سورة النساء مدنية بعد الممتحنة عدد آياتها ست وسبعون ومائة ، فهي أطول سورة مدنية في القرآن بعد سورة البقرة . ويطلق عليها اسم " سورة النساء الكبرى " تمييزا لها عن سورة " الطلاق " التي يسميها البعض " سورة النساء الصغرى " .
وتشتمل هذه السورة على وضع الأسس للاستقرار الداخلي والاستقرار الخارجي في المجتمع ، ذلك أن احتفاظ الأمم بكيانها يرتبط بهذين الأمرين العظيمين . فالاستقرار الداخلي : أساسه صلاح الأسرة ، وصلاح المال في ظل تشريع عادل مبني على مراعاة مقتضيات الطبيعة الإنسانية ، مجرد من تحكيم الأهواء والشهوات . والاستقرار الخارجي : أساسه احتفاظ الأمة بشخصيتها وقدرتها على مقاومة الشر الذي قد يطرأ عليها ، والعدو الذي يطمع فيها .
وقد تكفّلت سورة النساء بوضع أسس الأحكام التي تصلح بها هذه النواحي ، فعرضت للموضوعات التالية :
العناية بشأن النساء ، تنظيم الأسرة والزواج ، المال ، أسس الجماعة الإسلامية ، مصادر التشريع ، العناية باليتامى في أنفسهم وأموالهم وإحسان تربيتهم ، ألوان التمرد على التشريع ، مكافحة الآراء والشُبه الضارة ، أحكام الميراث ، القتال وأهدافه في الإسلام ، وتتويج هذا كله بالدعوة إلى الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وما جاء به من هداية ونور .
الزوج : يطلق على الذكر والأنثى .
تساءلون به : يسأل بعضكم بعضا به ، كأن يقول : سألتك بالله أن تفعل كذا . الأرحام : جمع رحم وهي القرابة .
يا أيها الناس احذروا عصيان خالقكم ، الذي أنشأكم من العدم ، واذكروا أنه أوجدكم من نفس واحدة خلق منها زوجها ، ثم نشر منها رجالاً ونساء كثيرين . فاتقوا الله الذي تستعينون به في كل ما تحتاجون ، ويسأل بعضكم بعضا باسمه فيما تتبادلون من أمور . كذلك تذكَّروا حقوق الرحم والقرابةِ عليكم فلا تفّرطوا فيها ولا تقطعوا وشائجها .
وقد قرن الله الرحم باسمه الكريم لأن صلتها أمر عظيم عنده . وقد ورد في الحديث الصحيح «أن الرحم تقول : من وصلني وصله الله ، ومن قطعني قطعه الله » ، وكذلك قال رسول الله «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصِل رحمه » . قراءات :
قرأ عاصم وحمزة والكسائي : «تساءلون » بفتح السين المخففة ، وقرأ الباقون «تساءلون » بفتح السين المشددة ، وقرأ حمزة «والأرحام » بجر الميم .
{ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا }
افتتح تعالى هذه السورة بالأمر بتقواه ، والحث على عبادته ، والأمر بصلة الأرحام ، والحث على ذلك .
وبيَّن السبب الداعي الموجب لكل من ذلك ، وأن الموجب لتقواه لأنه { رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ } ورزقكم ، ورباكم بنعمه العظيمة ، التي من جملتها خلقكم { مِن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا } ليناسبها ، فيسكن إليها ، وتتم بذلك النعمة ، ويحصل به السرور ، وكذلك من الموجب الداعي لتقواه تساؤلكم به وتعظيمكم ، حتى إنكم إذا أردتم قضاء حاجاتكم ومآربكم ، توسلتم بها بالسؤال بالله . فيقول من يريد ذلك لغيره : أسألك بالله أن تفعل الأمر الفلاني ؛ لعلمه بما قام في قلبه من تعظيم الله الداعي أن لا يرد من سأله بالله ، فكما عظمتموه بذلك فلتعظموه بعبادته وتقواه .
وكذلك الإخبار بأنه رقيب ، أي : مطلع على العباد في حال حركاتهم وسكونهم ، وسرهم وعلنهم ، وجميع أحوالهم ، مراقبا لهم فيها مما يوجب مراقبته ، وشدة الحياء منه ، بلزوم تقواه .
وفي الإخبار بأنه خلقهم من نفس واحدة ، وأنه بثهم في أقطار الأرض ، مع رجوعهم إلى أصل واحد -ليعطف بعضهم على بعض ، ويرقق بعضهم على بعض . وقرن الأمر بتقواه بالأمر ببر الأرحام والنهي عن قطيعتها ، ليؤكد هذا الحق ، وأنه كما يلزم القيام بحق الله ، كذلك يجب القيام بحقوق الخلق ، خصوصا الأقربين منهم ، بل القيام بحقوقهم هو من حق الله الذي أمر به .
وتأمل كيف افتتح هذه السورة بالأمر بالتقوى ، وصلة الأرحام والأزواج عموما ، ثم بعد ذلك فصل هذه الأمور أتم تفصيل ، من أول السورة إلى آخرها . فكأنها مبنية على هذه الأمور المذكورة ، مفصلة لما أجمل منها ، موضحة لما أبهم .
وفي قوله : { وخلق مِنْهَا زَوْجَهَا } تنبيه على مراعاة حق الأزواج والزوجات والقيام به ، لكون الزوجات مخلوقات من الأزواج ، فبينهم وبينهن أقرب نسب وأشد اتصال ، وأقرب{[182]} علاقة .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.