تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا تُقۡسِطُواْ فِي ٱلۡيَتَٰمَىٰ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثۡنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَۖ فَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا تَعۡدِلُواْ فَوَٰحِدَةً أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۚ ذَٰلِكَ أَدۡنَىٰٓ أَلَّا تَعُولُواْ} (3)

تقسطوا : تعدلوا .

تعولوا : تميلوا عن الحق ، وقيل يكثُر عيالكم .

يسأل كثير من الناس قديماً وحديثا : ما وجه الربط بين العدل في معاملة اليتامى ، ونكاح النساء ! وقد سأل عروة بن الزبير خالته عائشة أم المؤمنين ، ففسرت ذلك بأن بعض أولياء اليتامى كان يتزوج بمن عنده من اليتيمات اللاتي يحل له زواجهن ، أو يزوّجها بعض أبنائه ، ويتخذ ذلك ذريعة إلى أكل مالها أو أكل مهرها الذي تستحقه بعقد الزواج . فأنزل الله تعالى هذه الآية مرشدة لهم بأن من كان عنده يتيمة وأراد أن يتزوج بها أو يزوّجها من بعض أبنائه ، لا لغاية أكل مالها أو أكل مهرها ، فلا مانع من ذلك . أما إذا أراد أن يتزوجها ليأكل مالها أو مهرها ، فإن الله يأمره أن يتركها تتزوج غيره ، وله أن يتزوج غيرها .

ولقد أباح له الزواج بأكثر من واحدة إلى أربع نساء . ثم وضع شرطاً مهماً جداً فقال : { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ } بين الزوجات فعليكم أن تكتفوا بواحدة فقط ، لكم أن تتمتّعوا بمن تشاؤون من السراري . واختيار الواحدة أقرب من عدم الجور والظلم ، إذ أن العدل بين النساء من الأمور الصعبة جدا . لذلك قال تعالى في آية أخرى { وَلَن تستطيعوا أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النسآء وَلَوْ حَرَصْتُمْ } والمقصود بالعدل هنا هو المعاملة الطيبة ، والنفقة ، والمعاشرة الحسنة للزوجات على السواء . أما العدل في مشاعر الرجل وميله القلبي فإنه غير ممكن وليس هو المقصود . فإن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقول : «اللهم هذا قَسمي فيما أمِلكَ ، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك » .

وموضوع تعدد الزوجات أمرٌ كثر فيه الكلام قديماً وحديثا ، واتخذه أعداء الإسلام سبيلاً للطعن فيه ، ولا سيما المستشرقون والمبشرون . ولو أن هؤلاء المتعصبين بحثوا الموضوع بتجرد عن الهوى لرأوا أن الإسلام لم يبتدع تعدد الزوجات بل حدّده ووضع قيوداً تقلله بقدر الإمكان . فقد كان التعدد معروفاً ومعمولاً به عند جميع الأمم ، فجاء الإسلام ورخّص فيه وقيّده بقيود صارمة . وذلك لمواجهة واقع الحياة البشرية ، وضرورات الفطرة الإنسانية . إن الناس ليسوا سواء ، فمنهم من لا تكفيه زوجة واحدة ، ومنهم المضطرُّ إلى الجمع لأمور عديدة . والدين الإسلامي ليس ديناً جامداً ، بل هو واقعيٌّ ايجابي ، يتوافق مع فطرة الإنسان وتكوينه كما ينظر إلى واقعه وضروراته ولهذا أباح تعدد الزوجات بذلك التحفظ الشديد ، فيحسن أن يؤخذ هذا الموضوع بيسر ووضوح ، وأن تُعرف الملابسات التي تحيط به ، فلا ينبغي لمسلم أن يقدم على الزواج بأكثر من واحدة إلا لضرورة ، ومع مراعاة ما أوجبه الله من العدل .

{ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } تمتعوا بما شئتم من السراري ، وهذا غير موجود في عصرنا .

{ ذلك أدنى أَلاَّ تَعُولُواْ } أي أن الاقتصار على زوجة واحدة أقرب إلى عدم الوقوع في الظلم والجور ، كما أنه أدعى إلى ألاّ تكثر عيالكم فتعجزوا عن الإنفاق عليهم .

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{وَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا تُقۡسِطُواْ فِي ٱلۡيَتَٰمَىٰ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثۡنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَۖ فَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا تَعۡدِلُواْ فَوَٰحِدَةً أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۚ ذَٰلِكَ أَدۡنَىٰٓ أَلَّا تَعُولُواْ} (3)

{ وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا } الآية ، قالت عائشة : نزلت في أولياء اليتامى الذين يعجبهم جمال أوليائهم فيريدون أن يتزوجوهن ويبخسوهن في الصداق مكان ولايتهم عليهم ، فقيل لهم : أقسطوا في مهورهن ، فمن خاف أن لا يقسط فليتزوج بما طاب له من الأجنبيات اللاتي يوفهن حقوقهن ، وقال ابن عباس : إن العرب كانت تتحرج في أموال اليتامى ولا تتحرج في العدل بين النساء ، فنزلت الآية في ذلك أي : كما تخافون أن لا تقسطوا في اليتامى ، كذلك خافوا النساء ، وقيل : إن الرجل منهم كان يتزوج العشرة أو أكثر ، فإذا ضاق ماله أخذ من مال اليتيم ، فقيل لهم : إن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فاقتصروا في النساء على ما طاب : أي ما حل ، وإنما قال :{ ما } ، ولم يقل : من لأنه أراد الجنس ، وقال الزمخشري : لأن الإناث من العقلاء يجري مجرى غير العقلاء ، ومنه قوله :{ وما ملكت أيمانهم }[ الأحزاب :50 ] .

{ مثنى وثلاث ورباع } لا ينصرف للعدل والوصف ، وهي حال من ما طاب ، وقال ابن عطية بدل ، وهي عدوله عن إعداد مكررة ، ومعنى التكرار فيها أن الخطاب لجماعة ، فيجوز لكل واحد منهم أن ينكح ما أراد من تلك الأعداد ، فتكررت الأعداد بتكرار الناس ، والمعنى أنكحوا اثنتين أو ثلاث أو أربعا وفي ذلك منع لما كان في الجاهلية من تزوج ما زاد على الأربع ، وقال قوم : لا يعبأ بقولهم : إنه يجوز الجمع بين تسع لأن مثنى وثلاث ورباع : يجمع فيه تسعة ، وهذا خطأ ، لأن المراد التخيير بين تلك الأعداد لا الجمع ، ولو أراد الجمع لقال تسع ولم يعدل عن ذلك إلى ما هو أطول منه وأقل بيانا ، وأيضا قد أنعقد الإجماع على تحريم ما زاد على الرابعة .

{ فواحدة } أي : إن خفتم أن لا تعدلوا بين الاثنين أو الثلاث أو الأربع : فاقتصروا على واحدة ، أو على ما ملكت أيمانكم من قليل أو كثير ، رغبة في العدول وانتصاب واحدة بفعل مضمر تقديره فانكحوا واحدة .

{ ذلك أدنى ألا تعولوا } الإشارة إلى الاقتصار على الواحدة ، والمعنى أن ذلك أقرب إلى أن لا تعولوا ومعنى تعولوا : تميلوا ، وقيل : يكثر عيالكم .