تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{بَرَآءَةٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ} (1)

مقدمة السورة:

تفسير سورة التوبة

دروس من سورة التوبة1

أسماء السورة

عرفت سورة التوبة من العهد الأول للإسلام بجملة أسماء ، تدل بمجموعها على ما اشتملت عليه من المبادئ التي تجب مراعاتها في معاملة الطوائف كلها : مؤمنهم ، ومنافقهم ، وكتابيهم ، ومشركهم .

وأشهر هذه الأسماء " سورة التوبة " ، وهو يشير إلى ما تضمنته السورة من تسجيل توبة الله وتمام رضوانه على المؤمنين الصادقين الذي أخلصوا في مناصرة الدعوة ، وصدقوا في الجهاد مع النبي صلى الله عليه وسلم ، حتى وصل بهم إلى الغاية المرجوة ، وذلك في قوله تعالى :

{ لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رءوف رحيم * وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم . ( التوبة : 177 ، 118 ) .

ولا ريب أن تسجيل هذه التوبة للمؤمنين – بعد أن كابدوا الجهد والمشقات في سبيل نصرة الحق – لمما يقوى روح الإيمان في قلوبهم ويبعد بهم عن مزالق المخالفة أو التقصير .

وقد تخلف ثلاثة من المسلمين عن الاشتراك في الجهاد ولم يساهموا في أعباء جيش العسرة ؛ فأمر النبي بمقاطعتهم ومعاقبتهم . ومكثوا فترة من الزمن في عزلة تامة . بغرض تأديبهم . وتهذيبهم ثم تاب الله عليهم وقبل توبتهم وكان ذلك درسا تعليميا للمسلمين ؛ حتى لا يتخلفوا عن الجهاد ، ولا يقصروا في القيام بأعباء الدين وتعاليمه .

ومن أسماء السورة " براءة " ، وهي تشير إلى غضب الله ورسوله على من أشرك بالله وجعل له ندا وشريكا وإعلام الناس في يوم الحج الأكبر .

{ أن الله برئ من المشركين } . ( التوبة : 3 ) .

وقد عرفت السورة بعد ذلك بأسماء أخرى فكانت تسمى : الكاشفة ، والمثيرة ، والفاضحة ، والمنكلة ، وغير ذلك مما حفلت به كتب التفسير وهي ألفاظ أطلقت عليها باعتبار ما قامت به من كشف أسرار المنافقين وإثارة أسرارهم وفضيحتهم بها وتنكيلها بهم .

ورد أن ابن عباس رضي الله عنه قال : سورة التوبة هي الفاضحة ؛ مازالت في المنافقين وتنال منهم حتى ظننا أنها لا تبقى أحدا إلا ذكرته بقولها : ومنهم ، ومنهم ، ومنهم .

وهو يشير إلى ما جاء في هذه السورة من أصناف المنافقين مثل :

{ ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا } . ( التوبة : 49 ) .

{ وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ } . ( التوبة : 58 ) .

{ وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ } . ( التوبة : 101 ) .

أين البسملة ؟

من خصائص سورة التوبة أنه لم يذكر في أولها : بسم الله الرحمان الرحيم ؛ لأنها تبدأ بإعلان الحرب الشاملة ، ونبذ العهود كافة ، والبسملة تحمل روح السلام والطمأنينة ؛ لذلك لم تبدأ بها سورة الحرب والقتال .

وربما كان سبب عدم وجود التسمية في أولها ، الاشتباه في أنها جزء من سورة الأنفال خصوصا وأن سورة الأنفال تحكي جهاد المسلمين في معركة بدر وسورة التوبة تصف جهاد المسلمين في معركة تبوك ، فقصة الأنفال شبيهة بقصة سورة التوبة من ناحية الهدف العام ، والتحريض على الجهاد ، والتحذير من التخلف عن أمر الله ورسوله ؛ لذلك تركت سورة التوبة مع سورة الأنفال ، ووضع بينهما فاصل السورة ولم يكتب في أول التوبة : بسم الله الرحمان الرحيم ؛ احترازا من الصحابة أن يضيفوا أي شيء إلى رسم القرآن إلا بتوجيه من النبي صلى الله عليه وسلم .

وروى الترمذي بإسناده : عن ابن عباس قال : قلت لعثمان بن عفان : ما حملكم أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني وإلى براءة وهي من المئين وقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر : بسم الله الرحمان الرحيم . ووضعتموها في السبع الطوال – ما حملكم على ذلك ؟

فقال عثمان : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم – مما يأتي عليه الزمان وهو ينزل عليه السور ذات العدد فكان إذا أنزل عليه الشيء ؛ دعا بعض من كان يكتب فيقول : ضعوا هذا الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا ، وكانت الأنفال من أول ما نزل بالمدينة وكانت براءة من آخر ما نزل من القرآن وكانت قصتها شبيهة بقصتها ، وخشيت أنها منها ، وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يبين لنا أنها منها . فمن أجل ذلك قرنت بينهما ، ولم أكتب بينهما سطر : بسم الله الرحمان الرحيم ، ووضعتها في السبع الطوال .

أهداف سورة التوبة

سورة التوبة هي السورة التاسعة في ترتيب المصحف وهي من السور المدنية وقد نزلت في أواخر السنة التاسعة من الهجرة ، وهي السنة التي خرج فيه النبي صلى الله عليه وسلم بالمسلمين إلى تبوك بقصد غزو الروم كما خرج أبو بكر في أواخر سنة تسع على رأس المسلمين لحج بيت الله الحرام .

هدفان أصليان

وقد كان للسورة بحكم هذين الحادثين العظيمين في تاريخ الدولة الإسلامية هدفان أصليان :

أحدهما : تحديد القانون الأساسي الذي تشاد عليه دولة الإسلام ، وذلك بالتصفية النهائية بين المسلمين ومشركي العرب ؛ بإلغاء معاهدتهم ، ومنعهم الحج ، وتأكيد قطع الولاية بينهم وبين المسلمين ، وبوضع الأساس في قبول بقاء أهل الكتاب في جزيرة العرب وإباحة التعامل معهم .

ثانيهما : إظهار ما كانت عليه نفوس أتباع النبي صلى الله عليه وسلم حينما استنفرهم ودعاهم على غزو الروم ، وفي هذه الدائرة تحدثت السورة عن المتثاقلين منهم والمتخلفين والمثبطين ، وكشفت الغطاء عن فتن المنافقين وما انطوت عليه قلوبهم من أحقاد ما قاموا به من أساليب النفاق .

وقد عرضت السورة من أولها للهدف الأول ، واستغرق ذلك سبعة وثلاثين آية في أول السورة ، وقد تضمنت هذه الآيات ما يأتي :

أولا : تقرير البراءة من المشركين ورفع العصمة عن أنفسهم وأموالهم .

ثانيا : منحهم هدنة مقدارها أربعة شهور .

ثالثا : إعلان الناس جميعا يوم الحج الأكبر( وهو يوم عيد الأضحى ) بهذه البراءة .

رابعا : إتمام مدة العهد لمن حافظ منهم على العهد .

خامسا : بيان ما يعاملون به بعد انتهاء أمد الهدنة أو مدة العهد .

سادسا : تأمين المستجير حتى يسمع كلام الله .

سابعا : بيان الأسباب التي أوجبت البراءة منهم وصدور الأمر بقتالهم .

ثامنا : إزالة وساوس قد يخطر في بعض النفوس أنها تبرر مسالمة المشركين أو الإبقاء على عهودهم .

رحمة الله بالعباد

لقد برئ الله من المشركين ومن فعالهم ؛ لأن الشرك والكفر ظلم عظيم وجحود بحق الله الخالق الرازق ، الذي يستحق العبادة وحده ، لكن الله أمهل المشركين مدة أربعة أشهر ؛ لتمكينهم من النظر والتدبير لاختيار ما يرون فيه مصلحتهم من الدخول في الإسلام أو الاستمرار على العداء .

ولعل الحكمة في تقدير تلك المهلة بأربعة أشهر ؛ أنها هي المدة التي كانت تكفي لتحقيق ما أبيح لهم من السياحة في الأرض والتقلب في شبه الجزيرة على وجه يمكنهم من التشاور والأخذ والرد مع كل من يريدون أخذ رأيه في تكوين الرأي الأخير ، قال تعالى :

{ بَرَاءةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ * فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَأَنَّ اللّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ } . ( التوبة : 1 ، 2 ) .

ومن رحمة الإسلام أيضا إباحة تأمين المشرك ، وتقرير عصمة المستأمن وقد أوجب الله على المسلمين حماية المستأمن في نفسه وماله ما دام في دار الإسلام وجعل لأفراد المسلمين حق إعطاء ذلك الأمان( فالمسلمون عدول يسعى بذمتهم أدناهم ) .

والإسلام يبيح بهذا الأمان التبادل التجاري والصناعي والثقافي ، وسائر الشئون ما لم يتصل شيء منها بضرر الدولة . وقد كان للإسلام من مشروعية الأمان وسيلة قوية ؛ لنشر دعوته وإيصال كلمة الله إلى كثير من الأقاليم النائية من غير حرب ولا قتال . قال تعالى :

{ وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ } . ( التوبة : 6 ) .

فالإسلام يمنح الجوار والأمان للمشرك الذي يبحث عن الحقيقة ، ويريد أن ينظر في الإسلام نظر تأمل ودراسة ، فيسمح له بالدخول فيما بين المسلمين والتعامل معهم ، والاختلاط بهم حتى يفهم حكم الله ودعوته ، فإن اطمأن ودخل الإيمان في قلبه ؛ التحق بالمؤمنين ، وصار في الحكم كالتائبين ، وإن لم يشرح صدره للإسلام وأراد الرجوع إلى جماعته ؛ حرم اغتياله ووجبت المحافظة عليه حتى يصل مكان أمنه واستقراره .

وبذلك بلغ الإسلام شأوا بعيدا في حماية الفكر والنظر ، وتذليل الطريق أمام الباحثين والمفكرين وحمايتهم حتى يصلوا إلى مواطن الأمان أيا كانت معتقداتهم ، وصدق الله العظيم :

{ لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي } . ( البقرة : 256 ) .

غزوة تبوك

في السنة التاسعة من الهجرة وصلت للرسول صلى الله عليه وسلم أنباء تفيد : أن الروم قد جمعوا جموعهم ، واعتزموا غزو المسلمين في بلادهم ، فأمر النبي أن يتجهز المسلمون وأن يأخذوا عدتهم ويخرجوا إلى تبوك لقتال الروم في بلادهم قبل أن يفاجئوه في بلده .

أعلن النبي النفير العام ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قلما يخرج إلى غزوة إلا ورى بغيرها ؛ مكيدة في الحرب ، إلا ما كان من هذه الغزوة – غزوة تبوك – فقد صرح بها ؛ لبعد الشقة وشدة الزمان إذ كان ذلك الوقت في شدة الحر حين طابت الظلال ، وأينعت الثمار وحبب إلى الناس المقام .

عندئذ وجد المنافقون فرصة سانحة للتخذيل فقالوا : لا تنفروا في الحر ، وخوفوا الناس بعد الشقة وحذروهم شدة بأس الروم ، وكان لهذا كله أثره في تثاقل بعض الناس عن الخروج للجهاد .

كذلك أخذ المنافقون يستأذنون في التخلف عن الغزو معتذرين بالأعذار الكاذبة الواهنة كما دبر بعضهم المكائد للنبي صلى الله عليه وسلم في ثنايا الطريق .

ولم يكن بد من هذا الامتحان ؛ ليكشف الله المنافقين ، ويثبت المؤمنين الصادقين فالشدائد هي التي تكشف الحقائق وتظهر الخبايا .

وقد ظهر الإيمان الصادق من المؤمنين المخلصين ؛ فسارعوا إلى تلبية الدعوة بأموالهم وأنفسهم ، يجهزون الجيش ويعدون العدة وقد خرج أبو بكر حينئذ عن كل ما يملك ، كما قام بنصيب الأسد في التجهيز عثمان بن عفان ، بذل الآلاف وجهز المئات من البعير والخيل ، وجهز هو وغيره الفقراء الأقوياء الذين جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأنفسهم ؛ ليحملهم فقال لهم :

{ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ } . ( التوبة : 92 ) .

ثم يستمر سياق سورة التوبة في الحديث عن المنافقين وما يظهر منهم من أقوال وأعمال تكشف عن نواياهم التي يحاولون سترها فلا يستطيعون ، فمنهم : من ينتقد النبي صلى الله عليه وسلم في توزيع الصدقات ويتم عدالته في التوزيع ، وهو المعصوم ذو الخلق العظيم ، ومنهم : من يقول : هو أذن يستمع لكل قائل ، ويصدق كل ما يقال ، ومنهم : من يتخفى بالقولة الفاجرة الكافرة ، حتى إذا انكشف أمره استعان بالكذب والحلف ؛ ليبرئ نفسه من تبعة ما قال ، ومنهم : من يخشى أن ينزل الله على رسوله سورة تفضح نفاقهم وتكشفهم للمسلمين .

ثم تقارن السورة بين المنافقين والمؤمنين ؛ لتبين الفرق الواضح بين صفات المنافقين ، وصفات المؤمنين الصادقين ، الذين يخلصون العقيدة ولا ينافقون ، فقد خرج المؤمنون للجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقطعوا مسافة طويلة في الصحراء الجرداء تقدر بنحو 692 كيلوا مترا ، وكان المؤمنون يتدافعون إلى الجهاد ويشتاقون إلى الشهادة ، ولما أحس الروم بقدوم المسلمين انسحبوا من أطراف بلادهم إلى داخلها ، فلما وصل المسلمون إلى تبوك لم يجدوا للروم أثرا وقد عقد النبي صلى الله عليه وسلم معاهدات مع أمراء الحدود وعاد إلى المدينة مرهوب الجانب محفوظا بعناية الله .

وقد استقبل النبي صلى الله عليه وسلم المتخلفين عن الجهاد في غزوة تبوك ، فمنهم : أصحاب الأعذار الحقيقية ؛ وهؤلاء معذورون معفون من التبعة ، ومنهم : القادرون الذين قعدوا بدون عذر ؛ فعليهم تبعة التخلف ووزر النكوص عن الجهاد .

ثم تمضي سورة التوبة فتتحدث عن الأعراب فتذكر طبيعتهم وصنوفهم وموقفهم من الإيمان والنفاق .

ثم تقسم الجماعة الإسلامية كلها عند غزوة تبوك وبعدها ، إلى طبقاتها ودرجاتها وفق مقياس الإيمان والأعمال .

فهناك : السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان .

وهناك : المنافقون الذين تمرسوا بالنفاق وتعودوا عليه سواء كانوا من الأعراب أو من أهل المدينة .

وهناك : الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا واعترفوا بذنوبهم .

وهناك : الذين أخطئوا وأمرهم متروك لله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم .

وهناك : فئة أخلصت لله في الإيمان ، وتخلفت من غير عذر ثم ندمت ندما عميقا ، وضاقت الدنيا في وجهها ، ولجأت إلى الله تطلب مغفرته ورحمته ، فتاب الله عليهم وألهمهم طريق التوبة والسداد ؛ إن الله هو التواب الرحيم .

علاقات المسلمين بغيرهم

سورة التوبة هي آخر سور القرآن نزولا ، وفي هذه السورة نجد القول الفصل في علاقات الأمة المسلمة بالمشركين وبأهل الكتاب وبالمنافقين وهذا هو موضوعها الذي تدور حوله .

لقد كانت بين المسلمين وبعض المشركين عهود ولم يكن المشركون يحافظون على عهودهم إلا ريثما تلوح لهم فرصة ، يحسبونها مواتية للكرة على المسلمين ، وكان المشركون – حتى بعد فتح مكة – يطوفون بالبيت عرايا ، على عادتهم في الجاهلية ، ويصفقون ويصفرون مخلين بكرامة البيت العتيق ، فلم يكن بد أن تخلص الجزيرة العربية للإسلام ، وأن تتخلص من الشرك .

والجهاد هو الوسيلة لتطهير الجزيرة من رجس المشركين والمنافقين ، ومن ثم تناولت السورة موضوع الجهاد بالنفس ، والمال ، وبينت شرفه وأجره ، وأنحت على المتخلفين القاعدين ، واستجاشت وجدان المسلمين إلى قتال الكفار المنافقين بما صورت من كيدهم للمسلمين وحقدهم عليهم ، وتمنى الشر لهم ، وما تحمله لهم نفوسهم من الخصومة والبغضاء ، وما وقع منهم للرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين ، وبذلك كانت سورة التوبة تحمل القول الفصل في علاقات المسلمين بغيرهم وتحدد موقفهم الحاسم الأخير .

وقد لونت السورة أساليب الدعوة إلى الجهاد ، فحينا تنكر على المؤمنين تثاقلهم وإخلادهم إلى الأرض ، وحينا آخر تهتم بتطهير الجيش من عناصر الفتنة والخذلان ، ومرة أخرى توضح أن سنة الله ماضية لا تتخلف ، وأن من قوانين الحق سبحانه ، أن البقاء والعزة والسلطان إنما يكون للعاملين المجاهدين ، أما المتباطئون والمتثاقلون الذين يؤثرون حياتهم ويضنون بأنفسهم وأموالهم ويخلدون إلى الأرض ، ويعرضون عن دعوة الجهاد في سبيل حريتهم وبقائهم ، فإنهم ولا بد ذاهبون ، وهم لا محالة مستذلون مستعبدون .

فضل الرسول الأمين

تعرضت سورة التوبة لبيان فضل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومكانته السامية ومناقبه الكريمة ، فذكرت أن الله أنزل السكينة عليه وأيده بجنود من الملائكة في يوم حنين حين انهزم المؤمنون وولوا مدبرين .

ومن كرامة الرسول صلى الله عليه وسلم أن الله نصره عند الهجرة مع صاحبه الصديق ، وكان الله معهما بتأييده وإنزاله الطمأنينة والأمان عليهما وحفظهما في الغار حتى عميت عنهما عيون الكفار ، وجعل الله كلمة المؤمنين في ارتفاع وانتصار ، وشأن الكافرين في هزيمة واندحار ، وقد أوجبت سورة التوبة على المؤمنين عدة واجبات تجاه نبيهم منها :

1 – وجوب محبته صلى الله عليه وسلم والتزام هديه والعمل بسنته كما نجد ذلك في الآية 25 .

2 – تحرى مرضاته ؛ لأن رضاه من رضي الله سبحانه ، ونجد ذلك في الآية 62 .

3 – وجوب طاعته والنصح له ووجوب نصره .

4 – تحريم إيذائه وتحريم معاداته وتحريم القعود عن الخروج معه في الجهاد .

وتختم السورة آياتها بذكر صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو الرحمة المهداة ؛ لتطهير المؤمنين وتزكيتهم وتعليمهم ، والدعاء لهم ، فحبه فريضة ، وبغضه كفر وحرمان وقد تكفل الله بنصر رسوله حتى ولو تخلى عنه جميع الناس ، فإن معه الله القوي القدير .

قال تعالى : { لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم * فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم } . ( التوبة : 128 ، 129 ) .

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم

{ بَرَاءةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ( 1 ) فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَأَنَّ اللّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ ( 2 ) وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ( 3 ) إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ( 4 ) }

المفردات :

براءة من الله ورسوله : المراد من البراءة : قطع العهد بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين الناكثين للعهد من المشركين .

عاهدتم : عاقدتم .

التفسير :

1 – { بَرَاءةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ } .

قال الفخر الرازي : روى أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى غزوة تبوك وتخلف المنافقون ، وأرجفوا الأراجيف ، جعل المشركون ينقضون العهد ، فنبذ رسول الله صلى الله عليه وسلم العهد إليهم .

وتفيد كتب التفسير والسير :

أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل أبا بكر رضي الله عنه أميرا على الحج في السنة التاسعة للهجرة ، فلما سافر نزلت سورة براءة ، متضمنة نقض عهود المشركين ، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب ، على ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم العضباء حتى أدرك أبا بكر بالطريق ، فلما رآه أبو بكر قال : أمير أو مأمور ؟ قال : بل مأمور ، ثم مضيا ، فأقام أبو بكر للناس الحج ، والعرب إذ ذاك في تلك السنة على منازلهم من الحج التي كانوا عليها في الجاهلية ، حتى إذا كان يوم النحر ؛ قام علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، فقرأ عليهم آيات من أول سورة براءة ، ثم قال – فيما رواه الترمذي والنسائي وأحمد – بعثت بأربع : ألا يطوف بالبيت عريان ، ومن كان بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد فهو إلى مدته ، ومن لم يكن له عهد فأجله أربعة أشهر ، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة ، ولا يجتمع المسلمون والمشركون في الحج بعد عامهم هذا2 .

ومعنى الآية :

هذه براءة واصلة من الله ورسوله ، إلى الذين عاهدتم من المشركين ، بسبب نقضهم لعهودهم ، وإصرارهم على باطلهم3 .

قال الشوكاني :

المعنى : الإخبار للمسلمين ، بأن الله ورسوله قد برئا من تلك المعاهدات ، بسبب ما وقع من الكفار من النقض ، فصار إليهم بعهدهم ، واجبا على المعاهدين من المسلمين .

/خ4

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{بَرَآءَةٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ} (1)

مقدمة السورة:

سورة التوبة

مدنية كما روي عن ابن عباس وعبد الله بن الزبير وقتادة وخلق كثير وحكى بعضهم الاتفاق عليه ، وقال ابن الفرس : هي كذلك إلا آيتين منها { لقد جاءكم رسول من أنفسكم } الخ وهو مشكل بناء على ما في المستدرك عن أبي بن كعب وأخرجه أبو الشيخ في تفسيره عن علي بن زيد عن يوسف المكي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من أن آخر آية نزلت { لقد جاءكم } الخ ولا يتأتى هنا ما قالوه في وجه الجمع بين الأقوال المختلفة في آخر ما نزل واستثنى آخرون { ما كان للنبي } الآية بناء على ما ورد أنها نزلت في قوله صلى الله تعالى عليه وسلم لأبي طالب : لأستغفرن لك ما لم أنه عنك وقد نزلت كما قال ابن كيسان على تسع من الهجرة ولها عدة أسماء التوبة لقوله تعالى فيها : { لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار } إلى قوله سبحانه : { وعلى الثلاثة الذين خلفوا } والفاضحة أخرج أبو عبيد وابن المنذر وغيرهما عن ابن جبير قال : قلت لابن عباس رضي الله تعالى عنهما سورة التوبة قال : التوبة بل هي الفاضحة ما زالت تنزل ومنهم ومنهم حتى ظننا أنه لا يبقى أحد منا إلا ذكر فيها وسورة العذاب أخرج الحاكم في مستدركه عن حذيفة قال : التي يسمون سورة التوبة هي سورة العذاب وأخرج أبو الشيخ عن ابن جبير قال : كان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه إذا ذكر له سورة براءة وقيل سورة التوبة قال : هي إلى العذاب أقرب ما أقلعت عن الناس حتى ما كادت تدع منهم أحدا والمقشقشة أخرج ابن مردويه وغيره عن زيد بن أسلم أن رجلا قال لعبد الله : سورة التوبة فقال ابن عمر : وأيتهن سورة التوبة فقال براءة فقال رضي الله تعالى عنه : وهل فعل بالناس الأفاعيل إلا هي ما كنا ندعوها إلا المقشقشة أي المبرئة ولعله أراد عن النفاق والمنقرة أخرج أبو الشيخ عن عبيد بن عمير قال : كانت براءة تسمى المنقرة نقرت عما في قلوب المشركين والبحوث بفتح الباء صيغة مبالغة من البحث بمعنى اسم الفاعل كما روى ذلك الحاكم عن المقداد والمبعثرة أخرج ابن المنذر عن محمد بن إسحق قال : كانت براءة تسمى في زمان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وبعده المبعثرة لما كشفت من سرائر الناس وظن أنه تصحيف المنقرة من بعد الظن وذكر ابن الفرس أنها تسمى الحافرة أيضا لأنها حفرت عن قلوب المنافقين وروي ذلك عن الحسن والمثيرة كما روي عن قتادة لأنها أثارت المخازي والقبائح والمدمدمة كما روي عن سفيان بن عيينة والمخزية والمنكلة والمشردة كما ذكر ذلك السخاوي وغيره وسورة براءة فقد أخرج سعيد بن منصور والبيهقي في الشعب وغيرهما عن أبي عطية الهمداني قال : كتب عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه تعلموا سورة براءة وعلموا نساءكم سورة النور وهي مائة وتسع وعشرون عند الكوفيين ومائة وثلاثون عند الباقين ووجه مناسبتها للأنفال أن في الأولى قسمة الغنائم وجعل خمسها لخمسة أصناف على ما علمت وفي هذه قيمة الصدقات وجعلها لثمانية أصناف على ما ستعلم إن شاء الله تعالى وفي الأولى أيضا ذكر العهود وهنا نبذها وأنه تعالى أمر في الأولى بالإعداد فقال سبحانه : { وأعدوا لهم مااستطعتم من قوة } ونعى هنا على المنافقين عدم الإعداد بقوله عز وجل : { ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة } وأنه سبحانه ختم الأولى بإيجاب أن يوالي المؤمنين بعضهم بعضا وأن يكونوا منقطعين عن الكفار بالكلية وصرح جل شأنه في هذه بهذا المعنى بقوله تبارك وتعالى : { براءة من الله ورسوله } الخ إلى غير ذلك من وجوه المناسبة ، وعن قتادة وغيره أنها مع الأنفال سورة واحدة ولهذا لم تكتب بينهما البسملة وقيل : في وجه عدم كتابتها أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم اختلفوا في كونها سورة أو بعض سورة ففصلوا بينها وبين الأنفال رعاية لمن يقول هما سورتان ولم يكتبوا البسملة رعاية لمن يقول هما سورة واحدة والحق أنهما سورتان إلا أنهم لم يكتبوا البسملة بينهما لما رواه أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن علي كرم الله تعالى وجهه من أن البسملة أمان وبراءة نزلت بالسيف ومثله عن محمد ابن الحنفية وسفيان بن عيينة ومرجع ذلك إلى أنها لم تنزل في هذه السورة كأخواتها لما ذكر ويؤيد القول بالإستقلال تسميتها بما مر ، واختار الشيخ الأكبر قدس سره في فتوحاته أنهما سورة واحدة وأن الترك لذلك قال في الباب الحادي والثلثمائة بعد كلام : وأما سورة التوبة فاختلف الناس فيها هل هي سورة مستقلة كسائر السور أو هل هي وسورة الأنفال سورة واحدة فإنه لا يعرف كمال السورة إلا بالفصل بالبسملة ولم تجيء هنا فدل على أنها من سورة الأنفال وهو الأوجه وإن كان لتركها وجه وهو عدم المناسبة بين الرحمة والتبري ولكن ماله تلك القوة بل هو وجه ضعيف ، وسبب ضعفه أنه في الاسم الله من البسملة ما يطلبه والبراءة إنما هي من الشريك لا من المشرك فإن الخالق كيف يتبرأ من المخلوق ولو تبرا منه من كان يحفظ وجوده عليه والشريك معدوم فتصح البراءة منه فهي صفة تنزيه وتنزيه الله تعالى من الشريك والرسول صلى الله تعالى عليه وسلم من إعتقاد الجهل ووجه آخر من ضعف هذا التأويل الذي ذكرناه وهو أن البسملة موجودة في أول سورة { ويل لكل همزة } و { ويل للمطففين } وأين الرحمة من الويل انتهى وقد يقال : كون البراءة من الشريك غير ظاهر من آيتها أصلا وستعلم إن شاء الله تعالى المراد منها وما ذكره قدس سره في الوجه الآخر من الضعف قد يجاب عنه بأن هذه السورة لا تشبهها سورة فإنها ما تركت أحدا كما قال حذيفة إلا نالت منه وهضمته وبالغت في شأنه أما المنافقون والكافرون فظاهر وأما المؤمنون ففي قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم } إلى { الفاسقين } وهو من أشد ما يخاطب به المخالف فكيف بالموافق وليس في سورة ويل ولا في سورة تبت ولا ولا ولو سلم إشتمال سورة على نوع ما اشتملت عليه لكن الامتياز بالكمية والكيفية مما لا سبيل لإنكاره ولذلك تركت فيها البسملة على ما أقول والاسم الجليل وإن تضمن القهر الذي يناسب ما تضمنته السورة لكنه متضمن غير ذلك أيضا مع إقترانه صريحا بما لم يتضمنا سوى الرحمة وليس المقصود هنا إلا إظهار صفة القهر ولا يتأتى ذلك مع الافتتاح بالبسملة ولو سلم خلوص الاسم الجليل له نعم إنه سبحانه لم يترك عادته في إفتتاح السور هنا بالكلية حيث افتتح هذه السورة بالباء كما إفتتح غيرها بها في ضمن البسملة وإن كانت باء البسملة كلمة وباء هذه السورة جزء كلمة وذلك لسر دقيق يعرفه أهله هذا ونقل عن السخاوي أنه قال في جمال القراء : اشتهر ترك التسمية في أول براءة وروي عن عاصم التسمية أولها وهو القياس لأن إسقاطها إما لأنها نزلت بالسيف أو لأنهم لم يقطعوا بأنها سورة مستقلة بل من الأنفال ولا يتم الأول لأنه مخصوص بمن نزلت فيه ونحن إنما نسمي للتبرك ألا ترى أنه يجوز بالإتفاق بسم الله الرحمن الرحيم { وقاتلوا المشركين } الآية ونحوها وإن كان الترك لأنها ليست مستقلة فالتسمية في أول الأجزاء جائزة وروي ثبوتها في مصحف ابن مسعود رضي الله تعالى عنه ، وذهب ابن متادر إلى قراءتها وفي الإقناع جوازها والحق إستحباب تركها حيث أنها لم تكتب في الإمام ولا يقتدى بغيره وأما القول بحرمتها ووجوب تركها كما قاله بعض المشايخ الشافعية فالظاهر خلافه ولا أرى في الإتيان بها بأسا لمن شرع في القراءة من أثناء السورة والله تعالى أعلم .

{ بَرَاءةٌ مّنَ الله وَرَسُولِهِ } أي هذه براءة والتنوين للتفخيم و { مِنْ } ابتدائية كما يؤذن به مقابلتها بإلى متعلقة بمحذوف وقع صفة للخبر لفساد تعلقه به أي واصلة من الله ، وقدروه بذلك دون حاصله لتقليل التقدير لأنه يتعلق به { إلى } الآتي أيضاً ، وجوز أن تكون مبتدأ لتخصيصها بصفتها وخبره قوله تعالى : { إِلَى الذين * عاهدتم مّنَ المشركين } .

وقرأ عيسى بن عمرو { بَرَاءةٌ } بالنصب وهي منصوبة باسمعوا أو الزموا على الإغراء ، وقرأ أهل نجران { مِنَ الله } بكسر النون على أن الأصل في تحريك الساكن الكسر ، لكن الوجه الفتح مع لام التعريف هرباً من توالي الكسرتين ، وإنما لم يذكر ما تعلق به البراءة حسبما ذكر في قوله تعالى : { أَنَّ الله بَرِىء مّنَ المشركين } [ التوبة : 3 ] اكتفاءً بما في حيز الصلة فإنه منبىء عنه إنباءً ظاهراً واحترازاً عن تكرار لفظ من ، والعهد العقد الموثق باليمين ، والخطاب في { عاهدتم } للمسلمين وقد كانوا عاهدوا مشركي العرب من أهل مكة وغيرهم بإذن الله تعالى واتفاق الرسول صلى الله عليه وسلم فنكثوا إلا بني ضمرة وبني كنانة ، وأمر المسلمون بنبذ العهد إلى الناكثين وأملهوا أربعة أشهر ليسيروا حيث شاءوا .

وإنما نسبت البراءة إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم مع شمولها للمسلمين في اشتراكهم في حكمها ووجوب العمل بموجبها وعلقت المعاهدة بالمسلمين خاصة مع كونها بإذن الله تعالى واتفاق الرسول عليه الصلاة والسلام للإنباء عن تنجزها وتحتمها من غير توقف على رأي المخاطبين لأنها عبارة عن إنهاء حكم الأمان ورفع الخطر المترتب على الع ، السابق عن التعرض للكفرة وذلك منوط بجانب الله تعالى من غير توقف على شيء أصلاً ، واشتراك المسلمين إنما هو على طريق الامتثال لا غير ، وأما المعاهدة فحيث كانت عقداً كسائر العقود الشرعية لا تتحصل ولا تترتب عليها الأحكام إلا بمباشرة المتعاقدين على وجه لا يتصور صدوره منه تعالى وإنما الصادر عنه سبحانه الإذن في ذلك وإنما المباشر له المسلمون ، ولا يخفى أن البراءة إنما تتعلق بالعهد لا بالإذن فيه فنسبت كل واحدة منهما إلى من هو أصل فيها ، على أن في ذلك تفخيماً لشأن البراءة وتهويلاً لأمرها وتسجيلاً على الكفرة بغاية الذل والهوان ونهاية الخزي والخذلان ، وتنزيهاً لساحة الكبرياء عما يوهم شائبة النقص والبداء تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً ، وأدراجه صلى الله عليه وسلم في النسبة الأولى وإخراجه عن الثانية لتنويه شأنه الرفيع صلى الله عليه وسلم في كلا المقامين كذا حرره بعض المحققين وهو توجيه وجيه . وزعم بعضهم أن المعاهدة لما لم تكن واجبة بل مباحة مأذونة نسبت إليه بخلاف البراءة فإنها واجبة بإيجابه تعالى فلذا نسبت للشارع وهو كما ترى .

وذكر ابن المنير في سر ذلك أن نسبة الع . د إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم في مقام نسب فيه النبذ من المشركين لا يحسن أدباً .

ألا ترى إلى وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمراء السرايا حيث يقول لهم : «إذا نزلتم بحصن فطلبوا النزول على حكم الله تعالى فأنزلوهم على حكمكم فانكم لا تدرون أصادفتم حكم الله تعالى فيهم أم لا ، وإن طلبوا ذمة الله تعالى فأنزلوهم على ذمتكم فلأن تخفر ذمتكم خير من أن تخفر ذمة الله تعالى » فانظر إلى أمره صلى الله عليه وسلم بتوقير ذمة الله تعالى مخافة أن تخفر وإن كان لم يحصل بعد ذلك الأمر المتوقع ، فتوقير عهد الله تعالى وقد تحقق من المشركين النكث وقد تبرأ منه تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام بأن لا ينسب العهد المنبوذ إليه سبحانه أحرى وأجدر فلذلك نسب العهد للمسلمين دون البراءة منه ولا يخلو عن حسن إلا أنه غير واف وفاء ما قد سبق ، وقيل : إن ذكر الله تعالى للتمهيد كقوله سبحانه : { لاَ تُقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَىِ الله وَرَسُولِهِ } [ الحجرات : 1 ] تعظيماً لشأنه صلى الله عليه وسلم ولولا قصد التمهيد لأعيدت { مِنْ } كما في قوله عز وجل : { كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ الله وَعِندَ رَسُولِهِ } [ التوبة : 7 ] وإنما نسبت البراءة إلى الرسول عليه الصلاة والسلام والمعاهدة إليهم لشركتهم في الثانية دون الأولى . وتعقب بأنه لا يخفى ما فيه فإن من برأ الرسول عليه الصلاة والسلام منه تبرأ منه المؤمنون ، وما ذكر من إعادة الجار ليس بلازم ، وما ذكره من التمهيد لا يناسب المقام لضعف التهويل حينئذ ، وقيل : ولك أن تقول : إنه إنما أضاف العهد إلى المسلمين لأن الله تعالى علم أن لا عهد لهم وأعلم به رسوله عليه الصلاة والسلام فلذا لم يضف العهد إليه لبراءته منهم ومن عهدهم في الأزل ، وهذه نكتة الاتيان بالجملة اسمية خبرية وإن قيل : إنها إنشائية للبراءة منهم ولذا دلت على التجدد .

وفيه أن حديث الأزل لا يتأتى في حق الرسول عليه الصلاة والسلام ظاهراً وبالتأويل لا يبعد اعتبار المسلمين أيضاً ، ونكتة الاتيان بالجملة الاسمية وهي الدلالة على الدوام والاستمرار لا تتوقف على ذلك الحديث فقد ذكرها مع ضم نكتة التوسل إلى التهويل بالتنكير التفخيمي من لم يذكره .

( ومن باب الإشارة ) : أنه سبحانه أشار إلى تمكن رسوله عليه الصلاة والسلام ووصول أصحابه رضي الله تعالى عنهم إلى مقام الوحدة الذاتية بعد أن كانوا محتجبين بالأفعال تارة وبالصفات أخرى وبذلك تحققت الضدية على أكمل وجه بينهم وبين المشركين فنزلت البراءة وأمروا بنبذ العهد ليقع التوافق بين الباطن والظاهر وأمر المشركون بالسياحة في الآرض أربعة أشهر على عدد مواقفهم في الدنيا والآخرة تنبيهاً لهم فإنهم لما وقفوا في الدنيا مع الغير بالشرك حجبوا عن الدين والأفعال والصفات والذات في برزخ الناسوت فلزمهم أن يوقفوا في الآخرة على الله عز وجل ثم على الجبروت ثم على الملكوت ثم على النار في جحيم الآثار فيعذبوا بأنواع العذاب . ومن طبق الآيات على ما في الأنفس ذكر أن هذه المدة هي مدة كمال الأوصاف الأربعة النباتية والحيوانية والشيطانية والإنسانية ثم قال سبحانه لهم : { واعلموا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي الله } إذ لا بد من حبسكم في تلك المواقف بسبب وقوفكم مع الغير بالشرك { وَأَنَّ الله مُخْزِى الكافرين } [ التوبة : 2 ] المحجوبين عن الحق بافتضاحهم عند ظهور رتبة ما عبدوه من دونه ووقوفهم معه على النار

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{بَرَآءَةٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ} (1)

مقدمة السورة:

تفسير سورة براءة ويقال : سورة التوبة ، وهي مدنية

{ 1 - 2 ْ } { بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ ْ }

أي : هذه براءة من اللّه ومن رسوله إلى جميع المشركين المعاهدين ،