الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي - الواحدي [إخفاء]  
{يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡأَنفَالِۖ قُلِ ٱلۡأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصۡلِحُواْ ذَاتَ بَيۡنِكُمۡۖ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ} (1)

{ يسألونك عن الأنفال } الغنائم لمن هي نزلت حين اختلفوا في غنائم بدر فقال الشبان هي لنا لأنا باشرنا الحرب وقالت الأشياخ كنا ردءا لكم لأنا وقفنا في المصاف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو انهزمتهم لانحزتم إلينا فلا تذهبوا بالغنائم دوننا فأنزل الله تعالى { قل الأنفال لله والرسول } يضعها حيث يشاء من غير مشاركة فيها فقسمها بينهم على السواء { فاتقوا الله } بطاعته واجتناب معاصيه { وأصلحوا ذات بينكم } حقيقة وصلكم أي لا تخالفوا { وأطيعوا الله ورسوله } سلموا لهما في الأنفال فإنهما يحكمان فيها ما أرادا { إن كنتم مؤمنين }

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡأَنفَالِۖ قُلِ ٱلۡأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصۡلِحُواْ ذَاتَ بَيۡنِكُمۡۖ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ} (1)

مقدمة السورة:

سورة الأنفال : مدنية بدرية في قول الحسن وعكرمة وجابر وعطاء . وقال ابن عباس : هي مدنية إلا سبع آيات ، من قوله تعالى : " وإذ يمكر بك الذين كفروا{[1]} " إلى آخر السبع آيات .

فيه سبع مسائل :

الأولى - روى عبادة بن الصامت قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر فلقوا العدو ، فلما هزمهم الله اتبعتهم طائفة من المسلمين يقتلونهم ، وأحدقت طائفة برسول الله صلى الله عليه وسلم ، واستولت طائفة على العسكر والنهب ، فلما نفى الله العدو ورجع الذين طلبوهم قالوا : لنا النفل ، نحن الذين طلبنا العدو وبنا نفاهم الله وهزمهم . وقال الذين أحدقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أنتم أحق به منا ، بل هو لنا ، نحن أحدقنا برسول الله صلى الله عليه وسلم لئلا ينال العدو منه غرة . وقال الذين استلووا على العسكر والنهب : ما أنتم بأحق منا ، هو لنا ، نحن حويناه واستولينا عليه ، فأنزل الله عز وجل : " يسألونك عن الأنفال . قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين " . فقسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فواق بينهم . قال أبو عمر : قال أهل العلم بلسان العرب : استلووا أطافوا وأحاطوا ، يقال : الموت مستلو على العباد . وقوله : " فقسمه عن فواق " يعني عن سرعة . قالوا : والفواق ما بين حلبتي الناقة . يقال : انتظره فواق ناقة ، أي هذا المقدار . ويقولونها بالضم والفتح : فواق وفواق . وكان هذا قبل أن ينزل : " واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه " [ الأنفال : 41 ] الآية . وكأن المعنى عند العلماء : أي إلى الله وإلى الرسول الحكم فيها والعمل بها بما يقرب من الله تعالى . وذكر محمد بن إسحاق قال : حدثني عبد الرحمن بن الحارث وغيره من أصحابنا عن سليمان بن موسى الأشدق عن مكحول عن أبي أمامة الباهلي قال : سألت عبادة بن الصامت عن الأنفال فقال : فينا معشر أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل ، وساءت فيه أخلاقنا ، فنزعه الله من أيدينا وجعله إلى الرسول ، فقسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بواء . يقول : على السواء . فكان ذلك تقوى الله وطاعة رسوله وصلاح ذات البين ، وروي في الصحيح عن سعد بن أبي وقاص قال : اغتنم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم غنيمة عظيمة ، فإذا فيها سيف ، فأخذته فأتيت به النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : نفلني هذا السيف ، فأنا من قد علمت حاله . قال : " رده من حيث أخذته " فانطلقت حتى أردت أن ألقيه في القبض{[7571]} لامتني نفسي فرجعت إليه فقلت : أعطنيه . قال : فشد لي صوته ( رده من حيث أخذته " فانطلقت حتى أردت أن ألقيه في القبض لامتني نفسي فرجعت إليه فقلت : أعطنيه ، قال : فشد لي صوته " رده من حيث أخذته " فأنزل الله " يسألونك عن الأنفال " . لفظ مسلم . والروايات كثيرة ، وفيما ذكرناه كفاية ، والله الموفق للهداية .

الثانية - الأنفال واحدها نفل بتحريك الفاء ، قال{[7572]} :

إن تقوى ربنا خيرُ نفل *** وبإذن الله رَيْثِي والعَجَلْ

أي خير غنيمة . والنفل : اليمين ، ومنه الحديث " فتبرئكم يهود بنفل خمسين منهم " . والنفل الانتفاء ، ومنه الحديث " فانتفل من ولدها " . والنفل : نبت معروف . والنفل : الزيادة على الواجب ، وهو التطوع . وولد الولد نافلة ؛ لأنه زيادة على الولد . والغنيمة نافلة ؛ لأنها زيادة فيما أحل الله لهذه الأمة مما كان محرما على غيرها . قال صلى الله عليه وسلم : " فضلت على الأنبياء بست - وفيها - وأحلت لي الغنائم " . والأنفال : الغنائم أنفسها . قال عنترة :

إنا إذا احْمَرَّ الوَغَى نروي القَنَا *** ونَعِفُّ عند مقاسم الأنفال

أي الغنائم .

الثالثة - واختلف العلماء في محل الأنفال على أربعة أقوال : الأول : محلها فيما شد عن الكافرين إلى المسلمين أو أخذ بغير حرب . الثاني : محلها الخمس . الثالث : خمس الخمس . الرابع : رأس الغنيمة ، حسب ما يراه الإمام . ومذهب مالك رحمه الله أن الأنفال مواهب الإمام من الخمس ، على ما يرى من الاجتهاد ، وليس في الأربعة الأخماس نفل ، وإنما لم ير النفل من رأس الغنيمة لأن أهلها معينون وهم الموجفون{[7573]} ، والخمس مردود قسمه إلى اجتهاد الإمام . وأهله غير معينين . قال صلى الله عليه وسلم : " ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود عليكم " . فلم يمكن بعد هذا أن يكون النفل من حق أحد ، وإنما يكون من حق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الخمس . هذا هو المعروف من مذهبه وقد روي عنه أن ذلك من خمس الخمس . وهو قول ابن المسيب والشافعي وأبي حنيفة . وسبب الخلاف حديث ابن عمر ، رواه مالك قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية قبل نجد فغنموا إبلا كثيرة ، وكانت سهمانهم اثني عشر بعيرا أو أحد عشر بعيرا ؛ ونفلوا بعيرا بعيرا . هكذا رواه مالك على الشك في رواية يحيى عنه ، وتابعه على ذلك جماعة رواة الموطأ إلا الوليد بن مسلم فإنه رواه عن مالك عن نافع عن ابن عمر ، فقال فيه : فكانت سهمانهم اثني عشر بعيرا ، ونفلوا بعيرا بعيرا . ولم يشك . وذكر الوليد بن مسلم والحكم بن نافع عن شعيب بن أبي حمزة عن نافع عن ابن عمر قال : بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في جيش قبل نجد - في رواية الوليد : أربعة آلاف - وانبعثت سرية من الجيش - في رواية الوليد : فكنت ممن خرج فيها - فكان سهمان الجيش اثني عشر بعيرا ، اثني عشر بعيرا ، ونفل أهل السرية بعيرا بعيرا ، فكان سهمانهم ثلاثة عشر بعيرا ؛ ذكره أبو داود . فاحتج بهذا من يقول : إن النفل إنما يكون من جملة الخمس . وبيانه أن هذه السرية لو نزلت على أن أهلها كانوا عشرة مثلا أصابوا في غنيمتهم مائة وخمسين ، أخرج منها خمسها ثلاثين وصار لهم مائة وعشرون ، قسمت على عشرة وجب لكل واحد اثنا عشر بعيرا ، اثنا عشر بعيرا ، ثم أعطي القوم من الخمس بعيرا بعيرا ؛ لأن خمس الثلاثين لا يكون فيه عشرة أبعرة . فإذا عرفت ما للعشرة عرفت ما للمائة والألف وأزيد . واحتج من قال : إن ذلك كان من خمس الخمس بأن قال : جائز أن يكون هناك ثياب تباع ومتاع غير الإبل ، فأعطى من لم يبلغه البعير قيمة البعير من تلك العروض . ومما يعضد هذا ما روى مسلم في بعض طرق هذا الحديث : فأصبنا إبلا وغنما ، الحديث . وذكر محمد بن إسحاق في هذا الحديث أن الأمير نفلهم قبل القسم ، وهذا يوجب أن يكون النفل من رأس الغنيمة ، وهو خلاف قول مالك . وقول من روى خلافه أولى لأنهم حفاظ ، قاله أبو عمر رحمه الله . وقال مكحول والأوزاعي : لا ينفل بأكثر من الثلث ، وهو قول الجمهور من العلماء . قال الأوزاعي : فإن زادهم فليف لهم ويجعل ذلك من الخمس . وقال الشافعي : ليس في النفل حد لا يتجاوزه الإمام .

الرابعة - ودل حديث ابن عمر على ما ذكره الوليد والحكم عن شعيب عن نافع أن السرية إذا خرجت من العسكر فغنمت أن العسكر شركاؤهم . وهذه مسألة وحكم لم يذكره في الحديث غير شعيب عن نافع ، ولم يختلف العلماء فيه ، والحمد لله .

الخامسة - واختلف العلماء في الإمام يقول قبل القتال : من هدم كذا من الحصن فله كذا ، ومن بلغ إلى موضع كذا فله كذا ، ومن جاء برأس فله كذا ، ومن جاء بأسير فله كذا ؛ يضريهم{[7574]} . فروي عن مالك أنه كرهه . وقال : هو قتال على الدنيا . وكان لا يجيزه . قال الثوري : ذلك جائز ولا بأس به . قلت : وقد جاء هذا المعنى مرفوعا من حديث ابن عباس قال : لما كان يوم بدر قال النبي صلى الله عليه وسلم : " من قتل قتيلا فله كذا ومن أسر أسيرا فله كذا " . الحديث بطوله . وفي رواية عكرمة عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : " من فعل كذا وكذا وأتى مكان كذا وكذا فله كذا " . فتسارع الشبان وثبت الشيوخ مع الرايات ، فلما فتح لهم جاء الشبان يطلبون ما جعل لهم فقال لهم الأشياخ : لا تذهبون به دوننا ، فقد كنا ردءا لكم ، فأنزل الله تعالى : " وأصلحوا ذات بينكم " ذكره إسماعيل بن إسحاق أيضا . وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال لجرير بن عبدالله البجلي لما قدم عليه في قومه وهو يريد الشأم : هل لك أن تأتي الكوفة ولك الثلث بعد الخمس من كل أرض وسبي ؟ . وقال بهذا جماعة فقهاء الشأم : الأوزاعي ومكحول وابن حيوة وغيرهم . ورأوا الخمس من جملة الغنيمة ، والنفل بعد الخمس ثم الغنيمة بين أهل العسكر ، وبه قال إسحاق وأحمد وأبو عبيد . قال أبو عبيد : والناس اليوم على أن لا نفل من جهة الغنيمة حتى تخمس . وقال مالك : لا يجوز أن يقول الإمام لسرية : ما أخذتم فلكم ثلثه . قال سحنون : يريد ابتداء . فإن نزل مضى{[7575]} ، ولهم أنصباؤهم في الباقي . وقال سحنون : إذا قال الإمام لسرية ما أخذتم فلا خمس عليكم فيه ، فهذا لا يجوز ، فإن نزل{[7576]} رددته ؛ لأن هذا حكم شاذ لا يجوز ولا يمضى .

السادسة - واستحب مالك رحمه الله ألا ينفل الإمام إلا ما يظهر كالعمامة والفرس والسيف . ومنع بعض العلماء أن ينفل الإمام ذهبا أو فضة أو لؤلؤا ونحوه . وقال بعضهم : النفل جائز من كل شيء . وهو الصحيح لقول عمر ومقتضى الآية ، والله أعلم .

السابعة - قوله تعالى : " فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم " أم بالتقوى والإصلاح ، أي كونوا مجتمعين على أمر الله في الدعاء : اللهم أصلح ذات البين ، أي الحال التي يقع بها الاجتماع . فدل هذا على التصريح بأنه شجر بينهم اختلاف ، أو مالت النفوس إلى التشاح ، كما هو منصوص في الحديث . وتقدم معنى التقوى{[7577]} ، أي اتقوا الله في أقوالكم ، وأفعالكم ، وأصلحوا ذات بينكم . " وأطيعوا الله ورسوله " في الغنائم ونحوها . " إن كنتم مؤمنين " أي إن سبيل المؤمن أن يمتثل ما ذكرنا . وقيل : " إن " بمعنى " إذ " .


[1]:لعله عمرو بن مرة المذكور في سند الحديث (انظر ابن ماجه ج 1 ص 139 وسنن أبي داود ج 1 ص 77 طبع مصر).
[7571]:القبض (ابالتحريك) بمعنى المقبوض، وهو ما جمع من الغنيمة قبل أن تقسم.
[7572]:القائل هو لبيد: كما في اللسان (مادة نفل)
[7573]:الموجفون: المحصلون بخيل وركاب. والإيجاف: سرعة السير.
[7574]:التضرية: الإغراء
[7575]:في ز و ك : ترك
[7576]:في ز و ك: ترك.
[7577]:راجع ج 1 ص 161
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡأَنفَالِۖ قُلِ ٱلۡأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصۡلِحُواْ ذَاتَ بَيۡنِكُمۡۖ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ} (1)

مقدمة السورة:

بيان إجمال للسورة

هذه السورة مدنية وآياتها خمس وسبعون . وهي تتضمن فيضا حافلا زخيرا من الأحكام والمواعظ والمشاهد . أولها الكلام عن الأنفال ، وهو عنوان السورة . ويراد بالأنفال الغنائم . ونعرض لبيان ذلك من حيث أنواعه وأحكامه وأقوال العلماء فيه .

وتتضمن السورة ذكر المؤمنين الذين توجل قلوبهم بذكر الله ، وسماع آياته البينات ، والذين يقيمون الصلاة ويؤدون الزكاة .

وتتضمن كذلك بيانا بحال المؤمنين لما اختلفوا فيما يفعلونه في المشركين ذوي الشوكة ، هل يقاتلونهم في بدر أو يكفون عن قتالهم ويكتفون بأخذ العير الموقرة بأموال قريش . ثم كتب الله التوفيق للمؤمنين الراغبين في الجهاد ؛ إذ قاتلوهم وانتصروا عليهم بعون الله وتعزيزه لهم . وفي ذلك ما يؤكد للمسلمين طيلة الدهر أن النصر بيد الله وحده يؤتيه من يشاء من عباده العاملين المخلصين { وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم } .

ويأمر الله في السورة عباده المؤمنين أن يثبتوا في ساحة الجهاد وهم يواجهون أعداء الله فلا يولون الأدبار ؛ فإنه لا يولي الكافرين دبره عند اللقاء إلا من باب بالغضب من الله وكان مأواه جهنم . ولما أظهر الله المؤمنين في بدر وأظفرهم على المشركين بين لهم أن ما تحصل لهم من النصر على عدوهم لم يكن بقوتهم واقتدارهم بل كان بمشيئة الله وفضله وامتنانه ؛ إذ كتب النصر لعباده المؤمنين الصابرين ، على ضعف عدتهم وقلة عددهم .

ويحذر الله في السورة عباده المؤمنين من كل فتنة لا تقتصر في الإصابة والإضرار على الظالمين وحدهم . ولكنها تصيب الظالمين والمؤمنين على السواء فما ينجو منها أحد . وثمة تفصيل في السورة لهذا المعنى نعرض له في حينه إن شاء الله .

وفي السورة تذكير من الله لعباده المؤمنين بحالهم في مكة ؛ إذ كانوا قلة وكانوا مستضعفين ، ثم أيدهم الله بتكثيرهم وجعلهم آمنين بعد أن كانوا خائفين . إلى غير ذلك من وجوه النعمة والرزق الذي من الله به على المؤمنين الصابرين . فعليهم بذلك أن يذكروا تلك النعم ولا ينسوها ، ويبادروا دائما بطاعة الله وشكره على مننه وإفضاله .

وفي السورة بيان لمكر الكافرين وكيدهم للرسول صلى الله عليه وسلم وتمالئهم عليه وتشاورهم فيما بينهم بشأنه ، هل يحبسونه فلا يخرج ، أو يقتلونه ، أو يخرجونه خارج مكة . ثم وقع رأيهم وكيدهم على ابتغاء قتله عليه السلام ، لكنهم خابوا وخسروا وباءوا بالفشل والخزي ، فقد نجي الله رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم من بين أظهرهم في حدث إعجازي جلل ومذهل . حدث ينطق في صدع وجهار أن محمدا صلى الله عليه وسلم مرسل من ربه { ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين } .

وتكشف السورة عن تواطؤ الكافرين جميعا على النيل من الإسلام والمسلمين ؛ فهم يتمالئون في كل زمان ليكيدوا للإسلام كيدا ، وينفقون في سبيل هذه الغاية الخبيثة الأموال الهائلة . لكنهم سوف يبرءون في النهاية بالخزي والفشل في هذه الدنيا ثم يفضون في الآخرة إلى جهنم وبئس المصير .

ويأمر الله المؤمنين بقتال المشركين حتى تكون كلمة الإسلام هي العليا ، ويكون منهج الله هو المسيطر والنافذ في العالم دون غيره من الملل والمذاهب الفاسدة الضالة . وإذ ذاك تنتهي ويعم الأمن ويشيع الرخاء في العالم كله ، وهو قوله : { حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله } .

وفي السورة تشريع للغنية بتخميسها . وهو أن يكون خمسها لله ولرسوله ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل . وأربعة الأخماس الأخرى للمقاتلين .

وفي السورة وصف للظروف النفسية والواقعية التي سبقت غزوة بدر الكبرى . وبذلك فإن الله يأمر عباده المؤمنين بالثبات عند لقاء العدو ، وليذكروا الله ذكرا كثيرا ليكونوا من المفلحين . ويحذرهم دائما من التنازع والشقاق والخصام فيما بينهم لما في ذلك من مدعاة لزوال شوكتهم وبأسهم وانهيارهم بالكلية .

وفي السورة تنديد بالخيانة ونقض العهود إلا أن يخاف المسلمون من غدر المعتدين الظالمين . فإن خافوا خيانتهم وغدرهم نبذوا إليهم عهدهم وميثاقهم ، بإعلامهم جهارا وعلانية أنهم نقضوا العهد معهم .

ويأمر الله المسلمين بإعداد القوة لمقاتلة المشركين المعتدين ما استطاعوا إلى الإعداد سبيلا .

وتبين تفضيلا تأويل قوله : { وإن جنحوا للسلم فاجنح لها } كيلا يكون بعد ذلك مجال لمتحذلق متأول كذوب ، أو مفتر مغرض منافق ، أو منتفع دجال مريب ، يحمل هذه الآية غير ما تحتمل .

ويأمر الله رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم أن يحرض المؤمنين على قتال المشركين الظالمين المتربصين ، الذين يعتدون على المسلمين في دينهم بالفتنة ، وفي أموالهم وثرواتهم بالنهب والسلب ، وفي أوطانهم وبلادهم وبالاغتصاب والاحتلال ، وفي كراماتهم وشرفهم بالامتهان والإذلال .

وفي السورة تشريع لمسألة الأسرى نعرض لها بالتبيين إن شاء الله .

بيان تفصيلي للسورة

بسم الله الرحمان الرحيم

قوله تعالى : { يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين 1 إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته إيمانا وعلى ربهم يتوكلون 2 الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون 3 أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم } .

في سبب نزل هذه الآية روى الإمام أحمد عن عبادة بن الصامت قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهدت معه بدرا فالتقى الناس فهزم اله تعالى العدو فانطلقت طائفة في أثارهم يهزمون ويقتلون ، وأقبلت طائفة على العسكر يحزونه ويجمعونه ، وأحدقت طائفة برسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصيب العدو منه غرة ، حتى إذا كان الليل وفاء الناس بعضهم إلى بعض ، قال الذين جمعوا الغنائم : نحن حويناها فليس لأحد فيها نصيب . وقال الذين خرجوا في طلب العدو : لستم بأحق به منا نحن منعنا عنه العدو وهزمناهم . وقال الذين أحدقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم : خفنا أن يصيب العدو منه غرة فاشتغلنا به ، فزلت : { يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول } الآية .

وروي الإمام احمد أيضا عن أبي أمامة قال : سألت عبادة عن الأنفال فقال : فينا أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا ، فانتزعه الله من أيدينا وجعله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المسلمين عن بواء ؛ أي عن سواء{[1616]} .

إذ تبين ذلك ، فإنه رب سائل يسأل عن مثل هذا الاختصام على المال والغنيمة بين الرعيل الأول ، أو الصفوة الأولى من المسلمين وهم الصحابة . ولا داعي للاستغراب أو العجب ، وإذا تذكرنا أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بشر من البشر وإن كانوا كراما عظاما مميزين في عطائهم وإخلاصهم وجزيل فضلهم وصنيعهم . فهم بشر تسري فهن طبائع الأناسي المخاليق . لا عجب ولا الحالة هذه أن تتجلى فيهم ظواهر الآدمية الأساسية كالرغبة في الامتلاك ، والخصام من أجل تحصيله . ومثل هذه الظواهر والخصال الخليقة لا ينجو منها كائن عاقل إلا أن يكون مميزا بنبوة أو وحي ، أو كان من جنس الملائكة النورانيين . أما غير هؤلاء من بن آدم ؛ فإنهم قد جيء بهم على هذه الطبيعة ذات الاستعداد المزدوج من السمو في مدارج الكمال وجنوح النفس لأخذ بحظها من الدنيا كالمال ونحوه . ومع ذلك كله فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعظيم فضلهم وروعة صنيعهم وهائل تضحياتهم وكامل إيثارهم يظلون الصفوة المفضلة التي تأتي في المقدمة من سلم البشرية .

وإذا ما قورنت بالصحابة بقية الناس من سائر البشر ، كان البون بين الفريقين كالبون بين المشرقين . فلا مجال بعد ذلك لمتعثر أفاك أن يفتري الكذب والغمر على خير طائفة أقلتها هذه الأرض . لا جرم أن طائفة الصحابة نجوم الدنيا/ فيستضاء بنورهم وعلمهم طوال هذا الزمان بالرغم من افتراء الكاذبين والحاقدين والحاسدين .

أما الأنفال ، فهي جمع نفل بالتحريك ، ومعناه الغنية والهبة . والنفل : الزيادة على الواجب ، وهو التطوع . والنافلة معناها الغنيمة والعطية{[1617]} . ومعنى الآية : يسألك أصحابك يا محمد عن الغنائم التي اغتنمتها أنت وأصحابك يوم بدر لمن هي ، فقل هي لله ولرسوله . أي أن حكمها مختص بالله ورسوله ، فيأمر الله بقسمتها على ما تقتضيه حكمته . والرسول صلى الله عليه وسلم من جهته يمتثل أمر الله فيها . فليس الأمر في قسمتها مفوضا إلى رأي أحد منكم .

ولا ينبغي التساؤل في هذا الصدد –كما يتساءل كثير من خصوم الإسلام والمارقين- عن طبيعة المنطق الذي يجوز بمقتضاه اغتنام أموال الكافرين في الحرب . وجواب ذلك أن الكافرين أهل الفساد وباطل ، وهم بكفرهم وتمردهم على منهج الله الحق ، سادرون في غيهم وظلمهم في هذه الدنيا . وهم بأموالهم يتقوون على الإفساد وإشاعة الخراب والشر ، ويزدادون به قدرة على الإيذاء والإضرار بالعباد ؛ لأنهم عاتون ظالمون لا تأخذهم في البشرية رحمة ولا عدل ولا لين . فلزم بذلك أن يجردوا من الأسباب التي تمكنهم من إشاعة الفتن والمصائب والمخاوف والفوضى بين الشعوب . وأبزر سبب في هاتيك الأسباب ، الأموال وهي سبيل التعزيز والتقوية للظالمين المفسدين في الأرض . وعلى هذا لا غرابة في تقدير المنطق السليم ان تنتزع أموال هؤلاء الذين يؤذون البشر ويعتدون على الناس بقوتهم وكل طاقاتهم العقلية والمادية ، وفي طليعتها المال الذي يوطئ لهم سبيل الظلم والعدوان ؛ فلا غضاضة بذلك في انتزاع هذه الوسيلة إذهابا لكيد الظالمين المعتدين ، وإخمادا لمكرهم أن يمس العالمين .

قوله : { فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين } أي خافوا الله بطاعة أوامره واجتناب معاصيه { وأصلحوا ذات بينكم } أي أصلحوا حال ما بينكم . أو أصلحوا ما بينكم من الحال حتى تكون حال ألفة وحبة واتفاق وليس حال ما تخاصم واستياب وتشاح . { وأطيعوا الله ورسوله } أي انتهوا أيها الذين طلبتهم الأنفال ، إلى أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم فيما أفاءه عليكم ؛ فقد بين الله لكم وجوه ما أفاءه عليكم وكيفية تقسيمه ؛ فأطيعوا والتزموا { إن كنتم مؤمنين } أي إن كنتم مصدقين رسول الله فيما أتاكم به من عند الله ؛ فسلموا لله ولرسوله فيما حكم في الأنفال .


[1616]:تفسير ابم كثير جـ 2 ص 283 وأسباب النزول للنيسابوري ص 155.
[1617]:القاموس المحيط جـ 4 ص 60.