في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَوۡفُواْ بِٱلۡعُقُودِۚ أُحِلَّتۡ لَكُم بَهِيمَةُ ٱلۡأَنۡعَٰمِ إِلَّا مَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ غَيۡرَ مُحِلِّي ٱلصَّيۡدِ وَأَنتُمۡ حُرُمٌۗ إِنَّ ٱللَّهَ يَحۡكُمُ مَا يُرِيدُ} (1)

مقدمة السورة:

سورة المائدة مدنية وآياتها عشرون ومائة

نزل هذا القرآن الكريم على قلب رسول الله [ ص ] لينشى ء به أمة ؛ وليقيم به دولة ؛ ولينظم به مجتمعا ؛ وليربي به ضمائر وأخلاقا وعقولا ؛ وليحدد به روابط ذلك المجتمع ؛ فيما بينه ؛ وروابط تلك الدولة مع سائر الدول ؛ وعلاقات تلك الأمة بشتى الأمم . . وليربط ذلك كله برباط قوي واحد ، يجمع متفرقة ، ويؤلف أجزاءه ، ويشدها كلها إلى مصدر واحد ، وإلى سلطان واحد ، وإلى جهة واحدة . . وذلك هو الدين ، كما هو في حقيقته عند الله ؛ وكما عرفه المسلمون . أيام أن كانوا " مسلمين " !

ومن ثم نجد في هذه السورة - كما وجدنا في السور الثلاث الطوال قبلها - موضوعات شتى ؛ الرابط بينها جميعا هو هذا الهدف الأصيل الذي جاء القرآن كله لتحقيقه : إنشاء أمة ، وإقامة دولة ، وتنظيم مجتمع ؛ على أساس من عقيدة خاصة ، وتصور معين ، وبناء جديد . . الأصل فيه إفراد الله - سبحانه - بالألوهية والربوبية والقوامة والسلطان ؛ وتلقي منهج الحياة وشريعتها ونظامها وموازينها وقيمها منه وحده بلا شريك . .

وكذلك نجد بناء التصور الاعتقادي وتوضيحه وتخليصه من أساطير الوثنية ، وانحرافات أهل الكتاب وتحريفاتهم . . إلى جانب تبصير الجماعة المسلمة بحقيقة ذاتها وحقيقة دورها ، وطبيعة طريقها وما في هذا الطريق من مزالق وأشواك ، وشباك يرصدها لها أعداؤها وأعداء هذا الدين . . إلى جانب أحكام الشعائر التعبدية التي تطهر روح الفرد المسلم وروح الجماعة المسلمة ؛ وتربطها بربها . إلى جانب التشريعات الاجتماعية التي تنظم روابط مجتمعها ؛ والتشريعات الدولية التي تنظم علاقاتها بغيرها . . إلى جانب التشريعات التي تحلل وتحرم ألوانا من المآكل والمشارب والمناكح ؛ أو ألوانا من الأعمال والمسالك . . كل ذلك حزمة واحدة في السورة الواحدة يمثل معنى " الدين " كما أراده الله وكما فهمه المسلمون . أيام أن كانوا مسلمين .

على أن السياق القرآني - كما يبدو في هذه السورة وكما رأيناه في سورتي آل عمران والنساء من قبل لا يكتفي بهذا المعنى الضمني المستفاد من سوق هذه الموضوعات كلها في إطار سورة واحدة ؛ وسوقها كذلك في شتى سور القرآن المتفرقة التي تؤلف هذا الكتاب ؛ وتمثل المنهج الرباني الذي يتضمنه . . لا يكتفي السياق القرآني هنا بهذا المعنى الضمني ؛ إنما ينص عليه نصا ؛ ويؤكده تأكيدا ؛ ويتكى ء عليه اتكاء شديدا وهو ينص على أن هذا كله هو " الدين " ؛ وأن الإقرار به كله هو " الإيمان " ؛ وأن الحكم به كله " هو الإسلام " . . وأن الذين لا يحكمون بما أنزل الله هم الكافرون . الظالمون . الفاسقون . . وأنهم - إذن - يبتغون حكم الجاهلية ولا يبتغي حكم الجاهلية المؤمنون المسلمون .

وهذا الأصل الكبير هو الذي يبرز في هذه السورة بروزا واضحا مقررا منصوصا عليه نصا . إلى جانب تصحيح التصور الاعتقادي الذي يقوم عليه هذا الأصل الكبير . .

ويحسن أن نصور من سياق النصوص القرآنية في السورة كيف برز هذان الأصلان الكبيران في سياقها كله ، وكيف يقوم هذا على ذاك قياما طبيعيا ومنطقيا .

إن السياق القرآني يستند في تقرير أن الحكم بما أنزل الله هو " الإسلام " ؛ وأن ما شرعه الله للناس من حلال أو حرام هو " الدين " إلى أن الله هو " الإله الواحد " لا شريك له في ألوهيته ؛ وإلى أن الله هو الخالق الواحد لا شريك له في خلقه . وإلى أن الله هو المالك الواحد لا شريك له في ملكه . . ومن ثم يبدو حتميا ومنطقيا ألا يقضي شيء إلا بشرعه وإذنه . فالخالق لكل شيء ، المالك لكل شيء ، هو صاحب الحق ، وصاحب السلطان في تقرير المنهج الذي يرتضيه لملكه ولخلقه . . هو الذي يشرع فيما يملك ؛ وهو الذي يطاع شرعه وينفذ حكمه ؛ وإلا فهو الخروج والمعصية والكفر . . إنه هو الذي يقرر الاعتقاد الصحيح للقلب ؛ كما يقرر النظام الصحيح للحياة سواء بسواء . والمؤمنون به هم الذين يؤمنون بالعقيدة التي يقررها ؛ ويتبعون النظام الذي يرتضيه . هذه كتلك سواء بسواء . وهم يعبدونه بإقامة الشعائر ، ويعبدونه باتباع الشرائع ، بلا تفرقة بين الشعيرة والشريعة ؛ فكلتاهما من عند الله ، الذي لا سلطان لأحد في ملكه وعباده معه . بما أنه هو الإله الواحد . المالك الواحد . العليم بما في السموات والأرض جميعا . . ومن ثم فإن الحكم بشريعة الله هو دين كل نبي ؛ لأنه هو دين الله ، ولا دين سواه .

ومن ثم تتوارد النصوص هكذا في ثنايا السورة ؛ في تقرير الألوهية الواحدة ؛ ونفي كل شرك أو تثليث أو خلط بين ذات الله - سبحانه - وبين غيره . أو بين خصائص الألوهية ، وخصائص العبودية على الإطلاق : يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير . قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين . يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام . ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه . ويهديهم إلى صراط مستقيم . لقد كفر الذين قالوا : إن الله هو المسيح ابن مريم . قل . فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا ؟ ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما ، يخلق ما يشاء . والله على كل شيء قدير . وقالت اليهود والنصارى : نحن أبناء الله وأحباؤه ! قل فلم يعذبكم بذنوبكم ؟ بل أنتم بشر ممن خلق . يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء . ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما ، وإليه المصير . يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل ، أن تقولوا : ما جاءنا من بشير ولا نذير . فقد جاءكم بشير ونذير . والله على كل شيء قدير . .

( لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم . وقال المسيح : يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم ، إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ، ومأواه النار ، وما للظالمين من أنصار . لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة . وما من إله إلا إله واحد . وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم . . .

ولأن الله هو وحده الإله ، وهو وحده الخالق ، وهو وحده المالك . . فهو وحده الذي يشرع ، هو وحده الذي يحلل ويحرم ، وهو وحده الذي يطاع فيما يشرع وفيما يحرم أو يحلل . كما أنه هو وحده الذي يعبد ، وهو وحده الذي يتوجه إليه العباد بالشعائر . وقد أخذ الميثاق على عباده بهذا كله ؛ فهو يطالب الذين آمنوا أن يفوا بميثاقهم وتعاقدهم معه ؛ ويحذرهم عواقب نقض الميثاق وخلف العقود ؛ كما وقع من بني إسرائيل قبلهم :

( يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود . . . )

( يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ، ولا الشهر الحرام ، ولا الهدي ، ولا القلائد ، ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا . . . )

واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به ، إذ قلتم : سمعنا وأطعنا ، واتقوا الله إن الله عليم بذات الصدور . يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا . اعدلوا هو أقرب للتقوى ، واتقوا الله . إن الله خبير بما تعملون .

لقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل ، وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا ؛ وقال الله : إني معكم ، لئن أقمتم الصلاة ، وآتيتم الزكاة ، وآمنتم برسلي ، وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا ، لأكفرن عنكم سيئاتكم ، ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار . فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل . فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ، ونسوا حظا مما ذكروا به . ولا تزال تطلع على خائنة منهم - إلا قليلا منهم - فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين . ومن الذين قالوا : إنا نصارى أخذنا ميثاقهم ، فنسوا حظا مما ذكروا به ؛ فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة ، وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون .

ويتضمن سياق السورة أحكاما شرعية منوعة : منها ما يتعلق بالحلال والحرام من الذبائح ومن الصيد . ومنها ما يتعلق بالحلال والحرام في فترة الإحرام وفي المسجد الحرام . ومنها ما يتعلق بالحلال والحرام من النكاح . ومنها ما يتعلق بالطهارة والصلاة . ومنها ما يتعلق بالقضاء وإقامة العدل فيه . ومنها ما يتعلق بالحدود في السرقة وفي الخروج على الجماعة المسلمة . ومنها ما يتعلق بالخمر والميسر والأنصاب والأزلام . ومنها ما يتعلق بالكفارات في قتل الصيد مع الإحرام وفي اليمين . ومنها ما يتعلق بالوصية عند الموت . ومنها ما يتعلق بالبحيرة والسائبة والوصيلة والحامي من الأنعام ، ومنها ما يتعلق بشريعة القصاص في التوراة مما جعله الله كذلك شريعة للمسلمين . . وهكذا تلتقي الشرائع بالشعائر في سياق السورة بلا حاجز ولا فاصل !

وإلى جوار هذه الأحكام الشرعية المنوعة يجيء الأمر بالطاعة والتقيد بما شرعه الله وما أمر به ؛ والنهي عن التحريم والتحليل إلا بإذنه ؛ ويجيء النص على أن هذا هو الدين الذي ارتضاه الله للأمة المؤمنة بعد أن أكمله وأتم به نعمته :

( يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ، ولا الشهر الحرام ، ولا الهدي ، ولا القلائد ، ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا . . ) . .

( يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا . . . ) . .

( وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا . . ) . .

( اليوم أكملت لكم دينكم ، وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا . . )

ولا يدع السياق أمر الطاعة والاتباع في التحليل والتحريم مجملا . إنما هو ينص نصا على وجوب الحكم بما أنزل الله - دون سواه - وإلا فهو الكفر والظلم والفسق . . وتتوارد النصوص القرآنية في هذا الأمر حاسمة جازمة على هذا النسق :

( يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ، من الذين قالوا : آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ، ومن الذين هادوا ، سماعون للكذب ، سماعون لقوم آخرين لم يأتوك . يحرفون الكلم من بعد مواضعه ؛ يقولون : إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا - ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا - أولئك الذين ) ( لم يرد الله أن يطهر قلوبهم ، لهم في الدنيا خزي ، ولهم في الآخرة عذاب عظيم . سماعون للكذب أكالون للسحت . فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم . وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا . وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط ، إن الله يحب المقسطين ، وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ، ثم يتولون من بعد ذلك ، وما أولئك بالمؤمنين . إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور ، يحكم بها النبيون الذين أسلموا ، للذين هادوا ، والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء . فلا تخشوا الناس واخشون ، ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا . . ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون . . وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس ، والعين بالعين ، والأنف بالأنف ، والأذن بالأذن ، والسن بالسن ، والجروح قصاص . فمن تصدق به فهو كفاره له . . ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون . . وقفينا على آثارهم بعيسى بن مريم ، مصدقا لما بين يديه من التوراة ، وآتيناه الإنجيل ، فيه هدى ونور ، ومصدقا لما بين يديه من التوراة ، وهدى وموعظة للمتقين ، وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه . . ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون . . وأنزلنا إليك الكتاب بالحق ، مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه . . فاحكم بينهم بما أنزل الله ، ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق . . لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا . ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ؛ ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات ، إلى الله مرجعكم جميعا ، فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون . . وأن احكم بينهم بما أنزل الله ، ولا تتبع أهواءهم ، واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك . . فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم ، وإن كثيرا من الناس لفاسقون . . أفحكم الجاهلية يبغون ؟ ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ؟ )

وهكذا تتبين القضية . . إله واحد . وخالق واحد . ومالك واحد . . وإذن فحاكم واحد . ومشرع واحد . ومتصرف واحد . . وإذن فشريعة واحدة ، ومنهج واحد ، وقانون واحد . . وإذن فطاعة واتباع وحكم بما أنزل الله ، فهو إيمان وإسلام . أو معصية وخروج وحكم بغير ما أنزل الله ، فهو كفر وظلم وفسوق . . وهذا هو الدين كما أخذ الله ميثاق العباد جميعا عليه ، وكما جاء به كل الرسل من عنده . . أمة محمد والأمم قبلها على السواء . .

ولم يكن بد أن يكون " دين الله " هو الحكم بما أنزل الله دون سواه . فهذا هو مظهر سلطان الله . مظهر حاكمية الله . مظهر أن لا إله إلا الله .

وهذه الحتمية : حتمية هذا التلازم بين " دين الله " و " الحكم بما أنزل الله " لا تنشأ فحسب من أن ما أنزل الله خير مما يصنع البشر لأنفسهم من مناهج وشرائع وأنظمة وأوضاع . فهذا سبب واحد من أسباب هذه الحتمية . وليس هو السبب الأول ولا الرئيسي . إنما السبب الأول والرئيسي ، والقاعدة الأولى والأساس في حتمية هذا التلازم هي أن الحكم بما أنزل الله إقرار بألوهية الله ، ونفي لهذه الألوهية وخصائصها عمن عداه . وهذا هو " الإسلام " بمعناه اللغوي : " الاستسلام " وبمعناه الاصطلاحي كما جاءت به الأديان . . الإسلام لله . . والتجرد عن ادعاء الألوهية معه ؛ وادعاء أخص خصائص الألوهية ، وهي السلطان والحاكمية ، وحق تطويع العباد وتعبيدهم بالشريعة والقانون .

ولا يكفي إذن أن يتخذ البشر لأنفسهم شرائع تشابه شريعة الله . أو حتى شريعة الله نفسها بنصها ، إذا هم نسبوها إلى أنفسهم ، ووضعوا عليها شاراتهم ؛ ولم يردوها لله ؛ ولم يطبقوها باسم الله ، إذعانا لسلطانه ، واعترافا بألوهيته ؛ وبتفرده بهذه الألوهية . التفرد الذي يجرد العباد من حق السلطان والحاكمية ، إلا تطبيقالشريعة الله ، وتقريرا لسلطانه في الأرض .

ومن هذه الحتمية ينشأ الحكم الذي تقرره الآيات في سياق السورة : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) . . ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ) . . ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ) . . ذلك أن الذين لا يحكمون بما أنزل الله يعلنون رفضهم لألوهية الله - سبحانه - ورفضهم لإفراد الله - سبحانه - بهذه الألوهية . يعلنون هذا الرفض بعملهم وواقعهم ؛ ولو لم يعلنوه بأفواههم وألسنتهم . ولغة العمل والواقع أقوى وأكبر من لغة الفم واللسان . ومن ثم يصمهم القرآن بالكفر والظلم والفسق ، أخذا من رفضهم لألوهية الله - حين يرفضون حاكميته المطلقة ؛ وحين يجعلون لأنفسهم خاصة الألوهية الأولى فيشرعون للناس من عند أنفسهم ما لم يأذن به الله .

وعلى هذا المعنى يتكى ء سياق السورة ونصوصها الواضحة الصريحة كذلك .

شأن آخر يتناوله سياق السورة ؛ غير بناء التصور الاعتقادي الصحيح ، وبيان الانحرافات التي تتلبس به عند أهل الكتاب وأهل الجاهلية ؛ وغير بيان معنى " الدين " وأنه الاعتقاد الصحيح والطاعة والتلقي من الله وحده في التحريم والتحليل ، والحكم بما أنزل الله وحده دون تعديل أو تحريف أو تبديل .

ذلك هو شأن هذه الأمة المسلمة ؛ دورها الحقيقي في هذه الأرض ؛ وموقفها تجاه أعدائها ، وكشف هؤلاء الأعداء ، وكيدهم لهذه الأمة ولهذا الدين ؛ وبيان ما هم عليه من الضلالة والانحراف في عقيدتهم ؛ وما هم عليه كذلك من العداء للجماعة المسلمة وإجماع الكيد لها . . إنها المعركة التي يخوضها القرآن الكريم بالجماعة المسلمة ؛ والتي سبق الحديث عنها في السور الثلاث الطوال السابقة . .

إن كتاب هذه الأمة هو كتاب الله الأخير للبشر ؛ وهو يصدق ما بين يديه من الكتاب في أصل الاعتقاد والتصور ؛ ولكنه - بما أنه هو الكتاب الأخير - يهيمن على كل ما سبقه وإليه تنتهي شريعة الله التي ارتضاها لعباده إلى يوم الدين ؛ فما أقره من شرائع أهل الكتاب قبله فهو من شرع الله ؛ وما نسخه فقد فقد صفته هذه وإن كان واردا في كتاب من الكتب المنزلة :

( اليوم أكملت لكم دينكم ، وأتممت عليكم نعمتي ، ورضيت لكم الإسلام دينًا . . )

( وأنزلنا إليك الكتاب بالحق ، مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه ) . .

ومن ثم فإن دور هذه الأمة هو أن تكون الوصية على البشرية ؛ تقيم العدل في الأرض ، غير متأثرة بمودة أو شنآن ، وغير ناظرة في إقامة العدل إلى ما أصابها أو يصيبها من الناس فهذه هي تكاليف القوامة والوصاية والهيمنة . . وغير متأثرة كذلك بانحرافات الآخرين وأهوائهم وشهواتهم ؛ فلا تنحرف فيه شعرة عن منهجها وشريعتها وطريقها القويم ؛ لاسترضاء أحد أو لتأليف قلب ؛ وغير ناظرة إلا إلى الله وتقواه :

( ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا ؛ وتعاونوا على البر والتقوى ، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ، واتقوا الله إن الله شديد العقاب ) . .

( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله ، شهداء بالقسط ؛ ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا . اعدلوا هو أقرب للتقوى ، واتقوا الله ، إن الله خبير بما تعملون ) .

( وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه ، فاحكم بينهم بما أنزل الله ؛ ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق ) .

( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ، ولا تتبع أهواءهم ، واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم ، وإن كثيرا من الناس لفاسقون ) .

ومن مقتضيات أن هذه الأمة هي وارثة الرسالات ؛ وصاحبة الرسالة الأخيرة ، والدين الاخير ؛ وصاحبة الوصاية والقوامة على البشرية بهذا الدين الأخير . . ألا تتولى من يكفرون بهذا الدين ؛ ومن يتخذون فرائضه وشعائره هزوا ولعبا . إنما تتولى الله ورسوله ، ولا تركن إلى ولاية غير المؤمنين بالله ورسوله . فإنما هي أمة بعقيدتها لا بجنسها ، ولا بأرضها ، ولا بموروثاتها الجاهلية . إنما هي " أمة " بهذه العقيدة الجديدة ، وبهذا المنهج الرباني ، وبهذه الرسالة الأخيرة . . وهذه هي آصرة التجمع الوحيدة :

( اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون . اليوم أكملت لكم دينكم ، وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا . . )

( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء ؛ بعضهم أولياء بعض ، ومن يتولهم منكم فإنه منهم ، إن الله لا يهدي القوم الظالمين ) . .

( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون . ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون ) . .

( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء ، واتقوا الله إن كنتم مؤمنين ، وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا ، ذلك بأنهم قوم لا يعقلون ) . .

( يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم ، لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ) . .

أما أعداء هذه الأمة فهم أعداء الهدى ، وأعداء منهج الله الصحيح دائما . وهم لا يريدون رؤية الحق ؛ كما أنهم لا يريدون ترك العداء المستحكم في قلوبهم لهذا الحق من قبل ومن بعد . وعلى الأمة المسلمة أن تعرفهم على حقيقتهم ، من تاريخهم القديم مع رسل الله ؛ ومن موقفهم الجديد منها ومن رسولها ودينها القويم :

( ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل ؛ وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا ؛ وقال الله : إني معكم . لئن أقمتم الصلاة ، وآتيتم الزكاة ، وآمنتم برسلي ، وعزرتموهم ، وأقرضتم الله قرضا حسنا ، لأكفرن عنكم سيئاتكم ؛ ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار . فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل . فيما نقضهم ميثاقهم لعناهم ، وجعلنا قلوبهم قاسية ، يحرفون الكلم عن مواضعه ، ونسوا حظا مما ذكروا به . ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم . فاعف عنهم واصفح ، إن الله يحب المحسنين . . ومن الذين قالوا : إنا نصارى أخذنا ميثاقهم ، فنسوا حظا مما ذكروا به ؛ فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة ؛ وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون .

( وإذ قال موسى لقومه : يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم ، إذ جعل فيكم أنبياء ، وجعلكم ملوكا ، وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين . يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ؛ ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين . قالوا : يا موسى إن فيها قوما جبارين ، وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها ، فإن يخرجوا منها فإنا داخلون . قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما : ادخلوا عليهم الباب ؛ فإذا دخلتموه فإنكم غالبون ، وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين . قالوا : يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها . فاذهب أنت وربك فقاتلا ، إنا هاهنا قاعدون . قال : رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين . قال : فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض ؛ فلا تأس على القوم الفاسقين . .

( من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ؛ ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا . . ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ، ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون )

( يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ، من الذين قالوا : آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ؛ ومن الذين هادوا . سماعون للكذب ، سماعون لقوم آخرين لم يأتوك ، يحرفون الكلم من بعد مواضعه ، يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه ، وإن لم تؤتوه فاحذروا . ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا . أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم ، لهم في الدنيا خزي ، ولهم في الآخرة عذاب عظيم . سماعون للكذب أكالون للسحت . . إلخ . . )

( قل : يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله ، وما أنزل إلينا ، وما أنزل من قبل ؛ وأن أكثركم فاسقون ؟ قل : هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله ؟ من لعنه الله وغضب عليه ، وجعل منهم القردة والخنازير ، وعبد الطاغوت . . أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل . . ) .

( وإذا جاؤوكم قالوا آمنا ، وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به ؛ والله أعلم بما كانوا يكتمون . وترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم والعدوان ، وأكلهم السحت . لبئس ما كانوا يعملون ! لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت ! لبئس ما كانوا يصنعون ! وقالت اليهود : يد الله مغلولة . غلت أيديهم ، ولعنوا بما قالوا ! بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء . وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا ؛ وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة ، كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ؛ ويسعون في الأرض فسادا ، والله لا يحب المفسدين . )

( قل : يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم . وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا ، فلا تأس على القوم الكافرين )

( لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلا ؛ كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون . وحسبوا ألا تكون فتنة فعموا وصموا . ثم تاب الله عليهم . ثم عموا وصموا . . كثير منهم . . والله بصير بما يعملون ) .

( لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم . ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون . كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه . لبئس ما كانوا يفعلون . ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا ، لبئس ما قدمت لهم أنفسهم : أن سخط الله عليهم ، وفي العذاب هم خالدون . ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء . ولكن كثيرا منهم فاسقون . . )

( لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا . ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا : إنا نصارى . ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون )إلخ .

وهذه الحملة الكاشفة على أعداء الجماعة المسلمة ؛ والتركيز فيها على اليهود والمشركين بصفة خاصة مع إشارات إلى المنافقين والنصارى أحيانا ، تؤدي بنا إلى شأن آخر مما تعالجه هذه السورة :

إنها تعالج موقفا حاضرا في حياة الجماعة المسلمة في المدينة يومذاك . . كما تعالج موقف الأمة المسلمة ، في تاريخها كله تجاه المعسكرات المعادية لها . . وإنها لهي هي . . على مدار الزمان !

ففي أية فترة تاريخية من حياة الجماعة المسلمة في المدينة تنزلت هذه السورة ؟

في روايات كثيرة أن هذه السورة نزلت بعد سورة الفتح . . وسورة الفتح معروف أنها نزلت في الحديبية في العام السادس من الهجرة . . وفي بعض هذه الروايات أنها نزلت مرة واحدة فيما عدا الآية الثالثة ، التي فيها : ( اليوم أكملت لكم دينكم . . . ) فإنها نزلت في حجة الوداع في السنة العاشرة . .

ولكن المراجعة الموضوعية للسورة للسورة مع أحداث السيرة تكاد تنفي هذه الرواية التي تقول : إن السورة نزلت بكاملها بعد " الفتح " ؛ فضلا على أن هناك حادثة من حوادث السيرة في غزوة بدر ، تقطع بأن الآيات الخاصة بموقف بني إسرئيل مع موسى - عليه السلام - من دخول الأرض المقدسة ، كانت معروفة للمسلمين قبل غزوة بدر في السنة الثانية الهجرية . وقد وردت إشارة إليها على لسان سعد بن معاذ الأنصارى - رضي الله عنه - في رواية ، وعلى لسان المقداد بن عمرو في رواية ، وهو يقول لرسول الله [ ص ] : " إذن والله لا نقول لك يا رسول الله كما قال قوم موسى لموسى : اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون . . ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما متبعون . . الخ " . .

أما المراجعة الموضوعية فتصور الموقف بأنه كانت لليهود - في ذلك الوقت الذي نزلت فيه الآيات الخاصة بهم - قوة ونفوذ وعمل في المدينة ، وفي الصف المسلم ؛ مما اقتضى هذه الحملة لكشف موقفهم وإبطال كيدهم . وهذه القوة وهذا النفوذ كانا قد تضاءلا بعد وقعة بني قريظة ، عقب غزوة الخندق ، وقد تطهرت الأرض من القبائل الثلاث اليهودية القوية : بني قينقاع ، وبني النضير وبني قريظة . فلم يكن لهم بعد الحديبية ما يدعو إلى العناية بشأنهم إلى هذا الحد . ثم لقد كانت فترة المهادنة معهم والخطة السليمة قد انتهت ولم يعد لها موضع بعد الذي بدا منهم . فقول الله تعالى لنبيه الكريم : ( ولا تزال تطلع على خائنة منهم - إلا قليلا منهم - فاعف عنهم واصفح . . )لا بد سابق على هذه الفترة . وكذلك أمره بالحكم بينهم أو الإعراض عنهم . .

ومن هذه الملاحظات يترجح لدينا أن مطالع السورة وبعض مقاطعها هي التي نزلت بعد سورة الفتح ؛ بينما نزلت مقاطع منها قبل ذلك ، كما أن الآية التي فيها قول الله تعالى : ( اليوم أكملت لكم دينكم )لا بد أن تكون قد نزلت بعد ذلك . فقد كانت آخر ما نزل من القرآن على أرجح الأقوال . وأن السورة لم تنزل كلها مرة واحدة كما جاء في إحدى الروايات .

وكما قلنا من قبل في تقديم سورة البقرة ، وتقديم سورة آل عمران ، وتقديم سورة النساء ، نقول هنا عن المعركة التي كان القرآن يخوضها ، بالجماعة المسلمة ، مع أعداء هذه الجماعة ، وأعداء دينها ، وفي مقدمتهم اليهود والمشركون والمنافقون ، وذلك مع بناء التصور الإسلامي في نفوس المؤمنين ؛ ومع تنظيم المجتمع الإسلامي بالتوجيهات والتشريعات . . كل ذلك في وقت واحد ؛ وفي منهج واحد ؛ وفي نفس واحد !

وأهم قواعد البناء : تخليص عقيدة التوحيد من كل غبش . وبيان معنى " الدين " وأنه هو منهج الحياة ؛ وأن الحكم بما أنزل الله وحده ، والتلقي في شئون الحياة كلها من الله وحده هو الإيمان ، وهو الإسلام ؛ وبغير هذا لا يكون هناك توحيد لله . فتوحيد الله هو إفراده - سبحانه - بالألوهية ؛ وبخصائص الألوهية بحيث لا يكون له فيها شريك . والحاكمية والتشريع للناس من خصائص الألوهية ، كتعبيدهم بالعبادة الشعائرية سواء بسواء . . وهذه السورة أشد تركيزا على هذه النقطة كما أسلفنا . .

ومع تقارب الموضوعات التي تعالجها السور الطوال الثلاث السابقة مع الموضوعات التي تعالجها هذه السورة - كما يبدو من هذا الاستعراض السريع - فإنه تبقى لكل سورة " شخصيتها " وجوها وظلالها وأسلوبها الخاص في معالجة هذه الموضوعات ، والزوايا التي تعالجها منها ، والأضواء التي تسلطها عليها ؛ ونوع المؤثرات الموحية المصاحبة للعرض ؛ بحيث تتميز " شخصية " كل سورة تماما ؛ ويبرز طابعها الخاص .

والطابع البارز لهذه السورة هو طابع التقرير والحسم في التعبير . . سواء في ذلك الأحكام الشرعية التي تقتضي بطبيعتها التقرير والحسم في القرآن كله ؛ أو المبادى ء والتوجيهات ، التي قد تتخذ في غير هذه السورة صورا أخرى ؛ ولكنها في هذه السورة تقرر في حسم وصرامة ؛ في أسلوب التقرير الدقيق ، وهو الطابع العام المميز لشخصية السورة . . من بدئها إلى منتهاها .

وقبل أن ننهي هذا التقديم للسورة لا يسعنا إلا أن نبرز الحقيقية التي تتضمنها الآية الثالثة منها . . فإن قول الله سبحانه لهذه الأمة : ( اليوم أكملت لكم دينكم ، وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا ) . . يتضمن توحيد المصدر الذي تتلقى منه هذه الأمة منهج حياتها ونظام مجتمعها ، وشرائع ارتباطاتها ومصالحها إلى يوم القيامة ، كما يتضمن استقرار هذا الدين بكل جزئياته الاعتقادية والتعبدية والتشريعية ؛ فلا تعديل فيها ولا تغيير ؛ فقد اكتمل هذا الدين وتم وانتهى أمره . وتعديل شيء فيه كإنكاره كله ؛ لأنه إنكار لما قرره الله من تمامه وكماله ؛ وهذا الإنكار هو الكفر الذي لا جدال فيه . . أما العدول عنه كله إلى منهج آخر ، ونظام آخر ، وشريعة أخرى ؛ فلا يحتاج منا إلى وصف ، فقد وصفه الله - سبحانه - في السورة . ولا زيادة بعد وصف الله - سبحانه - لمستزيد . .

إن هذه الآية تقرر - بما لا مجال للجدال فيه - أنه دين خالد ، وشريعة خالدة . وأن هذه الصورة التي رضيها الله للمسلمين دينا هي الصورة الأخيرة . . إنها شريعة ذلك الزمان وشريعة كل زمان ؛ وليس لكل زمان شريعة ، ولا لكل عصر دين . . إنما هي الرسالة الأخيرة للبشر ، قد اكتملت وتمت ، ورضيها الله للناس دينا . فمن شاء أن يبدل ، أو يحور ، أو يغير أو يطور ! إلى آخر هذه التعبيرات التي تلاك في هذا الزمان ، فليبتغ غير الإسلام دينا . . ( ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ) .

إن هذا المنهج الإلهي المشتمل على التصور الاعتقادي ، والشعائر التعبدية ، والشرائع المنظمة لنشاط الحياة كله ؛ يحكم ويصرف ويهيمن على نشاط الحياة كله ؛ وهو يسمح للحياة بأن تنمو في إطاره وترتقي وتتطور ؛ دون خروج على أصل فيه ولا فرع ، لأنه لهذا جاء ، ولهذا كان آخر رسالة للبشر أجمعين . .

إن تطور الحياة في ظل هذا المنهج لا يعني مجافاتها أو إهمالها لأصل فيه ولا فرع ؛ ولكن يعني أن طبيعة المنهج تحتوى كل الإمكانيات التي تسع ذلك التطور ؛ بلا خروج على أصل أو فرع . ويعني أن كل تطور في الحياة كان محسوبا حسابه في ذلك المنهج ؛ لأن الله - سبحانه - لم يكن يخفي عليه - وهو يضع هذا المنهج في صورته الأخيرة ، ويعلن إكماله وارتضاءه للناس دينا - أن هناك تطورات ستقع ، وأن هناك حاجات ستبرز ، وأن هناك مقتضيات ستتطلبها هذه التطورات والحاجات . فلا بد إذن أن يكون هذا المنهج قد احتوى هذه المقتضيات جميعا . .

وما قدر الله حق قدره من يظن غير هذا في أمر من هذه الأمور . .

وبهذا ننهي هذا التقديم العام المجمل للسورة ، ونأخذ في التفصيل . .

( يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ) . .

إنه لا بد من ضوابط للحياة . . حياة المرء مع نفسه التي بين جنبيه ؛ وحياته مع غيره من الناس ومن الأحياء والأشياء عامة . . الناس من الأقربين والأبعدين ، من الأ الأهل والعشيرة ، ومن الجماعة والأمة ؛ ومن الأصدقاء والأعداء . . والأحياء مما سخر الله للإنسان ومما لم يسخر . . والأشياء مما يحيط بالإنسان في هذا الكون العريض . . ثم . . حياته مع ربه ومولاه وعلاقته به وهي أساس كل حياة .

والإسلام يقيم هذه الضوابط في حياة الناس . يقيمها ويحددها بدقة ووضوح ؛ ويربطها كلها بالله سبحانه ؛ ويكفل لها الاحترام الواجب ، فلا تنتهك ، ولا يستهزأ بها ؛ ولا يكون الأمر فيها للأهواء والشهوات المتقلبة ؛ ولا للمصالح العارضة التي يراها فرد ، أو تراها مجموعة أو تراها أمة ، أو يراها جيل من الناس فيحطمون في سبيلها تلك الضوابط . . فهذه الضوابط التي أقامها الله وحددها هي " المصلحة " ما دام أن الله هو الذي أقامها للناس . . هي المصلحة ولو رأى فرد ، أو رأت مجموعة أو رأت أمة من الناس أو جيل أن المصلحة غيرها ! فالله يعلم والناس لا يعلمون ! وما يقرره الله خير لهم مما يقررون ! وأدنى مراتب الأدب مع الله - سبحانه - أن يتهم الإنسان تقديره الذاتي للمصلحة أمام تقدير الله . أما حقيقة الأدب فهي ألا يكون له تقدير إلا ما قدر الله . وألا يكون له مع تقدير الله ، إلا الطاعة والقبول والاستسلام ، مع الرضى والثقة والاطمئنان . .

هذه الضوابط يسميها الله " العقود " . . ويأمر الذين آمنوا به أن يوفوا بهذه العقود . .

وافتتاح هذه السورة بالأمر بالوفاء بالعقود ، ثم المضي بعد هذا الافتتاح في بيان الحلال والحرام من الذبائح والمطاعم والمشارب والمناكح . وفي بيان الكثير من الأحكام الشرعية والتعبدية . وفي بيان حقيقة العقيدة الصحيحة . وفي بيان حقيقة العبودية وحقيقة الألوهية . وفي بيان علاقات الأمة المؤمنة بشتى الأمم والملل والنحل . وفي بيان تكاليف الأمة المؤمنة في القيام لله والشهادة بالقسط والوصاية على البشرية بكتابها المهيمن على كل الكتب قبلها ، والحكم فيها بما أنزل الله كله ؛ والحذر من الفتنة عن بعض ما أنزل الله ؛ والحذر من عدم العدل تأثراً بالمشاعر الشخصية والمودة والشنآن . .

افتتاح السورة على هذا النحو ، والمضي فيها على هذا النهج يعطي كلمة " العقود " معنى أوسع من المعنى الذي يتبادر إلى الذهن لأول وهلة . ويكشف عن أن المقصود بالعقود هو كل ضوابط الحياة التي قررها الله . .

وفي أولها عقد الإيمان بالله ؛ ومعرفة حقيقة ألوهيته سبحانه ، ومقتضى العبودية لألوهيته . . هذا العقد الذي تنبثق منه ، وتقوم عليه سائر العقود ؛ وسائر الضوابط في الحياة .

وعقد الإيمان بالله ؛ والاعتراف بألوهيته وربوبيته وقوامته ؛ ومقتضيات هذا الاعتراف من العبودية الكاملة ، والالتزام الشامل والطاعة المطلقة والاستسلام العميق . . هذا العقد أخذه الله ابتداء على آدم - عليه السلام - وهو يسلمه مقاليد الخلافة في الأرض ، بشرط وعقد هذا نصه القرآني : قلنا : اهبطوا منها جميعا . فإما يأتينكم مني هدى ، فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون . والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون . . فهي خلافة مشروطة باتباع هدى الله الذي ينزله في كتبه على رسله ؛ وإلا فهي المخالفة لعقد الخلافة والتمليك . المخالفة التي تجعل كل عمل مخالف لما أنزل الله ، باطلا بطلانا أصليا ، غير قابل للتصحيح المستأنف ! وتحتم على كل مؤمن بالله ، يريد الوفاء بعقد الله ، أن يرد هذا الباطل ، ولا يعترف به ؛ ولا يقبل التعامل على أساسه . وإلا فما أوفى بعقد الله .

ولقد تكرر هذا العقد - أو هذا العهد - مع ذرية آدم . وهم بعد في ظهور آبائهم . كما ورد في السورة الأخرى : ( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم ، وأشهدهم على أنفسهم : ألست بربكم ؟ قالوا : بلى شهدنا ! أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين . أو تقولوا : إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم . أفتهلكنا بما فعل المبطلون ؟ ) فهذا عقد آخر مع كل فرد ؛ عقد يقرر الله - سبحانه - أنه أخذه على بني آدم كلهم وهم في ظهور آبائهم . . وليس لنا أن نسأل : كيف ؟ لأن الله أعلم بخلقة ؛ وأعلم كيف يخاطبهم في كل طور من أطوار حياتهم . بما يلزمهم الحجة . وهو يقول : إنه أخذ عليهم هذا العهد ، على ربوبيته لهم . . فلا بد أن ذلك كان ، كما قال الله سبحانه . . فإذا لم يفوا بتعاقدهم هذا مع ربهم لم يكونوا أوفياء !

ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل - كما سيجيء في السورة - يوم نتق الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم . . وسنعلم - من السياق - كيف لم يفوا بالميثاق ؛ وكيف نالهم من الله ما ينال كل من ينقض الميثاق .

والذين آمنوا بمحمد [ ص ] قد تعاقدوا مع الله - على يديه - تعاقدا عاما على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا ، وأثرة علينا ، وألا تنازع الأمر أهله " .

وبعضهم وقعت له بعد ذلك عقود خاصة قائمة على ذلك التعاقد العام . . ففي بيعة العقبة الثانية التي ترتبت عليها هجرة الرسول [ ص ] من مكة إلى المدينة ، كان هناك عقد مع نقباء الأنصار . . وفي الحديبية كان هناك عقد الشجرة وهو " بيعة الرضوان " .

وعلى عقد الإيمان بالله ، والعبودية لله ، تقوم سائر العقود . . سواء ما يختص منها بكل أمر وكل نهي في شريعة الله ، وما يتعلق بكل المعاملات مع الناس والأحياء والأشياء في هذا الكون في حدود ما شرع الله - فكلها عقود ينادي الله الذين آمنوا ، بصفتهم هذه ، أن يوفوا بها . إذ أن صفة الإيمان ملزمة لهم بهذا الوفاء ، مستحثة لهم كذلك على الوفاء . . ومن ثم كان هذا النداء :

( يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ) . .

ثم يأخذ في تفصيل بعض هذه العقود :

( يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود . . أحلت لكم بهيمة الأنعام - إلا ما يتلى عليكم - غير محلي الصيد وأنتم حرم . إن الله يحكم ما يريد . . يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ، ولا الشهر الحرام ، ولا الهدي ، ولا القلائد ، ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا . وإذا حللتم فاصطادوا ، ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا . وتعاونوا على البر والتقوى . ولا تعاونوا على الإثم والعدوان . واتقوا الله . إن الله شديد العقاب . حرمت عليكم الميتة ، والدم ولحم الخنزير ، وما أهل لغير الله به ، والمنخنقة ، والموقوذة ، والمتردية ، والنطيحة ، وما أكل السبع - إلا ما ذكيتم - وما ذبح على النصب ، وأن تستقسموا بالأزلام . ذلكم فسق . . اليوم يئس الذين كفروا من دينكم ، فلا تخشوهم واخشون . . اليوم أكملت لكم دينكم ، وأتممت عليكم نعمتي ، ورضيت لكم الإسلام دينا . . فمن اضطر في مخمصة - غير متجانف لإثم - فإن الله غفور رحيم )

إن هذا التحريم والتحليل في الذبائح ، وفي الأنواع ، وفي الأماكن ، وفي الأوقات . . إن هذا كله من " العقود " . . وهي عقود قائمة على عقد الإيمان ابتداء . فالذين آمنوا يقتضيهم عقد الإيمان أن يتلقوا التحريم والتحليل من الله وحده ؛ ولا يتلقوا في هذا شيئا من غيره . . ومن ثم نودوا هذا النداء ، في مطلع هذا البيان . . وأخذ بعده في بيان الحلال والحرام :

( أحلت لكم بهيمة الأنعام - إلا ما يتلى عليكم - ) . .

وبمقتضى هذا الإحلال من الله ؛ وبمقتضى إذنه هذا وشرعه - لا من أي مصدر آخر ولا استمدادا من أي أصل آخر - صار حلالا لكم ومباحا أن تأكلوا من كل ما يدخل تحت مدلول ( بهيمة الأنعام ) من الذبائح والصيد - إلا ما يتلى عليكم تحريمه منها - وهو الذي سيرد ذكره محرما . . إما حرمة وقتية أو مكانية ؛ وإما حرمة مطلقة في أي مكان وفي أي زمان . وبهيمة الأنعام تشمل الإبل والبقر والغنم ؛ ويضاف إليها الوحشي منها ، كالبقر الوحشي ، والحمر الوحشية والظباء .

ثم يأخذ في الاستثناء من هذا العموم . . . وأول المستثنيات الصيد في حال الإحرام :

( غير محلي الصيد وأنتم حرم ) . .

والتحريم هنا ينطبق ابتداء على عملية الصيد ذاتها . فالإحرام للحج أو للعمرة ، تجرد عن أسباب الحياة العادية واساليبها المألوفة وتوجه إلى الله في بيته الحرام ، الذي جعله الله مثابة الأمان . . ومن ثم ينبغي عنده الكف عن بسط الأكف إلى أي حي من الأحياء . . وهي فترة نفسية ضرورية للنفس البشرية ؛ تستشعر فيها صلة الحياة بين جميع الأحياء في واهب الحياة ؛ وتأمن فيها وتؤمن كذلك من كل اعتداء ؛ وتتخفف من ضرورات المعاش التي أحل من أجلها صيد الطير والحيوان واكله ؛ لترتفع في هذه الفترة على مألوف الحياة وأساليبها ، وتتطلع إلى هذا الأفق الرفاف الوضيء .

وقبل أن يمضي السياق في بيان المستثنيات من حكم الحل العام ، يربط هذا العقد بالعقد الأكبر ، ويذكر الذين آمنوا بمصدر ذلك الميثاق :

( إن الله يحكم ما يريد ) . .

طليقة مشيئته ، حاكمة إرادته ، متفردا - سبحانه - بالحكم وفق ما يريد . ليس هنالك من يريد معه ؛ وليس هنالك من يحكم بعده ؛ ولا راد لما يحكم به . . وهذا هو حكمه في حل ما يشاء وحرمة ما يشاء . .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَوۡفُواْ بِٱلۡعُقُودِۚ أُحِلَّتۡ لَكُم بَهِيمَةُ ٱلۡأَنۡعَٰمِ إِلَّا مَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ غَيۡرَ مُحِلِّي ٱلصَّيۡدِ وَأَنتُمۡ حُرُمٌۗ إِنَّ ٱللَّهَ يَحۡكُمُ مَا يُرِيدُ} (1)

مقدمة السورة:

سورة المائدة

وتسمى أيضا بالعقود والمنقذة قال ابن الفرس : لأنها تنقذ صاحبها من ملائكة العذاب وهى مدنية في قول ابن عباس ومجاهد وقتادة وقال أبو جعفر بن بشر والشعبي : إنها مدنية إلا قوله تعالى : ) اليوم أكملت لكم دينكم ( فانه نزل بمكة وأحرج أبو عبيد عن محمد القرظى قال : نزلت سورة المائدة على رسول الله { صلى الله عليه وسلم } في حجة الوداع فيما بين مكة والمدينة وهو على ناقته فانصدعت كتفها فنزل عنها رسول الله { صلى الله عليه وسلم } وذلك من ثقل الوحي وأخرج غير واحد عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت : المائدة آخر سورة نزلت وأخرج أحمد والترمذي عن ابن عمر أن آخر سورة المائدة والفتح وقد تقدم آنفا عن البراء أن آخر سورة نزلت براءة ولعل كلا ذكر ماعنده وليس فى ذلك شىء مرفوع إلى النبى { صلى الله عليه وسلم } نعم أخرج أبو عبيدة عن ضمرة بن حبيب وعطية بن قيس قالا : قال رسول الله { صلى الله عليه وسلم } : المائدة من آخر القرآن تنزيلا فأحلوا حلالها وحرموا حرامها « وهو غير واف بالمقصود لمكان » من « واستدل قوم بهذا الخبر على أنه لم ينسخ من هذه السورة شىء وممن صرح بعدم النسخ عمرو بن شرحبيل والحسن رضى الله تعالى عنهما كما أخرج ذلك عنهما أبو داود وأخرج عن الشعبى أنه لم ينسخ منها إلا قوله تعالى : ياأيها الذين آمنوا لاتحلوا شعائر الله ولاالشهر الحرام ولاالهدى ولا القلائد وأخرج ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أنه قال : نسخ من هذه السورة آيتان آية القلائد وقوله سبحانه : فان جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وادعى بعضهم أن فيها تسع آيات منسوخات وسيأتى الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى

وعدة آيها مائة وعشرون عند الكوفيين وثلاث وعشرون عند البصرين واثنان وعشرون عند غيرهم ووجه اعتلاقها بسورة النساء على ما ذكره الجلال السيوطى عليه الرحمة أن سورة النساء قد اشتملت على عدة عقود صريحا وضمنا فالصريح عقود الأنكحة وعقد الصداق وعقد الحلف وعقد المعاهدة والأمان والضمنى عقد الوصية والوديعة والوكالة والعارية والاجارة وغير ذلك الداخل فى عموم قوله تعالى : إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها فناسب أن تعقب بسورة مفتتحة بالأمر بالوفاء بالعقود فكقيل : ياأيها الناس أوفوا بالعقود التى فرغ من ذكرها فى السورة التى تمت وإن كان فى هذه السورة أيضا عقود ووجه أيضا تقديم النساء وتأخير المائدة بأن أول تلك يا أيها الناس وفيها الخطاب بذلك فى مواضع وهو اشبه بتنزيل المكى وأول هذه ياأيها الذين آمنوا وفيها الخطاب بذلك فى مواضع وهو أشبه بخطاب المدنى وتقديم العام وشبه المكى أنسب ثم إن هاتين السورتين فى التلازم والاتحاد نظير البقرة وآل عمران فتانك اتحدا فى تقرير الأصول من الوحدانية والنبوة ونحوهما وهاتان فى تقرير الفروع الحكمية وقد ختمت المائدة فى صفة القدرة كما افتتحت النساء بذلك وافتتحت النساء ببدء الخلق وختمت المائدة بالمنهى من البعث والجزاء فكأنهما سورة واحدة اشتملت على الأحكام من المبدأ إلى المنتهى ولهذه السورة أيضا اعتلاق بالفاتحة والزهراوين كما لا يخفى على المتأمل .

بسْم الله الرحمن الرحيم . { يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ أَوْفُواْ بالعقود } الوفاء حفظ ما يقتضيه العقد والقيام بموجبه ، ويقال : وفى ووفى وأوفى بمعنى ، لكن في المزيد مبالغة ليست في المجرد ، وأصل العقد الربط محكماً ، ثم تجوز به عن العهد الموثق ، وفرق الطبرسي بين العقد والعهد «بأن العقد فيه معنى الاستيثاق والشد ولا يكون إلا بين اثنين ، والعهد قد يتفرد به واحد » واختلفوا في المراد بهذه العقود على أقوال : أحدها : أن المراد به العهود التي أخذ الله تعالى على عباده بالإيمان به وطاعته فيما أحل لهم أو حرم عليهم وهو مروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وثانيها : العقود التي يتعاقدها الناس بينهم كعقد الأيمان وعقد النكاح وعقد البيع ونحو ذلك ، وإليه ذهب ابن زيد وزيد بن أسلم ، وثالثها : العهود التي كانت تؤخذ في الجاهلية على النصرة والمؤازرة على من ظلم ، وروي ذلك عن مجاهد والربيع وقتادة . وغيرهم ؛ ورابعها : العهود التي أخذها الله تعالى على أهل الكتاب بالعمل بما في التوراة والإنجيل مما يقتضي التصديق بالنبي صلى الله عليه وسلم وبما جاء به ، وروي ذلك عن ابن جريج وأبي صالح ، وعليه فالمراد من الذين آمنوا مؤمنو أهل الكتاب ؛ وهو خلاف الظاهر ، واختار بعض المفسرين أن المراد بها ما يعم جميع ما ألزمه الله تعالى عباده وعقد عليهم من التكاليف والأحكام الدينية ، وما يعقدونه فيما بينهم من عقود الأمانات والمعاملات ونحوهما مما يجب الوفاء به ، أو يحسن ديناً ، ويحمل الأمر على مطلق الطلب ندباً أو وجوباً ، ويدخل في ذلك اجتناب المحرمات والمكروهات لأنه أوفق بعموم اللفظ إذ هو جمع محلى باللام وأوفى بعموم الفائدة .

واستظهر الزمخشري «كون المراد بها عقود الله تعالى عليهم في دينه من تحليل حلاله وتحريم حرامه » لما فيه كما في «الكشف » من براعة الاستهلال والتفصيل بعد الإجمال ، لكن ذكر فيه أن مختار البعض أولى لحصول الغرضين وزيادة التعميم ، وأن السور الكريمة مشتملة على أمهات التكاليف الدينية في الأصول والفروع ، ولو لم يكن إلا { عَلَى البر البر والتقوى } [ المائدة : 2 ] و { اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ للتقوى } [ المائدة : 8 ] لكفى ، وتعقب بما لا يخلو عن نظر .

وزعم بعضهم أن فيه نزع الخف قبل الوصول إلى الماء ، وما استظهره الزمخشري خال عن ذلك ، والأمر فيه هين ، وفي القول بالعموم رغب الراغب كما هو الظاهر فقد قال : العقود باعتبار المعقود ، والعاقد ثلاثة أضرب ، عقد بين الله تعالى وبين العبد ، وعقد بين العبد ونفسه ، وعقد بينه وبين غيره من البشر ، وكل واحد باعتبار الموجب له ضربان : ضرب أوجبه العقل وهو ما ركز الله تعالى معرفته في الإنسان فيتوصل إليه إما ببديهة العقل ، وإما بأدنى نظر دل عليه قوله تعالى :

{ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِى ءادَمَ } [ الأعراف : 172 ] الآية ، وضرب أوجبه الشرع وهو ما دلنا عليه كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم فذلك ستة أضرب ، وكل واحد من ذلك إما أن يلزم ابتداء أو يلزم بالتزام الإنسان إياه ، والثاني أربعة أضرب : فالأول : واجب الوفاء كالنذور المتعلقة بالقرب نحو أن يقول : عليّ أن أصوم إن عافاني الله تعالى ، والثاني : مستحب الوفاء به ويجوز تركه كمن حلف على ترك فعل مباح فإن له أن يكفر عن يمينه ويفعل ذلك ، والثالث : يستحب ترك الوفاء به ، وهو ما قال صلى الله عليه وسلم : «إذا حلف أحدكم على شيء فرأى غيره خيراً منه فليأت الذي هو خير منه وليكفر عن يمينه » ، والرابع : واجب ترك الوفاء به نحو أن يقول : علي أن أقتل فلاناً المسلم ، فيحصل من ضرب ستة في أربعة أربعة وعشرون ضرباً ، وظاهر الآية يقتضي كل عقد سوى ما كان تركه قربة أو واجباً فافهم ولا تغفل .

{ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الانعام } شروع في تفصيل الأحكام التي أمر بإيفائها ، وبدأ سبحانه بذلك لأنه مما يتعلق بضروريات المعاش ، و البهيمة من ذوات الأرواح ما لا عقل له مطلقاً ، وإلى ذلك ذهب الزجاج ، وسمي بهيمة لعدم تمييزه وإبهام الأمر عليه . ونقل الإمام الشعراني عن شيخه علي الخواص قدس سره أن سبب تسمية البهائم بهائم ليس إلا لكون أمر كلامها وأحوالها أبهم على غالب الخلق لا أن الأمر أبهم عليها ، وذكر ما يدل على عقلها وعلمها ، وسيأتي تحقيق ذلك إن شاء الله تعالى . وقال غير واحد : البهيمة اسم لكل ذي أربع من دواب البر والبحر ، وإضافتها إلى الأنعام للبيان كثوب خز أي أحل لكم أكل البهيمة من الأنعام ، وهي الأزواج الثمانية المذكورة في سورتها ، واعترض بأن البهيمة اسم جنس ، والأنعام نوع منه ، فإضافتها إليه كإضافة حيوان إنسان وهي مستقبحة ، وأجيب بأن إضافة العام إلى الخاص إذا صدرت من بليغ وقصد بذكره فائدة فحسنة كمدينة بغداد فإن لفظ بغداد لما كان غير عربي لم يعهد معناه أضيف إليه مدينة لبيان مسماه وتوضيحه وكشجر الأراك فإنه لما كان الأراك يطلق على قضبانه أضيف لبيان المراد وهكذا وإلا فلغو زائد مستهجن ، وهنا لما كان الأنعام قد يختص بالإبل إذ هو أصل معناه على ما قيل ، ولذا لا يقال : النَّعم إلا لها أضيف إليه بهيمة إشارة إلى ما قصد به ، وذكر البهيمة وإفرادها لإرادة الجنس ، وجمع الأنعام ليشمل أنواعها وألحق بهما الظباء وبقر الوحش ، وقيل : هما المراد بالبهيمة ونحوهما مما يماثل الأنعام في الاجترار وعدم الأنياب ، وروي ذلك عن الكلبي .

والفراء ، وإضافتها إلى الأنعام حينئذ لملابسة المشابهة بينهما ، وجوز بعض المحققين في إضافة المشبه للمشبه به كونها بمعنى اللام على جعل ملابسة المشبه اختصاصاً بينهما ، أو بمعنى من البيانية على جعل المشبه نفسه المشبه به ، وفائدة هذه الإضافة هنا الإشعار بعلة الحكم المشتركة بين المتضايفين كأنه قيل : أحلت لكم البهيمة المشبهة بالأنعام التي بين إحلالها فيما سبق لكم المماثلة لها في مناط الحكم ، وقيل : المراد ببهيمة الأنعام ما يخرج من بطونها من الأجنة بعد ذكاتها وهي ميتة ، وروي ذلك عن ابن عباس وابن عمر وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله رضي الله تعالى عنهم فيكون مفاد الآية صريحاً حل أكلها ، وبه قال الشافعي ، واستدل عليه بغير ما خبر ، ويفهم منها حل الأنعام ، وتقديم الجار والمجرور على القائم مقام الفاعل لإظهار العناية بالمقدم لما فيه من تعجيل المسرة والتشويق إلى ذكر المؤخر .

وفي الآية ردّ على المجوس فإنهم حرموا ذبح الحيوانات وأكلها قالوا : لأن ذبحها إيلام والإيلام قبيح خصوصاً إيلام من بلغ في العجز إلى حيث لا يقدر أن يدفع عن نفسه والقبيح لا يرضى به الإله الرحيم الحكيم . وزعموا لعنهم الله تعالى أن إيلام الحيوانات إنما يصدر من الظلمة دون النور ، والتناسخية لم يجوزوا صدور الآلام منه تعالى ابتداءاً بوجه من الوجوه إلا بطريق المجازاة على ما سبق من اقتراف الجرائم ، والتزموا أن البهائم مكلفة عالمة بما يجري عليها من الآلام وأنها مجازاة على فعلها ولولا ذلك لما تصور انزجارها بالآلام عن العود إلى الجريمة بتقدير انتقالها إلى بدن أشرف . وزعم البعض منهم أنه ما من جنس من البهائم إلا وفيهم نبي مبعوث إليهم من جنسهم ، بل زعم آخرون أن جميع الجمادات أحياء مكلفة وأنها مجازاة على ما تقترفه من الخير والشر ، ونسب نحواً من ذلك الإمام الشعراني إلى السادة الصوفية ، وأبى أهل الظاهر ذلك كل الإباء ، ولما أشكل على البكرية من المسلمين الجواب عن هذه الشبهة على أصولهم واعتقدوا ورود الأمر بذبح الحيوانات من الله تعالى زعموا أن البهائم لا تتألم وكذلك الأطفال الذين لا يعقلون ، ولايخفى أن ذلك مصادم للبديهة ولا يقصر عن إنكار حياة المذكورين وحركاتهم وحسهم وإدراكهم ، وأجاب المعتزلة بما ردّه أهل السنة ، وأجابوا بأن الإذن في ذبح الحيوانات تصرف من الله تعالى في خالص ملكه فلا اعتراض عليه ، والتحسين والتقبيح العقليان قد طوي بساط الكلام فيهما في علم الكلام ، وكذا القول بالنور والظلمة ، وقال بعض المحققين : لما كان الإنسان أشرف أنواع الحيوانات وبه تمت نسخة العالم لم يقبح عقلاً جعل شيء مما دونه غداءاً له مأذوناً بذبحه وإيلامه اعتناءاً بمصلحته حسبما تقتضيه الحكمة التي لا يحلق إلى سرها طائر الأفكار ، وقال بعض الناس : الآية مجملة لاحتمال أن يكون المراد إحلال الانتفاع بجلدها أو عظمها أو صوفها أو الكل ، وفيه نظر لأن ظهور تقدير الأكل مما لا يكاد ينتطح فيه كبشان .

نعم ذكر ابن السبكي وغيره أن قوله تعالى : { إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ } مجمل للجهل بمعناه قبل نزول مبينه ، ويسري الإجمال إلى ما تقدم ، ولكن ذاك ليس محل النزاع ، والاستثناء متصل من بهيمة بتقدير مضاف محذوف مما يتلي أي إلا محرم ما يتلى عليكم ، وعنى بالمحرم الميتة وما أهل لغير الله به إلى آخر ما ذكر في الآية الثالثة من السورة ، أو من فاعل يتلى أي إلا ما يتلى عليكم آية محرمة لتكون ما عبارة عن البهيمة المحرمة لا اللفظ المتلو ، وجوز اعتبار التجوز في الإسناد من غير تقدير وليس بالبعيد ؛ وأما جعله مفرغاً من الموجب في موقع الحال أي إلا كائنة على الحالات المتلوة فبعيد كما قال الشهاب جداً ؛ وذهب بعضم إلى أنه منقطع بناءاً على الظاهر لأن المتلو لفظ ، والمستثنى منه ليس من جنسه ؛ والأكثرون على الأول ، ومحل المستثنى النصب ، وجوز الرفع على ما حقق في النحو .

{ غَيْرَ مُحِلّى الصيد } حال من الضمير في لكم على ما عليه أكثر المفسرين ، والصيد يحتمل المصدر والمفعول ، وقوله تعالى : { وَأَنتُمْ حُرُمٌ } حال عما استكن في محل والحرم جمع حرام وهو المحرم ، ومحصل المعنى أحلت لكم هذه الأشياء لا محلين الاصطياد ، أو أكل الصيد في الإحرام ، وفسر الزمخشري عدم إحلال الصيد في حالة الإحرام بالامتناع عنه وهم محرمون حيث قال : كأنه قيل : أحللنا لكم بعض الأنعام في حالة امتناعكم عن الصيد وأنتم حرم لئلا يكون عليكم حرج ، ولم يحمل الإحلال على اعتقاد الحل ظناً منه أن تقييد الإحلال بعدم اعتقاد الحل غير موجه ، وقد يقال : إن الأمر كذلك لو كان المراد مطلق اعتقاد الحل أما لو كان المراد عدم اعتقاد ناشيء من الشرع ومترتب منه فلا لأن حاله إن لم يكن عين حال الامتناع فليس بالأجنبي عنه كما لا يخفى على المتدبر ، وأشار إليه شيخ مشايخنا جرجيس أفندي الإربلي رحمة الله تعالى عليهم .

واعترض في «البحر » على ما ذهب إليه الأكثرون بأنه يلزم منه تقييد إحلال بهيمة الأنعام بحال انتفاء حل الصيد وهم حرم ، وهي قد أحلت لهم مطلقاً فلا يظهر له فائدة إلا إذا أريد ببهيمة الأنعام الصيود المشبهة بها كالظباء وبقر الوحش وحمره ، ودفع بأنه مع عدم اطراد اعتبار المفهوم يعلم منه غيره بالطريق الأولى لأنها إذا أحلت في عدم الإحلال لغيرها وهم محرمون لدفع الحرج عنهم ، فكيف في غير هذه الحال ؟ فيكون بياناً لإنعام الله تعالى عليهم بما رخص لهم من ذلك وبياناً لأنهم في غنية عن الصيد وانتهاك حرمة الحرم .

وعبارة الزمخشري كالصريحة في ذلك ، ودفعه العلامة الثاني بأن المراد من الأنعام ما هو أعم من الإنسي والوحشي مجازاً أو تغليباً أو دلالة أو كيفما شئت ، وإحلالها على عمومها مختص بحال كونكم غير محلين الصيد في الإحرام إذ معه يحرم البعض وهو الوحش ، ولا يخفى أنه توجيه وحشي لا ينبغي لحمزة غابة التنزيل أن يقصده من مراصد عباراته ، وذهب الأخفش إلى أن انتصاب غير على الحالية من ضمير أوفوا وضعف بأن فيه الفصل من الحال وصاحبها بجملة ليست اعتراضية إذ هي مبينة ، وتخلل بعض أجزاء المبين بين أجزاء المبين مع ما يجب فيه من تخصيص العقود بما هو واجب أو مندوب في الحج ، وإلا فلا يبقى للتقييد بتلك الحال مع أنهم مأمورون بمطلق العقود مطلقاً وجه .

وزعم العلامة أنه أقرب من الأول معنى وإن كان أبعد لفظاً ، واستدل عليه بما هو على طرف الثمام ، ثم قال : ومنهم من جعله حالاً من فاعل أحللنا المدلول عليه بقوله تعالى : { أُحِلَّتْ لَكُمْ } ويستلزم جعل { وَأَنتُمْ حُرُمٌ } أيضاً حالاً من مقدر أي حال كوننا غير محلين الصيد في حال إحرامكم وليس ببعيد إلا من جهة انتصاب حالين متداخلين من غير ظهور ذي الحال في اللفظ . وتعقبه أبوحيان «بأنه فاسد لأنهم نصوا على أن الفاعل المحذوف في مثل هذا يصير نسياً منسياً فلا يجوز وقوع الحال منه ، قد قالوا لو قلت : أنزل الغيث مجيباً لدعائهم على أن مجيباً حال من فاعل الفعل المبني للمفعول لم يجز لا سيما على مذهب القائلين : بأن المبني للمفعول صيغة أصلية ليست محولة عن المعلوم على أن في التقييد أيضاً مقالاً ، وجعله بعضهم حالاً من الضمير المجرور في عليكم ويريده أن الذي يتلى لا يتقيد بحال انتفاء إحلالهم الصيد وهم حرم ، بل هو يتلي عليهم في هذه الحال وفي غيرها » ، ونقل العلامة البيضاوي عن بعض أن النصب على الاستثناء ، وذكر أن فيه تعسفاً ، وبينه مولانا شيخ الكل في الكل صبغة الله أفندي الحيدري عليه الرحمة بأنه لو كان استثناءاً لكان إما من الضمير في لكم أو في { أَوْفُواْ } إذ لا جواز لاستثنائه من بهيمة الأنعام وعلى الأول : يجب أن يخص البهيمة بما عدا الأنعام مما يماثلها ، أو تبقى على العموم لكن بشرط إدارة المماثل فقط في حيز الاستثناء ، وأن يجعل قوله تعالى : { وَأَنتُمْ حُرُمٌ } من تتمة المستثنى بأن يكون حالاً عما استكن في محلي ليصح الاستثناء إذ لا صحة له بدون هذين الاعتبارين ، فسوق العبارة يقتضي أن يقال : وهم حرم لأن الاستثناء أخرج المحلين من زمرة المخاطبين ، واعتبار الالتفات هنا بعيد لكونه رافعاً فيما هو بمنزلة كلمة واحدة ، وعلى الثاني : يجب تخصيص العقود بالتكاليف الواردة في الحج ، وتأويل الكلام الطلبي بما يلزمه من الخبر مع ما يلزمه من الفصل بين المستثنى والمستثنى منه بالأجنبي ، وكل ذلك تعسف أي تعسف انتهى ، وكأنه رحمه الله تعالى لم يذكر احتمال كون الاستثناء من الاستثناء ، مع أن القرطبي نقله عن البصريين لأن ذلك فاسد كما قاله القرطبي .

وأبو حيان لا متعسف إذ يلزم عليه إباحة الصيد في الحرم لأن المستثنى من المحرم حلال ، نعم ذكر أبو حيان أنه استثناء من بهيمة الأنعام على وجه عينه ؛ وأنفه التكلف والتعسف فقد قال رحمه الله تعالى «إنما عرض الإشكال في الآية حتى اضطرب الناس في تخريجها من كون رسم محلي بالياء فظنوا أنه اسم فاعل من أحل ، وأنه مضاف إلى الصيد إضافة اسم الفاعل المتعدي إلى المفعول ، وأنه جمع حذف منه النون للإضافة ، وأصل غير محلين الصيد . والذي يزول به الإشكال ويتضح المعنى أن يجعل قوله تعالى : { غَيْرَ مُحِلّى الصيد } من باب قولهم : حسان النساء ، والمعنى النساء الحسان ، وكذا هذا أصله غير الصيد المحل ، والمحلّ صفة للصيد لا للناس ( ولا للفاعل المحذوف ) ، ووصف الصيد بأنه محل ، إما بمعنى داخل في الحل كما تقول أحل الرجل أي دخل في الحل ، وأحرم أي دخل في الحرم ، أو بمعنى صار ذا حل أي حلالاً بتحليل الله تعالى ، ومجيء أفعل على الوجهين المذكورين كثير في لسان العرب ، فمن الأول : أعرق وأشأم وأيمن وأنجد وأتهم ، ومن الثاني : أعشبت الأرض وأبقلت ، وأغد البعير ، وإذا تقرر أن الصيد يوصف بكونه محلاً باعتبار ( أحد ) ( 1 ) الوجهين اتضح كونه استثناءاً ثانياً ، ثم إن كان المراد ببهيمة الأنعام أنفسها فهو استثناء منقطع ، أو الظباء ونحوها فمتصل على تفسير المحل بالذي يبلغ الحل في حال كونهم محرمين ، فإن قلت : ما فائدة هذا الاستثناء بقيد بلوغ الحل والصيد الذي في الحرم لا يحل أيضاً ؟ قلت : الصيد الذي في الحرم لا يحل للمحرم ولا لغير المحرم ، والقصد بيان تحريم ما يختص تحريمه بالمحرم . فإن قلت : ما ذكرته من هذا التوجيه الغريب يعكر عليه رسمه في المصحف بالياء والوقف عليه بها . قلت : قد كتبوا في المصحف أشياء تخالف النطق نحو { لاَذْبَحَنَّهُ } [ النمل : 21 ] بالألف ، والوقف اتبعوا فيه الرسم » انتهى .

وتعقبه السفاقسي بمثل ما قدمناه من حيث زيادة الياء ، وفيها التباس المفرد بالجمع وهم يفرّون من زيادة أو نقصان في الرسم ، فكيف يزيدون زيادة ينشأ عنها لبس ؟ ومن حيث إضافة الصفة للموصوف وهو غير مقيس ، وقال الحلبي : إن فيه خرقاً للإجماع فإنهم لم يعربوا { غَيْرِ } إلا حالاً ، وإنما اختلفوا في صاحبها ، ثم قال السفاقسي : ويمكن فيه تخريجان : أحدهما أن يكون { غَيْرِ } استثناءاً منقطعاً ، ومحلي جمع على بابه ، والمراد به الناس الداخلون حل الصيد ، أي لكن إن دخلتم حل الصيد فلا يجوز لكم الاصطياد ، والثاني : أن يكون متصلاً من بهيمة الأنعام وفي الكلام حذف مضاف ، أي أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا صيد الداخلين حل الاصطياد وأنتم حرم فلا يحل ، ويحتمل أن يكون على بابه من التحليل ، ويكون الاستثناء متصلاً والمضاف محذوف ، أي إلا صيد محلى الاصطياد وأنتم حرم ، والمراد بالمحلين الفاعلون فعل من يعتقد التحليل فلا يحل ، ويكون معناه أن صيد الحرم كالميتة لا يحل أكله مطلقاً ، ويحتمل أن يكون حالاً من ضمير { لَكُمْ } وحذف المعطوف للدلالة عليه وهو كثير ، وتقديره غير محلي الصيد محليه كما قال تعالى :

{ تَقِيكُمُ الحر } [ النحل : 81 ] أي والبرد ، وهو تخريج حسن . هذا ولا يخفى أن يد الله تعالى مع الجماعة ، وأن ما ذكره غيرهم لا يكاد يسلم من الاعتراض .

{ إِنَّ الله يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ } من الأحكام حسبما تقتضيه مشيئته المبنية على الحكم البالغة التي تقف دونها الأفكار ، فيدخل فيها ما ذكره من التحليل والتحريم دخولاً أولياً ، وضمن يحكم معنى يفعل ، فعداه بنفسه وإلا فهو متعد بالباء .

( هذا ومن باب الإشارة ) في الآيات : { يا أيها الذين آمنوا } بالإيمان العلمي { أَوْفُواْ بالعقود } أي بعزائم التكليف ، وقال أبو الحسن الفارسي : أمر الله تعالى عباده بحفظ النيات في المعاملات ، والرياضات في المحاسبات ، والحراسة في الخطرات ، والرعاية في المشاهدات ، وقال بعضهم : { أَوْفُواْ بالعقود } عقد القلب بالمعرفة ، وعقد اللسان بالثناء ، وعقد الجوارح بالخضوع ، وقيل : أول عقد عقد على المرء عقد الإجابة له سبحانه بالربوبية وعدم المخالفة بالرجوع إلى ما سواه ، والعقد الثاني عقد تحمل الأمانة وترك الخيانة { أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنعام } أي أحل لكم جميع أنواع التمتعات والحظوظ بالنفوس السليمة التي لا يغلب عليها السبعية والشره { إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ } من التمتعات المنافية للفضيلة والعدالة { غَيْرَ مُحِلّى الصيد وَأَنتُمْ حُرُمٌ } أي لا متمتعين بالحظوظ في حال تجردكم للسلوك وقصدكم كعبة الوصال وتوجهكم إلى حرم صفات الجمال والجلال { إِنَّ الله يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ } [ المائدة : 1 ] فليرض السالك بحكمه ليستريح ، ويهدي إلى سبيل رشده