سورة الأنبياء{[1]}
مقصودها الاستدلال على تحقيق الساعة وقربها ولو بالموت ، ووقوع الحساب فيها على الجليل والحقير ، لأن موجدها لا شريك له يعوقه عنها ، وهو من لا يبدل القول لديه ، والدال على ذلك أوضح دلالة مجموع قصص جماعة ممن ذكر فيها من الأنبياء عليهم السلام ، ولا يستقل قصة منها استقلالا ظاهرا بجميع ذلك كما سنبين ، ولا يخلو قصة من قصصهم عن دلالة على شيء من ذلك فنسبت{[2]} إلى الكل – والله الموفق .
{ بسم } الحكيم العدل الذي تمت قدرته وعم{[3]} أمره { الله{[4]} } {[5]}الملك الذي لا كفوء له{[6]} { الرحمن } الذي ساوى بين خلقه في رحمة إيجاده{[7]} { الرحيم* } الذي ينجي من شاء من عباده في معاده .
لما ختمت طه بإنذارهم بأنهم سيعلمون الشقي والسعيد ، وكان هذا العلم تارة يكون في الدنيا بكشف الحجاب بالإيمان ، وتارة بمعاينة ظهور الدين وتارة بإحلال العذاب بإزهاق الروح بقتل أو غيره ، وتارة ببعثها يوم الدين ، افتتحت هذه بأجلى ذلك وهو{[50356]} اليوم الذي يتم فيه كشف الغطاء فينتقل فيه الخبر من علم اليقين إلى عين اليقين وحق اليقين وهو يوم الحساب ، فقال تعالى : { اقترب للناس } أي عامة أنتم وغيركم { حسابهم } أي في يوم القيامة ؛ وأشار بصيغة الافتعال إلى مزيد القرب لأنه لا أمة بعد هذه ينتظر أمرها ، {[50357]}وأخر الفاعل تهويلاً لتذهب النفس في تعيينه{[50358]} كل مذهب ، ويصح أن يراد بالحساب الجزاء ، فيكون ذلك تهديداً بيوم بدر والفتح ونحوهما ، ويكون المراد بالناس حينئذ قريشاً أو جميع العرب ، والحساب : إحصاء الشيء والمجازاة عليه بخير أو شر { وهم } أي الحال أنهم {[50359]}من أجل ما في جبلاتهم من النوس ، وهو الاضطراب الموجب لعدم الثبات على حالة الأمن ، أنقذه الله منهم من هذا النقص وهم قليل جداً{[50360]} { في غفلة } فهي{[50361]} تعليل لآخر تلك على ما تراه ، لأنهم إذا نشروا علموا ، وإذا أبادتهم الوقائع علموا هم بالموت ، ومن بقي منهم بالذل المزيل لشماخة{[50362]} الكبر ، أهل الحق من أهل{[50363]} الباطل ، وقوله{[50364]} : { معرضون* } كالتعليل للغفلة ، أي أحاطت بهم الغفلة بسبب إعراضهم عما يأتيهم منا ، وسيأتي ما يؤيد{[50365]} هذا في قوله آخرها { بل كنا ظالمين } {[50366]}وإلا فالعقول قاضية بأنه لا بد من جزاء المحسن والمسيء{[50367]} .
وقال الإمام أبو جعفر بن{[50368]} الزبير في برهانه : لما تقدم قوله سبحانه{ لا تمدن عينيك }[ طه : 131 ] - إلى قوله -{ فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى }[ طه : 131 ] قال تعالى { اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون } أي لا تمدن عينيك إلى ذلك فإني جعلته فتنة لمن ناله بغير حق ، ونسأل عن قليل ذلك وكثيره{ و{[50369]}لتسألن يومئذ عن النعيم }[ التكاثر : 8 ] والأمر قريب { اقترب للناس حسابهم } وأيضاً فإنه تعالى لما قال{ وتنذر به قوماً لداً }[ مريم : 97 ] وهم الشديدو الخصومة في الباطل ، ثم{[50370]} قال{ وكم أهلكنا قبلهم من قرن }[ مريم : 74 ] إلى آخرها{[50371]} ، استدعت{[50372]} هذه الجملة بسط حال ، فابتدئت بتأنيسه عليه الصلاة السلام وتسليتة ، حتى لا يشق عليه لددهم ، فتضمنت سورة طه من هذا الغرض بشارته بقوله{ ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى }[ طه : 2 ] وتأنيسه بقصة موسى عليه السلام وما كان من حال بني إسرائيل وانتهاء أمر فرعون ومكابدة موسى عليه السلام لرد فرعون ومرتكبه إلى أن وقصه الله ، وأهلكه ، وأورث عباده أرضهم وديارهم ، ثم اتبعت بقصة آدم عليه السلام ليرى نبيه صلى الله عليه وسلم سنته في عباده حتى أن آدم عليه السلام{[50373]} وإن لم يكن امتحانه بذريته ولا مكابدته من{[50374]} أبناء جنسه - فقد كابد من إبليس ما قصه الله في كتابه ، وكل هذا تأنيس للنبي صلى الله عليه وسلم ، فإنه إذا تقرر لديه أنها سنة الله تعالى في عباده هان عليه لدد قريش ومكابدتهم ، ثم ابتدئت سورة الأنبياء ببقية هذا التأنيس ، فبين اقتراب الحساب ووقوع يوم الفصل المحمود فيه ثمرة ما كوبد في ذات الله والمتمنى فيه أن لو كان ذلك أكثر والمشقة أصعب لجليل الثمرة وجميل الجزاء ، ثم اتبع ذلك سبحانه بعظات ، ودلائل وبسط آيات ، وأعلم أنه سبحانه قد سبقت سنته بإهلاك من لم يكن منه الإيمان من متقدمي القرون وسالفي الأمم ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها }[ الأنبياء : 6 ] وفي قوله{ أفهم يؤمنون }[ الأنبياء : 6 ] تعزية لرسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر قريش ومن قبل ما{[50375]} الكلام بسبيله ، وقد تضمنت هذه السورة إلى ابتداء قصة إبراهيم عليه السلام من المواعظ والتنبيه على الدلالات وتحريك العباد إلى الاعتبار بها ما يعقب لمن اعتبر به التسليم والتفويض{[50376]} لله سبحانه والصبر على الابتلاء وهو من مقصود السورة ، وفي قوله{ ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن نشاء وأهلكنا المسرفين }[ الأنبياء : 9 ] إجمال لما فسره النصف الأخير من هذه السورة{[50377]} من تخليص الرسل عليهم السلام من قومهم وإهلاك من أسرف وأفك{[50378]} ولم يؤمن ، وفي ذكر تخليص الرسل وتأييدهم{[50379]} الذي تضمنه النصف الأخير من لدن قوله{ ولقد ءاتينا إبراهيم رشده }[ الأنبياء : 51 ] إلى آخر السورة كمال الغرض المتقدم من التأنيس وملاءمة ما تضمنته سورة طه وتفسير لمجمل{ وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزاً }[ مريم : 98 ] انتهى{[50380]} .
هذه السورة مكية . وفيها من جليل المعاني والعبر والمقاصد ما يستوقف الذهن ويسترعي الحس . وفيها من أخبار النبيين والغابرين وأهوال القيامة وجسيم المواعظ وفيض المشاهد ما فيه مزدجر لكل خبير مدكر . كل ذلك تعرض له هذه السورة بأسلوب القرآن المميز المعروف ، حيث الترويع والترهيب والتنذير وروعة النظم العجب الأخّاذ . وليس أدل على ذلك مما تصدرت به السورة عن اقتراب الحساب للناس وهم سادرون في لهوهم وغفلتهم . وذلك في سمت بياني فذ ليس له في الكلام المنظوم نظير .
{ اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون ( 1 ) ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون ( 2 ) لاهية قلوبهم وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون ( 3 ) قال ربي يعلم القول في السماء والأرض وهو السميع العليم ( 4 ) بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر فليأتنا بآيات كما أرسل الأولون ( 5 ) ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أفهم يؤمنون ( 6 ) } .
أراد بالناس ، المشركين . وقيل : عموم الناس وهو الأظهر . وحساب الناس ، ما ينتظرهم من شدة المحاسبة وعسير الجزاء . واقتراب ذلك للناس يعني دنوه منهم ؛ فهو آت لا محالة . وكل ما هو آت قريب . فما تمر السنون والأيام والساعات إلا والناس يقتربون من مغبة الحساب وفداحة الجزاء رويدا رويدا . حتى إذا وقع ، كانت الطامة العاتية . وكان الإياس المخوف والمزلزل وكان الفزع الداهم الأكبر الذي يدك الفرائض والقلوب دكا .
كل هاتيك الأهوال والفظائع والمخاوف آتية دانية والناس ( في غفلة معرضون ) إنهم في غفلة عما ينتظرهم من الحساب العسير ، لا هو في الدنيا بزينتها ومتاعها ولعاعاتها الزائفة ، معرضون عن التأهب والاستعداد لهذا اليوم العصيب الموعود . يوم الحساب .