فتح البيان في مقاصد القرآن للقنوجي - صديق حسن خان  
{وَجَزَـٰٓؤُاْ سَيِّئَةٖ سَيِّئَةٞ مِّثۡلُهَاۖ فَمَنۡ عَفَا وَأَصۡلَحَ فَأَجۡرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (40)

{ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا } فبين سبحانه أن العدل في الانتصار هو الاقتصار على المساواة وظاهر هذا العموم ، وقال مقاتل والشافعي وأبو حنيفة وسفيان إن هذا خاص بالمجروح ، ينتقم من الجارح بالقصاص دون غيره وقال مجاهد والسدي هو جواب القبيح إذا قال شخص أخزاك الله يقول : أخزاك الله من غير أن يعتدي ، وإذا انتصر فقد استوفى ظلامته وبرئ الأول من حقه ، وبقي عليه إثم الابتداء ، والإثم لحق الله تعالى ، وتسمية الجزاء سيئة إما لكونها تسوء من وقعت عليه أو على طريق المشاكلة لتشابهما في الصورة .

أخرج النسائي وابن ماجة وابن مردويه عن عائشة قالت : ( دخلت عليّ زينب وعندي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأقبلت عليّ فسبتني فردعها النبي صلى الله عليه وسلم فلم تنته ، فقال لي سبيها فسببتها حتى جف ريقها في فمها ووجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتهلل سرورا ) ، وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وابن مردويه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " المستبّان ما قالا من شيء فعلى البادئ حتى يعتدي المظلوم ثم قرأ { وجزاء سيئة مثلها } " .

{ فَمَنْ عَفَا } الفاء للتفريع أي إذا كان الواجب في الجزاء رعاية المماثلة من غير زيادة ، وهي عسرة جدا ، فالأولى العفو والإصلاح إذا كان قابلا للإصلاح ، فلا يرد أنه يخالف قولهم الحلم على العاجز محمود ، وعلى المتغلب مذموم ، والمعنى من عفا عمن ظلمه .

{ وَأَصْلَحَ } بالعفو بينه وبين ظالمه { فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ } أي يأجره على ذلك لا محالة ، وأبهم الأجر تعظيما لشأنه ، وتنبيها على جلالته ، قال مقاتل فكان العفو من الأعمال الصالحة ، وقد بينا هذا في سورة آل عمران ، والمقصود من الآية التحريض على العفو ، وقد عرفت التوفيق بينه وبين الانتصار .

أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم القيامة أمر الله مناديا ينادي ألا ليقم من كان له على الله أجر ، فلا يقوم إلا من عفا في الدنيا ، وذلك قوله فمن عفا الآية .

وأخرج البيهقي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ينادي مناد من كان له أجر على الله فليدخل الجنة مرتين فيقوم من عفا عن أخيه قال الله تعالى : فمن عفى الآية ثم ذكر سبحانه خروج الظلمة عن محبته التي هي سبب الفوز والنجاة فقال { إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ } يعني من يبدأ بالظلم قاله مقاتل وبه قال سعيد بن جبير وقيل : لا يحب من يتعدى في الاقتصاص . ويجاوز الحد فيه لأن المجاوزة ظلم .