نزلت سورة المائدة بعد سورة الفتح ، وكان نزول سورة الفتح بعد صلح الحديبية وفي السنة السادسة من الهجرة ، في نزول سورة المائدة فيما بين صلح الحديبية وغزوة تبوك .
ونلحظ أن سورة المائدة من أواخر ما نزل من السور بالمدينة ، فقد روى عن السيدة عائشة رضي الله عنها أنها قالت : إن المائدة من آخر ما أنزل الله فما وجدتم فيها من حلال فأحلوه وما وجدتم فيها من حرام ؛ فحرموه .
والمتأمل يرى أن السورة قد امتد نزول آياتها خلال السنوات الأربع الأخيرة من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة ؛ فقد ابتدأ نزولها في السنة السابعة للهجرة ، وفيها آية نزلت في حجة الوداع في العام العاشر من الهجرة قبل وفاة النبي بثمانين يوما وهي قوله تعالى : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ . ( المائدة : 3 ) .
وفي كتب التفسير : أن سورة المائدة نهارية كلها أي : نزلت آياتها نهارا {[1]} مدينة كلها إلا قوله تعالى : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ . فإنها نزلت بعرفة ، وعدد آيات سورة المائدة 120آية ، وعدد كلماتها 2804 كلمة .
سميت سورة المائدة بهذا الاسم ؛ لأنها السورة الوحيدة التي تحدثت عن مائدة طلب الحواريون من عيسى عليه السلام أن يسألها ربه . وذلك في قوله تعالى :
إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء قَالَ اتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ، قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ . ( المائدة : 112-113 ) .
والحواريون هم خلصاء عيسى عليه السلام الذين صفت قلوبهم من الكفر والنفاق وبادروا إلى الإيمان بعيسى وتلقوا عنه التعاليم ثم انتشروا في القرى ؛ لبثها بين الناس .
تكلم العلماء عن المائدة التي سألها الحواريون عيسى ، هل نزلت أم لا ؟ وجمهور المفسرين على أنها نزلت بالفعل . وقد تعددت الروايات بعد ذلك عن أوصافها وما احتوت عليه من ألوان الطعام والشراب ، وحسبك أن ترجع إلى أي تفسير من كتب التفاسير المتداولة ؛ لتقرأ في أوصافها وأوصاف ما وضع عليه الشيء الكثير ، مما يجعلك ترجح أن كثيرا مما ورد في أوصاف هذه المائدة من افتراء المفترين أو أساطير الإسرائلين .
وألفاظ القرآن الصريحة تفيد : أن عيسى طلب من ربه أن ينزل مائدة من السماء تكون كافية لقومه جميعا وتكون عيدا وسعادة لأول قومه وآخرهم ، والمائدة : طعام ورزق وكل طعام ورزق إنما هو من عند الله ، وقد وعد الله أن ينزلها عليهم . ولم يذكر القرآن إن كانت بمفهومها الضيق كما طلبها الحواريون ، أو بمفهومها المنطلق كما قد يريده الله ويفهمه عيسى ويلهمه الحواريون فيكون حينئذ وعدا بنعمة من الله عليهم طعاما ورزقا يشمل أولهم وآخرهم وترجمة للمفهوم الضيق الذي أرادوه للمائدة بمفهوم أوسع قد يشمل الطعام وسواه من الرزق ؛ ليكون ذلك ابتلاء وفتنة لأتباع المسيح بوجع عام .
والله أعلم بما كان مما سكت عنه القرآن . وليس لنا من مصدر آخر نستفتيه واثقين في مثل هذه الشئون إنما هو رأي نبديه بجوار آراء السلف عليهم رضوان الله .
3- ظواهر تنفرد بها سورة المائدة :
تنفرد سورة المائدة بجملة من الظواهر لا نكاد نجد شيئا منها في غيرها من السور ، حتى في أطول سور القرآن وهي البقرة ، ذلك أنها لم تتحدث عن الشرك ولا هم المشركين على النحو الذي ألف في القرآن من محاجتهم وتسفيه أحلامهم وتحقير شركائهم ، وأنها لم تعرض في قليل ولا في كثير إلى ما عهد في أكثر السور المدنية التي نزلت قبلها من الحث على القتال والتحريض عليه ورسم خطط النصر والظفر بأعداء الله المشركين كما نراه في سورة البقرة وآل عمران والنساء والأنفال والتوبة ؛ لأن المسلمين في ذلك الوقت لم يكونوا بحاجة إلى شيء من هذا الحديث ، لقد اندحر الشرك وصار المشركون في قهر وذلة ويأس .
ولكن إذا كان المشركون قد انقضى عهدهم والمسلمون قد علا شأنهم فإن المسلمين في حاجة إلى إكمال التشريع المنظم لشئونهم على وجه يضمن لهم السعادة ويحفظ لهم السيادة ، ولهم بعد ذلك صلات خاصة بطوائف من أهل الكتاب يعيشون في ذمتهم وعهدهم ويخالطونهم في حياتهم ومعاملاتهم ، ومن هنا نتبين أن المسلمين في ذلك الوقت كانوا في حاجة إلى ما يعنيهم في الجانبين : جانب أنفسهم وجانب علاقتهم بأهل الكتاب ، وبذلك دار كل ما تضمنته سورة المائدة على أمرين بارزين : تشريع المسلمين في خاصة أنفسهم وفي معاملة من يخالطون ، وإرشادات لطرق المحاجة والمناقشة وبيان الحق في المزاعم التي كان يثيرها أهل الكتاب مما يتصل بالعقائد والأحكام في سياق هذه المحاجة تعرض السورة لكثير من مواقف الماضيين من أسلاف أهل الكتاب مع أنبيائهم تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم من جهة وتنديدا بهم عن طريق أسلافهم من جهة أخرى .
نزل القرآن على رسول الله صلى اله عليه وسلم . لينشئ به أمة و ليقيم به دولة ، ولينظم به مجتمعا ، وليربى به ضمائر وأخلاقا وعقولا ؛ وليربط ذلك كله برباط قوي يجمع متفرقة ويؤلف أجزاءه ويشدها كلها إلى منزل هذا القرآن ، وإلى خالق الناس الذي أنزل لهم هذا القرآن .
ومن ثم نجد في كثير من سور القرآن تشريعا إلى جانب موعظة ، وقصة إلى جانب فريضة ، ونجد التشريع الذي ينظم العلاقات الاجتماعية والدولية ، إلى جانب التشريع الذي يحل ويحرم ألوانا من الطعام أو ألوانا من السلوك والأعمال .
وهذه السورة- سورة المائدة- مثل لتلك السور التي تلتقي فيها التربية الوجدانية بالتربية الاجتماعية بتشريع الحلال والحرام في الطعام والزواج بتشريع المعاملات الدولية فيما بين المسلمين وغير المسلمين ، بتعليم بعض الشرائع التعبدية ، ببيان الحدود والعقوبات في بعض الجرائم الاجتماعية ، بالمثل والموعظة والقصة ، بتصحيح العقيدة وتنقيتها من الأسطورة والخرافة في تناسق واتساق .
تبدأ سورة المائدة ابتداء إلهيا للمؤمنين أن يوفوا بالعقود فتقول :
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ . . .
والعقود : جمع عقد وهو ما يلتزمه المرء لنفسه أو لغيره ، وأساسه قد يكون شيئا فطريا تدعو إليه الطبيعة ، وقد يكون شيئا تكليفيا تدعو إليه العقيدة ، و قد يكون شيئا عرفيا يدعو إليه الالتزام والتعاهد والعقد العرفي ، أي : المتعارف عليه من عامة الناس ، يكون بين الفرد والفرد كما في البيع و الزواج والشركة والوكالة والكفالة إلى آخر ما تعارفه الناس و يتعارفونه من وجوه الاتفاقات ، والكلمة عامة في الآية فإنها تأمر بالوفاء بالعقود ، فتشمل العقود كلها على اختلاف أنواعها وأشكالها ، وتدخل في العقود : المعاملات والمعاهدات بظاهر اللفظ ، كما تدخل إقامة الحدود وتحريم المحرمات بوصفها داخلة في عقد الإسلام بين الله ورسوله والذين آمنوا بالله ورسوله .
وعلى وجه العموم فإننا نجد سياق السورة كله يدور حول العقود والمواثيق في شتى صورها حتى حوار الله والمسيح يوم القيامة الوارد في نهاية السورة نجده سؤالا عما عهد به إليه وعما إذا كان قد خالف عنه كما زعم الزاعمون بعده .
6-الظروف التي نزلت فيها السورة {[2]}
نزلت سورة المائدة بعد أن قلمت أظفار المشركين وانزوى الشرك في مخابئه المظلمة وصار المسلمون في قوة ومنعة كانوا بها أصحاب السلطان والصولة في مكة وفي بيت الله الحرام ، يحجون أمنين مطمئنين ، وقد نكست أعلام الشرك وانطوت صفحة الإلحاد والضلال ، وقد أتم الله نعمته على المسلمين بفتح مكة ودخول الناس في دين الله أفواجا .
وسورة المائدة وإن ابتدأ نزولها في السنة السابعة إلا أن نزولها قد استمر إلى السنة العاشرة بدليل أن فيها آية من آخر ما نزل من القرآن وهي قوله تعالى :
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ . . .
روى أن رجلا من اليهود جاء إلى عمر رضي الله عنه فقال : إن في كتابكم آية تقرؤونها لو علينا أنزلت- معشر اليهود- لاتخذنا اليوم الذي أنزلت فيه عيدا ، قال عمر : وأية آية ؟ قال :
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا . ( المائدة : 3 ) .
فقال عمر : إني والله لأعلم اليوم الذي أنزلت فيه والساعة التي نزلت فيها ، نزلت على رسول الله عشية عرفة في يوم الجمعة والحمد لله الذي جعله لنا عيدا .
وقد روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ سورة المائدة في حجة الوداع وقال :
" يأيها الناس ، إن سورة المائدة آخر ما نزل ؛ فأحلوا حلالها وحرموا حرامها " .
انفردت سورة المائدة بعدة مسائل في أصول الدين وفروعه ، وبتفصيل عدة أحكام أجمات في غيرها إجمالا . ومن هذه الأحكام ما يأتي :
1- بيان إكمال الله تعالى للمؤمنين دينهم الذي ارتضى لهم بالقرآن وإتمام نعمته عليهم بالإسلام .
2- النهي عن سؤال النبي صلى الله عليه وسلم عن أشياء من شأنها أن تسوء المؤمنين إذا أبدت لهم لما فيها من زيادة التكاليف .
3- بيان أن هذا الدين الكامل مبني على العلم اليقيني في الاعتقاد والهداية في الأخلاق والأعمال ، وأن التقليد باطل لا يقبله الله تعالى .
4- بيان أن أصول الدين الإلهي على ألسنة الرسل كلهم هي الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح ، فمن أقامها كما أمرت الرسل من أية ملة- من ملل الرسل كاليهود والنصارى والصابئين- فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم في الآخرة ولا هم يحزنون .
5- وحدة الدين واختلاف شرائع الأنبياء ومناهجهم فيه .
6- هيمنة القرآن على الكتب الإلهية .
7- بيان عموم بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وأمره بالتبليغ العام وكونه لا يكلف من حيث كونه رسولا إلا التبليغ ، وان من حجج رسالته انه بين لأهل الكتاب كثيرا مما كانوا يخفون من كتبهم ، وهو قسمان : قسم ضاع منهم قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم . وقسم كانوا يكتمونه إتباعا لأهوائهم مع وجوده في الكتاب كحكم رج الزاني ، ولولا أن محمد الأمين مرسل من عند الله لما علم شيئا من هذا ولا ذاك .
8- عصمة الرسول صلى الله عليه وسلم من أذى الناس ، وهذا من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم ، فكم حاولوا قتله فأعياهم وأعجزهم .
9- بيان أن الله أوجب على المؤمنين إصلاح أنفسهم أفرادا وجماعات ، وانه لا يضرهم من طل من الناس إذا هم استقاموا على صراط الهداية .
10- تأكيد وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بما بينه الله تعالى من لعن الذين كفروا من بني إسرائل على لسان داود وعيسى وابن مريم . وتعليله ذلك بأنهم كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه .
11- نفى الحرج من دين الإسلام .
12- تحريم الغلو في الدين والتشدد فيه ولو بتحريم الطيبات وترك التمتع بها .
13- قاعدة إباحة المحرم للمضطر ومنه أخذ الفقهاء قولهم : الضرورات تبيح المحظورات .
14- قاعدة التفاوت بين الخبيث والطيب وكونهما لا يستويان في الحكم ، كما أنهما لا يستويان في أنفسهما وفيما يترتب عليهما .
15- تحريم الاعتداء على قوم بسبب بغضهم وعداوتهم ؛ لأنه يجب على المؤمنين أن يلتزموا الحق والعدل .
16- وجوب الشهادة بالقسط والحكم بالعدل والمساواة فيهما بين غير المسلمين كالمسلمين ولو للأعداء على الأصدقاء وتأكيد وجوب العدل في سائر الأحكام والأعمال .
17- الحياة شركة ذات أطراف لا يجوز أن يجور فيها طرف على طرف .
18- التعاون على البر والتقوى له وسائله وسبله حسب الزمان والمكان ، ومنه تأليف الجمعيات الخيرية والعلمية وتحريم التعاون على الإثم والعدوان .
19- بيان أن الله تعالى جعل الكعبة البيت الحرام قياما للناس ، أي : يقوم عندها أمر دينهم ودنياهم فعندها يتم الحج والعمرة وعندها يتم الإحرام والأمان والسلام ولها يتوجه المسلمون في الصلاة ، فهي رمز للوحدة والأخوة والإيمان . .
20- النهي عن موالاة المؤمنين للكافرين .
21- تفصيل أحكام الوضوء والغسل والتيمم مع بيان أن الله تعالى يريد أن يطهر الناس ويزكيهم بما شرع لهم من أحكام الطهارة وغيرها .
22- تفصيل أحكام الطعام وبيان حرامه وحلاله .
23- تحريم الخمر وهو كل مسكر وتحريم الميسر وهو القمار .
24- بيان محظورات الإحرام في الحج .
25- تفصيل أحكام الصيد للمحرمين وغيرهم في أوائل السورة وأواخرها .
26- حدود المحاربين الذين يفسدون في الأرض ويخرجون على أئمة العدل ، وحد السرقة وما يتعلق بالحد كسقوطه بالتوبة الصادقة .
28- تأكيد أمر الوصية قبل الموت وأحكام الشهادة على الوصية .
29- الأمر بالتقوى في عدة آيات من السورة .
30- بيان تفويض أمر الجزاء في الآخرة إلى الله تعالى وحده .
8- النداءات الإلهية للمؤمنين :
اشتملت سورة المائدة على ستة عشر نداء وجهت للمؤمنين خاصة ، يعتبر كل نداء منها قانونا ينظم ناحية الحياة عند المسلمين فيما يختص بأنفسهم وفيما يختص بعلاقتهم بأهل الكتاب .
فالنداء الأول : يطلب الوفاء بالعقود :
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُود . ( المائدة : 1 ) .
والنداء الثاني : يطلب المحافظة على شعائر الله وعدم إحلالها :
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ اللّهِ . ( المائدة : 2 ) .
والنداء الثالث : يطلب الطهارة حين إرادة الصلاة :
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ ، وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ . ( المائدة : 6 ) .
والنداء الرابع : يطلب القوامية لله والشهادة بالعدل ويحذر من الظلم .
والنداء الخامس : يطلب تذكر نعمة الله على المؤمنين بكف أيدي الأعداء عنهم .
والنداء السادس : يدعو إلى تقوى الله وابتغاء الوسيلة إليه والجهاد في سبيله .
و النداء السابع : يحذر من اتخاذ الأعداء أولياء من دون المؤمنين .
والنداء الثامن : يلفت نظر المؤمنين إلى أن المسارعة في موالاة الأعداء ردة عن الدين .
النداء التاسع : يدعو إلى شدة الحذر من موالاة الأعداء .
النداء العاشر : يذكر تحريم الطيبات التي أحلها الله .
النداء الحادي عشر : تحريم الخمر والميسر .
النداء الثاني عشر ، والثالث عشر : يتعلقان بتحريم قتل الصيد في حالة الإحرام .
النداء الرابع عشر : يتعلق بالنهي عن سؤال ما ترك الله بيان حكمه توسعة على عباده : أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ . ( المائدة : 101 )
النداء الخامس عشر : يتعلق بتحديد المسئولية التي يحملها المؤمنون في الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
النداء السادس عشر : يتعلق بكيفية الشهادة على الوصية في حالة السفر .
وجملة هذه النداءات تربية عملية للمؤمنين وبيان الطريق السوي التي يجب اتباعها في الشعائر والعبادات و المعاملات والمعاهدات . والنداء للمؤمنين بصفة الإيمان ؛ تذكيرا لهم بأن عليهم أن يعملوا بمقتضى هذا الإيمان وقوامة التصديق الباطني بوجود الله والتزام أوامره واجتياب نواهيه .
حث القرآن على تقوى الله وطاعته وذيل كثيرا من أحكامه ببيان شأن التقوى ، أهميتها ، وفي النداء السادس من سورة المائدة حث على تقوى الله والتماس الأسباب المساعدة على هذه التقوى فيقول سبحانه :
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ . ( المائدة : 35 ) .
وتقوى الله هي تقدير العظمة الإلهية وامتلاء النفس بها امتلاء يدفع المؤمن إلى المسارعة وشدة الحرص على تحقيق أوامر الله وتشريعاته ، والتقوى تدفع المؤمن إلى إنعام النظر وقوة التفكير في ملكوت السماوات والأرض ؛ لمعرفة أسرار الله في كونه ، وسنته في خلقه ، ثم الاتجاه إلى هذه الأسرار والعمل على إظهار رحمة الله فيها بعباده والوقوف على السنن التي ربط بين الأسباب والمسببات ، بين السعادة وأسبابها ، والشقاء وأسبابه ، بين العلم وأسبابه والغنى وأسبابه ، والعزة وأسبابها . . . وهكذا .
وبذلك ترى أن التقوى هي ذلك المعنى القلبي الذي تفني به الإرادات الإنسانية في ملكوت العظمة الإلهية ، وهي الباعث على امتثال الأوامر واجتناب النواهي ، وهي المحققة للإحسان في طاعة الله ورسوله ، فهي المبدأ ، وهي المنتهى ، وهي الأولى ، وهي الآخرة .
ارسل الله محمد صلى الله عليه وسلم على حين فترة من الرسل بعد ان درست معالم الحق والفضيلة ، وبعد ان ضيع أهل الكتاب بعض تعاليمه وأخفوا بعضه ونقضوا ميثاقهم مع ربهم .
وقد واجهتهم سورة المائدة بأخطائهم فوصفتهم بالتعصب المقيت والغلو في الدين وإتباعهم أهواء من ضل قبلهم من الوثنيين وغيرهم ، وادعائهم أنهم أبناء الله وأحباؤه . وقد بين الله لهم حقيقة الأمر وهي أنهم بشر ممن خلق الله لا مزية لهم على سائر البشر في أنفسهم وذواتهم ، وإنما يمتاز بعضهم عن بعض بالعلوم الصحيحة والأخلاق الكلايمة والأعمال الصالحة لا بالنسب والانتماء إلى الأنبياء والصالحين وصدق القائل :
كن ابن من شئت واكتسب أدبا *** تغنيك محموده عن النسب
إن الفتى من يقول : هأنذا *** ليس الفتى من يقول : كان أبي .
وقد وجه الله الخطاب لأهل الكتاب عامة بان الرسول صلى الله عليه وسلم قد جاء ليكشف لهم عن كثير مما كانوا يخفونه من كتاب الله الذي استحفظوا عليه فنقضوا عهدهم مع الله فيه ، ويعفو عن كثير مما أثقلهم به الله من التكاليف وحرمه عليهم من طيبات عقابا لهم على مخالفتهم وانحرافاتهم فالفرصة إذن سانحة ليتداركوا ما فات ولينجوا مما كتب عليهم في الدنيا ؛ عقابا لهم على الخلاف والإخلاف :
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ ، يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ . ( المائدة : 15-16 ) .
وتوالى نداء القرآن لأهل الكتاب ؛ ليقطع حجتهم ومعذرتهم أن يقولوا : إن فترة كبيرة مرت عليهم لم يأتهم فيها بشير يقربهم إلى الله أو ندير يخوفهم الانحراف فها هو ذا بشير ونذير :
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير . ٌ ( المائدة : 19 ) .
وقد وصفت سورة المائدة التوراة والإنجيل أحسن وصف وذكرت من أخبار التوراة قصة ابني آدم بالحق ومن أحكامها عقوبات القتل وإتلاف الأعضاء والجروح ، ومن أخبار الإنجيل والمسيح ما هو حجة على الفريقين وبين أن الكتابين أنزلا نورا وهدى للناس وأنهم لو كانوا أقاموهما ؛ لكانوا في أحسن حال ولسارعوا إلى الإيمان بما أنزله الله خاتم رسله مصدقا لأصلهما ، ولكنهم اتخذوا الإسلام هزوا ولعبا في جملته وفي عبادته ووالوا عليه المناصبين له من أعدائه فنهى الله المؤمنين عن موالاتهم .
ناقشت سورة المائدة اليهود خاصة فذكرتهم بنعم الله عليهم وبميثاق الله مع نقباء بني لإسرائيل النائبين عنهم ، فما الذي كان من بني إسرائيل ؟
لقد نفضوا ميثاقهم مع الله . . قتلوا أنبياءهم بغير حق ، وبيتوا الصلب والقتل لعيسى ابن مريم ، وحرفوا كلمات التوراة عن معانيها وعن مواضع الاستشهاد بها ، واشتروا بهذا التحريف ثمنا قليلا من عرض هذه الحياة الدنيا ، ونسوا بعض شرائع التوراة وأهملوها ، وخانوا محمدا- رسول الله- أحد الرسل الذين أخذ عليهم الميثاق أن ينصرهم فباءوا بالطرد من رحمة الله وقست قلوبهم ؛ ببعدهم عن هذه الرحمة .
وإن من صفات اليهود الغالبة عليهم الخيانة والمكر ، وقول الإثم والمبالغة في سماع الكذب وأكل السحت ، والسعي بالفساد في الأرض ، وفي إيقاد نار الفتن والحرب ، وقد قتلوا رسل الله إليهم وتمردوا على موسى إذ أمرهم بدخول الأرض المقدسة وقتال الجبارين فعاقبهم الله بالتيه في الأرض ، وأنهم كانوا أشد الناس عداوة للمؤمنين فعاقبهم الله على ذلك كله باللعن على ألسنة الرسل ، وبالغضب والمسخ ، وهذه الصفات التي غلبت عليهم في زمن البعثة وقبل زمن البعثة وقبل زمن البعثة تثبتها تواريخهم وتواريخ غيرهم ، ومن المعلوم أنها لم تكن عامة فيهم ولا شاملة لجميع أفرادهم ولذلك قال سبحانه :
مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ . ( المائدة : 66 ) .
مما جاء في النصارى خاصة أنهم نسوا- كاليهود- حظا مما ذكروا به ، وأنهم قالوا : إن الله هو المسيح ابن مريم وقالوا إن الله ثالث ثلاثة وقد رد الله عليهم هذه العقيدة بالأدلة العقلية وببراءة المسيح منها ومن منحليها يوم القيامة ، وبين لهم حقيقة المسيح وأنه عبد الله ورسوله وروح منه . ولقد أخذ الله الميثاق عليهم أن يلتزموا بتعاليم رسولهم ، ولكنهم نسوا جانبا من تعاليمه وأهملوا جانب التوحيد وهو أساس العقيدة وعند هذا الانحراف كان الخلاف بين طوائف النصارى التي لا تكاد تعد . إذ أن هناك فرقا كثيرة صغيرة داخل كل فرقة من الفرق المعلومة الكبيرة : الأرثوذكس والكاثوليك والبروتستانت و المارون ؛ اليوم ومن قبل اليعقوبيون والملكانيون والنساطرة .
وقد اشتدت العداوة بين هذه الفرق . وشهدت المسيحية آثارها منذ القرن الأول للميلاد ، وكانت على أشدها بين الملكانية واليعاقبة والنساطرة ، وهي اليوم على أشدها بين الفرق القائمة . فلا يكاد الإنسان يتصور العداء الذي بين الكاثوليك والبروتستانت أو بينهم وبين الأرثوذكس او بين الموارنة والبروتستانت أو سواهم قال تعالى :
وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ . ( المائدة : 14 ) .
وقد بينت سورة المائدة أن اليهود أشد الناس عداوة للمؤمنين ؛ وأن النصارى أقرب الناس مودة إليهم : ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ . ( المائدة : 82 ) .
جملة الآيات الواردة في أهل الكتاب تشهد لنفسها أنها من عند الله تعالى لا من عند محمد بن عبد الله العربي الأمي الذي لم يقرأ شيئا من الكتب ، على أن تلك الآيات ليست موافقة لها ولهم موافقة الناقل للمنقول عنه ، وإنما هي فوق ذلك تحكم لهم وعليهم وفيهم وفي كتبهم حكم المهيمن السميع العليم .
12-عدالة أحكام السورة الخاصة بأهل الكتاب :
لو كان هذا القرآن من وضع البشر لشرع معاملة أهل الكتاب الموصوفين بما ذكر- ولاسيما الذين ناصبوا الإسلام العداء عند ظهوره- بأشد الأحكام وأقساها .
ولكنه تنزيل من حكيم حميد أمر في هذه السورة بمعاملتهم بالعدل والحكم بينهم بالقسط وحكم بحل مؤاكلتهم وتزوج نسائهم وقبول شهادتهم والعفو والصفح عنهم . وهذه الأحكام التي شرعت هذه المعاملة الفضلى لهم ؛ نزلت بعد إظهار اليهود للمسلمين منتهى العداوة والغدر . ولكن السورة تضمنت تأليف قلوبهم واكتساب مودتهم .
وقد ختم الله سورة المائدة بذكر الجزاء في الآخرة وسؤال الرسل عن جواب أممهم لهم . ثم براءة المسيح ممن جعله إلها وتفويضه الأمر كله لله الحق هو سبحانه المتفرد بالعلم والقدرة والألوهية .
لِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( المائدة : 120 )
أوفوا بالعقود : الوفاء : الإيتاء بالشيء وافيا . والعقود : جمع عقد والمراد هنا : العهد الموثق .
بهيكة الأنعام : البهيمة : هي ما لا عقل له من الحيوان . وخصصت- في العرف- بذوات الأربع . والأنعام : هي الإبل والبقر والغنم . . . وألحق بها ما يماثلها . . . كالظباء وبقر الوحش وحمره . والإضافة هنا : بيانية أي : بهيمة هي الأنعام .
حرم : أي : محرمون بالحج أو العمرة .
1- يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ . . . ينادي الله سبحانه وتعالى عباده المؤمنين ، آمرا إياهم بالوفاء بجميع العقود .
وهذا أمر عام يشمل جميع ما ألزم الله به عباده ، وعقده عليهم من التكاليف والأحكام الدينية . وما يعقده العباد- فيما بينهم- من عقود الأمانات والمعاملان ونحوها مما يجب الوفاء به .
إنه لا بد من ضوابط للحياة حياة ، الفرد مع نفسه وحياته مع غيره ، هذه الضوابط لا بد لها من احترام يضمن ألا تنتهك وألا يستهتر بها ، وألا يكون الأمر فيها للأهواء والشهوات .
والعقود : هي هذه الضوابط التي تنظم العلاقات ؛ لأنها تقيم حدود الحرية فلا تدعها فوضى ، وتجعل الحياة شركة ذات أطراف ، لا يجور فيها طرف على طرف .
والعقود في معناها الواسع تشمل الديانات والشعائر والعبادات والمعاملات ، والمعاهدات ؛ لان هذه كلها عقود ترتبط بها النفس وضميره ، ويتحدد بها عمله وسلوكه . . . فالأمر بالوفاء بالعقود أمر بإقامة ضوابط للحياة ما استكن منها وما ظهر على السواء . ما تعلق منها بالضمير وما تعلق منها بالسلوك . ما كان بين المرء وربه ، وما كان بينه وبين غيره .
والإسلام يربط هذه العقود كلها بالله ، ويجعل الوفاء بها فريضة ، ويوجه الأمر للذين آمنوا فكتبوا بقلوبهم عقد الإيمان ، أن يفوا بسائر العقود التي ارتبطوا بها مع عقد الإيمان {[172]} .
أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ . أي : أحلت لكم- أيها المؤمنون- أكل بهيمة الأنعام : من الإبل والبقر والغنم ، وما شابهها من الظباء وبقر الوحش ، والحمر الوحشية .
إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ . استثنى من هذه الأطعمة ما سيتلى في الآية الثالثة من هذه السورة ( وأخر هذا البيان مؤقتا ووقف عند هذا الإجمال ؛ ليتناول في الآية الأولى كليات مجملة بالتحريم فيكون التحليل عاما والتحريم عاما قبل التفصيل {[173]}
غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ : أي : أحلت لكم هذه الأشياء من غير أن تستحلوا الصيد وأنتم محرمون . فلا يجوز لكم الاصطياد- أو الانتفاع بالمصيد- مادمتم محرمين ، فإذا تحللتم من إحرامكم ، فلا جناح عليكم أن تصيدوا ، أو تنتفعوا بالمصيد ، ولكن في غير الحرم .
أما الحرم ، فلا يحل الاصطياد فيه ، ولا الانتفاع فيه ، سواء في ذلك المحرم وغير المحرم .
وهكذا يقيم الإسلام منطقة أمان في بيت الله الحرام وما حوله ، كما يقيم فترة أمان في الأشهر الحرم ؛
حتى يتمرن الإنسان على السلام والأمن والأمان .
قال تعالى : أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَّدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ . ( القصص : 57 )
إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ . أي : أن الله سبحانه يقضي في خلقه بما شاء ، ومن ذلك تحليل ما أراد تحليله ، وتحريم ما أراد تحريمه حسبما يعلمه سبحانه من المصالح لعباده ، لا حسب شهواتهم وأهوائهم- فعلى العباد أن يمتثلوا أمره تعالى ، ويجتنبوا نهيه ، وفاء بعهده ، سواء أدركوا حكمة التشريع ، أم لم يدركوها .
وتسمى أيضا بالعقود والمنقذة قال ابن الفرس : لأنها تنقذ صاحبها من ملائكة العذاب وهى مدنية في قول ابن عباس ومجاهد وقتادة وقال أبو جعفر بن بشر والشعبي : إنها مدنية إلا قوله تعالى : ) اليوم أكملت لكم دينكم ( فانه نزل بمكة وأحرج أبو عبيد عن محمد القرظى قال : نزلت سورة المائدة على رسول الله { صلى الله عليه وسلم } في حجة الوداع فيما بين مكة والمدينة وهو على ناقته فانصدعت كتفها فنزل عنها رسول الله { صلى الله عليه وسلم } وذلك من ثقل الوحي وأخرج غير واحد عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت : المائدة آخر سورة نزلت وأخرج أحمد والترمذي عن ابن عمر أن آخر سورة المائدة والفتح وقد تقدم آنفا عن البراء أن آخر سورة نزلت براءة ولعل كلا ذكر ماعنده وليس فى ذلك شىء مرفوع إلى النبى { صلى الله عليه وسلم } نعم أخرج أبو عبيدة عن ضمرة بن حبيب وعطية بن قيس قالا : قال رسول الله { صلى الله عليه وسلم } : المائدة من آخر القرآن تنزيلا فأحلوا حلالها وحرموا حرامها « وهو غير واف بالمقصود لمكان » من « واستدل قوم بهذا الخبر على أنه لم ينسخ من هذه السورة شىء وممن صرح بعدم النسخ عمرو بن شرحبيل والحسن رضى الله تعالى عنهما كما أخرج ذلك عنهما أبو داود وأخرج عن الشعبى أنه لم ينسخ منها إلا قوله تعالى : ياأيها الذين آمنوا لاتحلوا شعائر الله ولاالشهر الحرام ولاالهدى ولا القلائد وأخرج ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أنه قال : نسخ من هذه السورة آيتان آية القلائد وقوله سبحانه : فان جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وادعى بعضهم أن فيها تسع آيات منسوخات وسيأتى الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى
وعدة آيها مائة وعشرون عند الكوفيين وثلاث وعشرون عند البصرين واثنان وعشرون عند غيرهم ووجه اعتلاقها بسورة النساء على ما ذكره الجلال السيوطى عليه الرحمة أن سورة النساء قد اشتملت على عدة عقود صريحا وضمنا فالصريح عقود الأنكحة وعقد الصداق وعقد الحلف وعقد المعاهدة والأمان والضمنى عقد الوصية والوديعة والوكالة والعارية والاجارة وغير ذلك الداخل فى عموم قوله تعالى : إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها فناسب أن تعقب بسورة مفتتحة بالأمر بالوفاء بالعقود فكقيل : ياأيها الناس أوفوا بالعقود التى فرغ من ذكرها فى السورة التى تمت وإن كان فى هذه السورة أيضا عقود ووجه أيضا تقديم النساء وتأخير المائدة بأن أول تلك يا أيها الناس وفيها الخطاب بذلك فى مواضع وهو اشبه بتنزيل المكى وأول هذه ياأيها الذين آمنوا وفيها الخطاب بذلك فى مواضع وهو أشبه بخطاب المدنى وتقديم العام وشبه المكى أنسب ثم إن هاتين السورتين فى التلازم والاتحاد نظير البقرة وآل عمران فتانك اتحدا فى تقرير الأصول من الوحدانية والنبوة ونحوهما وهاتان فى تقرير الفروع الحكمية وقد ختمت المائدة فى صفة القدرة كما افتتحت النساء بذلك وافتتحت النساء ببدء الخلق وختمت المائدة بالمنهى من البعث والجزاء فكأنهما سورة واحدة اشتملت على الأحكام من المبدأ إلى المنتهى ولهذه السورة أيضا اعتلاق بالفاتحة والزهراوين كما لا يخفى على المتأمل .
بسْم الله الرحمن الرحيم . { يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ أَوْفُواْ بالعقود } الوفاء حفظ ما يقتضيه العقد والقيام بموجبه ، ويقال : وفى ووفى وأوفى بمعنى ، لكن في المزيد مبالغة ليست في المجرد ، وأصل العقد الربط محكماً ، ثم تجوز به عن العهد الموثق ، وفرق الطبرسي بين العقد والعهد «بأن العقد فيه معنى الاستيثاق والشد ولا يكون إلا بين اثنين ، والعهد قد يتفرد به واحد » واختلفوا في المراد بهذه العقود على أقوال : أحدها : أن المراد به العهود التي أخذ الله تعالى على عباده بالإيمان به وطاعته فيما أحل لهم أو حرم عليهم وهو مروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وثانيها : العقود التي يتعاقدها الناس بينهم كعقد الأيمان وعقد النكاح وعقد البيع ونحو ذلك ، وإليه ذهب ابن زيد وزيد بن أسلم ، وثالثها : العهود التي كانت تؤخذ في الجاهلية على النصرة والمؤازرة على من ظلم ، وروي ذلك عن مجاهد والربيع وقتادة . وغيرهم ؛ ورابعها : العهود التي أخذها الله تعالى على أهل الكتاب بالعمل بما في التوراة والإنجيل مما يقتضي التصديق بالنبي صلى الله عليه وسلم وبما جاء به ، وروي ذلك عن ابن جريج وأبي صالح ، وعليه فالمراد من الذين آمنوا مؤمنو أهل الكتاب ؛ وهو خلاف الظاهر ، واختار بعض المفسرين أن المراد بها ما يعم جميع ما ألزمه الله تعالى عباده وعقد عليهم من التكاليف والأحكام الدينية ، وما يعقدونه فيما بينهم من عقود الأمانات والمعاملات ونحوهما مما يجب الوفاء به ، أو يحسن ديناً ، ويحمل الأمر على مطلق الطلب ندباً أو وجوباً ، ويدخل في ذلك اجتناب المحرمات والمكروهات لأنه أوفق بعموم اللفظ إذ هو جمع محلى باللام وأوفى بعموم الفائدة .
واستظهر الزمخشري «كون المراد بها عقود الله تعالى عليهم في دينه من تحليل حلاله وتحريم حرامه » لما فيه كما في «الكشف » من براعة الاستهلال والتفصيل بعد الإجمال ، لكن ذكر فيه أن مختار البعض أولى لحصول الغرضين وزيادة التعميم ، وأن السور الكريمة مشتملة على أمهات التكاليف الدينية في الأصول والفروع ، ولو لم يكن إلا { عَلَى البر البر والتقوى } [ المائدة : 2 ] و { اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ للتقوى } [ المائدة : 8 ] لكفى ، وتعقب بما لا يخلو عن نظر .
وزعم بعضهم أن فيه نزع الخف قبل الوصول إلى الماء ، وما استظهره الزمخشري خال عن ذلك ، والأمر فيه هين ، وفي القول بالعموم رغب الراغب كما هو الظاهر فقد قال : العقود باعتبار المعقود ، والعاقد ثلاثة أضرب ، عقد بين الله تعالى وبين العبد ، وعقد بين العبد ونفسه ، وعقد بينه وبين غيره من البشر ، وكل واحد باعتبار الموجب له ضربان : ضرب أوجبه العقل وهو ما ركز الله تعالى معرفته في الإنسان فيتوصل إليه إما ببديهة العقل ، وإما بأدنى نظر دل عليه قوله تعالى :
{ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِى ءادَمَ } [ الأعراف : 172 ] الآية ، وضرب أوجبه الشرع وهو ما دلنا عليه كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم فذلك ستة أضرب ، وكل واحد من ذلك إما أن يلزم ابتداء أو يلزم بالتزام الإنسان إياه ، والثاني أربعة أضرب : فالأول : واجب الوفاء كالنذور المتعلقة بالقرب نحو أن يقول : عليّ أن أصوم إن عافاني الله تعالى ، والثاني : مستحب الوفاء به ويجوز تركه كمن حلف على ترك فعل مباح فإن له أن يكفر عن يمينه ويفعل ذلك ، والثالث : يستحب ترك الوفاء به ، وهو ما قال صلى الله عليه وسلم : «إذا حلف أحدكم على شيء فرأى غيره خيراً منه فليأت الذي هو خير منه وليكفر عن يمينه » ، والرابع : واجب ترك الوفاء به نحو أن يقول : علي أن أقتل فلاناً المسلم ، فيحصل من ضرب ستة في أربعة أربعة وعشرون ضرباً ، وظاهر الآية يقتضي كل عقد سوى ما كان تركه قربة أو واجباً فافهم ولا تغفل .
{ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الانعام } شروع في تفصيل الأحكام التي أمر بإيفائها ، وبدأ سبحانه بذلك لأنه مما يتعلق بضروريات المعاش ، و البهيمة من ذوات الأرواح ما لا عقل له مطلقاً ، وإلى ذلك ذهب الزجاج ، وسمي بهيمة لعدم تمييزه وإبهام الأمر عليه . ونقل الإمام الشعراني عن شيخه علي الخواص قدس سره أن سبب تسمية البهائم بهائم ليس إلا لكون أمر كلامها وأحوالها أبهم على غالب الخلق لا أن الأمر أبهم عليها ، وذكر ما يدل على عقلها وعلمها ، وسيأتي تحقيق ذلك إن شاء الله تعالى . وقال غير واحد : البهيمة اسم لكل ذي أربع من دواب البر والبحر ، وإضافتها إلى الأنعام للبيان كثوب خز أي أحل لكم أكل البهيمة من الأنعام ، وهي الأزواج الثمانية المذكورة في سورتها ، واعترض بأن البهيمة اسم جنس ، والأنعام نوع منه ، فإضافتها إليه كإضافة حيوان إنسان وهي مستقبحة ، وأجيب بأن إضافة العام إلى الخاص إذا صدرت من بليغ وقصد بذكره فائدة فحسنة كمدينة بغداد فإن لفظ بغداد لما كان غير عربي لم يعهد معناه أضيف إليه مدينة لبيان مسماه وتوضيحه وكشجر الأراك فإنه لما كان الأراك يطلق على قضبانه أضيف لبيان المراد وهكذا وإلا فلغو زائد مستهجن ، وهنا لما كان الأنعام قد يختص بالإبل إذ هو أصل معناه على ما قيل ، ولذا لا يقال : النَّعم إلا لها أضيف إليه بهيمة إشارة إلى ما قصد به ، وذكر البهيمة وإفرادها لإرادة الجنس ، وجمع الأنعام ليشمل أنواعها وألحق بهما الظباء وبقر الوحش ، وقيل : هما المراد بالبهيمة ونحوهما مما يماثل الأنعام في الاجترار وعدم الأنياب ، وروي ذلك عن الكلبي .
والفراء ، وإضافتها إلى الأنعام حينئذ لملابسة المشابهة بينهما ، وجوز بعض المحققين في إضافة المشبه للمشبه به كونها بمعنى اللام على جعل ملابسة المشبه اختصاصاً بينهما ، أو بمعنى من البيانية على جعل المشبه نفسه المشبه به ، وفائدة هذه الإضافة هنا الإشعار بعلة الحكم المشتركة بين المتضايفين كأنه قيل : أحلت لكم البهيمة المشبهة بالأنعام التي بين إحلالها فيما سبق لكم المماثلة لها في مناط الحكم ، وقيل : المراد ببهيمة الأنعام ما يخرج من بطونها من الأجنة بعد ذكاتها وهي ميتة ، وروي ذلك عن ابن عباس وابن عمر وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله رضي الله تعالى عنهم فيكون مفاد الآية صريحاً حل أكلها ، وبه قال الشافعي ، واستدل عليه بغير ما خبر ، ويفهم منها حل الأنعام ، وتقديم الجار والمجرور على القائم مقام الفاعل لإظهار العناية بالمقدم لما فيه من تعجيل المسرة والتشويق إلى ذكر المؤخر .
وفي الآية ردّ على المجوس فإنهم حرموا ذبح الحيوانات وأكلها قالوا : لأن ذبحها إيلام والإيلام قبيح خصوصاً إيلام من بلغ في العجز إلى حيث لا يقدر أن يدفع عن نفسه والقبيح لا يرضى به الإله الرحيم الحكيم . وزعموا لعنهم الله تعالى أن إيلام الحيوانات إنما يصدر من الظلمة دون النور ، والتناسخية لم يجوزوا صدور الآلام منه تعالى ابتداءاً بوجه من الوجوه إلا بطريق المجازاة على ما سبق من اقتراف الجرائم ، والتزموا أن البهائم مكلفة عالمة بما يجري عليها من الآلام وأنها مجازاة على فعلها ولولا ذلك لما تصور انزجارها بالآلام عن العود إلى الجريمة بتقدير انتقالها إلى بدن أشرف . وزعم البعض منهم أنه ما من جنس من البهائم إلا وفيهم نبي مبعوث إليهم من جنسهم ، بل زعم آخرون أن جميع الجمادات أحياء مكلفة وأنها مجازاة على ما تقترفه من الخير والشر ، ونسب نحواً من ذلك الإمام الشعراني إلى السادة الصوفية ، وأبى أهل الظاهر ذلك كل الإباء ، ولما أشكل على البكرية من المسلمين الجواب عن هذه الشبهة على أصولهم واعتقدوا ورود الأمر بذبح الحيوانات من الله تعالى زعموا أن البهائم لا تتألم وكذلك الأطفال الذين لا يعقلون ، ولايخفى أن ذلك مصادم للبديهة ولا يقصر عن إنكار حياة المذكورين وحركاتهم وحسهم وإدراكهم ، وأجاب المعتزلة بما ردّه أهل السنة ، وأجابوا بأن الإذن في ذبح الحيوانات تصرف من الله تعالى في خالص ملكه فلا اعتراض عليه ، والتحسين والتقبيح العقليان قد طوي بساط الكلام فيهما في علم الكلام ، وكذا القول بالنور والظلمة ، وقال بعض المحققين : لما كان الإنسان أشرف أنواع الحيوانات وبه تمت نسخة العالم لم يقبح عقلاً جعل شيء مما دونه غداءاً له مأذوناً بذبحه وإيلامه اعتناءاً بمصلحته حسبما تقتضيه الحكمة التي لا يحلق إلى سرها طائر الأفكار ، وقال بعض الناس : الآية مجملة لاحتمال أن يكون المراد إحلال الانتفاع بجلدها أو عظمها أو صوفها أو الكل ، وفيه نظر لأن ظهور تقدير الأكل مما لا يكاد ينتطح فيه كبشان .
نعم ذكر ابن السبكي وغيره أن قوله تعالى : { إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ } مجمل للجهل بمعناه قبل نزول مبينه ، ويسري الإجمال إلى ما تقدم ، ولكن ذاك ليس محل النزاع ، والاستثناء متصل من بهيمة بتقدير مضاف محذوف مما يتلي أي إلا محرم ما يتلى عليكم ، وعنى بالمحرم الميتة وما أهل لغير الله به إلى آخر ما ذكر في الآية الثالثة من السورة ، أو من فاعل يتلى أي إلا ما يتلى عليكم آية محرمة لتكون ما عبارة عن البهيمة المحرمة لا اللفظ المتلو ، وجوز اعتبار التجوز في الإسناد من غير تقدير وليس بالبعيد ؛ وأما جعله مفرغاً من الموجب في موقع الحال أي إلا كائنة على الحالات المتلوة فبعيد كما قال الشهاب جداً ؛ وذهب بعضم إلى أنه منقطع بناءاً على الظاهر لأن المتلو لفظ ، والمستثنى منه ليس من جنسه ؛ والأكثرون على الأول ، ومحل المستثنى النصب ، وجوز الرفع على ما حقق في النحو .
{ غَيْرَ مُحِلّى الصيد } حال من الضمير في لكم على ما عليه أكثر المفسرين ، والصيد يحتمل المصدر والمفعول ، وقوله تعالى : { وَأَنتُمْ حُرُمٌ } حال عما استكن في محل والحرم جمع حرام وهو المحرم ، ومحصل المعنى أحلت لكم هذه الأشياء لا محلين الاصطياد ، أو أكل الصيد في الإحرام ، وفسر الزمخشري عدم إحلال الصيد في حالة الإحرام بالامتناع عنه وهم محرمون حيث قال : كأنه قيل : أحللنا لكم بعض الأنعام في حالة امتناعكم عن الصيد وأنتم حرم لئلا يكون عليكم حرج ، ولم يحمل الإحلال على اعتقاد الحل ظناً منه أن تقييد الإحلال بعدم اعتقاد الحل غير موجه ، وقد يقال : إن الأمر كذلك لو كان المراد مطلق اعتقاد الحل أما لو كان المراد عدم اعتقاد ناشيء من الشرع ومترتب منه فلا لأن حاله إن لم يكن عين حال الامتناع فليس بالأجنبي عنه كما لا يخفى على المتدبر ، وأشار إليه شيخ مشايخنا جرجيس أفندي الإربلي رحمة الله تعالى عليهم .
واعترض في «البحر » على ما ذهب إليه الأكثرون بأنه يلزم منه تقييد إحلال بهيمة الأنعام بحال انتفاء حل الصيد وهم حرم ، وهي قد أحلت لهم مطلقاً فلا يظهر له فائدة إلا إذا أريد ببهيمة الأنعام الصيود المشبهة بها كالظباء وبقر الوحش وحمره ، ودفع بأنه مع عدم اطراد اعتبار المفهوم يعلم منه غيره بالطريق الأولى لأنها إذا أحلت في عدم الإحلال لغيرها وهم محرمون لدفع الحرج عنهم ، فكيف في غير هذه الحال ؟ فيكون بياناً لإنعام الله تعالى عليهم بما رخص لهم من ذلك وبياناً لأنهم في غنية عن الصيد وانتهاك حرمة الحرم .
وعبارة الزمخشري كالصريحة في ذلك ، ودفعه العلامة الثاني بأن المراد من الأنعام ما هو أعم من الإنسي والوحشي مجازاً أو تغليباً أو دلالة أو كيفما شئت ، وإحلالها على عمومها مختص بحال كونكم غير محلين الصيد في الإحرام إذ معه يحرم البعض وهو الوحش ، ولا يخفى أنه توجيه وحشي لا ينبغي لحمزة غابة التنزيل أن يقصده من مراصد عباراته ، وذهب الأخفش إلى أن انتصاب غير على الحالية من ضمير أوفوا وضعف بأن فيه الفصل من الحال وصاحبها بجملة ليست اعتراضية إذ هي مبينة ، وتخلل بعض أجزاء المبين بين أجزاء المبين مع ما يجب فيه من تخصيص العقود بما هو واجب أو مندوب في الحج ، وإلا فلا يبقى للتقييد بتلك الحال مع أنهم مأمورون بمطلق العقود مطلقاً وجه .
وزعم العلامة أنه أقرب من الأول معنى وإن كان أبعد لفظاً ، واستدل عليه بما هو على طرف الثمام ، ثم قال : ومنهم من جعله حالاً من فاعل أحللنا المدلول عليه بقوله تعالى : { أُحِلَّتْ لَكُمْ } ويستلزم جعل { وَأَنتُمْ حُرُمٌ } أيضاً حالاً من مقدر أي حال كوننا غير محلين الصيد في حال إحرامكم وليس ببعيد إلا من جهة انتصاب حالين متداخلين من غير ظهور ذي الحال في اللفظ . وتعقبه أبوحيان «بأنه فاسد لأنهم نصوا على أن الفاعل المحذوف في مثل هذا يصير نسياً منسياً فلا يجوز وقوع الحال منه ، قد قالوا لو قلت : أنزل الغيث مجيباً لدعائهم على أن مجيباً حال من فاعل الفعل المبني للمفعول لم يجز لا سيما على مذهب القائلين : بأن المبني للمفعول صيغة أصلية ليست محولة عن المعلوم على أن في التقييد أيضاً مقالاً ، وجعله بعضهم حالاً من الضمير المجرور في عليكم ويريده أن الذي يتلى لا يتقيد بحال انتفاء إحلالهم الصيد وهم حرم ، بل هو يتلي عليهم في هذه الحال وفي غيرها » ، ونقل العلامة البيضاوي عن بعض أن النصب على الاستثناء ، وذكر أن فيه تعسفاً ، وبينه مولانا شيخ الكل في الكل صبغة الله أفندي الحيدري عليه الرحمة بأنه لو كان استثناءاً لكان إما من الضمير في لكم أو في { أَوْفُواْ } إذ لا جواز لاستثنائه من بهيمة الأنعام وعلى الأول : يجب أن يخص البهيمة بما عدا الأنعام مما يماثلها ، أو تبقى على العموم لكن بشرط إدارة المماثل فقط في حيز الاستثناء ، وأن يجعل قوله تعالى : { وَأَنتُمْ حُرُمٌ } من تتمة المستثنى بأن يكون حالاً عما استكن في محلي ليصح الاستثناء إذ لا صحة له بدون هذين الاعتبارين ، فسوق العبارة يقتضي أن يقال : وهم حرم لأن الاستثناء أخرج المحلين من زمرة المخاطبين ، واعتبار الالتفات هنا بعيد لكونه رافعاً فيما هو بمنزلة كلمة واحدة ، وعلى الثاني : يجب تخصيص العقود بالتكاليف الواردة في الحج ، وتأويل الكلام الطلبي بما يلزمه من الخبر مع ما يلزمه من الفصل بين المستثنى والمستثنى منه بالأجنبي ، وكل ذلك تعسف أي تعسف انتهى ، وكأنه رحمه الله تعالى لم يذكر احتمال كون الاستثناء من الاستثناء ، مع أن القرطبي نقله عن البصريين لأن ذلك فاسد كما قاله القرطبي .
وأبو حيان لا متعسف إذ يلزم عليه إباحة الصيد في الحرم لأن المستثنى من المحرم حلال ، نعم ذكر أبو حيان أنه استثناء من بهيمة الأنعام على وجه عينه ؛ وأنفه التكلف والتعسف فقد قال رحمه الله تعالى «إنما عرض الإشكال في الآية حتى اضطرب الناس في تخريجها من كون رسم محلي بالياء فظنوا أنه اسم فاعل من أحل ، وأنه مضاف إلى الصيد إضافة اسم الفاعل المتعدي إلى المفعول ، وأنه جمع حذف منه النون للإضافة ، وأصل غير محلين الصيد . والذي يزول به الإشكال ويتضح المعنى أن يجعل قوله تعالى : { غَيْرَ مُحِلّى الصيد } من باب قولهم : حسان النساء ، والمعنى النساء الحسان ، وكذا هذا أصله غير الصيد المحل ، والمحلّ صفة للصيد لا للناس ( ولا للفاعل المحذوف ) ، ووصف الصيد بأنه محل ، إما بمعنى داخل في الحل كما تقول أحل الرجل أي دخل في الحل ، وأحرم أي دخل في الحرم ، أو بمعنى صار ذا حل أي حلالاً بتحليل الله تعالى ، ومجيء أفعل على الوجهين المذكورين كثير في لسان العرب ، فمن الأول : أعرق وأشأم وأيمن وأنجد وأتهم ، ومن الثاني : أعشبت الأرض وأبقلت ، وأغد البعير ، وإذا تقرر أن الصيد يوصف بكونه محلاً باعتبار ( أحد ) ( 1 ) الوجهين اتضح كونه استثناءاً ثانياً ، ثم إن كان المراد ببهيمة الأنعام أنفسها فهو استثناء منقطع ، أو الظباء ونحوها فمتصل على تفسير المحل بالذي يبلغ الحل في حال كونهم محرمين ، فإن قلت : ما فائدة هذا الاستثناء بقيد بلوغ الحل والصيد الذي في الحرم لا يحل أيضاً ؟ قلت : الصيد الذي في الحرم لا يحل للمحرم ولا لغير المحرم ، والقصد بيان تحريم ما يختص تحريمه بالمحرم . فإن قلت : ما ذكرته من هذا التوجيه الغريب يعكر عليه رسمه في المصحف بالياء والوقف عليه بها . قلت : قد كتبوا في المصحف أشياء تخالف النطق نحو { لاَذْبَحَنَّهُ } [ النمل : 21 ] بالألف ، والوقف اتبعوا فيه الرسم » انتهى .
وتعقبه السفاقسي بمثل ما قدمناه من حيث زيادة الياء ، وفيها التباس المفرد بالجمع وهم يفرّون من زيادة أو نقصان في الرسم ، فكيف يزيدون زيادة ينشأ عنها لبس ؟ ومن حيث إضافة الصفة للموصوف وهو غير مقيس ، وقال الحلبي : إن فيه خرقاً للإجماع فإنهم لم يعربوا { غَيْرِ } إلا حالاً ، وإنما اختلفوا في صاحبها ، ثم قال السفاقسي : ويمكن فيه تخريجان : أحدهما أن يكون { غَيْرِ } استثناءاً منقطعاً ، ومحلي جمع على بابه ، والمراد به الناس الداخلون حل الصيد ، أي لكن إن دخلتم حل الصيد فلا يجوز لكم الاصطياد ، والثاني : أن يكون متصلاً من بهيمة الأنعام وفي الكلام حذف مضاف ، أي أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا صيد الداخلين حل الاصطياد وأنتم حرم فلا يحل ، ويحتمل أن يكون على بابه من التحليل ، ويكون الاستثناء متصلاً والمضاف محذوف ، أي إلا صيد محلى الاصطياد وأنتم حرم ، والمراد بالمحلين الفاعلون فعل من يعتقد التحليل فلا يحل ، ويكون معناه أن صيد الحرم كالميتة لا يحل أكله مطلقاً ، ويحتمل أن يكون حالاً من ضمير { لَكُمْ } وحذف المعطوف للدلالة عليه وهو كثير ، وتقديره غير محلي الصيد محليه كما قال تعالى :
{ تَقِيكُمُ الحر } [ النحل : 81 ] أي والبرد ، وهو تخريج حسن . هذا ولا يخفى أن يد الله تعالى مع الجماعة ، وأن ما ذكره غيرهم لا يكاد يسلم من الاعتراض .
{ إِنَّ الله يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ } من الأحكام حسبما تقتضيه مشيئته المبنية على الحكم البالغة التي تقف دونها الأفكار ، فيدخل فيها ما ذكره من التحليل والتحريم دخولاً أولياً ، وضمن يحكم معنى يفعل ، فعداه بنفسه وإلا فهو متعد بالباء .
( هذا ومن باب الإشارة ) في الآيات : { يا أيها الذين آمنوا } بالإيمان العلمي { أَوْفُواْ بالعقود } أي بعزائم التكليف ، وقال أبو الحسن الفارسي : أمر الله تعالى عباده بحفظ النيات في المعاملات ، والرياضات في المحاسبات ، والحراسة في الخطرات ، والرعاية في المشاهدات ، وقال بعضهم : { أَوْفُواْ بالعقود } عقد القلب بالمعرفة ، وعقد اللسان بالثناء ، وعقد الجوارح بالخضوع ، وقيل : أول عقد عقد على المرء عقد الإجابة له سبحانه بالربوبية وعدم المخالفة بالرجوع إلى ما سواه ، والعقد الثاني عقد تحمل الأمانة وترك الخيانة { أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنعام } أي أحل لكم جميع أنواع التمتعات والحظوظ بالنفوس السليمة التي لا يغلب عليها السبعية والشره { إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ } من التمتعات المنافية للفضيلة والعدالة { غَيْرَ مُحِلّى الصيد وَأَنتُمْ حُرُمٌ } أي لا متمتعين بالحظوظ في حال تجردكم للسلوك وقصدكم كعبة الوصال وتوجهكم إلى حرم صفات الجمال والجلال { إِنَّ الله يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ } [ المائدة : 1 ] فليرض السالك بحكمه ليستريح ، ويهدي إلى سبيل رشده