لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{فَبِمَا رَحۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ وَشَاوِرۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِۖ فَإِذَا عَزَمۡتَ فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَوَكِّلِينَ} (159)

جرَّده عن أوصاف البشرية ، وأفرده بما ألبسه من نعت الربوبية ، وأخبر أن ما يلوح إليه فمن أنوار التولي ، لا من آثار الوفاق والتبري ، ولولا أنه استخلقه بما ألبسه وإلا متى كان بتلك الصفة ؟‍ !

ويقال إن من خصائص رحمته - سبحانه - عليه أنْ قَوّاه حتى صَحِبَهُم ، وصبر على تبليغ الرسالة إليهم ، وعلى ما كان يقاسيه من اختلافهم - مع سلطان ما كان مستغرقاً له ولجميع أوقاته من استيلاء الحق عليه ، فلولا قوة إلهية لستأثره الحق بها وإلا متى أطلق صحبتهم ؟ !

ألا ترى إلى موسى عليه السلام لما كان قريب العهد بسماع كلامه كيف لم يصبر على مخاطبة أخيه فأخذ برأس أخيه يجرُّه إليه ؟

ويقال لولا أنه صلى الله عليه وسلم شاهدهم محواً فيما كان يَجْرِي عليهم من أحكام التصريف ، وتحقَّق أن منشئها الله - لما أطاق صحبتهم .

قوله تعالى : { وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لاَنفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ } : لو سَقْيتَهم صِرْفَ شراب التوحيدِ غيرَ ممزوجٍ بما فيه لهم حظٌّ لتفرقوا عنك ، هائمين على وجوههم ، غير مطيقين للوقوف لحظةً ، { فَاعْفُ عَنْهُمْ } فيما يكون تقصيراً منهم في حقك وتوقيرك ، وما عثرت عليه مِنْ تفريطهم في خدمتنا وطاعتنا - فانتصِبْ لهم شفيعاً إلينا .

ويقال : { فَاعْفُ عَنْهُمْ } فاعف - أنت - عنهم فإن حكمك حكمُنا ، فأنت لا تعفو إلا وقد عَفَوْنا ، ثم ردَّه عن هذه الصفة بما أثبته في مقام العبودية ، ونقله إلى وصف التفرقة فقال : ثم قِفْ في محل التذلل مبتهلاً إلينا في استغفارهم . وكذا سُنَّتُه - سبحانه - مع أنبيائه عليهم السلام وأوليائه ، يردُّهم مِنْ جمعٍ إلى فرقٍ ومن فَرْقٍ إلى جمع ، فقوله : { فَاعْفُ عَنْهُمْ } جمع ، وقوله : { وَاسْتَغْفِرْ لهُمْ } فرق .

ويقال : { فَاعْفُ عَنْهُمْ } وتجاوز عنهم في حقوقك ، ولا تكتفِ بذلك ما لم تستغفِرْ لهم إكمالاً للكرم ؛ ولهذا كان يقول : " اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون " .

ويقال ما يُقصِّرون في حقِّك تعلَّق به حقَّان : حقك وحقي ، فإذا عفوتَ أنت فلا يكفي هذا القَدْرُ بل إنْ لَمْ أتجاوز عنهم في حقي كانوا مستوجبين للعقوبة ؛ فمن أرضى خصمَه لا يَنْجَبِر حالُه ما لم يغفر الله له فيما ترك من أمره .

وقوله : { وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى الأَمْرِ } أي أثْبِتْ لهم محلاً ؛ فإنَّ المعفوَ عنه في صدار الخجلة لا يرى لنفسه مقام الكَرامة ، فإذا شاورتَهم أزَلْت عنهم انكسارهم ، وطيَّبْتَ لهم قلوبهم .

ويقال تجَنَّسوا في أحوالهم : فَمِنْ مُقَصِّر في حقه أُمِرَ بالعفو عنه ، ومن مرتكب لذنوبه أُمِرَ بالاستغفار له ، ومن مطيعٍ غير مقصرٍ أُمِرَ بمشاورته .

ثم قال : { فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ } أي لا تتكل على رأي مخلوق وكِلْ الأمور إليّ ، فإنا لا نخليك عن تصريف القبض بحالٍ .

وحقيقة التوكل شهود التقدير ، واستراحة القلوب عن كد التدبير .

{ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ } يذيقهم بَرْدَ الكفاية ليزول عنهم كل لغبٍ ونَصَبٍ ، وإنه يعامل كلاً بما يستوجبه ؛ فقومٌ يغنيهم - عند توكلهم - بعطائه ، وآخرون يكفيهم - عند توكلهم - بلقائه ، وقوم يرضيهم في عموم أحوالهم حتى يكتفون ببقائه ، ويقفون معه به له - على تلوينات قَدَرِه وقضائه .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{فَبِمَا رَحۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ وَشَاوِرۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِۖ فَإِذَا عَزَمۡتَ فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَوَكِّلِينَ} (159)

لنت لهم : ترفّقت بهم .

الفظ : الشرس الأخلاق ، الجافي العشرة .

القلب الغليظ : القاسي الذي لا يتأثر باللطف والرقة .

انفض : تفرق .

المشاورة : أخذ آراء الذين حولك من العقلاء وذوي الرأي .

التوكل : تفويض الأمر إلى الله ، للثقة بحسن تدبيره ، مع أخذ الأهبة واستكمال العدة .

بعد أن أرشد الله المؤمنين في الآيات المتقدمة إلى ما ينفعهم في دنياهم وأخراهم ، اتجه في الخطاب هنا إلى الرسول الكريم بهذا التعبير الدقيق اللبق ، والمدح العظيم . فهو يريد أن يلطّف الجو بعد معركة أحد ، ويخفف مما في نفس الرسول على القوم الذين كانوا سبباً في تلك النكبة .

ويتوجه سبحانه إلى الرسول بهذه الآية والتي بعدها يطيّب قلبه ، وإلى المسلمين يشعرهم بنعمة الله عليهم به ، ويذكّرهم رحمة الله الممثلة في خُلقه الكريم .

{ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ الله لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ القلب لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فاعف عَنْهُمْ واستغفر لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمر فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله إِنَّ الله يُحِبُّ المتوكلين } من رحمة الله عليك أن عاملتَ أصحابك بعد رجوعهم باللين والرفق ، وهذا شيء خصّك الله به ، فقد حباك بآداب القرآن العالية وحِكمه السامية ، فهانت عليك المصائب . هذا مع أنَّ كثيرا من أصحابك قد استحقوا اللوم والتعنيف ، إذ تركوك وقت اشتداد الهول فيما الحرب قائمة على أشدها .

{ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ القلب لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ } ولو كنت يا محمد ، رجلاً خشناً جافيا في معاملتهم لتفرقوا عنك ، ونفرت قلوبهم منك ، فلم تتم هدايتُهم وإرشادهم إلى الصراط المستقيم .

هكذا يجب أن تكون أخلاق الزعيم والقائد والحاكم ، فإن الناس في حاجة إلى رعاية فائقة وقلب رحيم ، وحلِم لا يضيق بجهلهم وأخطائهم ، لا إلى حاكم متعالٍ يتطاول بالغطرسة وادّعاء العظمة في غير حق . وما أرحمَ ما كان قلب الرسول الكريم ، وما أجمل ما كانت سيرته مع الناس ، ما غضِب لنفسه قط ، ولا ضاق صدره بضعفهم البشري ، بل وَسِعَهم حلمُه وبره وعطفه . وسيرته طافحة بذلك .

{ فاعف عَنْهُمْ واستغفر لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمر } ما أحلى هذا الكلام وما أرقّه وأعطفه ! وما أعظم قوله سبحانه { وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمر } ، فهو نص قاطع في تقرير مبدأ الشورى في الحكم الإسلامي ، لا الاستئثار بالسلطة الفردية المتحكمة . وإنه لمبدأ عظيم هذا الذي يقرره القرآن بصدد ذلك ، وهو المعمول به اليوم عند الأمم الراقية التي سبقتنا . أما نحن فقد تأخرنا لأننا أدرنا ظهرنا لهذه التعاليم الحكيمة الراشدة ، واتّبعنا مبدأ التسلُّط والقهر . واتخذنا اسم «الرعيّة » وكأنه من الرعي للسائمة لا من الرعاية للبشَر .

فإذا عقدت عزمك يا محمد ، على أمر بعد المشاورة ، فامض فيه متوكلاً على الله ، إن الله يحب الواثقين به ، فينصرهم ويرشدهم إلى ما هو خير لهم .

إذنْ فالتوكل يجب أن يكون مقروناً بالسعي والعزم والعمل ، لا نابعاً من التقصير ورغبة في التخلص من العناء ، وإلا فهو تواكلٌ يمقُتُه الله .

في الحديث المعروف الذي رواه الترمذي والبيهقي وأبو نعيم وابن أبي الدنيا وابن حبّان . «قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم : أعقلُ ناقتي وأتوكل أو أطلقها وأتوكل ؟ فقال له الرسول الكريم : «اعقِلها وتوكل » .

وقد سار هذا الحديث مثلاً .