التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبۡدِهِ ٱلۡكِتَٰبَ وَلَمۡ يَجۡعَل لَّهُۥ عِوَجَاۜ} (1)

مقدمة السورة:

سماها رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة الكهف .

روى مسلم ، وأبو داود ، عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف وفي رواية لمسلم : من آخر الكهف ، عصم من فتنة الدجال . ورواه الترمذي عن أبي الدرداء بلفظ من قرأ ثلاث آيات من أول الكهف عصم من فتنة الدجال . قال الترمذي : حديث حسن صحيح .

وكذلك وردت تسميتها عن البراء بن عازب في صحيح البخاري . قال : كان رجل يقرأ سورة الكهف وإلى جانبه حصان مربوط بشطنين فتغشته سحابة فجعلت تدنو ، وتدنو ، وجعل فرسه ينفر ، فلما أصبح أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له ، فقال : تلك السكينة تنزلت بالقرآن .

وفي حديث أخرجه ابن مردويه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سماها سورة أصحاب الكهف .

وهي مكية بالاتفاق كما حكاه ابن عطية . قال : وروي عن فرقد أن أول السورة إلى قوله { جرزا } نزل بالمدينة ، قال : والأول أصح .

وقيل قوله { واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم } الآيتين نزلتا بالمدينة ، وقيل قوله { أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا } إلى آخر السورة نزل بالمدينة . وكل ذلك ضعيف كما سيأتي التنبيه عليه في مواضعه .

نزلت بعد سورة الغاشية وقبل سورة الشورى .

وهي الثامنة والستون في ترتيب نزول السور عند جابر بن زيد .

وقد ورد في فضلها أحاديث متفاوتة أصحها الأحاديث المتقدمة وهي من السور التي نزلت جملة واحدة . روى الديلمي في سند الفردوس عن أنس قال : نزلت سورة الكهف جملة معها سبعون ألفا من الملائكة . وقد أغفل هذا صاحب الإتقان .

وعدت آيها في عدد قراء المدينة ومكة مائة وخمسا ، وفي عدد قراء الشام مائة وستا ، وفي عدد قراء البصرة مائة وإحدى عشرة ، وفي عد قراء الكوفة مائة وعشرا ، بناء على اختلافهم في تقسيم بعض الآيات إلى آيتين .

وسبب نزولها ما ذكره كثير من المفسرين ، وبسطه ابن إسحاق في سيرته بدون سند ، وأسنده الطبري إلى ابن عباس بسند فيه رجل مجهول : أن المشركين لما أهمهم أمر النبي صلى الله عليه وسلم وازدياد المسلمين معه وكثر تساؤل الوافدين إلى مكة من قبائل العرب عن أمر دعوته ، بعثوا النضر بن الحارث ، وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار اليهود بالمدينة يثرب يسألونهم رأيهم في دعوته ، وهم يطمعون أن يجد لهم الأحبار ما لم يهتدوا إليه مما يوجهون به تكذيبهم إياه . قالوا : فإن اليهود أهل الكتاب الأول وعندهم من علم الأنبياء أي صفاتهم وعلاماتهم علم ليس عندنا ، فقدم النضر وعقبة إلى المدينة ووصفا لليهود دعوة النبي صلى الله عليه وسلم وأخبراهم ببعض قوله . فقال لهم أحبار اليهود : سلوه عن ثلاث? فإن أخبركم بهن فهو نبئ وإن لم يفعل فالرجل متقول ، سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان أمرهم ، وسلوه عن رجل طواف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها ، وسلوه عن الروح ما هي . فرجع النضر وعقبة فأخبرا قريشا بما قاله أحبار اليهود ، فجاء جمع من المشركين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه عن هذه الثلاثة ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : أخبركم بما سألتم عنه غدا وهو ينتظر وقت نزول الوحي عليه بحسب عادة يعلمها . ولم يقل : إن شاء الله . فمكث رسول الله ثلاثة أيام لا يوحى إليه ، وقال ابن إسحاق : خمسة عشر يوما ، فأرجف أهل مكة وقالوا : وعدنا محمد غدا وقد أصبحنا اليوم عدة أيام لا يخبرنا بشيء مما سألناه عنه ، حتى أحزن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وشق عليه ، ثم جاءه جبريل عليه السلام بسورة الكهف وفيها جوابهم عن الفتية وهم أهل الكهف ، وعن الرجل الطواف وهو ذو القرنين . وأنزل عليه فيما سألوه من أمر الروح { ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا } في سورة الإسراء . قال السهيلي : وفي رواية عن ابن إسحاق من غير طريق البكائي أي زياد ابن عبد الله البكائي الذي يروي عنه ابن هشام أنه قال في هذا الخبر : فناداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : هو أي الروح جبريل . وهذا خلاف ما روى غيره أن يهود قالت لقريش : سلوه عن الروح فإن أخبركم به فليس بنبئ وإن لم يخبركم به فهو نبي اهـ .

وأقول : قد يجمع بين الروايتين بأن النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن أجابهم عن أمر الروح بقوله تعالى { قل الروح من أمر ربي } بحسب ما عنوه بالروح عدل بهم إلى الجواب عن أمر كان أولى لهم العلم به وهو الروح الذي تكرر ذكره في القرآن مثل قوله { نزل به الروح } الأمين وقوله { والروح فيها } وهو من ألقاب جبريل على طريقة الأسلوب الحكيم مع ما فيه من الإغاظة لليهود ، لأنهم أعداء جبريل كما أشار إليه قوله تعالى { قل من كان عدوا لجبريل } الآية . ووضحه حديث عبد الله ابن سلام في قوله للنبي صلى الله عليه وسلم حين ذكر جبريل عليه السلام ذاك عدو اليهود من الملائكة فلم يترك النبي صلى الله عليه وسلم لهم منفذا قد يلقون منه التشكيك على قريش إلا سده عليهم .

وقد يعترضك هنا : أن الآية التي نزلت في أمر الروح هي من سورة الإسراء فلم تكن مقارنة للآية النازلة في شان الفنية وشأن الرجل الطواف فماذا فرق بين الآيتين ، وأن سورة الإسراء يروي أنها نزلت قبل سورة الكهف فإنها معدودة سادسة وخمسين في عداد نزول السور ، وسورة الكهف معدودة ثامنة وستين في النزول . وقد يجاب عن هذا بأن آية الروح قد تكون نزلت على أن تلحق بسورة الإسراء فإنها نزلت في أسلوب سورة الإسراء وعلى مثل فواصلها ، ولأن الجواب فيها جواب بتفويض العلم إلى الله ، وهو مقام يقتضي الإيجاز ، بخلاف الجواب عن أهل الكهف وعن ذي القرنين فإنه يستدعي بسطا وإطنابا ففرقت آية الروح عن القصتين .

على أنه يجوز أن يكون نزول سورة الإسراء مستمرا إلى وقت نزول سورة الكهف ، فأنزل قرآن موزع عليها وعلى سورة الكهف . وهذا على أحد تأويلين في معنى كون الروح من أمر ربي كما تقدم في سورة الإسراء . والذي عليه جمهور الرواة أن آية { ويسألونك عن الروح } مكية إلا ما روي عن ابن مسعود . وقد علمت تأويله في سورة الإسراء .

فاتضح من هذا أن أهم غرض نزلت فيه سورة الكهف هو بيان قصة أصحاب الكهف ، وقصة ذي القرنين . وقد ذكرت أولاهما في أول السورة وذكرت الأخرى في آخرها .

كرامة قرآنية : لوضع هذه السورة على هذا الترتيب في المصحف مناسبة حسنة ألهم الله إليها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رتبوا المصحف فإنها تقارب نصف المصحف إذ كان في أوائلها موضع قيل هو نصف حروف القرآن وهو التاء من قوله تعالى { لقد جئت شيئا نكرا } في أثنائها ، وهو نهاية خمسة عشر جزءا من أجزاء القرآن وذلك نصف أجزائه ، وهو قوله تعالى { قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا } ، فجعلت هذه السورة في مكان قرابة نصف المصحف .

وهي مفتتحة بالحمد حتى يكون افتتاح النصف الثاني من القرآن ب{ الحمد لله } كما كان افتتاح النصف الأول ب{ الحمد لله } . وكما كان أول الربع الرابع منه تقريبا ب{ الحمد لله فاطر السماوات والأرض } .

أغراض السورة

افتتحت بالتحميد على إنزال الكتاب للتنويه بالقرآن تطاولا من الله تعالى على المشركين وملقنيهم من أهل الكتاب .

وأدمج فيه إنذار المعاندين الذين نسبوا لله ولدا ، وبشارة للمؤمنين ، وتسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أقوالهم حين تريث الوحي لما اقتضته سنة الله مع أوليائه من إظهار عتبه على الغفلة عن مراعاة الآداب الكاملة .

وذكر افتتان المشركين بالحياة الدنيا وزينتها وأنها لا تكسب النفوس تزكية .

وانتقل إلى خبر أصحاب الكهف المسؤول عنه .

وحذرهم من الشيطان وعداوته لبني آدم ليكونوا على حذر من كيده .

وقدم لقصة ذي القرنين قصة أهم منها وهي قصة موسى والخضر عليهما السلام ، لأن كلتا القصتين تشابهتا في السفر لغرض شريف . فذو القرنين خرج لبسط سلطانه على الأرض ، وموسى عليه السلام خرج في طلب العلم .

وفي ذكر قصة موسى تعريض بأحبار بني إسرائيل إذ تهمموا بخبر ملك من غير قومهم ولا من أهل دينهم ونسوا خبرا من سيرة نبيهم .

وتخلل ذلك مستطردات من إرشاد النبي صلى الله عليه وسلم وتثبيته . وأن الحق فيما أخبر به ، وأن أصحابه الملازمين له خير من صناديد المشركين ، ومن الوعد والوعيد ، وتمثيل المؤمن والكافر ، وتمثيل الحياة الدنيا وانقضائها ، وما يعقبها من البعث والحشر ، والتذكير بعواقب الأمم الدنيا وانقضائها ، وما يعقبها من البعث والحشر ، والتذكير بعواقب الأمم المكذبة للرسل ، وما ختمت به من إبطال الشرك ووعيد أهله ؛ ووعد المؤمنين بضدهم ، والتمثيل لسعة علم الله تعالى . وختمت بتقرير أن القرآن وحي من الله تعالى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم فكان في هذا الختام محسن رد العجز على الصدر .

موقع الافتتاح بهذا التحميد كموقع الخطبة يفتتح بها الكلام في الغرض المهم .

ولما كان إنزال القرآن على النبي أجزل نَعماء الله تعالى على عباده المؤمنين لأنه سبب نجاتهم في حياتهم الأبدية ، وسبب فوزهم في الحياة العاجلة بطيب الحياة وانتظام الأحوال والسيادة على الناس ، ونعمة على النبي بأن جعله واسطة ذلك ومبلَغه ومبينه ؛ لأجل ذلك استحق الله تعالى أكمل الحمد إخباراً وإنشاءً . وقد تقدم إفادة جملة { الحمد لله } استحقاقه أكمل الحمد في صدر سورة الفاتحة .

وهي هنا جملة خبرية ، أخبر الله نبيئَه والمسلمين بأن مستحق الحمد هو الله تعالى لا غيره ، فأجرى على اسم الجلالة الوصف بالموصول تنويهاً بمضمون الصلة ولما يفيده الموصول من تعليل الخبر .

وذكر النبي صلى الله عليه وسلم بوصف العبودية لله تقريب لمنزلته وتنويه به بما في إنزال الكتاب عليه من رفعة قدره كما في قوله تعالى : { تبارك الذي نزل الفرقان على عبده } [ الفرقان : 1 ] .

والكتاب : القرآن . فكل مقدار منزل من القرآن فهو { الكتاب } . فالمراد بالكتاب هنا ما وقع إنزاله من يوم البعثة في غار حراء إلى يوم نزول هذه السورة ، ويلحق به ما ينزل بعد هذه الآية ويزاد به مقداره .

وجملة { ولم يجعل له عوجاً } معترضة بين { الكتاب } وبين الحال منه وهو { قيماً } . والواو اعتراضية . ويجوز كون الجملة حالاً والواو حالية .

والعِوج بكسر العين وفتحها وبفتح الواو حقيقته : انحراف جسم ما عن الشكل المستقيم ، فهو ضد الاستقامة . ويطلق مجازاً على الانحراف عن الصواب والمعاني المقبولة المستحسنة .

والذي عليه المحققون من أيمة اللغة أن مكسور العين ومفتوحها سواء في الإطلاقين الحقيقي والمجازي . وقيل : المكسورُ العيننِ يختص بالإطلاق المجازي وعليه درج في « الكشاف » . ويبطله قوله تعالى لما ذكر نسف الجبال { فيذرها قاعاً صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتاً } [ طه : 106 107 ] حيث اتفق القراء على قراءته بكسر العين . وعن ابن السكيت : أن المكسور أعم يجيء في الحقيقي والمجازي وأن المفتوح خاص بالمجازي .

والمراد بالعِوج هنا عوج مدلولات كلامه بمخالفتها للصواب وتناقضها وبعدها عن الحكمة وإصابة المراد .

والمقصود من هذه الجملة المعترضة أو الحالية إبطال ما يرميه به المشركون من قولهم : افتراه ، وأساطير الأولين ، وقول كاهن ، لأن تلك الأمور لا تخلو من عوج ، قال تعالى : { أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً } [ النساء : 82 ] .

وضمير { له } عائد إلى { الكتاب } .

وإنما عدي الجعل باللام دون ( في ) لأن العوج المعنوي يناسبه حرف الاختصاص دون حرف الظرفية لأن الظرفية من علائق الأجسام ، وأما معنى الاختصاص فهو أعم .

فالمعنى : أنه متصف بكمال أوصاف الكتب من صحة المعاني والسلامة من الخطأ والاختلاف . وهذا وصف كمال للكتاب في ذاته وهو مقتض أنه أهل للانتفاع به ، فهذا كوصفه ب { أنه لا ريب فيه } في سورة البقرة ( 2 ) .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبۡدِهِ ٱلۡكِتَٰبَ وَلَمۡ يَجۡعَل لَّهُۥ عِوَجَاۜ} (1)

مقدمة السورة:

سورة الكهف وهي مكية في قول جميع المفسرين . روي عن فرقة أن أول السورة نزل بالمدينة إلى قوله " جرزا " [ الكهف : 8 ] ، والأول أصح . وروي في فضلها من حديث أنس أنه قال : من قرأ بها أعطي نورا بين السماء والأرض ووقي بها فتنة القبر . وقال إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ألا أدلكم على سورة شيعها سبعون ألف ملك ملأ عظمها ما بين السماء والأرض لتاليها مثل ذلك ) . قالوا : بلى يا رسول الله ؟ قال : ( سورة أصحاب الكهف من قرأها يوم الجمعة غفر له إلى الجمعة الأخرى وزيادة ثلاثة أيام وأعطي نورا يبلغ السماء ووقي فتنة الدجال ) ذكره الثعلبي ، والمهدوي أيضا بمعناه . وفي مسند الدارمي عن أبي سعيد الخدري قال : من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة أضاء له من النور فيما بينه وبين البيت العتيق . وفي صحيح مسلم عن أبي الدرداء أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجال ) . وفي رواية ( من آخر الكهف ) . وفي مسلم أيضا من حديث النواس بن سمعان ( فمن أدركه - يعني الدجال - فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف ) . وذكره الثعلبي . قال : سمرة بن جندب قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( من قرأ عشر آيات من سورة الكهف حِفْظًا لم تضره فتنة الدجال ) . ومن قرأ السورة كلها دخل الجنة .

قوله تعالى :{ الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما }

ذكر ابن إسحاق أن قريشا بعثوا النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود وقالوا لهما : سلاهم عن محمد وصِفَا لهم صفته وأخبراهم بقوله ، فإنهم أهل الكتاب الأول ، وعندهم علم ليس عندنا من علم أنبياء ، فخرجا حتى قدما المدينة ، فسألا أحبار يهود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ووصفا لهم أمره ، وأخبراهم ببعض قوله ، وقالا لهم : إنكم أهل التوراة وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا . فقالت لهما أحبار يهود : سلوه عن ثلاث نأمركم بهن ، فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل ، وإن لم يفعل{[10408]} فالرجل متقول ، فَرَوْا فيه رأيكم ، سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ، ما كان أمرهم ، فإنه قد كان لهم حديث عجب . سلوه عن رجل طوَّاف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها ، ما كان نبؤه ؟ وسلوه عن الروح ، ما هي ؟ فإذا أخبركم بذلك فاتبعوه فإنه نبي ، وإن لم يفعل فهو رجل متقول فاصنعوا في أمره ما بدا لكم . فأقبل النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط قدما مكة على قريش فقالا : يا معشر قريش ، قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد - صلى الله عليه وسلم - قد أمرنا أحبار يهود أن نسأله عن أشياء أمرونا بها ، فإن أخبركم عنها فهو نبي ، وإن لم يفعل فالرجل متقول ، فرَوْا فيه رأيكم . فجاؤوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا محمد ، أخبرنا عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ، قد كانت لهم قصة عجب ، وعن رجل كان طوافا قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها ، وأخبرنا عن الروح ما هي ؟ قال فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أخبركم بما سألتم عنه غدا ) ولم يستثن{[10409]} . فانصرفوا عنه ، فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يزعمون خمس عشرة ليلة ، لا يحدث الله إليه في ذلك وحيا ولا يأتيه جبريل ، حتى أرجف{[10410]} أهل مكة وقالوا : وعدنا محمد غدا ، واليوم خمس عشرة ليلة ، وقد أصبحنا منها لا يخبرنا بشيء مما سألناه عنه ، وحتى أحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث الوحي عنه ، وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة ، ثم جاءه جبريل عليه السلام من عند الله عز وجل بسورة أصحاب الكهف فيها معاتبته إياه على حزنه عليهم ، وخبر ما سألوه عنه من أمر الفتية ، والرجل الطواف والروح . قال ابن إسحاق : فذكر لي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لجبريل : ( لقد احتبست عني يا جبريل حتى سؤت ظنا " فقال له جبريل : " وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا " {[10411]} [ مريم : 64 ] .

فافتتح السورة تبارك وتعالى بحمده ، وذكر نبوة رسوله صلى الله عليه وسلم لما أنكروا عليه من ذلك فقال : " الحمد الله الذي أنزل على عبده الكتاب " يعني محمدا ، إنك رسول مني ، أي تحقيق لما سألوا عنه من نبوتك . " ولم يجعل له عوجا قيما " أي معتدلا لا اختلاف فيه . " لينذر بأسا شديدا من لدنه " أي عاجل عقوبته في الدنيا ، وعذابا أليما في الآخرة ، أي من عند ربك الذي بعثك رسولا . " ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات ، أن لهم أجرا حسنا ماكثين فيه أبدا " أي دار الخلد لا يموتون فيها ، الذين صدقوك بما جئت به مما كذبك به غيرهم ، وعملوا بما أمرتهم به من الأعمال . " وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا " [ الكهف : 4 ] بعني قريشا في قولهم : إنا نعبد الملائكة وهي بنات الله . " ما لهم به من علم ولا لآبائهم " [ الكهف : 5 ] الذين أعظموا فراقهم وعيب دينهم . " كبرت كلمة تخرج من أفواههم " [ الكهف : 5 ] أي لقولهم إن الملائكة بنات الله . " إن يقولون إلا كذبا . فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا " [ الكهف : 6 ] لحزنه عليهم حين فاته ما كان يرجوه منهم ، أي لا تفعل . قال ابن هشام : " باخع نفسك " مهلك نفسك ؛ فيما حدثني أبو عبيدة . قال ذو الرمة :

ألا أيُّهذا البَاخعُ الوَجْدُ نفسه *** بشيء نَحَتْهُ عن يديهِ المقَادِرُ

وجمعها باخعون وبخعه . وهذا البيت في قصيدة{[10412]} له . وقول العرب : قد بخعت له نصحي ونفسي ، أي جهدت له . " إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا " [ الكهف : 7 ] قال ابن إسحاق : أي أيهم اتبع لأمري وأعمل بطاعتي : " وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا " [ الكهف : 8 ] أي الأرض ، وإن ما عليها لفان وزائل ، وإن المرجع إلي فأجزي كلا بعمله ، فلا تأس ولا يحزنك ما ترى وتسمع فيها . قال ابن هشام : الصعيد وجه الأرض ، وجمعه صعد . قال ذو الرمة يصف ظبيا صغيرا :

كأنه بالضُّحى ترمي الصعيد به *** دَبَّابَةٌ في عظامِ الرأسِ خُرْطُوم{[10413]}

وهذا البيت في قصيدة له{[10414]} . والصعيد أيضا : الطريق ، وقد جاء في الحديث : ( إياكم والقعود على الصعدات ) يريد الطرق . والجرز : الأرض التي لا تنبت شيئا ، وجمعها أجراز . ويقال : سنة جرز وسنون أجراز ، وهي التي لا يكون فيها مطر . وتكون فيها جدوبة ويبس وشدة . قال ذو الرمة يصف إبلا :

طَوَى النحز والإجراز ما في بطونها *** فما بقيت إلا الضلوع الجراشِع{[10415]}

قال ابن إسحاق : ثم استقبل قصة الخبر فيما سألوه عنه من شأن الفتية فقال : " أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا " [ الكهف : 9 ] أي قد كان من آياتي فيه وضعت على العباد من حجتي ما هو أعجب من ذلك . قال ابن هشام : والرقيم الكتاب الذي رقم بخبرهم ، وجمعه رقم . قال العجاج :

ومُسْتَقَرِّ المصحف المُرَقَّمِ

وهذا البيت في أرجوزة{[10416]} له . قال ابن إسحاق : ثم قال " إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا . فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا . ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا " [ الكهف : 12 ] . ثم قال : " نحن نقص عليك نبأهم بالحق " [ الكهف : 13 ] أي بصدق الخبر " إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى . وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا " [ الكهف : 14 ] أي لم يشركوا بي كما أشركتم بي ما ليس لكم به علم . قال ابن هشام : والشطط الغلو ومجاوزة الحق . قال أعشى بن قيس بن ثعلبة :

أتنتهون ولا يَنْهَى ذوي شطط *** كالطعن يذهبُ فيه الزيت والفُتُلُ

وهذا البيت في قصيدة له{[10417]} . قال ابن إسحاق : " هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين " [ الكهف : 15 ] . قال ابن إسحاق : أي بحجة بالغة . " فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا . وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا . وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الحال وهم في فجوة منه " [ الكهف : 17 ] . قال ابن هشام : تزاور تميل ، وهو من الزور . وقال أبو الزحف الكليبي{[10418]} يصف بلدا :

جَدْب{[10419]} المُنَدَّى عن هوانا أزْوَرُ *** يُنْضِي المطايا خِمْسَهُ العَشَنْزَرُ

وهذان البيتان{[10420]} في أرجوزة له . و " تقرضهم ذات الشمال " تجاوزهم وتتركهم عن شمالها . قال ذو الرمة :

إلى ظُعُنٍ يقرضن أقواز مشرفٍ *** شِمالاً وعن أيمانهن الفوارس{[10421]}

وهذا البيت في قصيدة له{[10422]} . والفجوة : السعة ، وجمعها الفِجاء . قال الشاعر :

ألبستَ قومك مَخْزاة ومنقصةً *** حتى أبيحُوا وحَلُّوا فجوة الدار

" ذلك من آيات الله " أي في الحجة على من عرف ذلك من أمورهم من أهل الكتاب ممن أمر هؤلاء بمسألتك عنهم في صدق نبوتك بتحقيق الخبر عنهم . " من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا . وتحسبهم أيقاظا وهم رقود ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد " [ الكهف : ] قال ابن هشام : الوصيد الباب . قال العبسي واسمه عبد بن وهب :{[10423]}

بأرض فلاةٍ لا يسد وَصِيدُهَا *** عليّ ومعروفي بها غير منكرِ

وهذا البيت في أبيات له . والوصيد أيضا الفناء ، وجمعه وصائد ووصد وصدان . " لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا - إلى قوله - الذين غلبوا على أمرهم " [ الكهف : ] أهل السلطان والملك منهم . " لنتخذن عليهم مسجدا . سيقولون " [ الكهف :21 ] يعني أحبار اليهود الذين أمروهم بالمسألة عنهم . " ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل فلا تمار فيهم " [ أي لا تكابرهم . " إلا مراء ظاهرا ولا تستفت فيهم منهم أحدا " [ الكهف :22 ] فإنهم لا علم لهم بهم . " ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا . إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهديني ربي لأقرب من هذا رشدا " [ الكهف :24 ] أي لا تقولن لشيء سألوك عنه كما قلت في هذا إني مخبركم غدا ، واستثن مشيئة الله ، واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهديني ربي لخبر ما سألتموني عنه رشدا ، فإنك لا تدري ما أنا صانع في ذلك . " ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا " [ الكهف : ] أي سيقولون ذلك . " قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السماوات والأرض أبصر به واسمع ما لهم من دونه من ولي ولا يشرك في حكمه أحدا " [ الكهف :26 ] أي لم يخف عليه شيء ما سألوك عنه .

قلت : هذا ما وقع في السيرة من خبر أصحاب الكهف ذكرناه على نسقه{[10424]} . ويأتي خبر ذي القرنين ، ثم نعود إلى أول السورة فنقول :

قد تقدم معنى الحمد لله . وزعم الأخفش والكسائي والفراء وأبو عبيد وجمهور المتأولين أن في أول هذه السورة تقديما وتأخيرا ، وأن المعنى : الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب قيما ولم يجعل له عوجا . و " قيما " نصب على الحال . وقال قتادة : الكلام على سياقه من غير تقديم ولا تأخير ، ومعناه : ولم يجعل له عوجا ولكن جعلناه قيما . وقول الضحاك فيه حسن ، وأن المعنى : مستقيم{[10425]} ، أي مستقيم الحكمة لا خطأ فيه ولا فساد ولا تناقض . وقيل : " قيما " على الكتب السابقة يصدقها . وقيل : " قيما " بالحجج أبدا . " عوجا " مفعول به ، والعوج ( بكسر العين ) في الدين والرأي والأمر والطريق . وبفتحها في الأجسام كالخشب والجدار ، وقد تقدم{[10426]} . وليس في القرآن عوج ، أي عيب ، أي ليس متناقضا مختلقا ، كما قال تعالى : " ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا " {[10427]} [ النساء :82 ] وقيل : أي لم يجعله مخلوقا ، كما روي عن ابن عباس في قوله تعالى " قرآنا عربيا غير ذي عوج " {[10428]} [ الزمر :28 ] قال : غير مخلوق . وقال مقاتل : " عوجا " اختلافا . قال الشاعر :

أدوم بودِّي للصديق تكرُّمًا *** ولا خير فيمن كان في الود أعْوَجَا

" لينذر بأسا شديدا " أي لينذر محمد أو القرآن . وفيه إضمار ، أي لينذر الكافرين عقاب الله . وهذا العذاب الشديد قد يكون في الدنيا وقد يكون في الآخرة . " من لدنه " أي من عنده وقرأ أبو بكر عن عاصم " من لدنه " بإسكان الدال وإشمامها الضم وكسر النون ، والهاء موصولة بياء . والباقون " لدنه " بضم الدال وإسكان النون وضم الهاء . قال الجوهري : وفي " لدن " ثلاث لغات : لدن ، ولدي ، ولد . وقال :

من لدُ لِحْيَيْهِ إلى مُنْحُورِهِ{[10429]}

المنحور لغة في المنحر .

قوله تعالى : " ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم " أي بأن لهم " أجرا حسنا " وهي الجنة . " ماكثين " دائمين . " فيه أبدا " لا إلى غاية . وإن حملت التبشير على البيان لم يحتج إلى الباء في " بأن " . والأجر الحسن : الثواب العظيم الذي يؤدي إلى الجنة .


[10408]:في جـ: يخبركم.
[10409]:أي لم يقل ـ صلى الله عليه وسلم ـ إن شاء الله.
[10410]:أرجف القوم: خاضوا في الأخبار السيئة وذكر الفتن وفي جـ : أوجف وهو الاضطراب، ولعله وهم من الناسخ.
[10411]:راجع جـ 11 ص 128.
[10412]:مطلعها: لمية أطلال بحزوى دواثر *** عفتها السواقي بعدنا والمواطر.
[10413]:يعني بالدبابة: الخمر. والخرطوم: الخمر وصفوتها.
[10414]:مطلعها: أعن ترسمت من خرقاء منزلة *** ماء الصبابة من عينيك مسجوم
[10415]:النحز: الضرب والدفع. والجراشع: الغلاظ، الواحد جرشع.
[10416]:مطلعها: يا دار سلمى يا اسلمي ثم اسلمي *** بسمسم أو عن يمين سمسم
[10417]:مطلعها: ودع هريرة إن الركب مرتحل *** وهل تطيق وداعا أيها الرجل
[10418]:في اللسان مادة "سمهدر" أنه أبو الزحف الكلبي. واستدرك عليه مصحح اللسان بقوله: "قوله الكلبي نسبة لكلين كـأمير بلدة بالري". و مما يقوي أنه الكلبي (بالباء) ما ذكره ابن قتيبة في كتابه الشعر والشعراء أنه أبو الزحف بن عطاء بن الخطفي عم جرير الشاعر. ومن البين أن جريرا من بني كليب.
[10419]:قبله: ودون ليلى بلد سمهدر وبلد سمهدر: بعيد مضلة واسع. والمندّى: حيث يرتع ساعة من النهار. والأزور: الطريق المعوج. وأنضى البعير: هزله بكثر السير. والخمس (بكسر السين) من أظماء الإبل، أن ترعى ثلاثة أيام وترد اليوم الرابع. والعشنزر: الشديد.
[10420]:يعني بالبيتين هنا شطري الرجز.
[10421]:القوز (بالفتح) : العالي من الرمل كـأنه جبل. والفوارس: رمال بالدهناء.
[10422]:مطلعها: ألم تسأل اليوم الرسوم الدوارس *** بحزوى وهل تدري القفار البسابس.
[10423]:في سيرة ابن هشام: "عبيد بن وهب".
[10424]:راجع سيرة ابن هشام ص 192 طبع أوروبا وجـ 1 ص 321 طبع مطبعة الحلبي.
[10425]:أي معنى قوله "قيما".
[10426]:راجع جـ 4 ص 154.
[10427]:راجع جـ 5 ص 288.
[10428]:راجع جـ 15 ص 252.
[10429]:هذا عجز بيت لغيلان بن حريث. وصدره كما في اللسان: يستوعب البوعين من جريره والمنحور (بالحاء المهملة وضم الميم) لغة في النحر، وهو الصدر. وقد وردت هذه الكلمة في الأصول وصحاح الجوهري واللسان مادة "نخر، بالخاء المعجمة، وهو الأنف. وقد استدرك عليه ابن بري فقال: وصواب إنشاده كما أنشده سيبويه "إلى منحوره " بالحاء. وصف الشاعر بعيرا أو فرسا بطول العنق، فجعله يستوعب من حبله الذي يوثق به مقدار باعين بين لحييه ونحره: والبوع: الباع. والجرير: الحبل.