي الحكم النهائي لحد الزنا في المستقبل ، وهذا الحكم هو الذي نزل بعد سنتين ونصف في سورة النور ، وقد نسخ الحكم السابق ، وجعل الزنا جريمة قانونية مستلزمة لمؤاخذة الشرطة والمحكمة9 .
الحد الذي أشارت إليه الآية الثانية في سورة النور ، إنما هو حد الزاني البكر الذي لم يتزوج ، أما حد الزنا بعد الإحصان والزواج فهو الرجم ، وقد ثبت من السنة الصحيحة بغير واحدة ولا اثنتين من الروايات الصحيحة ، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أقام حد الرجم على الزاني المحصن ، ثم أقامه بعده خلفاؤه الراشدون – رضي الله عنهم – في عهودهم ، وأجمع على ذك الصحابة والتابعون ، حيث لا نكاد نجد لأحد منهم قولا ، يدل على أنه كان في القرن الأول رجل عنده شك في كون الرجم من الأحكام الشرعية الثابتة ، ثم ظل فقهاء الإسلام في كل عصر ومصر ، على كونه سنة ثابتة ، بأدلة متضافرة قوية لا مجال لأحد من أهل العلم أن يشك في صحتها . وقد خالف الجمهور في هذه القضية الخوارج وبعض المعتزلة . فرأوا أن لا عقوبة في الزنا غير مائة جلدة ، للمتزوج وغير المتزوج10 .
ورد في التوراة أن عقوبة الزاني المحصن الرجم ، جاء في سفر التثنية : ( وإذا كانت فتاة عذراء مخطوبة لرجل فوجدها رجل بالمدينة فاضطجع معها فأخرجوهما كليهما من المدينة وارجموهما حتى يموتا ، الفتاة من أجل أنها لن تصرخ في المدينة والرجل من أجل أنه أذل امرأة صاحبه ، فينتزع الشر من المدينة ، ولكن إن وجد الرجل الفتاة المخطوبة في الحقل وأمسكها الرجل واضطجع معها ؛ يموت الذي اضطجع معها وحده ، وأما الفتاة فلا يفعل بها شيء )11 .
11 . وردت أحاديث في صحيح البخاري ، وصحيح مسلم ، تفيد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أقام حد الرجم على الزاني المحصن .
أخرج البخاري ، ومسلم : أن أعرابيين أتيا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال أحدهما : يا رسول الله ، إن ابني كان عسيفا – يعني أجيرا – على هذا فزنى بامرأته فافتديت ابني منه بمائة شاة ووليدة ، فسألت أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام ، وأن على امرأة هذا الرجم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله تعالى : الوليدة والغنم رد عليك ، وعلى ابنك مائة جلدة وتغريب عام ، واغد يا أنيس – لرجل من أسلم – إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها ) فغدا عليها فاعترفت فرجمها12 .
وعن ابن عباس : أن عمر قام فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أما بعد . . أيها الناس ، فإن الله تعالى بعث محمدا صلى الله عليه وآله وسلم بالحق ، وأنزل عليه الكتاب ، فكان فيما أنزل عليه آية الرجم ، فقرأناها ووعيناها ورجم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورجمنا بعده ، فأخشى أن يطول بالناس زمان أن يقول قائل : لا نجد آية الرجم في كتاب الله ، فيضلوا بترك فريضة أنزلها ، فالرجم في كتاب الله حق على من زنى ، إذا أحصن من الرجال ومن النساء ، إذا قامت البينة أو الحمل أو الاعتراف13 .
وفي رواية عنه : ولولا أن يقول قائل أو يتكلم متكلم أن عمر زاد في كتاب الله ما ليس منه لأثبتها كما نزلت14 .
وهناك طرق أخرى لهذه الرواية ، كلها متعددة ومتعاضدة ودالة على أن آية الرجم كانت مكتوبة ، فنسخت تلاوتها وبقى حكمها معمولا به ، والله أعلم .
وقد رجم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( ماعزا ) و ( الغامدية ) ، ولم ينقل عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه جلدهما قبل الرجم ، ولهذا كان ذلك مذهب جمهور العلماء ، وإليه ذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي15 - رحمهم الله – وذهب الإمام أحمد إلى أنه يجمع على الزاني المحصن بين الجلد للآية والرجم للسنة ، كما روى الإمام أحمد ، وأهل السنن ، عن عبادة بن الصامت قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( خذوا عني خذوا عني ، قد جعل الله لهن سبيلا ، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام ، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم )16 . وقد تمسك الإمام أبو حنيفة – رحمه الله – بظاهر الآية فلم يجعل التغريب من الحد في شيء ، إنما هو مفوض إلى رأي الإمام وحكمه في ذلك حكم سائر التعزيرات .
وذهب الأئمة : مالك ، والشافعي ، وأحمد ، والثوري ، والحسن بن صالح ، إلى أن التغريب من تمام الحد ، على تفصيل في ذلك .
12 – روي عن علي – رضي الله عنه – أنه قال في البكرين إذا زنيا : إنهما يجلدان ولا ينفيان ، وأن نفيهما من الفتنة . والأخبار المثبتة للنفي معارضة بغيرها ، وهي بعد لم تخرج عن كونها أخبار آحاد ، فليس بجائز أن تزيد في حكم الآية بهذه الأخبار ، لأنه يوجب النسخ ، خاصة أنه يمكن استعمالها على وجه لا يوجب النسخ في الآية ، ولا يدفع حكم الأخبار ، وذلك بإبقاء الآية على حكمها ، وأن الجلد هو تمام الحد ، وجعل النفي على وجه التعزير ، ويكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد رأى في ذلك الوقت نفي البكر ، لأنهم كانوا حديثي عهد بالجاهلية ، فرأى ردعهم بالنفي بعد الجلد ، كما أمر بشق روايا الخمر وكسر الأواني ، لأنه أبلغ في الزجر وأحرى بقطع العادة17 .
ذهب الشافعية إلى أن حكم اللواط كحكم الزنا ، وقال بعض أصحاب الشافعي : إن اللواط زنا ، لأنه مثل الزنا في الصورة ، وفي المعنى ، فيكون اللائط زانيا فيدخل في عموم الآية ، وهي قوله تعالى : الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ، وقال بعض آخر من الشافعية : اللواط غير الزنا إلا أنه يقاس عليه ، بجامع كون الطبع داعيا إليه فيناسب الزاجر .
وقال أبو حنيفة : ليس في اللواط حد بل فيه تعزير ، لأنه وطء لا يتعلق به الحد ، ولأنه يساوي الزنا في الحاجة إلى شرع الحد ، لأن اللواط لا يرغب فيه المفعول به طبعا ، وليس فيه إضاعة النسب ، وأيضا فقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ( لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : زنا بعد إحصان ، وكفر بعد إيمان ، وقتل نفس بغير حق )18 . قد حظر قتل المسلم إلا بإحدى هذه الثلاث ، وفاعل اللواط خارج عن ذلك لأنه لا يسمى زانيا19 .
وقد اختلف الصحابة – رضوان الله عليهم – في حكم عمل قوم لوط وعقوبته ، فلو كانوا يعدونه من الزنا حسب الاصطلاح الإسلامي ، لما وجدنا بينهم أي خلاف في حكمه20 .
والمعلوم أنه لم يثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قضى في اللواط بشيء ، لأن هذا المنكر لم تعرفه العرب ، ولم يرفع إليه صلى الله عليه وآله وسلم حادثة منه ، ولكن ثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : ( من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به )21 . رواه أصحاب السنن الأربعة وإسناده صحيح ، وقال الترمذي : حديث حسن . وحكم أبو بكر الصديق بقتل اللائط ، وكتب به إلى خالد بن الوليد بعد مشاورة الصحابة .
ونقل بعض الحنابلة إجماع الصحابة على أن الحد في اللواط القتل ، وإنما اختلفوا في كيفيته ، فمنهم من قال : يرمى من شاهق ، ومنهم من قال : يهدم عليه حائط ، ومنهم من قال : يقتل رميا بالحجارة .
هذا ولا نعلم خلافا بين الفقهاء في أن السحاق لم يشرع فيه إلا التعزير22 .
إذا وجد رجل مع امرأة في صورة مريبة ، ولم يثبت عليهما فعل الزنا فإنه يعاقب على هذا الفعل الفاضح بالتعزير ، والتعزير تأديب دون الحد ويرجع إلى تقدير القاضي للشخص ولطبيعة المخالفة . وإذا كان التعزير بالجلد فيجب أن يكون أقل من عشر جلدات ، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ( لا يجلد فوق عشر جلدات إلا في حد من حدود الله ) رواه البخاري ، ومسلم ، وأبو داود . وأما إذا جاء الشخص بنفسه إلى الحاكم ، معترفا بذنب دون فعل الزنا الكامل ، ومعلنا ندمه عليه ؛ فيكفي أن يلقن الاستغفار والتوبة والإنابة إلى الله . روى مسلم ، وأبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، عن عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه – قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا رسول الله ، إني عالجت23 امرأة في أقصى المدينة ، وإني أصبت منها ما دون أن ألمسها24 فأنا هذا فاقض في ما شئت ، فقال له عمر : لقد سترك الله ، لو سترت نفسك . قال : ولم يرد النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليه شيئا . فقام الرجل فانطلق ، فأتبعه النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجلا فدعاه ، وتلا عليه هذه الآية : وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ . ( هود : 114 ) . فقال رجل من القوم : هذا له خاصة ؟ فقال : ( بل للناس كافة )25 .
بل لا تتيح الشريعة إذا جاء أحد إلى الحاكم معترفا بذنبه ولكن بألفاظ غير واضحة ، أن يكرهه الحاكم على التصريح بذنبه ، روى البخاري ، ومسلم ، وأحمد ، عن أنس قال : جاء رجل فقال : يا رسول الله ، إني أصبت حدا فأقمه علي ، قال : ولم يسأله عنه ، وحضرت الصلاة ؛ فصلى مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فلما قضى النبي صلى الله عليه وآله وسلم الصلاة قام الرجل فقال : يا رسول الله ، أصبت حدا فأقم في كتاب الله ، قال : ( ألست قد صليت معنا ؟ ) قال : بلى ، قال : ( فإن الله قد غفر ذنبك أو حدك )26 .
( ب ) أن يكون بالغا . فإذا اقترف الزنا مجنون أو صبي ؛ فلا يقام عليه الحد .
( أ ) أن يكون عاقلا بالغا ، كما سبق في البكر .
( ب ) أن يكون الجاني حرا ، فإن كان عبدا جلد خمسين جلدة .
( ت ) ألا يكون الجاني قد عقد قرانه فحسب ، بل يكون قد تمتع بالدخول الصحيح على زوجته بعد زواجه .
( ث ) أن يكون الجاني مسلما ، وفيه الخلاف بين الفقهاء ، يقول الشافعي ، وأحمد بن حنبل ، وأبو يوسف – رحمهم الله - : إن كل من ارتكب الزنا بعد الزواج ، فإنه يرجم مسلما كان أو غير مسلم . ولكن أبا حنيفة ومالكا – رحمهما الله – متفقان على أن الرجم إنما هو للمسلم ، إذا ارتكب الزنا بعد زواجه .
وأقوى الدلائل على ذلك أنه لا بد لإقامة عقوبة شديدة كالرجم على أحد أن يكون في الإحصان الكامل ثم لا يرتدع عن الزنا ، ومعنى الإحصان الكامل : الإحصان الخلقي ، ويقين الفرد بالإيمان بالله ، وبأن الله مطلع عليه وعلى أعماله ، واليقين بالحساب والجزاء والثواب والعقاب في الآخرة .
روي عن ابن عمر – رضي الله عنه – قال : من أشرك بالله فليس بمحصن . رواه ابن إسحاق في مسنده ، والدارقطني في سننه . أما الاستدلال بحكم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالرجم على يهوديين زنيا في عهده فلا يصح ، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حكم عليهما بما في التوراة ، وقد توافق حكم التوراة مع حكم الإسلام ، روى مسلم : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال عند القضاء على اليهوديين : ( اللهم إني أول من أحيا أمرك إذا أماتوه )27 .
من شروط إقامة الحد عدم الإكراه على الزنا ، فلو أكره رجل امرأة على الزنا ، أقيم الحد على الرجل دون المرأة . روى البخاري ، عن صفية بنت عبيد : أن عبدا من رقيق الإمارة ، وقع على وليدة من الخمس فاستكرهها حتى أفتقها ؛ فجلده عمر ولم يجلدها من أجل أنه استكرهها28 .
17 . إقامة الحد مسئولية الحكومة :
إن القانون الإسلامي لا يجيز أحدا غير الحكومة أن يؤاخذ الزاني والزانية ، ولا يجيز أحدا غير المحكمة أن يقيم عليهما الحد ، فقد أجمع فقهاء الأمة على أن الخطاب في قوله تعالى : فاجلدوا . في الآية الثانية من سورة النور إنما هو لحكام الدولة الإسلامية وقضاتها ، وليس لعامة الناس وآحادهم .
18 . حكم التراضي بين المعتدى والمعتدى عليه :
إذا رفع الزاني إلى المحكمة ، فلا مجال لتراضي الناس فيما بينهم في جريمة الزنا ، لأن إقامة الحد حق من حقوق الله تعالى ، وهو وسيلة لطهارة المجتمع ونظافته ، فلا يملك الزوج أن يتنازل عن دعوى الزنا على زوجته أو يسقطها عنها ، كما نجد ذلك في القوانين الغربية ، التي يتعامل بها في كثير من البلاد الإسلامية ، وهي قوانين تقوم على الديوثة وقلة الحياء .
( أ ) يجب أن يكون الشهود في الزنا عدولا صادقين غير متهمين في قضية سالفة ، وغير خائنين ، وألا يكون قد أقيم عليهم الحد من قبل ، وألا تكون بينهم وبين المتهم خصومة ، وعلى كل فإنه لا يجوز أن يرجم أو يجلد أحد بمجرد شهادة غير صحيحة .
( ب ) يجب أن يكون الشهود متفقين على أنهم رأوا فلانا يزني بفلانة بمكان كذا وساعة كذا .
( ج ) يجب أن تكون شهادتهم بأنهم رأوهما يزنيان ، وفرجه في فرجها كالميل في المكحلة ، أو القلم في الدواة ، أو الرشاء في البئر ، وإلا فاختلافهم في أحد هذه الأمور يسقط شهادتهم .
وشروط هذه الشهادة تدل بنفسها ، على أن القانون الإسلامي ليس سيفا مصلتا ، ولا سوطا مضروبا على ظهور الناس ، بل الحق أنه لا يعاقب بعقوبة شديدة كالجلد أو الرجم ، إلا إذا وجد في المجتمع الإسلامي رجل وامرأة لا يقيمان أدنى وزن للحياء ، ويأتيان بالفاحشة علنا على مرأى من الناس .
20 . حكم إقرار الزاني بالزنا :
يثبت الزنا بإقرار الجاني بجنايته ، ومن اللازم أن يكون هذا الإقرار بكلمات صريحة بارتكاب فعلة الزنا ، أي : على الجاني أن يقر بأنه قد زنى بامرأة محرمة عليه كالميل في المكحلة ، وعلى المحكمة أن تكون عل ثقة بأن الجاني إنما يقر بجنايته بنفسه ، أي بدون أي ضغط خارجي ، وليس به شيء من الجنون أو الاختلال في العقل .
وهنا اختلاف يسير بين الفقهاء ، فيقول أبو حنيفة ، وأحمد بن حنبل ، وابن أبي يعلى ، وإسحاق بن راهويه – رحمهم الله - : إن على الجاني أن يقر بجنايته أربع مرات بأربعة مجالس ، ويقول مالك ، والشافعي ، وعثمان البتى ، والحسن البصري – رحمهم الله - : إنه يكفي أن يقر الجاني بجنايته مرة واحدة .
وقد أقر ماعز ، فرده النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرارا وقال له : ( لعلك قبلت ، أو غمزت ، أو نظرت ) ، قال : لا . فسأله النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ( هل تعرف الزنا ) ؟ فقال : نعم ، أتيت منها حراما ما يأتي الرجل من أهله حلالا . فعند ذلك أمر برجمه فرجم خارج المدينة29 . واعترفت الغامدية وكانت حبلى من الزنا ، فردها النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى ولدت ، ثم ردها ترضعه وتفطمه ، ثم جاءت به وفي يده كسرة خبز ، وقالت : يا نبي الله ، قد فطمته وقد أكل الطعام . فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين ، ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها وأمر الناس فرجموها30 .
أمر الله تعالى بجلد الزناة ، والمراد : أن يصل السوط إلى الجلد ، فلا يحوز أن يكون شديدا حتى يصل إلى اللحم ، فكل ضرب يقطع اللحم أو ينزع الجلد ويجرح اللحم مخالف لحكم القرآن . ويجب أن يكون السوط وسطا ، لا رقيقا جدا ولا شديدا جدا ، بل يجب أن يكون بين اللين والشدة .
روى أبو عثمان النهدى قال : أتى عمر بسوط فيه شدة ، فقال : أريد ألين من هذا . فأتى بسوط فيه لين فقال : أريد أشد من هذا . فأتى بسوط بين السوطين ، فقال : اضرب ولا يرى إبطك – أي : لا تضرب بكل قوة يدك – وأعط كل عضو حقه . وروي مثل ذلك عن ابن مسعود ، وأنس بن مالك – رضي الله عنهما – والفقهاء متفقون على أن الضرب لا ينبغي أن يكون مبرحا أي موجعا ، ولا ينبغي أن يكون في موضع واحد من الجسد ، بل ينبغي أن يفرق على الجسد كله : حيث يأخذ كل عضو من أعضائه حقه ، إلا الوجه والفرج والرأس .
ولا ينبغي أن يتولى الجلد والضرب جلادون من الجهال غلاظ الأكباد ، بل يجب أن يتولاه رجال من أهل العلم والبصيرة ، يعلمون كيفية الضرب لتحقيق مقتضى الشريعة .
والجاني إذا كان مريضا لا يرجى شفاؤه أو كان فانيا ، يكفي أن يضرب بضربة واحدة بغصن عليه مائة فرع ، أو مكنسة فيها مائة عود ، حتى يتحقق مقتضى القانون ، انظر نظرة في هذه التفاصيل لقانون جلد الزاني في الإسلام ، ثم اعجب لجرأة الذين يقولون إنه عقوبة وحشية ، ويرون التهذيب كل التهذيب في عقوبة الضرب التي تجري اليوم في السجون ، ثم لا يخفى ما تنزل الشرطة اليوم من عقوبات قاسية ، تقشعر لسماعها الجلود ، لا على الجناة الذين تثبت جرائمهم فحسب ، بل على المشتبهين – ولا سيما السياسيين منهم – لغرض التفتيش والاستجواب .
22 . تحريم الشفاعة في الحدود :
ينبغي للحاكم إذا انتهى إليه الحد أن يقيمه ، قال تعالى : وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ . وهو نهي عن التخفيف في الجلد ، أو ترك الحد وإسقاطه ، وفيه دليل على أنه لا تجوز الشفاعة في إسقاط حد الزنا ، لأن فيه تعطيلا لإقامة حدود الله ، ليس لخصوصية في الزنا ، بل مثله مثل سائر الحدود تحرم الشفاعة فيها ، فقد صح أنه صلى الله عليه وآله وسلم أنكر على حبه أسامة بن زيد ، حين شفع في فاطمة بنت الأسود المخزومية وكانت قد سرقت قطيفة وحليا ، فقال له : ( أتشفع في حد من حدود الله تعالى ) ؟ 31 .
وفي الصحيحين أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم خطب فقال : ( أيها الناس ، إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها )32 .
وعن ابن عمر – رضي الله عنه – أنه سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول : ( من حالت شفاعته دون حد من حدود الله تعالى : فقد ضاد الله عز وجل )33 أخرجه أبو داود .
فلا يجوز أن يترك الجاني بعد ثبوت الجريمة عليه ، ولا أن يخفف من حده ، بل يجب أن يضرب مائة جلدة كاملة تحقيقا لقوله تعالى : وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ .
يجب أن يقام الحد علنا على مرأى من عامة الناس ومشهدهم ، قال تعالى : وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ . والطائفة اثنان فصاعدا ، وقيل : أربعة بعد شهود الزنا ، وقيل : عشرة ، وأولى الأقوال بالصواب أن المراد هنا : جماعة يحصل بهم التشهير والزجر ، وتختلف قلة وكثرة بحسب اختلاف الأماكن والأشخاص ونلحظ هنا أن أغراض الحدود في القانون الإسلامي ثلاثة :
1 – أن ينتقم من الجاني لاعتدائه .
2 - أن يردع عن إعادة الجريمة .
3 – أن تجعل من عقوبته عبرة ، حتى تجرى مجرى عملية الجراحة الذهنية ، على أناس في المجتمع ، قد تكون في قلوبهم غرائز سيئة ، فلا يجترئون على ارتكاب مثل هذه الجريمة في المستقبل ، ومن فوائد إقامة الحدود علنا ، أن الحكام قلما يجترئون على التخفيف من العقوبة ، أو الزيادة فيها على وجه غير مشروع .
الزنا بالمحارم كالأخت والبنت ، جناية مغلظة تؤاخذ عليها شرطة الدولة ، وقد جاءت عدة روايات في سنن أبي داود ، والنسائي ، ومسند أحمد ، تفيد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عاقب من ارتكب هذه الجناية بالقتل ومصادرة الأموال ، وأما الرواية التي نقلها ابن ماجة عن ابن عباس ، فقد بين فيها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم القاعدة الكلية الآتية : من وقع على ذات محرم فاقتلوه )34 .
والفقهاء بينهم خلاف حول هذه المسألة ، فالذي يراه الإمام أحمد أن يقتل الرجل وتصادر أمواله حسب ما جاء في روايته ، وروايات أبي داود والنسائي ، ويرى أبو حنيفة ومالك والشافعي – رحمهم الله – أنه إن زنى بذات محرم من محارمه أقيم عليه حد الزنا ، وإن نكحها ووطئها عوقب عقابا أليما يعتبر به غيره .
حرم الإسلام اللواط لأنه خروج على الفطرة ، فالله خلق الزوجين الذكر والأنثى ، وجعل الاستمتاع بينهما طبيعيا وفطريا ، وخلق الرجل والمرأة ليكمل كل منهما صاحبه بالزواج ، فاستغناء الرجال بالرجال ، يقابله استغناء النساء بالنساء ، وهو لون من الشذوذ والخروج على أوامر الله .
ومن المحرم شرعا أن يأتي الرجل عمل قوم لوط بامرأته ، ففي سنن أبي داود عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : ( ملعون من أتى المرأة في دبرها )35 . ونقل ابن ماجة ، وأحمد ، أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( لا ينظر الله إلى رجل جامع امرأته في دبرها ) ، وفي رواية للترمذي أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( من أتى حائضا ، أو امرأة في دبرها ، أو كاهنا فصدقه ؛ فقد كفر بما أنزل على محمد )36 .
أما إتيان البهيمة ، فيعده بعض الفقهاء من الزنا ويرون عليه حده ، إلا أن أبا حنيفة ، وأبا يوسف ، ومحمدا ، وزفرا ، ومالكا ، والشافعي – رحمهم الله – يقولون : إنه ليس بالزنا فلا يستحق مرتكبه الحد ، وإنما يستحق التعزير ، والتعزير موكول إلى القاضي ، أو لمجلس الشورى في الدولة أن يقرر له حدا إن رأى إليه حاجة . وينبغي للدولة أن تسهر على حماية أبنائها من الانحراف ومن شيوع الفاحشة ، وأن تعمل على تيسير الحلال ، وأن تغلق منافذ الشرور والآثام .
بينت أحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أضرار الزنا الصحية والنفسية والدينية ، فالزاني يتعرض لأمراض خطيرة مثل الزهري والسيلان وغير ذلك من الأمراض الفتاكة ، ويتعرض الزاني لأمراض نفسية لأنه عنصر فاسد ينتهك الأعراض ، ويرتكب الموبقات ، وعقوبة الزنا شديدة في الآخرة ، لمخالفة الزاني لأمر الله ، وتعديه على حدود الله .
1 . قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :
( يا معشر الناس ، اضمنوا لي ستا أضمن لكم الجنة : اصدقوا إذا حدثتم ، وأوفوا إذا عاهدتم ، وأدوا الأمانة إذا اؤتمنتم ، وغضوا أبصاركم ، واحفظوا فروجكم ، وكفوا أيديكم )37 .
2 . روى البخاري في صحيحه أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال :
( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ، بل ينزع إيمانه كالظلة فإذا نزع عاد إليه )38 .
3 . روى البخاري في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال :
( إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة ، فالعينان تزنيان وزناهما النظر ، والرجلان تزنيان وزناهما الخطا ، واليدان تزنيان و زناهما اللمس ، والقلب يهوى ويتمنى ، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه )39 .
( يا معشر الناس ، اتقوا الزنا ، فإن فيه ست خصال ، ثلاث في الدنيا ، وثلاث في الآخرة ، أما التي في الدنيا : فيورث الفقر ، ويذهب البهاء ، وينقص العمر ، وأما التي في الآخرة : فسخط الله ، وسوء الحساب ، وعذاب النار ) .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{الزانية والزاني} إذا لم يحصنا {فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} يجلد الرجل على بشرته وعليه إزار، وتجلد المرأة جالسة عليها درعها. {ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله} يعني: رقة في أمر الله، عز وجل، من تعطيل الحدود عليهما، {إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} الذي فيه جزاء الأعمال، فلا تعطلوا الحد، {وليشهد عذابهما} يعني: جلدهما. {طائفة من المؤمنين}، يعني: رجلين فصاعدا، يكون ذلك نكالا لهما وعظة للمؤمنين. قال الفراء: الطائفة الواحد فما فوقه.
ابن كثير: قال عبد الرزاق: حدثني ابن وهب عن الإمام مالك في قوله: {وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين} قال: الطائفة أربعة نفر فصاعدا.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: من زنى من الرجال أو زنت من النساء، وهو حُرّ بِكرٌ غير مُحْصَن بزوج، فاجلدوه ضربا مئة جلة عقوبة لِما صنع وأتى من معصية الله. "وَلا تَأْخُذُكُمْ بِهِما رأفَةٌ فِي دِينَ اللّهِ "يقول تعالى ذكره: لا تأخذكم بالزاني والزانية أيها المؤمنون رأفة، وهي رقة الرحمة في دين الله، يعني في طاعة الله فيما أمركم به من إقامة الحدّ عليهما على ما ألزمكم به.
واختلف أهل التأويل في المنهيّ عنه المؤمنون من أخذ الرأفة بهما؛ فقال بعضهم: هو ترك إقامة حدّ الله عليهما، فأما إذا أقيم عليهما الحدّ فلم تأخذهم بهما رأفة في دين الله... عن ابن جُرَيج، قال: سمعت عبد الله بن أبي مليكة يقول: ثني عبيد الله بن عبد الله بن عمر، أن عبد الله بن عمر حدّ جارية له، فقال للجالد، وأشار إلى رجلها وإلى أسفلها، قلت: فأين قول الله: وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رأفَةٌ فِي دِينِ اللّهِ، قال: أفأقتلها؟...
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وَلا تَأْخُذْكُمْ بهما رأفَةٌ فتُخَفّفوا الضرب عنهما، ولكن أوجعوهما ضربا...
وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: ولا تأخذكم بهما رأفة في إقامة حدّ الله عليهما الذي افترض عليكم إقامته عليهما.
وإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالصواب، لدلالة قول الله بعده: «في دين الله»، يعني في طاعة الله التي أمركم بها. ومعلوم أن دين الله الذي أمر به في الزانيين: إقامة الحدّ عليهما، على ما أمر من جلد كل واحد منهما مئة جلدة، مع أن الشدّة في الضرب لا حدّ لها يوقف عليه، وكلّ ضرب أوجع فهو شديد، وليس للذي يوجع في الشدّة حدّ لا زيادة فيه فيؤمر به وغير جائز وصفه جلّ ثناؤه بأنه أمر بما لا سبيل للمأمور به إلى معرفته، وإذا كان ذلك كذلك، فالذي للمأمورين إلى معرفته السبيل هو عدد الجَلد على ما أمر به، وذلك هو إقامة الحد على ما قلنا...
وقوله: "إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ باللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ" يقول: إن كنتم تصدّقون بالله ر بكم وباليوم الآخر، وأنكم فيه مبعوثون لحشر القيامة وللثواب والعقاب، فإن من كان بذلك مصدّقا فإنه لا يخالف الله في أمره ونهيه خوف عقابه على معاصيه. وقوله: "وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ" يقول تعالى ذكره: وليحضر جلد الزانيين البِكْرَين وحدّهما إذا أقيم عليهما طائفةٌ من المؤمنين. والعرب تسمي الواحد فما زاد طائفة، "مِنَ المُؤُمِنينَ" يقول: من أهل الإيمان بالله ورسوله.
وقد اختلف أهل التأويل في مبلغ عدد الطائفة الذي أمر الله بشهود عذاب الزانيين البِكْرين؛
وقال آخرون: أقله في هذا الموضع رجلان...
وقال آخرون: أقلّ ذلك ثلاثة فصاعدا...
وقال آخرون: بل أقلّ ذلك أربعة...
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: أقلّ ما ينبغي حضور ذلك من عدد المسلمين: الواحد فصاعدا وذلك أن الله عمّ بقوله: "وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُما طائِفَةٌ"، والطائفة: قد تقع عند العرب على الواحد فصاعدا. فإذا كان ذلك كذلك، ولم يكن الله تعالى ذكره وضع دلالة على أن مراده من ذلك خاصّ من العدد، كان معلوما أن حضور ما وقع عليه أدنى اسم الطائفة ذلك المحضر مخرج مقيم الحدّ مما أمره الله به بقوله: "وَلَيَشْهَدْ عَذَابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ". غير أني وإن كان الأمر على ما وصفت، أستحبّ أن لا يقصر بعدد من يحضر ذلك الموضع عن أربعة أنفس عدد من تقبل شهادته على الزنا لأن ذلك إذا كان كذلك فلا خلاف بين الجمع أنه قد أدّى المقيم الحدّ ما عليه في ذلك، وهم فيما دون ذلك مختلفون.
{الزَّانِيَةُ والزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ}. قال أبو بكر: لم يختلف السلف في أن حدَّ الزانيين في أول الإسلام ما قال الله تعالى: {واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم} [النساء: 15] إلى قوله: {واللذان يأتيانها منكم فآذوهما} [النساء: 16]، فكان حَدُّ المرأة الحَبْسَ والأَذَى بالتعيير، وكان حدُّ الرجل التعيير، ثم نُسخ ذلك عن غير المحصن بقوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائةَ جَلْدَةٍ}، ونسخ عن المحصن بالرجم؛ وذلك لأن في حديث عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم:"خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ الله لَهُنَّ سَبِيلاً البِكْرُ بالبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ الجَلْدُ والرَّجْمُ"، فكان ذلك عقيب الحبس والأذى المذكورين في قوله: {واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم} [النساء: 15] إلى قوله: {أو يجعل الله لهن سبيلاً} [النساء: 25]، وذلك لتنبيه النبي صلى الله عليه وسلم إيّانا على أن ما ذكره من ذلك هو السبيل المراد بالآية؛ ومعلوم أنه لم تكن بينهما واسطة حكم آخر، لأنه لو كان كذلك لكان السبيل المجعول لهن متقدماً لقوله صلى الله عليه وسلم بحديث عبادة أن المراد بالسبيل هو ما ذكره دون غيره، وإذا كان كذلك كان الأذَى والحبس منسوخَيْنِ عن غير المحصن بالآية وعن المحصن بالسنّة وهو الرجم.
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
والعقوبة على الزنا شديدة أكيدة، ولكن جعل إثباتَ أمره وتقرير حُكْمِه والقطع بكونه على أكثر الناس خصلة عسيرة بعيدة؛ إذ لا تُقْبَلُ الشهادةُ عليه حتى يقول: رأيتُ ذلك منه في ذلك منها! وذلك أمرٌ ليس بالهيِّن، فسبحان مَنْ أَعْظَمَ العقوبةَ على تلك الفَعْلَةِ الفحشاء، ثم جعل الأمر في إثباتها بغاية الكدِّ والعناء! وحين اعترف واحدٌ له بذلك قال له صلى الله عليه وسلم:"لعلَّك قَبَّلْتَ... لعلَّك لامَسْتَ" وقال لبعض أصحابه. "استنكهوه "وكلُّ ذلك رَوْماً لِدَرْءِ الحدِّ عنه، إلى أن ألحَّ وأصرَّ على الاعتراف.
{وَلاَ تَأْخُذُكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ في دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الأَخِرِ}. ما يأمر به الحقُّ فالواجب مقابلته بالسمع والطوع. والرحمة من موجب الشرع وهو المحمود، فأمّا ما يقتضيه الطَّبعُ والعادة والسوء فمذمومٌ غيرُ محمود. ونهى عن الرحمة على من خَرَقَ الشرعَ، وتَرَكَ الأمرَ، وأساءَ الأدبَ، وانتصبَ في مواطنِ المخالفة. ويقال نهانا عن الرحمة بهم، وهو يرحمهم بحيث لا يمحو عنهم -بتلك الفَعْلة الفحشاء- رقم الإيمان، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" ولولا رحمته لما استبقى عليه حُلّة إيمانه مع قبيح جُرْمِهِ وعصيانه.
{وَلْيَشْهَدْ عَذَابهُما طَآئِفَةٌ مِّنَ المُؤْمِنينَ}. أي ليَكُونَ عليهم أشَدَّ، وليكون تخويفاً لمتعاطي ذلك الفعل، ثم من حقِّ الذين يشهدون ذلك الموضعَ أن يتذكروا عظيمَ نعمةِ الله عليهم أنهم لم يفعلوا مِثْله، وكيف عَصَمَهم من ذلك. وإن جرى منهم شيءٌ من ذلك يذكروا عظيمَ نعَمةِ الله عليهم؛ كيف سَتَرَ عليهم ولم يفضحهم، ولم يُقِمْهم في الموضع الذي أقام فيه هذا المُبْتَلَى به وسبيلُ من يشهد ذلك الموضعَ ألا يُعَيِّرَ صاحبَه بذلك، وألا ينسى حُكْمَ الله تعالى في إقدامه على جُرْمِه.
تفسير القرآن للسمعاني 489 هـ :
..."فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة" الجلد: ضرب الجلد، يقال: جلدته إذا ضربت جلده، وبطنته إذا ضربت بطنه، وظهرته إذا ضربت ظهره، وفي الآية قولان: أحدهما: أن الآية عامة في الأبكار والثيب، فتجلد الثيب مع الرجم. روي عن علي -رضي الله عنه- «أنه جلد شراحة الهمدانية يوم الخميس مائة، ورجمها يوم الجمعة، وقال: جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم»... وقوله: "في دين الله" أي: في حكم الله.
اعلم أن الكلام في هذه الآية على نوعين:
والثاني: ما يتعلق بالعقليات. ونحن نأتي على البابين بقدر الطاقة إن شاء الله تعالى.
النوع الأول: الشرعيات، واعلم أن الزنا حرام وهو من الكبائر ويدل عليه أمور. أحدها: أن الله تعالى قرنه بالشرك وقتل النفس في قوله تعالى: {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق آثاما} وقال: {ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا}.
وثانيها: أنه تعالى أوجب المائة فيها بكمالها بخلاف حد القذف وشرب الخمر، وشرع فيه الرجم، ونهى المؤمنين عن الرأفة وأمر بشهود الطائفة للتشهير وأوجب كون تلك الطائفة من المؤمنين، لأن الفاسق من صلحاء قومه أخجل... لا شك أنه خطاب مع الأئمة دون عامة الناس، فالتقدير فاجلدوا أيها الأئمة والحكام كل واحد منهما مائة جلدة، ولم يفرق في هذه الآية بين المحدودين من الأحرار والعبيد، فوجب أن تكون الأئمة هم المخاطبون بإقامة الحدود على الأحرار والعبيد دون الموالي...
تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :
{وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ} أي: في حكم الله. لا ترجموهما وترأفوا بهما في شرع الله، وليس المنهي عنه الرأفة الطبيعية [ألا تكون حاصلة] على ترك الحد، [وإنما هي الرأفة التي تحمل الحاكم على ترك الحد] فلا يجوز ذلك...
{إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} أي: فافعلوا ذلك: أقيموا الحدود على من زنى، وشددوا عليه الضرب، ولكن ليس مبرِّحا؛ ليرتدع هو ومن يصنع مثله بذلك...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
وقال الإمام أبو جعفر ابن الزبير في برهانه: لما قال تعالى {والذين هم لفروجهم حافظون} [المؤمنون:5] ثم قال تعالى {فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون} [المؤمنون: 7] استدعى الكلام بيان حكم العادي في ذلك، ولم يبين فيها فأوضحه في سورة النور فقال تعالى {الزانية والزاني} -الآية، ثم أتبع ذلك بحكم اللعان والقذف وانجرّ مع ذلك الإخبار بقصة الإفك تحذيراً للمؤمنين من زلل الألسنة رجماً بالغيب {وتحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم}...
ولما كان مبنى هذه الدار على الأنساب في التوارث والإمامة والنكاح وغير ذلك، ومبنى تلك الدار على الأعمال لقوله تعالى {فلا أنساب بينهم يومئذ} [المؤمنون: 101] وكان قد حث في آخر تلك على الستر والرحمة، حذر سبحانه رحمة منه في أول هذه من لبس الأنساب، وكسب الأعراض وقطع الأسباب، معلماً أن الستر والرقة ليسا على عمومهما، بل على ما يحده سبحانه، فقال مخاطباً للأئمة ومن يقيمونه: {الزانية} وهي من فعلت الزنا، وهو إيلاج فرج في فرج مشتهى طبعاً محرم شرعاً، وقدمها لأن أثر الزنا يبدو عليها من الحبل وزوال البكارة، ولأنها أصل الفتنة بهتك ما أمرت به من حجاب التستر والتصون والتحذر...
{ولا تأخذكم} أي على حال من الأحوال {بهما رأفة} أي لين، ولعله عبر بها إعلاماً بأنه لم ينه عن مطلق الرحمة، لأن الرأفة أشد الرحمة أو أرقها وتكون عن أسباب من المرؤوف به، وكذا قوله: {في دين الله} أي الذي شرعه لكم الملك المحيط بصفات الكمال- إشارة إلى أن الممنوع منه رحمة تؤدي إلى ترك الحد أو شيء منه أو التهاون به أو الرضى عن منتهكه لا رقة القلب المطبوع عليها البشر... ولما علم سبحانه ما طبع عليه عباده من رحمة بعضهم لبعض فحث على هذا الحكم بالأمر والنهي، زاد في التهييج إليه والحض عليه بقوله: {إن كنتم} أي بما هو كالجبلة التي لا تنفك {تؤمنون بالله} أي الملك الأعظم الذي هو أرحم الراحمين، فما شرع ذلك إلا رحمة للناس عموماً وللزانيين خصوصاً، فمن نقص سوطاً فقد ادعى أنه أرحم منه، ومن زاد سوطاً فقد ظن أنه أحكم وأعظم منه. ولما ذكر بالإيمان الذي من شرطه التزام الأحكام، وكان الرجاء غالباً على الإنسان، أتبعه ما يرهبه فقال: {واليوم الآخر} الذي يحاسب فيه على النقير والقطمير والخفي والجلي. ولما كان الخزي والفضيحة أعظم عند بعض الناس من ضرب السيف فضلاً عن ضرب السوط قال: {وليشهد} أي يحضر حضوراً تاماً {عذابهما طائفة} أي جماعة يمكن إطافتها أي تحلقها وحفوفها بكل منهما {من المؤمنين} العريقين إشهاراً لأمرهما نكالاً لهما، وعن نصر بن علقمة أن ذلك ليدعى لهما بالتوبة والرحمة. وفي كل هذا إشارة ظاهرة إلى أن إقامة الحدود والغلظة فيها من رحمته سبحانه المشار إليها بقوله {وأنت خير الراحمين} [المؤمنون: 118].
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير للشوكاني 1250 هـ :
والزانية هي: المرأة المطاوعة للزنا الممكنة منه كما تنبئ عنه الصيغة لا المكرهة، وكذلك الزاني.
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :
ونهانا تعالى أن تأخذنا رأفة [بهما] في دين الله، تمنعنا من إقامة الحد عليهم، سواء رأفة طبيعية، أو لأجل قرابة أو صداقة أو غير ذلك، وأن الإيمان موجب لانتفاء هذه الرأفة المانعة من إقامة أمر الله، فرحمته حقيقة، بإقامة حد الله عليه، فنحن وإن رحمناه لجريان القدر عليه، فلا نرحمه من هذا الجانب... وليشاهدوا الحد فعلا، فإن مشاهدة أحكام الشرع بالفعل، مما يقوى بها العلم، ويستقر به الفهم، ويكون أقرب لإصابة الصواب، فلا يزاد فيه ولا ينقص، والله أعلم.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
ويتبع هذا المطلع القوي الصريح الجازم ببيان حد الزنا؛ وتفظيع هذه الفعلة، التي تقطع ما بين فاعليها وبين الأمة المسلمة من وشائج وارتباطات:
"الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة؛ ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله -إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر- وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين. الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة، والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك؛ وحرم ذلك على المؤمنين"..
كان حد الزانيين في أول الإسلام ما جاء في سورة النساء: "واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم. فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا".. فكان حد المرأة الحبس في البيت والأذى بالتعبير. وكان حد الرجل الأذى بالتعبير.
ثم أنزل الله حد الزنا في سورة النور. فكان هذا هو (السبيل) الذي أشارت إليه من قبل آية النساء.
والجلد هو حد البكر من الرجال والنساء، وهو الذي لم يحصن بالزواج. ويوقع عليه متى كان مسلما بالغا عاقلا حرا. فأما المحصن وهو من سبق له الوطء في نكاح صحيح وهو مسلم حر بالغ فحده الرجم.
وقد ثبت الرجم بالسنة، وثبت الجلد بالقرآن. ولما كان النص القرآني مجملا وعاما. وكان رسول الله [صلى الله عليه وسلم] قد رجم الزانيين المحصنين، فقد تبين من هذا أن الجلد خاص بغير المحصن.
وهناك خلاف فقهي حول الجمع بين الجلد والرجم للمحصن، والجمهور على أنه لا يجمع بين الجلد والرجم، كما أن هناك خلافا فقهيا حول تغريب الزاني غير المحصن مع جلده، وحول حد الزاني غير الحر.. وهو خلاف طويل لا ندخل في تفصيله هنا، يطلب في موضعه من كتب الفقه.. إنما نمضي نحن مع حكمة هذا التشريع، فنرى أن عقوبة البكر هي الجلد، وعقوبة المحصن هي الرجم. ذلك أن الذي سبق له الوطء في نكاح صحيح -وهو مسلم حر بالغ- قد عرف الطريق الصحيح النظيف وجربه، فعدوله عنه إلى الزنا يشي بفساد فطرته وانحرافها، فهو جدير بتشديد العقوبة، بخلاف البكر الغفل الغر، الذي قد يندفع تحت ضغط الميل وهو غرير.. وهناك فارق آخر في طبيعة الفعل. فالمحصن ذو تجربة فيه تجعله يتذوقه ويستجيب له بدرجة أعمق مما يتذوقه البكر. فهو حري بعقوبة كذلك أشد.
والقرآن يذكر هنا حد البكر وحده -كما سلف- فيشدد في الأخذ به، دون تسامح ولا هوادة:
"الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة، ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله. إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر. وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين".
فهي الصرامة في إقامة الحد؛ وعدم الرأفة في أخذ الفاعلين بجرمهما، وعدم تعطيل الحد أو الترفق في إقامته، تراخيا في دين الله وحقه. وإقامته في مشهد عام تحضره طائفة من المؤمنين، فيكون أوجع وأوقع في نفوس الفاعلين ونفوس المشاهدين.
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
والزنى أقبح الجرائم التي تفتك بالجماعات الإنسانية، ولذا قرن النهي عنه بالقتل إذ يقول سبحانه: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْءًا كَبِيرًا (31) وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى.." وترى النهي عن الزنى جاء بعد النهي عن الوأد؛ لأنه من بابه، وإذا كان الوأد قتلا للولد، فالزاني كذلك؛ لأنه يرمي النطفة، ولذا لوحظ في الأمم التي تكثر فيها الفاحشة، أنها تفني شيئا فشيئا، وأن شيوع الزنى في أمة يضعف قوتها ونخوتها ويجعلها جماعة لاهية لاعبة. وهذه الجريمة لما فيها من فحش، وإضعاف لقوة الأمة، وإردائها في مهاوي الهلكة شدد الله تعالى عقوبتها.
التفسير الحديث لدروزة 1404 هـ :
مطلع السورة فريد، وقد احتوت الآية الأولى تنويها بالسورة وما فيها من أحكام فرضها الله استهدافا لتذكير المخاطبين الذين هم المسلمون على ما هو المتبادر وتبصيرهم أما الآية الثانية فقد احتوت تشريعا في حد الزنا فأوجبت جلد الزانية والزاني مائة جلدة، في مشهد علني يشهده فريق من المؤمنين وشددت في عدم التهاون في إقامة هذا الحد وفي طريقة تنفيذه وعدم الرأفة بالمجرمين وجعلت ذلك دليلا على إيمان المؤمنين بالله واليوم الآخر بسبيل توكيده...
ومن الجدير بالتنويه أن التشريع القرآني والنبوي معا قد سوى بين الرجل والمرأة. وفي هذا ما فيه من عدل وحق من جهة ومن تقرير مساواة الرجل والمرأة في تبعة العمل الواحد والتكاليف المتشابهة من جهة ثانية.
التيسير في أحاديث التفسير للمكي الناصري 1415 هـ :
ثم شرع كتاب الله فورا في بيان الحكم الصارم الذي شرعه لمقاومة الزنى والقضاء عليه، فقال تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة}، و "الجلد "معناه إصابة الجلد بالضرب، ولم تتعرض الآية لهيئة الجالد ولا لهيئة المجلود، ولا لمحل الجلد، ولا لصفة الآلة المجلود بها، وتركت ذلك للسنة والاجتهاد، واتفق العلماء على أن الجلد يكون بالسوط، بشرط أن لا يكون السوط شديدا ولا لينا، وإنما بين بين،...
{ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله}، إشارة إلى وجوب تنفيذ هذه العقوبة كاملة، متى كانت شروطها متوافرة، وحضا على عدم النقص من قدرها فضلا عن تعطيلها بالمرة، لأن الإخلال بها إخلال بدين الله وشرعه النافذ، والمطالب بتنفيذ عقوبة الجلد هو إمام المسلمين ومن ينوب عنه، لا عامة الناس، وسعيا في التأثير على غير الزاني والزانية، حتى لا يقع فيما وقعا فيه، وتشهيرا بهذه الجريمة النكراء، وتنفيرا منها، قال تعالى: {وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين}.
...والمتأمل في آيات الحدود يجد مثلا في حد السرقة قوله تعالى {والسارق والسارقة.. (38)} [المائدة]: فبدأ بالمذكر، أما في حد الزنا فقال: {الزانية والزاني} فبدأ بالمؤنث، لماذا الاختلاف في التعبير القرآني؟. قالوا: لأن دور المرأة في مسألة الزنا أعظم ومدخلها أوسع، فهي التي تغري الرجل وتثيره وتهيج عواطفه، لذلك أمر الحق- تبارك وتعالى- الرجال بغض البصر وأمر النساء بعدم إبداء الزينة، ذلك ليسد نوافذ هذه الجريمة ويمنع أسبابها. أما في حالة السرقة فعادة يكون عبء النفقة ومؤنة الحياة على كاهل الرجل، فهو المكلف بها، لذلك يسرق الرجل، أما المرأة فالعادة أنها في البيت تستقبل، وليس من مهمتها توفير تكاليف الحياة، لكن لا مانع مع ذلك أن تسرق المرأة أيضا، لذلك بدأ في السرقة بالرجل. إذن: بمقارنة آيات القرآن تجد الكلام موزونا دقيقا غاية الدقة، لكل كلمة ولكل حرف عطاؤه، فهو كلام رب حكيم، ولو كانت المسألة مجرد تقنين عادي ما التفت إلى مثل هذه المسائل. ثم يأتي الحد الرادع لهذه الجريمة {فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} اجلدوا: أمر، لكن لمن؟ لم يقل أيها الحاكم أو القاضي، لأن الأمر هنا للأمة كلها، فأمر إقامة الحدود منوط بالأمة كلها، لكن أتنهض الأمة بأسرها وتعددها بفعل واحد في كل مكان؟. قالوا: الأمة مثل النائب العام للوالي، عليه أن يختار من يراه أهلا للولاية لينفذ له ما يريد، ومن ولى قاضيا فقد قضى، وما دام الأمر كذلك فإياك أن تولي القضاء من لا يصلح للقضاء، لأن التبعة- إذن- ستكون عليك إن ظلم أو جار، فالواو والألف في {فاجلدوا} تدل على معان كبيرة، فالأمة في مجموعها لا تستطيع أن تجلد كل زان أو زانية، لكن حين تولي إمامها بالبيعة، وحين تختاره ليقيم حدود الله، فكأنها هي التي أقامت الحدود وهي التي نفذت...
{ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله} تحذير من الرحمة الحمقاء، الرحمة في غير محلها... فالرأفة لا تكون في حدود الله، ارأفوا بهم في مسائلكم الخاصة فيما بينكم، وعجيب أن تدعوا الرأفة في مسائل الحدود وأنتم من ناحية أخرى تضربون وتسرقون أموال الناس، وتنتهكون حرماتهم، وتثيرون بينهم الفتنة والحروب، فأين الرأفة إذن. إذن: لا مجال للرحمة وللرأفة في حدود الله، فلسنا أرحم بالخلق من الخالق، وما وضعت الحدود حبا في تعذيب الناس، إنما وضعت وشدد عليها لتمنع الوقوع في الجريمة التي تستوجب الحد، فقطع يد واحدة تمنع قطع آلاف الأيدي... وقوله تعالى: {إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} هذا كلام موجع، وإهاجة لجماعة المؤمنين، فهذا هو الحكم، وهذا هو الحد قد شرعه الله، فإن كنتم مؤمنين بالله وبالحساب والعقاب فطبقوا شرع الله، وإلا فراجعوا إيمانكم بالله وباليوم الآخر لأننا نشك في صدق هذا الإيمان. وكأن الحق- تبارك وتعالى- يهيجنا ويثيرنا على أهل هذه الجريمة، لنأخذ على أيديهم ونخوفهم بما شرع الله من الحدود. فالمعنى: إن كنتم تؤمنون بالله إلها حكيما مشرعا، خلق خلقا، ويريد أن يحمي خلقه ويطهره ليكون أهلا لخلافته في الأرض الخلافة الحقة، فاتركوا الخالق يتصرف في كونه وفي خلقه على مراده عز وجل، فالخلق ليس خلقكم لتتدخلوا فيه. ثم يقول تعالى: {وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين} فالأمر لا يقف عند حد التعذيب والجلد، إنما لا بد أن يشهد هذا العذاب جماعة من المؤمنين، والطائفة هم الجماعة وأقلها أربعة لماذا؟ قالوا: لأن النفس قد تتحمل الإهانة إن كانت سرا لا يطلع عليها أحد، فلا يؤلمه أن تعذبه أشد العذاب بينك وبينه، إنما لا يتحمل أن تشتمه أمام الناس. إذن: فمشاهدة الحد إهانة لصاحبه، وهي أيضا زجر للمشاهد، ونموذج عملي رادع. لذلك يقولون: الحدود زواجر وجوابر، زواجر لمن شاهدها أي: تزجره عن ارتكاب ما يستوجب هذا الحد، وجوابر لصاحب الحد تجبر ذنبه وتسقط عنه عقوبة الآخرة، فلا يمكن أن يستوي من أقر وأقيم عليه الحد بمن لم يقر، ولأن الزنا لم يثبت بشهود أبدا، وإنما بإقرار، وهذا دليل على أن الحكم صحيح في ذهنه، ويرى أن فضوح الدنيا وعذابها أهون من فضوح الآخرة وعذابها، إلا لما أقر على نفسه. فالمسألة يقين وإيمان ثابت بالقيامة وبالبعث والحساب، والعقوبة اليوم أهون، وإن كان الزنا يثبت بالشهود فلربما دلسوا، لذلك النبي (ص) كان يأتيه الرجل مقرا بالزنا فيقول له:"لعلك قبلت، لعلك غمزت، لعلك لمست"، يعني: لم تصل إلى الحد الذي يسمى زنا، يريد رسول الله (ص) أن يدرأ الحد بالشبهة. ولهذا المبدأ الإسلامي السمح إن أخذت الزاني وذهبت ترجمه فآلمه الحجر فحاول الفرار يأمرنا الشرع ألا نتبعه وألا نلاحقه، لماذا؟ لأنه اعتبر أن فراره من الحد كأنه رجوع عن الإقرار.
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
ومن الطبيعي أن يولي المجتمع السليم الأحكامَ اهتماماً كبيراً، فتكرار التحدِّي للحدود الشرعيَّة يُفْقِدُها فاعليتها في صيانَةَ الطمأنينة والاستقرار في النفوس، ومِنْ هنا وجبت إقامة هذا الحَدِّ عَلَناً ليمتنع الناسُ مِن تكرار فاحِشَة ساءَتْ سبيلا.
قوله : ( الزانية والزاني فاجدلوا كل واحد منهما مائة جلدة ) بدأ بذكر الزانية قبل الزاني لإيجاب الحد إذا تحققت شروطه . أما البداية بذكر الزانية قبل الزاني ؛ فإنها تزجي بالسؤال عن سبب ذلك . ولعل الجواب عن ذلك أن فاحشة الزنا إنما تؤتى في الغالب من قبل المرأة . وذلك يعني أن المرأة أقدر من الرجل على صون نفسها بالاصطبار والاستعصام وطول الاحتمال دون السقوط في الزنا ، فضلا عن خصلة الاحتجاز والأنفة اللذين فطرت عليهما المرأة ، فإنها بطبعها تجنح للتماسك والاحتجاز والأنفة عن المراودة أو التحرش من قبل الرجال الذين يندفعون في الغالب صوب النساء لقضاء أوطارهم منهن . وليس أدل على هذه الحقيقة من أن المرأة في الغالب لا تأتي بل إنها تؤتى . فالرجل يتقدم نحوها مبتغيا راغبا . والمرأة من جهتها تستقبل دون أن تبرح مكانها ولا تريم .
ولئن كانت المرأة قد فطرت على الاحتجاز والانثناء والأنفة ؛ فإن الرجل أضعف في احتباس نفسه دون التقدم والاندفاع جهة الجنس الآخر . لا جرم أن هذه خصلة من خصال الضعف المحسوبة على الرجال في مقابلة النساء .
وعلى هذا فإن المرأة من جهتها تمسك بصمام الأمان للحيلولة دون وقع الفاحشة . فإن هي استرخت أو أذنت للرجل الدنو منها أو مسها كان الرجل شديد الاندفاع في عجل لقضاء الشهوة المشبوبة . وحينئذ تقع الفاحشة ويتوجب العقاب الصارم . وهذه حقيقة مستفادة من قوله في تحذير النساء من اللين ورقة الخطاب أمام الرجال : ( فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض ) أي لا تخاطبن الرجال إلا في جد واستقامة بعيدا عن بواعث الريبة والفتنة والإغراء الذي يثيره لين القول ورقة الخطاب المتكلف .
وبذلك لا يُتصور وقوع الزنا بغير إذن من المرأة وقبولها . فإن هي استعصمت مجتنبة ظواهر الإغراء وتكلف الخطاب ، فما يستطيع الرجل بعد ذلك أن يفعل شيئا إلا أن يجترئ في وقاحة شرسة فينقض انقضاض الكاسر المجنون .
الزنا خسيسة من خسائس المجتمعات البشرية . وهو رذيلة من الرذائل التي تدنّس الفرد والجماعة بما تفضي إليه هذه الفاحشة المستقذرة النكراء من خلط المياه وتزييف النسل والأنساب وإشاعة الفوضى والظنون في المجتمع ، وتبديد الثقة بين الأزواج والزوجات ، وإضعاف التلاحم وعرى المودة بين الناس . والإكثار من نسبة الطلاق والأولاد غير الشرعيين ؛ من أجل ذلك ندد الإسلام تنديدا بهذه الفاحشة المستقبحة وأعدّ من أجلها العقاب الرادع سواء في ذلك الزاني المحصن أو غير المحصن .
على أن الزنا الموجب للحد يعني الوطء من البالغ العاقل في قُبُل أو دُبر ممن لا عصمة بينهما ولا شبهة وهو قول الجمهور . بخلاف الحنفية ؛ فإن الزنا الموجب للحد عندهم ما كان في القبل دون الدبر .
وثمة شروط لوجوب حد الزنا وهي :
الشرط الأول : التكليف ؛ فإنه لا يقام الحد على الصغير والمجنون والمعتوه ، ولا على النائم أو المكره ؛ وذلك لما أخرجه أبو داود بسنده عن عائشة ( رضي الله عنها ) أن رسول الله ( ص ) قال : " رفع القلم عن ثلاث : عن النائم حتى يستيقظ ، وعن الصبي حتى يحتلم ، وعن المجنون حتى يعقل " .
الشرط الثاني : الاختيار . وذلك أن يكون كل من الزناة أو الزواني مختارا غير مكره . فأيما إكراه في وقوع الزنا يندرئ به الحد . وذلك في حق المرأة معلوم لا خلاف فيه . أما الرجل المكره على الزنا ففي حده خلاف ؛ فقد ذهبت الحنبلية والمالكية في الراجح من مذهبهم إلى حده . خلافا للشافعي وآخرين ؛ إذ قالوا بعدم وجوب الحد على الزاني المكره استنادا إلى عموم الخبر : " رفع عن أمتي الخطأ ، والنسيان ، وما استكرهوا عليه " .
أما الحنفية : فإن الإكراه الذي يندرئ به الحد عندهم ما كان بفعل السلطان . أما الإكراه من غير السلطان فلا يمنع من وقوع الحد على الزاني المكره{[3212]} .
الشرط الثالث : العلم بالتحريم ؛ فإنه يُعذر من جهل التحريم . كما لو كان الزاني حديث عهد بالإسلام ، أو ناشئا ببادية بعيدة عن المسلمين . وتفصيل ذلك في مواضعه من كتب الفقه .
الشرط الرابع : انتفاء الشبهة ؛ فإن الشبهة في الزنا تدرأ منه الحد ؛ لأن الحدود مبنية على الدرء والإسقاط بالشبهات . وفي ذلك أخرج أبو داود عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ( ص ) : " ادفعوا الحدود ما وجدتم لها مدفعا " .
وروى الترمذي أيضا عن عائشة قالت : قال رسول الله ( ص ) : " ادرؤا الحدود عن المسلمين ما استطعتم . فإن كان له مخرج فخلوا سبيله ؛ فإن الإمام إن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة " .
وضروب الشبهات في هذا الصدد كثيرة . كالوطء في نكاح مختلف في صحته . مثل النكاح بغير ولي ، أو بغير شهود ، أو في نكاح المتعة ، أو نكاح الشغار . وكذلك نكاح الأخت في عدة أختها . ونكاح الخامسة في عدة الزوجة الرابعة المطلقة طلاقا بائنا . وتفصيل ذلك في مظانه .
الشرط الخامس : ثبوت الزنا في حضرة الحاكم ؛ لأن الحاكم منوط به وحده إيقاع الحد على الزاني . فإن ثبت الزنا أمام غير الحاكم ؛ لم يجب الحد ، وينسحب ذلك على سائر الحدود والقصاص والتعزير .
أحدهما : الإقرار . وهو اعتراف الزاني أو الزانية بوقوع الزنا صراحة وفي وضوح لا لبس فيه ولا تردد . وصورة ذلك : أن يقر الزاني أو الزانية بوقوع الزنا أربعة أقارير ، على أن يكون الإقرار طوعا من غيره إكراه . فأيما إكراه على الإقرار ينخرم معه الشرط فلا يجب الحد .
ثانيهما : البينة . وهي الشهادة من أربعة شهود عدول على حصول الزنا ، على أن تتفق شهادات الشهود جميعا فيصفوا الزنا وصفا حقيقيا متطابقا . وأيما اختلاف بين شهادات الشهود ؛ فإنه يندرئ به الحد . وتفصيل ذلك في مظانه من كتب الفقه{[3213]} .
لا يثبت حد الزنا بالحمل ، فلو أن امرأة غير مزوجة حملت لا يقام عليها حد ما لم تعترف بالزنا أو يثبت ذلك بالشهادة كما بيناه سابقا . وهو قول الجمهور من الفقهاء . ووجه ذلك : أن الحمل لا يتجاوز في الإثبات مستوى القرينة من القرائن . أو هو ليس غير احتمال من الاحتمالات التي لا تثبت بها الفاحشة . وذلك في ذاته شبهة يندرئ بها الحد .
المحصن من الحصن وهو الموضع المنيع المصون . ومنه الإحصان بمعنى الصون والحماية{[3214]} والمحصن في الشرع معناه المتزوج . سمي بذلك لتحصنه بالزواج من الفتنة والوقوع في الفاحشة .
أما المحصن إذا زنا ، سواء كان ذكرا أو أنثى ، فقد وجب في حقه حد الرجم بالحجارة حتى الموت . وقد ثبت حد الرجم عن طريق السنة . بما لا يحتمل الشك .
ومن جملة ذلك ما أخرجه أبو داود وآخرون من أصحاب السنن عن عبادة بن الصامت قال : قال رسول الله ( ص ) : " خذوا عني ، خذوا عني ، قد جعل الله لهن سبيلا : الثيب بالثيب ؛ جلد مئة ورمي بالحجارة . والبكر بالبكر ؛ جلد مائة ونفي سنة " . وكذلك أخرج أبو داود عن ابن عباس أن النبي ( ص ) قال لماعز بن مالك : " لعلك قبّلت أو غمزت أو نظرت " قال : لا . قال " أفنكتها ؟ " قال : نعم . قال : عند ذلك أمر برجمه ، وكذلك أخرج أبو داود عن جابر بن عبد الله قال : " رجم نبي الله ( ص ) رجلا من اليهود وامرأة زنيا " وغير ذلك من الأخبار في رجم المحصن كثير . وقال ابن المنذر في هذا الصدد : أجمع أهل العلم على أن المرجوم يدام عليه الرجم حتى يموت . وبذلك يثبت وجوب الرجم على الزاني المحصن .
على أن الرجم لا يجتمع مع الجلد . فإذا ثبت الزنا من المحصن وجب في حقه الرجم فقط . وهو قول أكثر أهل العلم وفيهم الحنفية والشافعية والمالكية ، وكذا الحنبلية في إحدى الروايتين لهم . وقد روي ذلك عن عبد الله بن مسعود . وقال به النخعي والزهري والأوزاعي وأبو ثور . واحتجوا لذلك بأن النبي ( ص ) رجم كلا من ماعز والغامدية ولم يجلدهما .
وقيل : يجتمع الجلد والرجم . فإذا زنا المحصن وجب جلده ثم رجمه . وهو قول الحسن البصري وإسحاق وداود بن علي الظاهري . وهي الرواية الثانية للحنبلية .
واستدلوا لذلك بقوله تعالى : ( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ) فقالوا : هذا النص يفيد العموم لكن السنة جاءت بالرجم في حق الثيب ، والجلد في حق البكر . {[3215]}
غير المحصن : وهو البكر إذا زنا ؛ فإنه يحد مائة جلدة ثم يغرب سنة خارج بلده . وسنعرض لمسألة التغريب إن شاء الله .
وقد ثبت حد الزنى للبكر بالكتاب الحكيم أي في هذه الآية ( الزانية والزاني فاجدلوا كل واحد منهما مائة جلدة ) وكذلك في السنة مما أخرجه أئمة الحديث عن عبادة بن الصامت قال : قال رسول الله ( ص ) : " خذوا عني ، خذوا عني ، قد جعل الله لهن سبيلا ، البكر بالبكر ، جلد مائة ونفي سنة . والثيب بالثيب ؛ جلدة مائة والرجم " .
وروى البخاري وأحمد عن أبي هريرة أن النبي ( ص ) " قضى فيمن زنا ولم يحصن بنفي عام ، وإقامة الحد عليه " .
وهل يجب التغريب ، وهو النفي ، مع الجلد في حق البكر إذ زنا ؟ ثمة قولان في ذلك : القول الأول : وجوب التغريب مدة سنة سواء كان ذلك قبل الجلد أو عقبه . وهو قول الجمهور من الشافعية والمالكية والحنبلية وأهل الظاهر . وقد روي ذلك عن الخلفاء الراشدين . وبه قال ابن مسعود وابن عمر . وهو مذهب عطاء وطاووس والثوري وابن أبي ليلى وإسحاق وأبي ثور . ودليل ذلك ما رواه أبو داود عن عبادة بن الصامت أن النبي ( ص ) قال : " خذوا عني ، خذوا عني ، قد جعل الله لهن سبيلا ، الثيب بالثيب ؛ جلدة مائة ورمي بالحجارة ، و البكر بالبكر ، جلد مائة ونفي سنة " .
القول الثاني : عدم وجوب التغريب في حد البكر . وإنما حده الجلد فقط . وهو قول الحنفية . واستدلوا بقوله تعالى : ( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ) فقد أمر بالجلد ولم يذكر التغريب ، فمن أوجبه فقد زاد على كتاب الله عز وجل والزيادة عليه نسخ ، ولا ينسخ نص الكتاب بخبر الواحد{[3216]} .
إلى غير ذلك من الأحكام المتعلقة بالزنا وحده مما لا يتسع لذكره المجال أكثر مما ذكرنا . وتفصيل ذلك في مظانه من كتب الفقه .
قوله : ( ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ) أي لا يمنعكم عن طاعة الله فيما أمركم به من إقامة الحد على الزناة والزواني ، رحمة بهم أو شفقة عليهم . وذلك بترك الحد أو تخفيف الضرب كيلا يوجع ؛ بل تجب إقامة الحد بالضرب الوجيع في غير تبريح ولا مبالغة جزاء للزاني على ما اقترف ، وردعا لغيره من الناس ممن تسوّل له نفسه الوقوع في الفحش .
قوله : ( إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ) يعني أقيموا حدود الله كجلد الزاني والزانية إن كنتم مصدقين بالله واليوم الآخر . والمراد التحريض على إقامة الحد من غير تردد أو إبطاء .
قوله : ( وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ) أي ليحضر حد الزانيين طائفة من المؤمنين . واختلفوا في المراد بالطائفة . فقد قيل : الواحد فما زاد طائفة . وقيل : الطائفة ثلاثة نفر فصاعدا . وقيل : أربعة نفر فصاعدا طائفة .
والمراد من حضور الطائفة : توبيخهما وتعنيفهما وزيادة التنكيل بهما ، وافتضاح أمرهما ؛ فيكون ذلك أبلغ في زجرهما ، وأنجع في ردعهما فضلا عما في ذلك من ازدجار للناس . فإن من شهد الحد يتعظ به ويشيع حديثه فيعتبر به غيره{[3217]} .