{ الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة } الزانية والزاني يراد بهما الجنس ، وقدم الزانية لأن الزنا كان حينئذ في النساء أكثر ، فإنه كان منهن إماء وبغايا يجاهرن بذلك ، وإعراب الزاني والزانية كإعراب : السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ، وقد ذكر في المائدة .
وهذه الآية ناسخة بإجماع لما في سورة النساء من الإمساك في البيوت في الآية الواحدة ومن الأذى في الأخرى ، ثم إن لفظ هذه الآية عند مالك ليس على عمومه ، فإن جلد المائدة إنما هو حد الزاني والزانية إذا كانا مسلمين حرين غير محصنين ، فيخرج منها الكفار ، فيردون إلى أهل دينهم ، ويخرج منها العبد والأمة والمحصن والمحصنة ، فأما العبد والأمة : فحدهما خمسون جلدة سواء كانا محصنين أو غير محصنين ، وأما المحصنان الحران فحدهما الرجم هذا على مذهب مالك .
وأما الكلام على الآية بالنظر إلى سائر المذاهب ، فاعلم أن لفظ هذه الآية ظاهره العموم في المسلمين والكافرين ، وفي الأحرار والعبيد والإماء ، وفي المحصن وغير المحصن ، ثم إن العلماء خصصوا من هذا العموم أشياء ، منها باتفاق ، ومنها باختلاف .
فأما الكفار فرأى أبي حنيفة وأهل الظاهر أن حدهم جلد مائة أحصنوا أو لم يحصنوا : أخذا بعموم الآية ، ورأى الشافعي أن حدهم كحد المسلمين الجلد إن لم يحصنوا ، والرجم إن أحصنوا أخذا بالآية ، وبرجم النبي صلى الله عليه وسلم لليهودي واليهودية إذ زنيا ، ورأي مالك أن يردوا إلى أهل دينهم لقوله تعالى في سورة النساء : { واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم } [ النساء :15 ] فخص نساء المسلمين على أنها قد نسختها هذه ، ولكن بقيت في محلها .
وأما العبد والأمة : فرأى أهل الظاهر أن حد الأمة خمسون جلدة لقوله تعالى : { فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب } [ النساء25 ] وأن حد العبد الجلد مائة لعموم الآية ، وقال غيرهم : يجلد العبد خمسين بالقياس على الأمة ، إذ لا فرق بينهما .
وأما المحصن فقال الجمهور : حده الرجم فهو مخصوص في هذه الآية ، وبعضهم يسمي هذا التخصيص نسخا .
ثم اختلفوا في المخصص أو الناسخ ، فقيل : الآية التي ارتفع لفظها وبقي حكمها وهي قوله : " الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم " وقيل : الناسخ لها السنة الثابتة في الرجم ، وقال أهل الظاهر وعلي بن أبي طالب : يجلد المحصن بالآية ، ثم يرجم بالسنة فجمعوا عليه الحدين ، ولم يجعلوا الآية منسوخة ، ولا مخصصة ، وقال الخوارج : لا رجم أصلا فإن الرجم ليس في كتاب الله ، ولا يعتد بقولهم ، وظاهر الآية الجلد دون تغريب ، وبذلك قال أبو حنيفة ، وقال مالك : الجلد والتغريب سنة للحديث ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم : ( البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام ) ولا تغريب على النساء ولا على العبيد عند مالك ، وصفة الجلد عند مالك في الظهر والمجلود جالس ، وقال الشافعي : يفرق على جميع الأعضاء والمجلود قائم ، وتستر المرأة بثوب لا يقيها الضرب ، ويجرد الرجل عند مالك ، وقال قوم : يجلد على قميص .
{ ولا تأخذكم بهما رأفة } قيل : يعني في إسقاط الحد أي : أقيموه ولا بد ، وقيل : في خفيف الضرب ، وقيل : في الوجهين . فعلى القول الأول : يكون الضرب في الزنا كالضرب في القذف غير مبرح ، وهو مذهب مالك والشافعي ، وعلى القول الثاني والثالث : يكون الضرب في الزنا أشد ، واختلف هل يجوز أن يجمع مائة سوط يضرب بها مرة واحدة فمنعه مالك ، وأجازه أبو حنيفة لما ورد في قصة أيوب عليه السلام ، وأجازه الشافعي للمريض لورود ذلك في الحديث .
{ وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين } المراد بذلك توبيخ الزناة والغلظة عليهم ، واختلف في أقل ما يجزئ من الطائفة فقيل أربعة ، اعتبارا بشهادة الزنا وهو قول ابن أبي زيد ، وقيل : عشرة ، وقيل : اثنان ، وهو مشهور مذهب مالك ، وقيل : واحد .
وقال الإمام أبو جعفر ابن الزبير في برهانه : لما قال تعالى{ والذين هم لفروجهم حافظون }[ المؤمنون :5 ] ثم قال تعالى
{ فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون }[ المؤمنون : 7 ] استدعى الكلام بيان حكم العادي في ذلك ، ولم يبين فيها فأوضحه في سورة النور فقال تعالى { الزانية والزاني } - الآية ، ثم أتبع ذلك بحكم اللعان والقذف وانجرّ مع ذلك الإخبار بقصة الإفك تحذيراً للمؤمنين من زلل الألسنة رجماً بالغيب { وتحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم } وأتبع ذلك بعد بوعيد محبّي شياع الفاحشة ، في المؤمنين بقوله تعالى{ إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات }[ النور : 23 ] الآيات ، ثم بالتحذيرمن دخول البيوت إلا بعد الاستئذان المشروع ، ثم بالأمر بغض الأبصار للرجال والنساء ونهى النساء عن إبداء الزينة إلا لمن سمى الله سبحانه في الآية ، وتكررت هذه المقاصد في هذه السورة إلى ذكر حكم العورات الثلاث ، ودخول بيوت الأقارب وذوي الأرحام ، وكل هذا مما تبرأ ذمة المؤمن بالتزام ما أمر الله فيه من ذلك والوقوف عندما حده تعالى من أن يكون من العادين المذمومين في قوله تعالى فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون }[ المؤمنون : 7 ] . وما تخلل الآي المذكورات ونسق عليها مما ليس من الحكم المذكور فلاستجرار الآي إياه واستدعائه ، ومظنة استيفاء ذلك وبيان ارتباطه التفسير ، وليس من شرطنا هنا - والله سبحانه وتعالى يوفقنا لفهم كتابه - انتهى .
ولما كان مبنى هذه الدار على الأنساب في التوارث والإمامة والنكاح وغير ذلك ، ومبنى تلك الدار على الأعمال لقوله تعالى{ فلا أنساب بينهم يومئذ }[ المؤمنون : 101 ] وكان قد حث في آخر تلك على الستر والرحمة ، حذر سبحانه رحمة منه في أول هذه من لبس الأنساب ، وكسب الأعراض وقطع الأسباب ، معلماً أن الستر والرقة ليسا على عمومهما ، بل على ما يحده سبحانه ، فقال مخاطباً للأئمة ومن يقيمونه : { الزانية } وهي من فعلت الزنا ، وهو إيلاج فرج في فرج مشتهى طبعاً محرم شرعاً ، وقدمها لأن أثر الزنا يبدو عليها من الحبل وزوال البكارة ، ولأنها أصل الفتنة بهتك ما أمرت به من حجاب التستر والتصون والتحذر { والزاني } .
ولما كان " ال " بمعنى الاسم الموصول ، أدخل الفاء في الخبر فقال : { فاجلدوا } أي فاضربوا وإن كان أصله ضرب الجلد بالسوط الذي هو جلد { كل واحد منهما } إذا لم يكن محصناً ، بل كان مكلفاً بكراً - بما بينته السنة الشريفة { مائة جلدة } فبدأ بحد الزنا المشار إليه أول تلك بقوله تعالى{ فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون }[ المؤمنون : 7 ] وفي التعبير بلفظ الجلد الذي هو ضرب الجلد إشارة إلى أنه لا يكون مبرحاً بحيث يتجاوز الألم إلى اللحم .
ولما كان هذا ظاهراً في ترك الشفقة عليهما ، صرح به لأن من شأن كل من يجوز على نفسه الوقوع في مثل ذلك أن يرحمهما فقال : { ولا تأخذكم } أي على حال من الأحوال { بهما رأفة } أي لين ، ولعله عبر بها إعلاماً بأنه لم ينه عن مطلق الرحمة ، لأن الرأفة أشد الرحمة أو أرقها وتكون عن أسباب من المرؤوف به ، وكذا قوله : { في دين الله } أي الذي شرعه لكم الملك المحيط بصفات الكمال - إشارة إلى أن الممنوع منه رحمة تؤدي إلى ترك الحد أو شيء منه أو التهاون به أو الرضى عن منتهكه لا رقة القلب المطبوع عليها البشر كما يحكى عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه بكى يوم فتحت قبرص وضربت رقاب ناس من أسراها فقيل له : هذا يوم سرور ، فقال : هو كذلك ، ولكني أبكي رحمة لهؤلاء العباد الذين عصوا الله فخذلهم وأمكن منهم .
ولما علم سبحانه ما طبع عليه عباده من رحمة بعضهم لبعض فحث على هذا الحكم بالأمر والنهي ، زاد في التهييج إليه والحض عليه بقوله : { إن كنتم } أي بما هو كالجبلة التي لا تنفك { تؤمنون بالله } أي الملك الأعظم الذي هو أرحم الراحمين ، فما شرع ذلك إلا رحمة للناس عموماً وللزانيين خصوصاً ، فمن نقص سوطاً فقد ادعى أنه أرحم منه ، ومن زاد سوطاً فقد ظن أنه أحكم وأعظم منه .
ولما ذكر بالإيمان الذي من شرطه التزام الأحكام ، وكان الرجاء غالباً على الإنسان ، أتبعه ما يرهبه فقال : { واليوم الآخر } الذي يحاسب فيه على النقير والقطمير والخفي والجلي . ولما كان الخزي والفضيحة أعظم عند بعض الناس من ضرب السيف فضلاً عن ضرب السوط قال : { وليشهد } أي يحضر حضوراً تاماً { عذابهما طائفة } أي جماعة يمكن إطافتها أي تحلقها وحفوفها بكل منهما { من المؤمنين* } العريقين إشهاراً لأمرهما نكالاً لهما ، وعن نصر بن علقمة أن ذلك ليدعى لهما بالتوبة والرحمة . وفي كل هذا إشارة ظاهرة إلى أن إقامة الحدود والغلظة فيها من رحمته سبحانه المشار إليها بقوله{ وأنت خير الراحمين }[ المؤمنون : 118 ] .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.