أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي - البيضاوي [إخفاء]  
{ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَۖ ثُمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡ يَعۡدِلُونَ} (1)

مقدمة السورة:

سورة الأنعام

{ الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض } أخبر بأنه سبحانه وتعالى حقيق بالحمد ، ونبه على أنه المستحق له على هذه النعم الجسام حمد أو يحمد ، ليكون حجة على الذين هم بربهم يعدلون ، وجمع السماوات دون الأرض وهي مثلهن لأن طبقاتها مختلفة بالذات متفاوتة الآثار والحركات ، وقدمها لشرفها وعلو مكانها وتقدم وجودها . { وجعل الظلمات والنور أنشأهما والفرق بين خلق وجعل الذي له مفعول واحد أن الخلق فيه معنى التقدير والجعل فيه معنى التضمن . ولذلك عبر عن إحداث النور والظلمة بالجعل تنبيها على أنهما لا يقومان بأنفسهما كما زعمت الثنوية ، وجمع الظلمات لكثرة أسبابها والأجرام الحاملة لها ، أو لأن المراد بالظلمة الضلال ، وبالنور الهدى والهدى واحد والضلال متعدد ، وتقديمها لتقدم الإعدام على الملكات . ومن زعم أن الظلمة عرض يضاد النور احتج بهذه الآية ولم يعلم أن عدم الملكة كالعمى ليس صرف العدم حتى لا يتعلق به الجعل . { ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } عطف على قوله الحمد لله على معنى أن الله سبحانه وتعالى حقيق بالحمد على ما خلقه نعمة على العباد ، ثم الذين كفروا به يعدلون فيكفرون نعمته ويكون بربهم تنبيها على أنه خلق هذه الأشياء أسبابا لتكونهم وتعيشهم ، فمن حقه أن يحمد عليها ولا يكفر ، أو على قوله خلق على معنى أنه سبحانه وتعالى خلق ما لا يقدر عليه أحد سواه ، ثم هم يعدلون به ما لا يقدر على شيء منه . ومعنى ثم : استبعاد عدولهم بعد هذا البيان ، والباء على الأول متعلقة بكفروا وصلة يعدلون محذوفة أي يعدلون عنه ليقع الإنكار على نفس الفعل ، وعلى الثاني متعلقة ب{ يعدلون } والمعنى أن الكفار يعدلون بربهم الأوثان أي يسوونها به سبحانه وتعالى .

 
لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَۖ ثُمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡ يَعۡدِلُونَ} (1)

مقدمة السورة:

السورة التي تذكر فيها الأنعام

بسم الله الرحمان الرحيم

باسمه استنارت القلوب واستقلت ، وباسمه زالت الكروب واضمحلت ، وبرحمته عرفت الأرواح وارتاحت ، وبا ( . . . ) انخنست العقول فطاحت .

بدأ الله - سبحانه - بالثناء على نفسه ، فحمد نفسه بثنائه الأزليّ وأخبر عن سنائه الصمدي ، وعلائه الأحدي فقال : { الحمد لله } .

وقوله عز وجل : { الَّذِي خَلَقَ السَّمَواتِ وَالأَرْضَ } : " فالذي " إشارة و { خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ } عبارة . استقلت الأسرارُ بسماع " الذي " لتحققها بوجوده ، ودوامها لشهوده ، واحتاجت القلوب عند سماع " الذي " إلى سماع الصلة لأن " الذي " من الأسماء الموصولة بكوْنِ القلوب تحت ستر الغيب فقال : { خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ } .

قوله جلّ ذكره : { وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ } .

خَلَقَ ظلمةَ الليل وضياءَ النهار ، ووحشةَ الكفر والشِرْك ، ونور العرفان والاستبصار .

ويقال جَعَلَ الظلماتِ نصيبَ قوم لا لجُرْمٍ سَلَفَ ، والنورَ نصيبَ قومٍ لا لاستحقاقٍ سبق ، ولكنه حُكْمٌ به جرى قضاؤه .

ويقال جعل ظلماتِ العصيان محنةَ قومٍ ، ونور العرفان نزهةَ قوم .