تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{بَرَآءَةٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ} (1)

مقدمة السورة:

سورة التوبة مدنية

1- وتسمى براءة ، والفاضحة لأنها فضحت أمر المنافقين ، ولها أربعة عشر اسما ، وعدد آياتها مئة وتسع وعشرون آية . وهي مدنية بإجماع الصحابة ، واتفق الصحابة رضوان الله عليهم على إسقاط البسملة من أولها ، وهي السورة التاسعة في ترتيب المصحف ، وقد نزلت في أواخر السنة التاسعة من الهجرة ، فكانت من آخر ما نزل من القرآن الكريم ، وفي هذه السنة خرج النبي صلى الله عليه وسلم بالمسلمين إلى تبوك ليغزو الروم ، وخرج أبو بكر على رأس المسلمين لحج بيت الله الحرام .

وقد حمل عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه هذه السورة إلى المسلمين في الحج وقرأها عليهم ، وأمير الحج كما تقدم أبو بكر رضي الله عنه .

وقد ابتدأت السورة ببراءة الله تعالى من المشركين ، فسميت براءة ، وعرفت بجملة أسماء ، تدل بمجموعها على ما اشتملت من المبادئ والمعاني التي تجب مراعاتها في معاملة الطوائف كلها ، مؤمنهم ، ومنافقهم ، وكتابيهم ، ومشركهم .

ومن تلك الأسماء أشهرها " التوبة " ، إشارة إلى ما تضمنته السورة من تسجيل توبة الله وتمام رضوانه على المؤمنين الصادقين ، الذين أخلصوا في مناصرة الدعوة ، وصدقوا في الجهاد مع النبي حتى بلغ بهم الغاية { لقد تاب على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة . . . الآيتان 119 -120 } .

ومن الأسماء " براءة " ، إشارة إلى ما تضمنته السور في أولها من قطع عصمة مشركي جزيرة العرب على الإطلاق ، حتى يخضعوا لسلطان الإسلام ، { براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين . . . الآية 1 } .

ومن أسمائها : الحافرة ، والمثيرة ، والفاضحة ، والمنكلة ، وغيرها مما احتفظت به كتب التفسير . وهي ألقاب أطلقت عليها باعتبار ما قامت به من حفر قلوب المنافقين ، وإثارة أسرارهم ، وفضيحتهم بها ، وتنكيلها بهم الخ . . .

وهي سورة مستقلة ، يثبت ذلك هذه الأسماء المتعددة التي أطلقت عليها من الصدر الأول ، ولم يعرف إطلاق واحد منها على سورة الأنفال ، وقد نزلت سورة الأنفال بعد غزوة بدر في السنة الثانية من الهجرة ، وسورة التوبة بعد غزوة تبوك في أواخر السنة التاسعة من الهجرة .

وأما ترك التسمية في أولها فإنه ترتيب إلهي ، وكل قول خلاف هذا لا قيمة له .

2- ولسورة التوبة بحكم خروج النبي الكريم إلى تبوك يغزو الروم ، وخروج أبي بكر على رأس المسلمين لحج بيت الله الحرام – هدفان هامان في تاريخ الدولة الإسلامية :

الأول : تحديد القانون الأساسي الذي تشاد عليه دولة الإسلام ، وذلك بالتصفية النهائية بين المسلمين ومشركي العرب بإلغاء معاهداتهم ، ومنعهم من الحج ، وتأكيد قطع الولاية بينهم وبين المسلمين ، وبوضع الأساس في قبول بقاء أهل الكتاب في جزيرة العرب وإباحة التعامل معهم .

الثاني : إظهار ما كانت عليه نفوس المسلمين حينما استنفرهم الرسول إلى غزو الروم ، وفي هذه الدائرة تحدثت السورة عن المتثاقلين منهم والمتخلفين والمثبطين ، كما كشفت الغطاء عن فتن المنافقين وما انطوت عليه قلوبهم من أحقاد وما قاموا به من أساليب النفاق وألوانه .

وقد عرضت السورة من أولها للهدف الأول ، واستغرق ذلك إلى آخر الآية الثامنة والعشرين ، وهي قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا } . وقد تضمنت الآيات التي تختص بالمشركين ما يأتي :

أولا : تقرير البراءة ورفع العصمة عن الأنفس والأموال .

ثانيا : منحهم هدنة مقدارها أربعة أشهر .

ثالثا : إعلان الناس جميعا يوم الحج الأكبر بهذه البراءة .

رابعا : إتمام مدة العهد لمن حافظ منهم على العهد .

خامسا : بيان ما يعاملون به بعد انتهاء أمد الهدنة أو مدة العهد .

سادسا : تأمين المستجير حتى يسمع كلام الله .

سابعا : بيان الأسباب التي أوجبت البراءة منهم وصدور الأمر بقتالهم .

ثامنا : إزالة وساوس قد يخطر في بعض النفوس أنها تبرر مسالمة المشركين أو البقاء معهم على العهود .

وتضمنت الآيات فيما يختص بالمنحرفين من أهل الكتاب ما يأتي :

أولا : الأمر باستمرار قتالهم الذي بدأوا به حتى تبدو عليهم آية الخضوع لسلطان الإسلام وذلك بدفع الجزية للمسلمين .

ثانيا : بيان صفاتهم التي قررت استمرار قتالهم بعد عدوانهم حتى يخضعوا .

ثالثا : أرشدت الآيات –في هذا السياق- إلى خطة رؤسائهم الدينيين في سلب أموال الناس بالباطل والصد عن سبيل الله ، كما أشارت إلى سوء ذلك وسوء عاقبة كنز الأموال ، وعدم إنفاقها في سبيل الله ، وإلى تحذير المؤمنين من الوقوع في ذلك .

وقد استغرقت هذه الموضوعات من الآية التاسعة والعشر ين { قاتلوا الذين لا يؤمنون الله ولا باليوم الآخر –إلى قوله : حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون } إلى نهاية الآية الخامسة والثلاثين : { هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون } .

ثم عرضت إلى بعض تصرفات في الحل والحرمة كان يفعلها المشركون في الأشهر الحرم إمعانا في تلبية الهوى والشهوة ، وأهمها النسيء الذي قال الله تعالى فيه : { إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا . . . الآية } .

وبذلك كانت الآيات التي عرضت لهذه الموضوعات والتي بلغها علي بن أبي طالب للناس في موسم الحج من السنة التاسعة : سبعا وثلاثين آية .

3- وقد بينت كثيرا من الأحكام للمسلمين ، فجاء النص فيها على عدد الأشهر الحرم ، وفيها بينت ضرورة النفر إلى القتال عند كل نداء من غير تلكؤ . وفيها من بعد ذلك إشارات إلى المخلفين والمعوقين عن الخروج للقتال ، وبيان أحوال المنافقين الذين يبتغون الفتنة في كل قوت تكون الدعوة فيه إلى القتال .

وفيها بيان الأمر القاطع المعلن لعقوبة النفاق ، وهو أن لا يصلي النبي على ميت منهم . ثم ترد في السورة الأعذار التي تسوغ التخلف ، كما تجيء حال الذين أظهروا الدخول في الإسلام من الأعراب ، أو خضعوا لأحكامه بعد أن صارت له قوة ، وكان هؤلاء الأعراب يقيمون حول المدينة وقريبا منها .

وتصنف السورة بعد ذلك أحوال الناس بالنسبة للإيمان ، وخبر مسجد الضرار ، وهو المسجد الذي بناه المنافقون ليغضوا من قدر المسجد الذي بناه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم ذكر سبحانه أوصاف المؤمنين الصادقين في إيمانهم ، وتوبة الثلاثة الذين كانوا تخلفوا عن رسول الله في غزوة تبوك ، كما ذكر الله أحوال الناس في تلقي آيات القرآن عند نزولها ، وختم السورة بأن الله اختار محمدا للرسالة ، وهو لا يريد عنت من أرسل إليهم ، وهو بهم رؤوف رحيم .

والواقع أن سورة التوبة –في الوقت الذي ترشدنا فيه إلى الأسس التي لا بد منها للمسلمين في حفظ كيانهم الداخلي والخارجي تعطينا في الوقت نفسه مع سورة الأنفال ما يشبه أن يكون سورة تاريخية مجملة لدعوة النبي صلى الله عليه وسلم وجهاده إلى أن أقر الله عينه بثمرة ذلك الجهاد وتبليغ تلك الدعوة .

بسم الله الرحمان الرحيم

براءة : إعذار وإنذار بانقطاع العصمة .

لقد دلت تجربة الرسول الكريم وأصحابه مع المشركين في جميع أنحاء الجزيرة العربية أن هؤلاء لا أمان لهم ولا عهود ، ولا يُؤمَن غدرُهم في حالي القوة والضعف ، بل لا يستطيع المسلمون أن يعيشوا على أسس المعاهدات ما داموا على شِركهم . فجاءت هذه السورة تأمر المسلمين بنبذِ عهود المشركين المطلقة ، وإتمام عهودهم المؤقتة لمن استقام . وهكذا حاربهم النبي صلى الله عليه وسلم حتى محا الشرك من جزيرة العرب ودانت كلها للإسلام .

وقد زاد إقبال العرب على الإسلام بعد الحجّة التي حجّها أبو بكر سنة تسع للهجرة ، وفي هذه الحجة أرسل النبيّ عليّ بن أبي طالب ليلحق بأبي بكر ، ويتلو على الناس قرآنا . فكان فصلا بين عهدين : عهدٍ كان الإسلام يقوى فيه شيئا فشيئا ، لكن مع بقاء الشرك في بعض القبائل ، وعهد آخر خلصت فيه الجزيرة كلها للإسلام . والقرآن - الذي تلاه عليٌّ على الناس ، وفَرّق الله به بين هذين العهدين - هو هذه الآيات الكريمة من سورة التوبة .

{ بَرَاءَةٌ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ إِلَى الذين عَاهَدْتُمْ مِّنَ المشركين } .

هذه براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم أيُها المسلمون من المشركين ، فيها إنذار بقطع تلك المعاهدات .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{بَرَآءَةٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ} (1)

مقدمة السورة:

سورة التوبة

مدنية كما روي عن ابن عباس وعبد الله بن الزبير وقتادة وخلق كثير وحكى بعضهم الاتفاق عليه ، وقال ابن الفرس : هي كذلك إلا آيتين منها { لقد جاءكم رسول من أنفسكم } الخ وهو مشكل بناء على ما في المستدرك عن أبي بن كعب وأخرجه أبو الشيخ في تفسيره عن علي بن زيد عن يوسف المكي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من أن آخر آية نزلت { لقد جاءكم } الخ ولا يتأتى هنا ما قالوه في وجه الجمع بين الأقوال المختلفة في آخر ما نزل واستثنى آخرون { ما كان للنبي } الآية بناء على ما ورد أنها نزلت في قوله صلى الله تعالى عليه وسلم لأبي طالب : لأستغفرن لك ما لم أنه عنك وقد نزلت كما قال ابن كيسان على تسع من الهجرة ولها عدة أسماء التوبة لقوله تعالى فيها : { لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار } إلى قوله سبحانه : { وعلى الثلاثة الذين خلفوا } والفاضحة أخرج أبو عبيد وابن المنذر وغيرهما عن ابن جبير قال : قلت لابن عباس رضي الله تعالى عنهما سورة التوبة قال : التوبة بل هي الفاضحة ما زالت تنزل ومنهم ومنهم حتى ظننا أنه لا يبقى أحد منا إلا ذكر فيها وسورة العذاب أخرج الحاكم في مستدركه عن حذيفة قال : التي يسمون سورة التوبة هي سورة العذاب وأخرج أبو الشيخ عن ابن جبير قال : كان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه إذا ذكر له سورة براءة وقيل سورة التوبة قال : هي إلى العذاب أقرب ما أقلعت عن الناس حتى ما كادت تدع منهم أحدا والمقشقشة أخرج ابن مردويه وغيره عن زيد بن أسلم أن رجلا قال لعبد الله : سورة التوبة فقال ابن عمر : وأيتهن سورة التوبة فقال براءة فقال رضي الله تعالى عنه : وهل فعل بالناس الأفاعيل إلا هي ما كنا ندعوها إلا المقشقشة أي المبرئة ولعله أراد عن النفاق والمنقرة أخرج أبو الشيخ عن عبيد بن عمير قال : كانت براءة تسمى المنقرة نقرت عما في قلوب المشركين والبحوث بفتح الباء صيغة مبالغة من البحث بمعنى اسم الفاعل كما روى ذلك الحاكم عن المقداد والمبعثرة أخرج ابن المنذر عن محمد بن إسحق قال : كانت براءة تسمى في زمان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وبعده المبعثرة لما كشفت من سرائر الناس وظن أنه تصحيف المنقرة من بعد الظن وذكر ابن الفرس أنها تسمى الحافرة أيضا لأنها حفرت عن قلوب المنافقين وروي ذلك عن الحسن والمثيرة كما روي عن قتادة لأنها أثارت المخازي والقبائح والمدمدمة كما روي عن سفيان بن عيينة والمخزية والمنكلة والمشردة كما ذكر ذلك السخاوي وغيره وسورة براءة فقد أخرج سعيد بن منصور والبيهقي في الشعب وغيرهما عن أبي عطية الهمداني قال : كتب عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه تعلموا سورة براءة وعلموا نساءكم سورة النور وهي مائة وتسع وعشرون عند الكوفيين ومائة وثلاثون عند الباقين ووجه مناسبتها للأنفال أن في الأولى قسمة الغنائم وجعل خمسها لخمسة أصناف على ما علمت وفي هذه قيمة الصدقات وجعلها لثمانية أصناف على ما ستعلم إن شاء الله تعالى وفي الأولى أيضا ذكر العهود وهنا نبذها وأنه تعالى أمر في الأولى بالإعداد فقال سبحانه : { وأعدوا لهم مااستطعتم من قوة } ونعى هنا على المنافقين عدم الإعداد بقوله عز وجل : { ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة } وأنه سبحانه ختم الأولى بإيجاب أن يوالي المؤمنين بعضهم بعضا وأن يكونوا منقطعين عن الكفار بالكلية وصرح جل شأنه في هذه بهذا المعنى بقوله تبارك وتعالى : { براءة من الله ورسوله } الخ إلى غير ذلك من وجوه المناسبة ، وعن قتادة وغيره أنها مع الأنفال سورة واحدة ولهذا لم تكتب بينهما البسملة وقيل : في وجه عدم كتابتها أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم اختلفوا في كونها سورة أو بعض سورة ففصلوا بينها وبين الأنفال رعاية لمن يقول هما سورتان ولم يكتبوا البسملة رعاية لمن يقول هما سورة واحدة والحق أنهما سورتان إلا أنهم لم يكتبوا البسملة بينهما لما رواه أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن علي كرم الله تعالى وجهه من أن البسملة أمان وبراءة نزلت بالسيف ومثله عن محمد ابن الحنفية وسفيان بن عيينة ومرجع ذلك إلى أنها لم تنزل في هذه السورة كأخواتها لما ذكر ويؤيد القول بالإستقلال تسميتها بما مر ، واختار الشيخ الأكبر قدس سره في فتوحاته أنهما سورة واحدة وأن الترك لذلك قال في الباب الحادي والثلثمائة بعد كلام : وأما سورة التوبة فاختلف الناس فيها هل هي سورة مستقلة كسائر السور أو هل هي وسورة الأنفال سورة واحدة فإنه لا يعرف كمال السورة إلا بالفصل بالبسملة ولم تجيء هنا فدل على أنها من سورة الأنفال وهو الأوجه وإن كان لتركها وجه وهو عدم المناسبة بين الرحمة والتبري ولكن ماله تلك القوة بل هو وجه ضعيف ، وسبب ضعفه أنه في الاسم الله من البسملة ما يطلبه والبراءة إنما هي من الشريك لا من المشرك فإن الخالق كيف يتبرأ من المخلوق ولو تبرا منه من كان يحفظ وجوده عليه والشريك معدوم فتصح البراءة منه فهي صفة تنزيه وتنزيه الله تعالى من الشريك والرسول صلى الله تعالى عليه وسلم من إعتقاد الجهل ووجه آخر من ضعف هذا التأويل الذي ذكرناه وهو أن البسملة موجودة في أول سورة { ويل لكل همزة } و { ويل للمطففين } وأين الرحمة من الويل انتهى وقد يقال : كون البراءة من الشريك غير ظاهر من آيتها أصلا وستعلم إن شاء الله تعالى المراد منها وما ذكره قدس سره في الوجه الآخر من الضعف قد يجاب عنه بأن هذه السورة لا تشبهها سورة فإنها ما تركت أحدا كما قال حذيفة إلا نالت منه وهضمته وبالغت في شأنه أما المنافقون والكافرون فظاهر وأما المؤمنون ففي قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم } إلى { الفاسقين } وهو من أشد ما يخاطب به المخالف فكيف بالموافق وليس في سورة ويل ولا في سورة تبت ولا ولا ولو سلم إشتمال سورة على نوع ما اشتملت عليه لكن الامتياز بالكمية والكيفية مما لا سبيل لإنكاره ولذلك تركت فيها البسملة على ما أقول والاسم الجليل وإن تضمن القهر الذي يناسب ما تضمنته السورة لكنه متضمن غير ذلك أيضا مع إقترانه صريحا بما لم يتضمنا سوى الرحمة وليس المقصود هنا إلا إظهار صفة القهر ولا يتأتى ذلك مع الافتتاح بالبسملة ولو سلم خلوص الاسم الجليل له نعم إنه سبحانه لم يترك عادته في إفتتاح السور هنا بالكلية حيث افتتح هذه السورة بالباء كما إفتتح غيرها بها في ضمن البسملة وإن كانت باء البسملة كلمة وباء هذه السورة جزء كلمة وذلك لسر دقيق يعرفه أهله هذا ونقل عن السخاوي أنه قال في جمال القراء : اشتهر ترك التسمية في أول براءة وروي عن عاصم التسمية أولها وهو القياس لأن إسقاطها إما لأنها نزلت بالسيف أو لأنهم لم يقطعوا بأنها سورة مستقلة بل من الأنفال ولا يتم الأول لأنه مخصوص بمن نزلت فيه ونحن إنما نسمي للتبرك ألا ترى أنه يجوز بالإتفاق بسم الله الرحمن الرحيم { وقاتلوا المشركين } الآية ونحوها وإن كان الترك لأنها ليست مستقلة فالتسمية في أول الأجزاء جائزة وروي ثبوتها في مصحف ابن مسعود رضي الله تعالى عنه ، وذهب ابن متادر إلى قراءتها وفي الإقناع جوازها والحق إستحباب تركها حيث أنها لم تكتب في الإمام ولا يقتدى بغيره وأما القول بحرمتها ووجوب تركها كما قاله بعض المشايخ الشافعية فالظاهر خلافه ولا أرى في الإتيان بها بأسا لمن شرع في القراءة من أثناء السورة والله تعالى أعلم .

{ بَرَاءةٌ مّنَ الله وَرَسُولِهِ } أي هذه براءة والتنوين للتفخيم و { مِنْ } ابتدائية كما يؤذن به مقابلتها بإلى متعلقة بمحذوف وقع صفة للخبر لفساد تعلقه به أي واصلة من الله ، وقدروه بذلك دون حاصله لتقليل التقدير لأنه يتعلق به { إلى } الآتي أيضاً ، وجوز أن تكون مبتدأ لتخصيصها بصفتها وخبره قوله تعالى : { إِلَى الذين * عاهدتم مّنَ المشركين } .

وقرأ عيسى بن عمرو { بَرَاءةٌ } بالنصب وهي منصوبة باسمعوا أو الزموا على الإغراء ، وقرأ أهل نجران { مِنَ الله } بكسر النون على أن الأصل في تحريك الساكن الكسر ، لكن الوجه الفتح مع لام التعريف هرباً من توالي الكسرتين ، وإنما لم يذكر ما تعلق به البراءة حسبما ذكر في قوله تعالى : { أَنَّ الله بَرِىء مّنَ المشركين } [ التوبة : 3 ] اكتفاءً بما في حيز الصلة فإنه منبىء عنه إنباءً ظاهراً واحترازاً عن تكرار لفظ من ، والعهد العقد الموثق باليمين ، والخطاب في { عاهدتم } للمسلمين وقد كانوا عاهدوا مشركي العرب من أهل مكة وغيرهم بإذن الله تعالى واتفاق الرسول صلى الله عليه وسلم فنكثوا إلا بني ضمرة وبني كنانة ، وأمر المسلمون بنبذ العهد إلى الناكثين وأملهوا أربعة أشهر ليسيروا حيث شاءوا .

وإنما نسبت البراءة إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم مع شمولها للمسلمين في اشتراكهم في حكمها ووجوب العمل بموجبها وعلقت المعاهدة بالمسلمين خاصة مع كونها بإذن الله تعالى واتفاق الرسول عليه الصلاة والسلام للإنباء عن تنجزها وتحتمها من غير توقف على رأي المخاطبين لأنها عبارة عن إنهاء حكم الأمان ورفع الخطر المترتب على الع ، السابق عن التعرض للكفرة وذلك منوط بجانب الله تعالى من غير توقف على شيء أصلاً ، واشتراك المسلمين إنما هو على طريق الامتثال لا غير ، وأما المعاهدة فحيث كانت عقداً كسائر العقود الشرعية لا تتحصل ولا تترتب عليها الأحكام إلا بمباشرة المتعاقدين على وجه لا يتصور صدوره منه تعالى وإنما الصادر عنه سبحانه الإذن في ذلك وإنما المباشر له المسلمون ، ولا يخفى أن البراءة إنما تتعلق بالعهد لا بالإذن فيه فنسبت كل واحدة منهما إلى من هو أصل فيها ، على أن في ذلك تفخيماً لشأن البراءة وتهويلاً لأمرها وتسجيلاً على الكفرة بغاية الذل والهوان ونهاية الخزي والخذلان ، وتنزيهاً لساحة الكبرياء عما يوهم شائبة النقص والبداء تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً ، وأدراجه صلى الله عليه وسلم في النسبة الأولى وإخراجه عن الثانية لتنويه شأنه الرفيع صلى الله عليه وسلم في كلا المقامين كذا حرره بعض المحققين وهو توجيه وجيه . وزعم بعضهم أن المعاهدة لما لم تكن واجبة بل مباحة مأذونة نسبت إليه بخلاف البراءة فإنها واجبة بإيجابه تعالى فلذا نسبت للشارع وهو كما ترى .

وذكر ابن المنير في سر ذلك أن نسبة الع . د إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم في مقام نسب فيه النبذ من المشركين لا يحسن أدباً .

ألا ترى إلى وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمراء السرايا حيث يقول لهم : «إذا نزلتم بحصن فطلبوا النزول على حكم الله تعالى فأنزلوهم على حكمكم فانكم لا تدرون أصادفتم حكم الله تعالى فيهم أم لا ، وإن طلبوا ذمة الله تعالى فأنزلوهم على ذمتكم فلأن تخفر ذمتكم خير من أن تخفر ذمة الله تعالى » فانظر إلى أمره صلى الله عليه وسلم بتوقير ذمة الله تعالى مخافة أن تخفر وإن كان لم يحصل بعد ذلك الأمر المتوقع ، فتوقير عهد الله تعالى وقد تحقق من المشركين النكث وقد تبرأ منه تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام بأن لا ينسب العهد المنبوذ إليه سبحانه أحرى وأجدر فلذلك نسب العهد للمسلمين دون البراءة منه ولا يخلو عن حسن إلا أنه غير واف وفاء ما قد سبق ، وقيل : إن ذكر الله تعالى للتمهيد كقوله سبحانه : { لاَ تُقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَىِ الله وَرَسُولِهِ } [ الحجرات : 1 ] تعظيماً لشأنه صلى الله عليه وسلم ولولا قصد التمهيد لأعيدت { مِنْ } كما في قوله عز وجل : { كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ الله وَعِندَ رَسُولِهِ } [ التوبة : 7 ] وإنما نسبت البراءة إلى الرسول عليه الصلاة والسلام والمعاهدة إليهم لشركتهم في الثانية دون الأولى . وتعقب بأنه لا يخفى ما فيه فإن من برأ الرسول عليه الصلاة والسلام منه تبرأ منه المؤمنون ، وما ذكر من إعادة الجار ليس بلازم ، وما ذكره من التمهيد لا يناسب المقام لضعف التهويل حينئذ ، وقيل : ولك أن تقول : إنه إنما أضاف العهد إلى المسلمين لأن الله تعالى علم أن لا عهد لهم وأعلم به رسوله عليه الصلاة والسلام فلذا لم يضف العهد إليه لبراءته منهم ومن عهدهم في الأزل ، وهذه نكتة الاتيان بالجملة اسمية خبرية وإن قيل : إنها إنشائية للبراءة منهم ولذا دلت على التجدد .

وفيه أن حديث الأزل لا يتأتى في حق الرسول عليه الصلاة والسلام ظاهراً وبالتأويل لا يبعد اعتبار المسلمين أيضاً ، ونكتة الاتيان بالجملة الاسمية وهي الدلالة على الدوام والاستمرار لا تتوقف على ذلك الحديث فقد ذكرها مع ضم نكتة التوسل إلى التهويل بالتنكير التفخيمي من لم يذكره .

( ومن باب الإشارة ) : أنه سبحانه أشار إلى تمكن رسوله عليه الصلاة والسلام ووصول أصحابه رضي الله تعالى عنهم إلى مقام الوحدة الذاتية بعد أن كانوا محتجبين بالأفعال تارة وبالصفات أخرى وبذلك تحققت الضدية على أكمل وجه بينهم وبين المشركين فنزلت البراءة وأمروا بنبذ العهد ليقع التوافق بين الباطن والظاهر وأمر المشركون بالسياحة في الآرض أربعة أشهر على عدد مواقفهم في الدنيا والآخرة تنبيهاً لهم فإنهم لما وقفوا في الدنيا مع الغير بالشرك حجبوا عن الدين والأفعال والصفات والذات في برزخ الناسوت فلزمهم أن يوقفوا في الآخرة على الله عز وجل ثم على الجبروت ثم على الملكوت ثم على النار في جحيم الآثار فيعذبوا بأنواع العذاب . ومن طبق الآيات على ما في الأنفس ذكر أن هذه المدة هي مدة كمال الأوصاف الأربعة النباتية والحيوانية والشيطانية والإنسانية ثم قال سبحانه لهم : { واعلموا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي الله } إذ لا بد من حبسكم في تلك المواقف بسبب وقوفكم مع الغير بالشرك { وَأَنَّ الله مُخْزِى الكافرين } [ التوبة : 2 ] المحجوبين عن الحق بافتضاحهم عند ظهور رتبة ما عبدوه من دونه ووقوفهم معه على النار